Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢٠
erme
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
المماليك ضعف أجر السادات؛ لأنه قد يكون للسيد جهات أخر يستحق بها
أضعاف أجر العبد، أو المراد ترجيع العبد المؤدي للحقين على العبد المؤدي
لأحدهما .
(كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَةٌ) في محلِّ الرفع؛ لأنها صفة رجل، وارتفاع أمة لكونها اسم
كانت. (يَطَؤُّهَا) أي: يحل وطؤها سواء صارت موطوءة أو لا، وهو في محل
الرفع؛ لأنه صفة لأمة. (فَأَدَّبَهَا) بأن راضها بحسن الأخلاق وحملها على جميل
الخصال من الأدب، وهو حسن الأحوال والأخلاق، فالتأديب يتعلق بالمروءات
والأمور الدنيوية، وهو عطف على يَطَؤُّهَا. (فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا) أن استعمل معها الرفق
واللطف واجتنب العنف والضرب، وبذل الجهد في إصلاحها. (وَعَلَّمَهَا) ما لا بد
من أحكام الشريعة لها. (فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا) بتقديم الأهم فالأهم. (ثُمَّ أَعْتَقَهَا) بعد
ذلك كله، عطفه بثم خلا الجميع فإنه عطفه بالفاء، قال العيني: لأن التأديب
والتعليم يتعقبان على الوطأ، بل لابدها هنا من نفس الوطأ، بل قبله أيضًا لوجوبهما
على السيد بعد التملك بخلاف الإعتاق، أو لأن الإعتاق نقل من صنف من أصناف
الأناسي إلى صنف آخر منها، ولا يخفى ما بين الصنفين المنتقل منه والمنتقل إليه
من البعد بل من الضدية في الأحكام، والمنافاة في الأحوال، فناسب لفظ دال على
التراخي بخلاف التأديب، انتهى. (فَلَهُ) أي: فللرجل الأخير. (أَجْرَانٍ) أجر على
إعتاقه وأجر على تزوجه، فالأجران على هذين العملين على الإعتاق؛ لأنه عبادة
بنفسها، وعلى النكاح؛ لأن التزوج بعد العتق عبادة أخرى، وفائدة ذكر التأديب
والتعليم أنها أكمل للأجر، إذ تزوج المرأة المؤدبة المعلمة أكثر بركة وأقرب أن
تعين زوجها على دينه، ولم يقتصر على قوله أولًا فلهم أجران، مع كونه داخلًا في
الثلاثة بحكم العطف؛ لأن الجهة كانت فيه متعددة، وهي التأديب والتعليم والعتق
والتزوج، وكانت مظنة أن يستحق الأجر أكثر من ذلك، فأعاد قوله: (فَلَهُ أَجْرَانٍ)
إشارة إلى أن المعتبر من الجهات أمران: وهو الإعتاق والتزوج، ولذا ذكر عقبهما
قوله: (فَلَهُ أَجْرَانٍ)، بخلاف التأديب والتعليم، فإنهما موجبان للأجر في الأجنبي
والأولاد وجميع الناس، فلا يكون مختصًا بالإِماء، فلم يبق الاعتبار إلا في
الجهتين: العتق والتزوج؛ لأنه يصير محسنًا إليها إحسانًا أعظم بعد إحسان أعظم
بالعتق؛ لأن الأول: فيه تخليص من الرق وأسره. والثاني: فيه الترقي إلى إلحاق

٢٢١
كِتَابُ الْإِيمَانِ
المقهور بقاهره، وقيل: في بيان تكرير الحكم غير ذلك، ويجوز أن يعود الضمير
في (فَلَهُ) إلى كل واحد من الثلاثة، فيكون التكرير للتأكيد أو لطول الكلام، فيكون
كالفذلكة، ويمكن أن يكون من باب اختصار الراوي أو نسيانه، قلتُ: هذان
الأخيران هو الظاهر؛ لأن الحديث أخرجه البخاري في العلم، وفي العتق، وفي
الجهاد، وفي الأنبياء، وفي النكاح، ومسلم في الإيمان مطولًا، وفي النكاح
مختصرًا، والنسائي مطولًا ومختصرًا، والترمذي وابن ماجه الثلاثة في النكاح،
وعند الجميع كرر الحكم في الأمور الثلاثة، ما خلا البخاري في العلم، والنسائي
في النكاح.
واعلم: أنه لا مفهوم للعدد المذكور في حديث أبي موسى، فالمراد هذه الأشياء
وأمثالها، وليس المقصود بذكرها نفي ما عداها، فإن التنصيص باسم الشيء لا يدل
على نفي الحكم عما عداه، وهو مذهب الجمهور، وهذا لأن عدد الذين يؤتون
أجرهم مرتين بلغ بالتتبع إلى عشرين، بل يحصل بمزيد التتبع أكثر من ذلك، وقد
ذكر بعضها العزيزي في ((السراج المنير)) (ج١: ص١٨٩)، والحافظ في ((الفتح))
في شرح باب اتخاذ السراري (ج١١: ص٣٨)، والعلقمى والسيوطي، وقال
بعضهم: الظاهرُ أن المراد بالحديث لهم أجران على كل عمل، لا أن لهم أجرين
على العملين؛ إذ ثبوت أجرين على عملين لا يختص بأحد دون أحد، نعم، يمكن
لهؤلاء أن يكون لهم أجران على كل عمل من جميع أعمالهم، والله تعالى أعلم.
وقيل: في وجه التخصيص لهؤلاء الثلاثة أن في هذه الخصال الثلاثة أشكالاً لا
يتعقل حصول الأجرين فيها لما قد يتوهم في العبد أنه مملوك لمولاه، فلعله لا
يستحق الأجر والثواب في خدمته؛ لأنه يؤدي بخدمته ما لزمه من حق مولاه،
وكذلك تزوجها لغرض نفسه وفائدته، فلا يحصل له فيه الأجر أيضًا، وكذلك قد
يخطر في البال أن مؤمن أهل الكتاب لابد أن يكون مؤمنًا بنبينا وَّ لما أخذ اللّه
عليهم العهد والميثاق، فإذا بعث فإيمانه مستمر، فكيف يتعدد إيمانه حتى يتعدد
أجره؟ وأيضًا يتبادر إلى بعض الأذهان أن الإيمان عمل واحد، فإن أصل جميع
الأديان السماوية واحد، لا فرق إلا في الفروع، فاعتبار الإيمان بعيسى أو بموسى
أولًا، ثم اعتبار الإيمان بمحمد وَّ ثانيًا، وعدهما شيئين ربما يستبعد، فنبه في
الحديث أن الإيمان التفصيلي بعد بعثة محمد بأنه هو الموصوف والمنعوت في

٢٢٢
PIREF
ae
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الكتابين مغاير للإيمان الإجمالي، بأن الموصوف بكذا هو رسول اللَّه وَله، فثبت
التعدد، وصرح بأن الإيمان وإن كان عملًا واحدًا إجمالًا لكنه لما تعلق بعيسى أو
بموسى بخصوصه تفصيلاً، ولا شك أنه عمل ثم تعلق بمحمد كذلك صار متعددًا،
أو صار عملين، وحصل إيمانان بالنظر إلى التفصيل، وفي وجه التخصيص بهؤلاء
الثلاثة أقوال أخر، وأورد المصنف هذا الحديث في الإيمان؛ لأنه يدل على فضل
من آمن من أهل الكتاب بنبينا وَّه، وأن له ضعف أجر من لم يكن كتابيًّا، فإيمانه
بمحمد ﴾ من هذه الجهة أفضل من إيمان غيره، والله أعلم.
(مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في العلم والعتق والجهاد والأنبياء والنكاح،
ومسلم في الإيمان، وأخرجه أيضًا الترمذي والنسائي وابن ماجه في النكاح.
١٢ - [١١] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﴿يَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ: «أُمِرْتُ أَنْ
أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا
الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ، وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا
بِحَقِّ الْإِسْلَامِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ)) إِلَا أَنْ مُسْلِمًا لَمْ يَذْكُرْ: ((إِلَّا بِحَقٌّ
الْإِسْلَام)».
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشّرْحُ
١٢- قوله: (أُمِرْتُ) على صيغة المجهول، أي: أمرني اللَّه؛ لأنه لا آمر
لرسول اللَّهُ وَّهِ إلا اللّه. (أَنْ أُقَاتِلَ) أي: بأن أقاتل، وحذف الجار من أن كثير سائغ
مطرد، وأن مصدرية تقديره: مقاتلة الناس. (حَتَّى يَشْهَدُوا) أي: يقروا ويذعنوا.
(أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ) جعلت غاية المقاتلة وجود ما ذكر
فمقتضاه أن من شهد وأقام وآتی، عصم دمه ولو جحد باقي الأحكام، لکنه ليس
كذلك، والجواب: أن الشهادة بالرسالة تتضمن التصديق بجميع ما جاء به مع أن
نص الحديث وهو قوله: ((إِلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَام)» يدخل فيه جميع ذلك، فكأنه أراد
(١٢) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٢٥)، ومُسْلِم (٣٦/ ٢٢) عَنِ ابنِ عُمَرَ فِي الإِيمَانِ.

كِتّابُ الإيمَان
kex
٢٢٣
الخمسة التي بني الإسلام عليها، فإن قيل: فلم لم يكتف به ونص على الصلاة
والزكاة؟ أجيب: بأن ذلك لعظمهما والاهتمام بأمرهما؛ لأنهما أم العبادات البدنية
والمالية وأساسهما والعنوان لغيرهما .
قلت: والذي يتبين ويظهر من ألفاظ أحاديث الباب أن كلمتي الشهادتين
بمجردهما، تعصم من أتى بهما، ويصير بذلك مسلمًا، فإذا دخل في الإسلام فإن
أقام الصلاة وآتى الزكاة وقام بشرائع الإسلام، فله ما للمسلمين وعليه ما على
المسلمين، وإن أخل بشيء من هذه الأركان فإن كانوا جماعة لهم منعة قوتلوا،
وقد ظن بعضهم أن معنى الحديث أن الكافر يقاتل حتى يأتي بالشهادتين ويقيم
الصلاة ويؤتي الزكاة، وجعلوا ذلك حجة على خطاب الكفار بالفروع، وفي هذا
نظر، وسيرة النبي وَّ في قتال الكفار تدلَّ على خلاف ذلك.
(وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ) أي: يداوموا على الإتيان بشروطها، والمراد بالصلاة
المفروض منها لا جنسها، واستدل بالحديث على مذهب الشافعي ومالك أن تارك
الصلاة عمدًا يقتل حدًّا، ومذهب أحمد أن تاركها يقتل كفرًا وردة، وفي هذا
الاستدلال نظر للفرق بين أقاتل وأقتل، فالكلام في المقاتلة لا في القتل، ومقاتلة
الإمام لتاركي الصلاة إلى أن يأتوا بها محل وفاق، مع أنه منقوض بترك الزكاة فإنه
لم يقل أحد بقتل تاركها. وقد أطنب ابن دقيق العيد في ((شرح العمدة)) في الإنكار
على من استدلَّ بهذا الحديث على جواز قتل تارك الصلاة، قال: ولا يلزم من إباحة
المقاتلة إباحة القتل ... إلخ.
(وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ) فيه دليل لقتال مانعي الزكاة، ولا نزاع فيه، ومن ثم قاتلهم
الصديق، وأجمع عليه الصحابة، ولم ينقل أنه قتل أحدًا منهم صبرًا، قلت: وكذا
لا نزاع في من ترك سائر أركان الإسلام أن يقاتلوا عليها، كما يقاتلوا على ترك
الصلاة والزكاة .
(فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ) أي: المذكور من الشهادة والصلاة والزكاة، ويسمى القول
فعلًا؛ لأنه فعل اللسان أو تغليبًا. (عَصَمُوا) بفتح الصاد، أي: منعوا وحفظوا.
(مِنِّي) أي: من اتباعي أو من قبلي، وجهة ديني. (دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَّهُمْ) استباحتهم
بالسيف والنهب. (إِلّا بِحَقِّ الْإِسْلَام) الإضافة لامية، ويجوز أن تكون بمعنى

٢٢٤
EX
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
((فِي))، وبمعنى ((مِنْ))، على ما لا يخفى، والاستثناء مفرغ، والمستثنى منه أعم عام
الجار والمجرور، والعصمة متضمنة لمعنى النفي حتى يصح تفريغ الاستثناء؛ إذ هو
شرط، أي: إذا فعلوا ذلك لا يجوز إهدار دمائهم، واستباحة أموالهم بسبب من
الأسباب إلا بحق الإسلام من نحو قصاص أو حَدٍّ أو غرامة متلف ونحو ذلك.
(وَحِسَابُهُمْ) فيما يسرون من الكفر والمعاصي بعد ذلك. (عَلَى اللَّهِ) أي: كالواجب
على الله في تحقق الوقوع، وكان الأصل فيه أن يقال: وحسابهم للَّه، أو إلى الله،
والمعنى: أن أمور سرائرهم إلى الله، وأما نحن فنحكم بالظاهر، فنعاملهم في
الدنيا بمقتضى ظاهر أقوالهم وأفعالهم، ففيه دليل على قبول الأعمال الظاهرة
والحكم بما يقتضيه الظاهر، ومقتضى الحديث قتال كل من امتنع من التوحيد،
فيدخل فيه أهل الكتاب الملتزمون لأداء الجزية وكذا المعاهد، والجواب من
أوجه: منها: دعوى النسخ بأن يكون الإذن بأخذ الجزية، والمعاهدة متأخرًا عن
هذه الأحاديث؛ بدليل أنه متأخر عن قوله: ﴿فَقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، ومنها: أن
يكون من العام الذي أريد به الخاص، فيكون المراد بالناس في قوله: (أُقَاتِلَ
النَّاسَ) أي: المشركين من غير أهل الكتاب، ويدل عليه رواية النسائي بلفظ:
((أُمِرْتُ أَنْ أُقَائِلَ الْمُشْرِكِينَ))، فإن قيل: إذا تمَّ هذا في أهل الجزية لم يتم في
المعاهدين ولا في من منع الجزية، أجيب: بأن الممتنع في ترك المقاتلة رفعها لا
تأخيرها مدة كما في الهدنة، ومقاتلة من امتنع من أداء الجزية بدليل الآية، ومنها
أن يقال: الغرض من ضرب الجزية اضطرارهم إلى الإسلام وسبب السبب سبب،
فكأنه قال: حتى يسلموا أو يلتزموا ما يؤديهم إلى الإسلام، قال الحافظُ: وهذا
أحسن، وفي الحديث رد على المرجئة في قولهم: إن الإيمان غير مفتقر إلى
الأعمال، وفيه تنبيه على أن الأعمال من الإِيمان، والحديث موافق لقوله تعالى:
﴿فَإِنِ تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتَوْاْ الزَّكَوَةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمَّ﴾
[التوبة: ٥].
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في الإيمان والصلاة، ومسلم في الإيمان. (إِلَّا أَنَّ
مُسْلِمَا لَمْ يَذْكُرْ: إِلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَام) لكنه مراد، والحديث أخرجه أيضًا الشيخان من
حديث أبي هريرة، والبخاري من حديث أنس، ومسلم من حديث جابر.

كِتَابُ الإيمَان
EX
RExT
٢٢٥
١٣ - [١٢] وَعَنْ أَنَس أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا،
وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا، وَأَكَلَ ذَبِيخَّتَنَا، فَذَلِكَ الْمُسْلِمُ الَّذِي لَهُ ذِمَّةُ اللَّهِ، وَذِمَّةُ رَسُولِهِ
فَلَا تُخْفِرُوا اللَّهَ فِي ذِمَّتِهِ»
[رَوَاهُ البُخَارِيُّ]
الشَّرْحُ
١٣ - قوله: (مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا) منصوب بنَزِع الخافض، وهو في نفس الأمر
صفة لمصدرٍ محذوف، أي: مِن صلَّى صلاة كصلاتنا، ولا يوجد إلا من معترف
بالتوحيد والنبوة، ومن اعترف بنبوة محمد ◌ّ فقد اعترف بجميع ما جاء به عن الله
تعالى، فلهذا جعل الصلاة علمًا لإسلامه، ولم يذكر الشهادتين؛ لأنهما داخلتان
في الصلاة. (وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا) إنما ذكره والصلاة متضمنة له مشروطة به؛ لأن القبلة
أعرف من الصلاة، فإن كلَّ أحد يعرف قبلته، وإن كان لا يعرف صلاته، ولأن من
أعمال صلاتنا ما هو يوجد في صلاة غيرنا كالقيام والقراءة، واستقبال قبلتنا
مخصوص بنا، ثم لما ذكر من العبادات ما يميز المسلم من غيره أعقبه بذكر ما
يميزه عادة وعبادة. (وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا)، فإن التوقف عن أكل الذبائح كما هو من
العادات، فكذلك هو من العبادات الثابتة في كلِّ ملة، كذا في شرح الطيبي،
والذبيحة: فَعِيلَة بمعنى مفعولة، والتاء للجنس كما في الشاة، وقيل في تخصيص
هذه الثلاثة من بين سائر الأركان وواجبات الدين: أنها أظهرها وأعظمها وأسرعها،
علمًا بها، إذ في اليوم الأول عن الملاقاة مع الشخص يعلم صلاته وطعامه غالبًا،
بخلاف نحو الصوم، فإنه لا يظهر الامتياز بيننا وبينهم به، ونحو الحج، فإنه قد
يتأخر إلى شهور وسنين وقد لا يجب عليه أصلاً. (فَذَلِك) أي: من جمع هذه
الأوصاف الثلاثة، وهو جواب الشرط وذلك مبتدأ وخبره. (الْمُسْلِمُ) أو هو صفة
وخبره. (الَّذِي لَهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ) أي: أمانهما وعهدهما وضمانهما من وبال
الكفار وما شرع لهم من القتل والقتال وغيرهما، أي: يرتفع عنه هذا.
(١٣) رَوَاهُ الْبُخَارِي (٣٩١) عَنْ أَنَسِ رَوَتَهُ، فِي الصَّلَاةِ، وأَبُو دَاوُد (٢٦٤١)، والتِّرْمِذِي (٢٦٠٨)،
والنَّسَائِي (١٠٥/٨).

٢٢٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
(فَلَا تُخْفِرُوا اللَّهَ فِي ذِمَّتِهِ) بضمِّ التاء من الإخفار، والهمزة فيه للسلب، أي:
السلب الفاعل عن المفعول أصل الفعل نحو أشكيته، أي: أزلت شكايته، وكذلك
أخفرته، أي: أزلت خفارته، ويقال أخفره: إذا نقض عهده وغدر به، أي: لا
تخونوا الله في عهده ولا تتعرضوا في حقه من ماله ودمه وعرضه، أو الضمير
للمسلم، أي: فلا تنقضوا عهد الله بحذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه في
ذمته)، أي: مادام هو في أمانه، وقال التُّورْبَشْتِي: المعنى أن الذي يظهر عن نفسه
شعار أهل الإسلام والتدين بدينهم، فهو في أمان اللّه لا يستباح منه ما حرم من
المسلم، فلا تنقضوا عهد الله فيه، انتهى.
وإنما اكتفى في النهي بذمة الله وحده ولم يذكر الرسول كما ذكر أولًا؛ لأنه ذكر
الأصل لحصول المقصود به ولاستلزامه عدم إخفاره ذمة الرسول، وأما ذكره أولًا
فللتأكيد وتحقيق عصمته مطلقًا، وفي الحديث دليل كالذي قبله على أن أمور الناس
محمولة على الظاهر دون باطنها، فمن أظهر شعار الدين أجريت عليه أحكام أهله ما
لم يظهر منه خلاف ذلك، وفيه أنه لابد للمؤمن من الأعمال خلافًا للمرجئة. (رَوَاهُ
البُخَارِيُّ) وأخرجه أيضًا النسائي في الإِيمان.
١٤ - [١٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَتَى أَعْرَابِيٌّ النَّبِيَّ ◌َّهِفَقَالَ: دُلَّنِي عَلَى
عَمَل إِذَا عَمِلْتُهُ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ، قَالَ: ((تَعْبُدُ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ
الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ، وَتُؤَدِّي الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ))، قَالَ: وَالَّذِي
نَفْسِي بِيَدِهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا شَيْئًا وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُ، فَلَمَّا وَلَّى، قَالَ النَّبِيُّ أَلقوله :
((مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشَّرْحُ
١٤- قوله: (أَتَى أَعْرَابِيٌّ) أي: بدوي منسوب إلى الأعرابِ، وهم سكان
البادية، قال بعضهم: الأعرابي السائل في حديث أبي هريرة هذا هو ابن المنتفق
(١٤) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ البُخَارِي (١٣٩٧) فِي الزَّكَاةِ، وَمُسْلِم (١٤/١٥) فِي الإِيمَانِ.

٢٢٧
كِتَابُ الْإِيمَانِ
على ما رواه البغوي وابن السكن والطبراني في ((الكبير)) وأبو مسلم الكجي في
((السنن))، وزعم الصيرفي أن اسم ابن المنتفق هذا لقيط بن صبرة، وافد بني
المنتفق، قلتُ: في قول هذا البعض عندي نظر، فإن قصة سؤال ابن المنتفق شبيهة
بسياق حديث أبي أيوب عند مسلم دون سياق حديث أبي هريرة كما لا يخفى على
من له اطلاع على الروايات، وقال العيني: هو سعد بن الأخرم، وفيه أيضًا نظر.
(دُلَّنِي) بضمِّ الدال وفتح اللام المشددة. (عَلَى عَمَلِ) صفة أنه. (إِذَا عَمِلْتُهُ
دَخَلْتُ الْجَنَّةَ) دخولًا أوليًّا. (قَالَ: تَعْبُدُ اللَّهَ) مرفوعً المحل بالخبرية لمبتدأ
محذوف، أي: هو - يعني العمل - الذي إذا عملته دخلتَ الجنة هو عبادة اللَّه، قال
النووي: العبادة هي الطاعة مع خضوع، فيحتمل أن يكون المراد بالعبادة هنا معرفة
الله تعالى، والإقرار بوحدانيته، وهو شامل للنبوة؛ لأنه لا يعتبر بدونها، فذكره
مغنٍ عن ذكرها، قال: فعلى هذا يكون عطف الصلاة والزكاة والصوم عليها
لإدخالها في الإسلام، فإنها لم تكن دخلت في العبادة، وعلى هذا إنما اقتصر على
هذه الثلاث لكونها من أركان الإسلام وأظهر شعائره، والباقي ملحق بها، ويحتمل
أن يكون المراد بالعبارة الطاعة مطلقًا، فيدخل جميع وظائف الإسلام فيها، فعلى
هذا يكون عطف الصلاة وغيرها من باب ذكر الخاص بعد العام؛ تنبيهًا على شرفه
ومرتبته، وأما قوله: (لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا) فإنما ذكره بعد العبادة؛ لأن الكفار يعبدونه
سبحانه في الصورة، ويعبدون معه أوثانًّا يزعمون أنها شركاء، فنفى هذا. (الصَّلَاةَ
الْمَكْتُوبَةَ) أي: المفروضة. (الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ) فرق بين القيدين للتفنن، أي:
كراهية لتكرير اللفظ الواحد، وقيل: عبَّر في الزكاة بالمفروضة للاحتراز عن صدقة
التطوع، فإنها زكاة لُغوية، وقيل: احترز من الزكاة المعجلة قبل الحول، فإنها
زكاة وليست مفروضة. (وَتَصُومُ رَمَضَانَ) ولا يكون إلا مفروضًا، ولذا لم يقيده.
(لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا) أي: ما ذكر. (شَيْئًا) من عند نفسي. (وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُ) برأيي،
ولما كانت العبادة شاملة لفعل الواجبات وترك المنكرات صحَّ إثبات النجاة له
بمجرد ذلك. (مَنْ سَرَّهُ ... ) إلخ، الظاهرُ أنه تَّ علم أنه يوفي ما التزم، وأنه يدوم
على ذلك ويدخل الجنة، ولم يخبر السائل بالتطوع في هذا الحديث، وكذا في
حديث طلحة الآتي في قصة الأعرابي وغيرهما، بل أقرَّهُ على الحلف بترك
التطوعات في حديث طلحة؛ لأن أصحاب هذه القصص كانوا حديثي عهد

٢٢٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
i **
*
بالإِسلام، فاكتفى منهم بفعل ما وجب عليهم؛ لئلا يثقل ذلك عليهم فيملوا، حتى
إذا انشرحت صدورهم للفهم عنه والحرص على تحصيل ثواب المندوبات سهلت
عليهم، وقيل: لئلا يعتقدوا أن التطوعات واجبة، واعلم: أنه لم يأت ذكر الحج في
هذا الحديث، وكذا لم يذكر في بعض هذه الأحاديث الصوم، ولم يذكر في بعضها
الزكاة، وذكر في بعضها صلة الرحم، وفي بعضها ذكر الإيمان فتفاوت هذه
الأحاديث في عدد خصال الإيمان زيادة ونقصانًا وإثباتًا وحذفًا، وأجاب القاضي
عياض وغيره بما ملخصه: أن سبب ذلك تفاوت الرواة في الحفظ والضبط،
فالاقتصار على بعض الخصال إنما لقصور حفظ الراوي عن تمامه، وليس هذا
باختلاف صادر عن رسول اللَّه وَلّر، وقد استحسن النووي هذا الجواب، وقال
العيني بعد ذكره: والأحسن أن يقال: إن رواة هذه الأحاديث متعددة، وكل ما روى
واحد منهم بزيادة على ما رواه غيره أو بنقص لم يكن بتقصير الراوي، وإنما وقع
ذلك بحسب اختلاف الموقع واختلاف الزمان، انتهى. وفي الحديث دليل على أنه
لا بد من أعمال الجوارح في الإيمان خلافًا للمرجئة.
١٥ - [١٤] وَعَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قُلْ لِي
فِي الْإِسْلَامِ قَوْلًا لَا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا بَعْدَكَ - وَفِي رواية: غَيْرَكَ - قَالَ: ((قُلْ:
آمَنْتُ بِاللَّهِ، ثُمَّ اسْتَقِمْ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ]
الشَّرْحُ
١٥- قوله: (وَعَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) بن ربيعة بن الحارث الثقفي الطائفي،
يكنى أبا عمرو ، وقيل: أبا عمرة، أسلم مع وفد ثقيف، واستعمله عمر على صدقات
الطائف، روى عنه أولاده عاصم وعبد الله وعلقمة وعمرو، وأبو الحكم وغيرهم،
قال ابن عبد البر: هو معدود في أهل الطائف، له صحبة وسماع ورواية، كان عاملًا
لعمر بن الخطاب على الطائف، ولاه عليها إذ عزل عثمان بن أبي العاص عنها،
ونقل عثمان حينئذٍ إلى البحرين، انتهى.
(١٥) رَوَاهُ مُسْلِم (٦٢ /٣٨) فِي الإِيمَانِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللـه التَّقَفِيِّ.

٢٢٩
كِتَابُ الْإِيمَانِ
قال الخزرجي: انفرد له مسلم بحديث، وقال القاري: مروياته خمسة أحاديث،
انتهى. (الثَّقَفِيُّ) بفتحتين نسبة إلى قبيلة ثقيف.
(قُلْ لِي فِي الْإِسْلَامِ قَوْلًا لَا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا بَعْدََكَ) أي: بعد سؤالك، طلب منه
وَه أن يعلّمَهُ كلامًا جامعًا لأمر الإسلام كافيًا حتى لا يحتاج بعده إلى غيره. (وَفِي
رِوَايَةٍ: غَيْرَكَ) أي: لا أسأل عنه أحدًا غيرك، والأول مستلزم لهذا؛ لأنه إذا لم يسأل
أحدًا بعد سؤاله لم يسأل غيره، وبهذا يظهر وجه أولوية الأول يجعله أصلًا،
والثاني: رواية خلافًا لما فعل النووي في (أربعينه))، قاله القاري.
(قُلْ: آمَنْتُ بِاللَّهِ) أي: جِدِّد إيمانك باللّه ذكرًا بقلبك ونطقًا بلسانك وعملًا
بمقتضاه بجوارحك، وفي روايةٍ: ((قُلْ: رَبِّيَ اللَّهُ)) أي: وحد ربك، وأراد به
التوحيد الكامل الذي يحرم صاحبه على النار، هو تحقيق معنى ((لا إله إلا اللّه))،
فإن الإله هو المعبود الذي يطاع فلا يعصى خشية وإجلالا ومهابة ومحبة ورجاءً
وتوكلا ودعاءً، والمعاصي كلها قادحة في هذا التوحيد؛ لأنها إجابة لداعي
الهوى، وهو الشيطان، وعلى رواية الكتاب المعنى أظهر، فإن الإيمان يدخل فيه
الأعمال الصالحة عند السلف ومن تابعهم من أهل الحديث. (ثُمَّ اسْتَقِمْ)
الاستقامة: هي سلوك الطريق المستقيم، وهو الدين القويم من غير تعويج عنه يمنة
ولا يسرة، ويشمل ذلك فعل الطاعات كلها الظاهرة والباطنة، وترك المنهيات كلها
كذلك، فصارت هذه الوصية جامعة لخصال الدين كلها.
فالحديث من جوامع الكلم الشامل لأصول الإسلام التوحيد والطاعة، وهو
مطابق لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اَللَّهُ ثُمَّ اُسْتَقَدّمُواْ﴾ [فصلت: ٣٠] أي: لم
يحيدوا عن التوحيد، والتزموا طاعته سبحانه إلى أن توفوا على ذلك، وهو معنى
الحديث، ولا يخفى مناسبة الحديث لكتاب الإيمان، فإنه يدل على وجوب امتثال
الطاعات والانتهاء عن المعاصي، ففيه رد على المرجئة.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد والنسائي والترمذي وابن ماجه والحاكم وابن
حبان في ((صحیحه).

٢٣٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
١٦ - [١٥] وَعَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّه قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَه
مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ، ثَائِرَ الرَّأْسِ، نَسْمَعُ دَوِيَّ صَوْتِهِ، وَلَا نَفْقَهُ مَا يَقُولُ، حَتَّى دَنَا مِنْ
رَسُولِ اللّهِ وَ، فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ تَّهِ: ((خَمْسُ
صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ)) فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ؟ فَقَالَ: ((لَا، إِلَّا أَنْ
تَطَّوَّعَ))، قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((وَصِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ))، فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟
فَقَالَ: (لَا، إِلَّ أَنْ تَطَّوَّعَ))، قَالَ وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ بَ لّهِ الزَّكَاةَ، فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ
غَيْرُهَا؟ قَالَ: ((لَا إِلَّا أَنْ تَطََّّعَ)) فَقَالَ: فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَا أَزِيدُ
عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((أَفْلَحَ الرَّجُلُ إِنْ صَدَقَ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشَّرْحُ
١٦ - قوله: (وَعَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ) بن عثمان التيمي القرشي المدني، يكنى
أبا محمد، يجتمع مع رسول اللَّه و سير في الأب السابع كأبي بكر، أحد العشرة
وأحد الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام، والخمسة الذين أسلموا على يد الصديق،
والستة أصحاب الشورى الذين توفي رسول اللَّه بَ ل وهو عنهم راضٍ، شهد
المشاهد كلها غير بدر؛ لأن النبي ◌ُّ بعثه مع سعيد بن زيد يتعرفان خبر العير التي
كانت لقريش مع أبي سفيان، ثم رجعا إلى المدينة فقدماها يوم وقعة بدر، وقد
ضرب له رسول اللّه وَل بسهمه، وآجره فيها وأبلى يوم أحد بلاءً شديدًا، ووقى
النبي ◌َّه بيده فشلت، وجرح يومئذٍ أربعة وعشرين جراحة، وقيل: خمسًا وسبعين
جراحة بين طعنة وضربة ورمية، وكان أبو بكر إذا ذكر يوم أحد، قال: ذلك يوم كله
لطلحة، ورُوِي من وجوه عن النبيِ وَّهِ أنه قال: ((طَلْحَةُ مِمَّنْ قَضَى نَحْبَهُ))، وروي
أيضًا أنه نظر إليه فقال: ((مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْظُرَ إِلى شَهِيدٍ يَمْشِي عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَلْيَنْظُرْ
إِلَى طَلْحَةَ))، وسماه النبيُّ ◌َّهِ((طَلْحَةُ خَيْرِ))، و((طَلْحَةُ الْفَيَّاض)) و(طَلَحْةُ الْجَوَّاد))،
(١٦) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: عَنْ طَلْحَةَ بن عُبَيْدِ الله الثَّقَفِيِّ؛ البُخَارِي (٤٦) فِي الشَّهَادَاتِ، وَمُسْلِم (١١/٨) فِي
الإِيمَانِ، وأَبُو دَاوُد (٣٩١، ٣٢٥٢)، والنَّسَائِي (١/ ٢٢٦).

٢٣١
كِتَابُ الْإِيمَانِ
له ثمانية وثلاثون حديثًا، اتفقا منها على حديث، وانفرد البخاري بحديثين ومسلم
بثلاثة. وقال القَسْطَلَانِي: له في البخاري أربعة أحاديث، استشهد يوم الجمل، أتاه
سهم غرب لا يدرى مَن رماه واتهم به مروان، لعشر خلون من جمادى الأولى سنة
(٣٦) عن (٦٤) سنة، وقيل: (٦٣)، وقيل غير ذلك، ودفن بالبصرة، وقال ابن
قتيبة: دفن بقنطرة قرة ثم رأته بنته بعد ثلاثين سنة في المنام أنه يشكو إليها النداوة،
فأمرت فاستخرج طريًّا، ودفن بدار البحرتين بالبصرة، روى له جماعة، وقال ابن
عبد البر: لا يختلف العلماء في أن مروان قتل طلحة يوم الجمل، قال الخزرجي:
خلف طلحة ثلاثين ألف ألف درهم، ومن العين ألفي ألف ومائتي ألف دينار.
(جَاءَ رَجُلٌ) قيل: هو ضمام بن ثعلبة وافد بني سعد بن بكر، وفيه نظر،
والتفصيل في ((الفتح)) (ج١: ص٥٦) وفي مقدمته. (مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ) صفة رجل،
ونجد من بلاد العرب خلاف الغور، والغور: هو تهامة، وكل ما ارتفع من تهامة،
أي: مكة، إلى أرض العراق فهو نجد، وهو في الأصل ما ارتفع من الأرض. (ثَائِرَ
الرَّأْسِ) أي: منتفش شعر الرأس ومنتشره من عدم الارتفاق والرفاهة، ففيه إشارة
إلى قرب عهده بالوفادة، من ثار الغبار: إذا ارتفع وانتشر، أطلق اسم الرأس على
الشعر مجازًا تسمية للحال باسم المحل، أو مبالغة بجعل الرأس كأنه المنتشر، أو
يكون هو من باب حذف المضاف بقرينة عقلية، وهو مرفوع على أنه صفة، وقيل :
إنه منصوب على الحالية من رجل لوصفه بقوله من أهل نجد، والإضافة في ثائر
الرأس لفظية فلا تفيد إلا تخفيفًا، ويجوز وقوع صاحب الحال نكرة إذا اتصف
بشيء، كما في المبتدأ أو أضيف أو وقع بعد نفي. (نَسْمَعُ) بصيغة المتكلم المعلوم
على الصحيح. (دَوِيَّ صَوْتِهِ) بالنصبِ على أنه مفعوله، وفي بعض النسخ ((يسمع))
بالياء مجهولًا ورفع دوي على النيابة عن الفاعل، وكذا الوجهان في قوله: (لَا نَفْقَهُ)
بالنون والياء، قال العيني: رواية النون فيهما هي المشهورة، وعليها الاعتماد،
والدوي: بفتح الدال وكسر الواو وتشديد الياء، قال الخطابي: الدوي: صوت
مرتفع متكرر لا يفهم، وإنما كان كذلك لأنه نادى من بُعد، ويقال: الدوي شدة
الصوت وبُعده في الهواء وعلوه، والمعنى نسمع شدة صوته وبُعده في الهواء فلا
يفهم منه شيء كدوي النحل والذباب. (مَا يَقُولُ) في محل النصب على أنه
مفعول، أو في محل الرفع على النيابة، والمعنى: نسمع كلامه ولا نفهمه لبُعده .

٢٣٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(حَتَّى) للغاية بمعنى إلى أن (دَنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ اَلَّ) ففهمنا كلامه. (فَإِذَا)
للمفاجأة. (هُوَ) أي: الرجل. (يَسْأَلُ عَنِ الْإِسْلام) أي: عن شرائعه وفرائضه، يدل
عليه ما زاد البخاري في آخر حديث طلحة هذا في كتاب الصيام، فأخبره رسول الله
وَلخير بشرائع الإسلام، ويحتمل أنه سأل عن حقيقة الإسلام، وإنما لم يذكر له
الشهادة؛ لأنه علم أنه يعلمها، أو علم أنه يسأل عن الشرائع الفعلية، أو ذكر
الشهادة له ولم يسمعها طلحة منه لبعد موضعه، أو نسيها أو اختصرها لشهرتها،
ولم يذكر الحج؛ لأن الراوي اختصره، ويؤيده ما ذكرنا من الزيادة في آخر هذا
الحديث، فقد دخل فيه باقي المفروضات بل والمندوبات.
(خَمْسُ صَلَوَاتٍ) الرفع على الصحيح، على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي:
الإسلام، أو هي خمس صلوات، أو مبتدأ محذوف الخبر من شرائعه أداء خمس
صلوات، ويجوز النصب بتقدير خذ أو صل، قال العيني: ويجوز الجرُّ على أنه
بدل من الإسلام. قال القاري: لا يصحُّ الجر روايةً ولا درايةً، أما الأول فيظهر من
تتبع النسخ المصححة، وأما الثاني فلأن البدل والمبدل لا يكونان إلا في كلام
شخص واحد ... إلخ. (هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ؟) أي: هل يجب عليَّ من الصلاة غير
الصلوات الخمس في اليوم والليلة؟ أو الجار خبر مقدم وغيرهن مبتدأ مؤخر.
(فَقَالَ: لَا) أي: لا يجبُ عليك غيرها.
وفيه: حجة على من أوجب الوتر، وهو الحنفية، وأجاب القاري عنه: بأن هذا
قبلٍ وجوب الوتر، أو إنه تابع للعشاء. وقال العيني: لم يكن الوتر واجبًا حينئذٍ،
يدلّ عليه أنه لم يذكر الحج، انتهى.
وتعقب بأن هذا يحتاج إلى معرفة التاريخ، ودونها خرط القتاد، على أنه موقوف
على ثبوت وجوب صلاة الوتر، ولا دليل على وجوبها لا من كتاب ولا من سنة
صحيحة ولا من إجماع، بل الأمر على عكس ما قالوا، فإن الدلائل الصحيحة
الصريحة من السنة قائمة على عدم وجوبها كما ستعرف إن شاء الله، فلا يصح أن
يقال: إن هذا كان قبل وجوب الوتر، وأما قول العيني: يدل عليه أنه لم يذكر
الحج. ففيه أنه إنما يتم ذلك إذا ثبت أنه لم يفرض الحج حينئذٍ، وفيه نظر؛ لأنه
يحتمل أن الرجل سأل عن حاله خاصة، حيث قال: (هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟) فأجابه ◌َلِّلُ

٢٣٣
كِتَابُ الْإِيمَانِ
BEEXcEN
بما عرف من حاله، ولعله ممن لم يكن الحج واجبًا عليه، والظاهر أنه مِ لّه ذكره له
لكن اختصره الراوي، يدلّ عليه رواية البخاري في الصيام، فأخبره بشرائع الإسلام
كما تقدم، فحصره مخ لل جنس الصلاة الواجبة في اليوم والليلة في الخمس ونفي
وجوب الصلاة الأخرى مع ذكر باقي الواجبات يدل على عدم وجوب الوتر، وأما
قول القاري: إنه تابع للعشاء، ففيه: أنه قد أنكر أبو بكر بن مسعود الكاساني
الحنفي كونه تابعًا للعشاء حيث قال في ((بدائعه)) (ج١: ص ٢٧٠): وذا أي: كون
تقديم العشاء شرطًا عند التذكر لا يدل على التبعية كتقديم كل فرض على ما يعقبه
من الفرائض، ولهذا اختص بوقت استحسانًا فإن تأخيرها إلى آخر الليل مستحب،
وتأخير العشاء إلى آخر الليل يكره أشد الكراهة، وذا أمارة الأصالة؛ إذ لو كانت
تابعة للعشاء لتبعته في الكراهة والاستحباب جميعًا، انتهى.
(إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ): بتشديد الطاء والواو، وأصله: تَتَطَوَّعَ، بتائين، فأُدغمت
إحداهما في الطاء، ويجوز تخفيف الطاء على حذف إحداهما، قال النوويُّ:
المشهور التشديد، ومعناه: إلا أن تفعله بطواعيتك. واعلم: أن هذا الاستثناء يجوز
أن يكون منقطعًا بمعنى لكن، ويجوز أن يكون متصلاً، واختارت الشافعية
والحنابلة الانقطاع، والمعنى: لكن يستحب لك أن تطوع، وتمسكوا به على أنه لا
يلزم إتمام النفل بالشروع، بل يستحب فقط فيجوز قطعه، ولا يجب القضاء عمدًا
قطعه أو من عذر، واختارت الحنفية والمالكية الاتصال؛ فإنه هو الأصل في
الاستثناء، واستدلوا به على أن من شرع في صلاة نفل أو صوم نفل وجب عليه
إتمامه، ولا يجوز القطع إلا بعذر، ثم اختلفوا فقالت الحنفية: يلزم القضاء مطلقًا
عمدًا قطعه أو عذرًا، وقالت المالكية: لا يلزم القضاء إلا إذا قطعه عمدًا من غير
عذر، وقال القرطبي المالكي: نفى في الحديث وجوب شيء آخر، والاستثناء من
النفي إثبات، فيلزم أن يكون التطوع واجبًا، ولا قائل لوجوبه لاستحالته، فتعين أن
يكون المراد إلا أن تشرع في تطوع فيلزمك إتمامه، انتهى. قالت الحنفية: ويدلُّ
على كون الاستثناء في الحديث للاتصال حديث عائشة عند أحمد والنسائي
والترمذي، وفيه أنه قال: ((صُوما يَوْمًا مَكَانَهُ))، فأمر بالقضاء، فدلَّ على أن الشروع
ملزم، وأن القضاء بالإفساد واجب.

٢٣٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وأجيب عن تقرير القرطبي، أولًا: بأنه مغالطة؛ لأن الاستثناء ها هنا من غير
الجنس؛ لأن التطوع لا يقال فيه: عليك، فكأنه قال: لا يجب عليك شيء إلا إن
أردت أن تطوع، فذلك لك، وقد علم أن التطوع ليس بواجب، فلا يجب شيء آخر
أصلًا.
وثانيًا: بأن الحنفية لا يقولون بفرضية الإتمام، بل بوجوبه، واستثناء الواجب
من الفرض منقطع لتبيانهما، فلا يصح حملهم الاستثناء في الحديث على
الاتصال.
وثالثًا: بأن الاستثناء من النفي عندهم ليس للاثبات، بل مسكوت عنه.
ورابعًا: بما قاله بعض العلماء الحنفية: إن الحديث خارج عن موضع النزاع،
فإن الإيجاب المذكور فيه إنما هو الإيجاب من جهة الوحي، ومسألة لزوم النفل
بالشروع إنما هو في إيجاب العبد على نفسه شيئًا بخيرته وطوعه.
وخامسًا: بأنه قال رَّ في الزكاة مثل ما قال في الصلاة والصوم، لكن لا يمشي
تقرير القرطبي وغيره ممن قال بوجوب الإتمام في الزكاة، قال السندهي الحنفي:
لا يظهر هذا في الزكاة، إذ الصدقة قبل الإعطاء لا تجب، وبعده لا توصف
بالوجوب، ولا يقال: إنه صار واجبًا بالشروع فلزم إتمامه، فالوجه أنه استثناء
منقطع، أي: لكن التطوع جائز أو خير، ويمكن أن يقال من باب المبالغة في نفي
واجب آخر، على معنى ليس عليك واجب آخر إلا التطوع، والتطوع ليس
بواجب، فلا واجب غير المذكور، انتهى.
قال القاري مجيبًا عن الثاني: بأنه ممنوع، فإن الواجب عندنا فرض عملي لا
اعتقادي، وبهذا الاعتبار يطلق عليه أنه فرض، فالمراد بالفرض في الحديث
المعنى الأعم، مع أنه لا محذور في جعل الاستثناء منقطعًا لصحة الكلام، فيكون
المعنى: لكن التطوع باختيارك، أي: ابتداءً كما هو مذهبنا.
قلتُ: الفرق بين الفرض والواجب بالمعنى الاصطلاحي، ثم تقسيم الفرض
إلى الفرض الاعتقادي والعملي، وجعل الواجب الاصطلاحي فرضًا عمليًّا من
المصطلحات الحادثة لم يعرفها الصحابة، فلا ينبغي أن يحمل الحديث على
مصطلحات الفنون الحادثة بعد عصر الصحابة، والظاهر بل المتعين في معناه على

٢٣٥
كِتَابُ الْإِيمَانِ
كون الاستثناء للانقطاع هو أن يقال: لكن يستحب لك أن تطوع، أو لكن التطوع
باختيارك انتهاء كما هو في طواعيتك ابتداءً، ويؤيده حديث أم هانئ عند الترمذي
وغيره، وفيه: ((الصَّائِمُ الْمُتَطَوِّعُ أَمِيرُ أَوْ أَمِينُ نَفْسِهِ، إِنْ شَاءَ صَامَ وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ))،
ويؤيده أيضًا ما رواه النسائي عن عائشة مرفوعًا: ((إِنَّمَا مَثَلُ صَوْمِ الْتَطَوِّع مَثَلُ الرَّجُلِ
يُخْرِجُ مِنْ مَالِهِ الصَّدَقَةَ، فَإِنْ شَاءَ أَمْضَاهَا، وَإِنْ شَاءَ حَبَسَهَا)) .
وقال القاري مجيبًا عن الثالث: بأنه مدخول، فإن هذا إنما يرد عليهم لو استدلوا
بهذا الحديث، وتقدم أن دليلهم الآية والإجماع، وإنما حملوا لفظ الحديث على
المعنى المستفاد منهما، يعني: بالآية قوله تعالى: ﴿وَلَا نُبْطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣].
قلتُ: قد استدل بهذا الحديث غير واحد من الحنفية والمالكية على مذهبهم،
وذكروه في معرض الاستدلال، كما صرح به العيني في ((شرح البخاري))،
والقرطبي في ((شرح مسلم))، والزرقاني في ((شرح الموطأ)) وغيرهم، وأما
الاحتجاج بالآية والإجماع فهو مخدوش كما ستعرف، فلا يصحُّ حمل هذا
الحديث على ما ذهبوا إليه في معناه، وذلك لفساد البناء، وأما حديث عائشة الذي
جعلوه قرينة على حمل الاستثناء على الاتصال، فالجواب عنه: أن الأمر فيه
للاستحباب لا للوجوب، والقرينة على ذلك حديث أبي سعيد عند البيهقي،
وسنذكره على أن حديث عائشة مرسل، والمرسل على الصحيح ليس بحجة، قال
الخلال: اتفق الثقات على إرساله، وشدَّ من وصله، وتوارد الحفاظ على الحكم
بضعف حديث عائشة هذا، ضعَّفه أحمد والبخاري والنسائي بجهالة زميل، كذا في
((الفتح)).
قلتُ: قد استدلَّ عامة الحنفية على لزوم الإتمام بعد الشروع بقوله تعالى: ﴿ولا
تُبْطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ﴾ وبإجماع الصحابة على وجوب الإتمام، وبالقياس على الحج
والعمرة. وأجيب عن الاستدلال بالآية بوجوه:
الأول: أنه يلزم الحنفية حيث استدلوا بها أن يقولوا: إن الإتمام فرض، وهم
إنما يقولون بوجوبه، قال القاري: هذا مدفوع بأن الآية قطعية، والدلالة ظنية،
انتھی .
وفيه: أن هذا لا يفيد الحنفية بل يضرُّهم؛ إذ يقطع أصل الاستدلال؛ لأن أحاديث

٢٣٦
Rece
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أم هانئ وعائشة وأبي سعيد وما في معناها، وإن كانت ظنية لكن دلالتها على التخير
قطعية بلا شبهة، ومن المعلوم أن مناط الاستدلال هي الدلالة لا الثبوت، وعلى
هذا ففي الاستدلال بالآية المذكورة على وجوب الإتمام ترجيح ما هو ظنيُّ الدلالة
على ما هو قطعيُّ الدلالة، ولا شك أنه ترجيح المرجوح، وذا لا يجوز عند أحد.
والثاني: أن الآية المذكورة عامة، قال ابن المنير المالكي: ليس في تحريم
الأكل في صوم النفل من غير عذر إلا الأدلة العامة، كقوله: ﴿وَلَا نُبْطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ
﴾ [محمد: الآية ٣٣]، إلا أن الخاص مقدم على العام، كحديث سلمان، انتهى.
٣٣١
والثالث: أن المراد في الآية بالإبطال هو الإبطال الأخروي بالرياء والسمعة، لا
الإبطال الفقهي، قال ابن عبد البر المالكي: من احتجَّ في هذا بقوله: ﴿وَلَا تُبْطِلُواْ
أَعْمَلَكُمْ﴾ فهو جاهل بأقوال أهل العلم، فإن الأكثر على أن المراد بذلك النهي عن
الرياء، كأنه قال: لا تبطلوا أعمالكم بالرياء، بل أخلصوها للَّه، وقال الآخرون: لا
تبطلوا أعمالكم بارتكاب الكبائر، ولو كان المراد بذلك النهي عن إبطال ما لم
يفرض الله عليه، ولا أوجب على نفسه بنذر أو غيره لامتنع عليه الإفطار إلا بما يبيح
الفطر من الصوم الواجب، وهم لا يقولون بذلك، انتهى. وقال الشيخ محمد أنور
الحنفي: أما الاستدلال بقوله تعالى: ﴿ وَلَا تُبْطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ﴾ فليس بناهض؛ لأن الآية
إنما سيقت لبطلان الثواب لا للبطلان الفقهي، كما يدل عليه السياق، فهي كقوله
تعالى: ﴿لَا نُبْطِلُواْ صَدَقَتِكُمْ بِالْمَنّ وَاُلْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٢]، انتهى.
والرابع: ما ذكره الشيخ بحر العلوم اللكنوي الحنفي في ((شرح مسلم الثبوتٍ))
(٥٨ من طبعة الهند): إن ها هنا كلامان عويصان: الأول: أن الدليل لو تمَّ لدلَّ
على وجوب الإتمام، فتركه يكون إثمًا، وقد صحَّ عن رسول اللّه وَل في ((صحيح
مسلم)) إفساد صوم النفل بالأكل، ولا ينفع حينئذٍ ما في ((فتح القدير)) أنه عليه
الصلاة والسلام لعله قضاه، فإن الكلام في نفس الإفطار، فإنه حينئذٍ مشتمل على
ترك الواجب، فإن قلت: لعله يكون الإفطار في صيام التطوع رخصة مطلقًا كما أنه
رخصة في الفرض في حقِّ المسافر، قلت: فأين الوجوب؟ فإن الواجب ما يأثم
بتركه، ولا مخلص عند هذا العبد إلا بإبداء عذر - أي: معين لا احتمالًا - أو
بإثبات المنسوخية، أو بالقول: بأن الوجوب كوجوب الصلاة على من استأهل في

٢٣٧
كِتَابُ الْإِيمَانِ
الآخر، فتدبر. الثاني: أن بعض الصوم لما لم يكن صومًا لم يكن فيه إبطال
العمل، فإنه ما عمل إلا بعد الصوم، وليس بعمل، فالإفطار لا يوجب إبطال
العمل، فتأمل فیه، انتهى.
وأجاب بعضهم عن الثاني: بأن بعض الصوم وإن لم يكن عملًا بالفعل لكنه في
معرض أن يصير عملًا، فتركه إبطال للعمل، وتعقب بأن إطلاق العمل على ما هو
معرض أن يصير عملًا لا شك أنه مجاز، وعلى هذا فيلزم الجمع بين الحقيقة
والمجاز، وهو لا يجوز عند الحنفية، وأجيب عن الاحتجاج بإجماع الصحابة بأنه
مجرد دعوى بلا سند، فلا يقبل، قال القاري: هو مردود؛ لأن ذكر السند ليس
بشرط لصحة الإجماع، مع أن الآية سند معتمد لصحة الإجماع، قلت: لم يثبت
نصًّا عن أحد من الصحابة أنه ذهب إلى وجوب الإتمام بعد الشروع، فضلًا عن
إجماعهم على ذلك فلا يلتفت إلى دعوى الإجماع مع وجود النصوص الصريحة
على عدم الوجوب، وأما الاستناد بالآية فقد عرفت فساده، وأما الجواب عن
القياس فهو أن الحج امتاز عن غيره بلزوم المضي في فاسده، فکیف في صحيحه،
وكذلك امتاز بلزوم الكفارة في نفله كفرضه، ويرد على أصل مذهب الحنفية بأن
النفل إذا كان واجبًا بالشروع كما في كتب الأصول ففي ((التلويح)) (ج١ : ص٣٠٦
طبعة مصر): والنفل لا يضمن بالترك، وأما إذا شرع فيه، وأفسد فقد صار بالشروع
واجبًا فيقضي، انتهى. وفي ((كشف الأسرار)) (ج١: ص ١٣٥): وأما إذا شرع النفل
ثم أفسده، فإنما يجب القضاء؛ لأنه بالشروع صار ملحقًّا بالواجب، لا لأنه نفل
كما قبل الشروع، انتهى. فيلزم حينئذٍ أن لا يكون النفل من حيث أنه نفل عبادة
عملًا، وعلى هذا فالمسائل التي تتعلق بنفس النفل لا يكون لها مصداق في الواقع،
مثل قولهم: صلاة المفترض خلف المتنفل لا تجوز، فتأمل. وقالت الشافعية:
الدليل على كون الاستثناء في الحديث منقطعًا ما روى النسائي وغيره: ((أن النبي
وَثِير كان أحيانًا ينوي صوم التطوع ثم يفطر)). وفي البخاري: أنه أمر جويرية بنت
الحارث أن تفطر يوم الجمعة بعد أن شرعت، ولم يأمرها بالقضاء. وروى البيهقي
عن أبي سعيد قال: صنعتُ للنبيِّ طعامًا، فلما وضع قال رجل: أنَا صَائِمٌ، فقال
رسول اللّه ◌َله: ((دَعَاَكَ أَخُوَكَ وَتَكَلَّفَ لَكَ، أَفْطِرْ فَصُمْ مَكَانَهُ إِنْ شِئْتَ))، قال الحافظ
في الفتح بعد ذكر هذا الحديث: إسناده حسن، انتهى.

٢٣٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
ففي هذه الأحاديث الثلاثة، وحديثي أم هانئ وعائشة المتقدمين: دليل على أن
الشروع في العبادة لا يستلزم الإتمام إذا كانت نافلة، بهذه النصوص في الصوم،
وبالقياس في الباقي إلا الحج. وأجاب العيني عن ذلك: بأن حديث النسائي لا يدل
على أنه وَله ترك القضاء، وإفطاره وَّوربما كان لعذر مثل الجوع أو غيره، وحديث
جويرية إنما أمرها بالإفطار عند تحقق واحد من الأعذار كالضيافة، أو لأنها صامت
بغير إذنه واحتاج لها، وليس فيه أنها تركت القضاء، وكل ما جاء من أحاديث الباب
محمول على مثل هذا، انتهى. وقال الزرقاني: وإذا احتمل ذلك سقط به
الاستدلال؛ لأن القصتين من وقائع الأحوال التي لا عموم لها، وقد قال تعالى:
﴿وَلَا نُبطِلُواْ آَعمَلَگُمْ﴾، انتهى.
قلت: إبداء مثل هذه الاحتمالات من غير منشأ وقرينة تدل عليها مما لا يلتفت
إليه، فإنه تحكم محض، يفعله صاحبه ترويجًا لدعواه وتمشية لمذهبه، ولو كان
القضاء واجبًا لأمر ◌َّه جويرية بالقضاء، ونقل إلينا البتة، فإن تأخير البيان عن وقت
الحاجة لا يجوز، ولو سلم أنه وقع القضاء منهما لما كفى لإثبات وجوب القضاء،
فإن الفعل لا يدل على الوجوب، فيحتمل أن قضاءهما كان ندبًا، لا لأنه واجب،
وأما قول الزرقاني ففيه أن قوله وَّليه وأمره وفعله وتقريره حجة لكل شخص في كل
زمان ومكان وحال، ما لم يدل دليل على الخصوصية، وقد تقدم أن الاستناد بالآية
على وجوب الإتمام جهل. وقال العيني: ولو وقع التعارض بين الأخبار فالترجيح
معنا لثلاثة أوجه، أحدها: إجماع الصحابة. والثاني: أحاديثنا مثبتة، وأحاديثهم
نافية، والمثبت مقدم. والثالث: أنه احتياط في العبادة.
قلت: قد عرفت فيما تقدم أن دعوى الإجماع باطلة، وأما قوله: إن أحاديث
الحنفية تُقَدَّمُ على أحاديث الشافعية، لكون الأولى مثبتة والثانية نافية، ففيه أن
تقديم المثبت على النافي إنما هو إذا كانت أحاديث الطرفين متساوية في القوة
والضعف، وها هنا أحاديث النفي أرجح وأقوى من حيث الكثرة والصحة،
وأحاديث الإثبات مرجوحة ضعيفة، فتقدم أحاديث النفي عليها، وليس الاحتياط
في جعل الشيء واجبًا من غير دليل قوي، بل الاحتياط في العمل بالسنة
الصحيحة، سواء كانت مثبتة للوجوب أو نافية له مع أن الأصل براءة الذمة،
فافهم .

٢٣٩
كِتَابُ الْإِيمَانِ
(وَصِيَامُ شَهْرٍ رَمَضَانَ) عطف على خمس صلوات، وجملة السؤال والجواب
معترضة. (قَالَ) أي: طلحة راوي الحديث. (وَذَكَرَ لَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وَ لَ الزَّكَاةَ) هذا
قول الراوي، كأنه نسي ما نص عليه رسول اللَّه وَل أو التبس عليه فقال: (وَذَكَرَ لَهُ
الزَّكَاةَ)، هذا يؤذن بأن مراعاة الألفاظ معتبرة في الرواية، فإذا التبس عليه يشير في
لفظه إلى ما ينبئ عنه كما فعل الراوي هاهنا، وفي رواية البخاري في الصيام: قال:
فَأخبرْنِي بماذَا فرضَ اللَّهُ عليَّ مِنَ الزَّكاةِ؟ قال: فأخبره رسول اللَّهُ وَّل بشرائع
الإسلام، أي: بنصب الزكاة ومقاديرها وغير ذلك مما يتناول الحج وأحكامه
وجميع المنهيات، وأما تعقب الأبيِّ بإرجاع لفظ الشرائع إلى ما ذكر قبله؛ لأن
العام المذكور عقب خاص يرجع إلى ذلك الخاص على الصحيح، فهو مردود
عليه، فإن الصحيح والحق في مثل هذا أن ذكر العام بعد الخاص يكون للتعميم
ولدفع توهم اختصاص الحكم بالخاص المذكور قبله، فافهم.
قال الحافظُ: تضمنت هذه الرواية أن في القصة أشياء أجملت منها بيان نصب
الزكاة، فإنها لم تفسر في الروايتين، وكذا أسماء الصلوات، وكان السبب فيه
شهرة ذلك عندهم، أو القصد من القصة بيان أن المتمسك بالفرائض ناجٍ وإن لم
يفعل النوافل، انتهى.
(فقال: لا، إلا أن تَطَوَّع) قيل: يعلم منه أنه ليس في المال حق سوى الزكاة
بشروطها، قال القاري: وهو ظاهر إن أريد به الحقوق الأصلية المتكررة تكررها
وإلا فحقوق المال كثيرة كصدقة الفطر والنفقات الواجبة، قلتُ: الكلام في حقوق
المال وليس شيء من هذه الأشياء من حقوق المال بمعنى أنه يوجبه المال بل يوجبه
أسباب أخر كالفطر والقرابة والزوجية وغير ذلك.
(وَاللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُ) أي: لا أزيد على شرائع الإسلام ولا
أنقص منها شيئًا، والدليل عليه ما في رواية البخاري (ج١: ص ٢٥٤) في الصيام:
لا أتطوع شيئًا وَلَا أَنْقص مما فرضَ اللهُ عليَّ شيئًا. قيل: كيف أقرَّه على حلفه، وقد
ورد النكير على مَن حلف أن لا يفعل خيرًا؟ وأجيب بأن ذلك يختلف باختلاف
الأحوال والأشخاص، وهذا جارٍ على الأصول بأن لا إثم على غير تارك الفرائض،
فهو مفلح وإن كان غيره أكثر فلاحًا منه، وقال الباجي: يحتملُ أنه سومح في ذلك؛
لأنه في أول الإسلام. (أَفْلَحَ الرَّجُلُ إِنْ صَدَقَ) قال ابن بطال: دلَّ هذا على أنه إن لم