Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤٠ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ لَا يَتمُّ إِلَّا بِبَيَانِ كَشْفِهِ، وَكَانَ كِتَابُ «الْمَصَابِيح» القرآن؛ لما ورد في حديث الحارث الأعور عن علي مرفوعًا في صفة القرآن: ((هُو حبلُ اللَّهِ المتينُ وصِراطُهُ المستَقِيمُ)) أخرجه الترمذي، وروى الحافظ أبو جعفر الطبري بسنده عن أبي سعيد مرفوعًا: ((كِتَابُ اللَّهِ هُو حَبْلُ اللَّهِ المَمْدُودُ مِنَ السَّمَاءِ إِلى الأَرْضِ))، وروي من حديث عبدالله بن مسعود وزيد بن أرقم وحذيفة نحو ذلك، استعار الحبل للقرآن من حيث أن العمل بالقرآن سبب لحصول العلوم والمعارف التي هي وسيلة إلى الحياة الأبدية، كما أن الحبل وسيلة إلى الوصول إلى الماء الذي هو سبب للحياة الدنيوية، أو من حيث أن التمسك بالقرآن سبب للنجاة عن التردي والخلاص من الوقوع في دركات جهنم، كما أن التمسك بالحبل سبب للسلامة عن التردي في البئر عند الاحتياج إلى الماء. (إِلَّا بِيَانِ كَشْفِهِ) أي : السنة النبوية، والإضافة بيانية، قال اللَّه تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، ولا شك أنه لا يمكن الوصول إلى حقيقة معاني القرآن ولا يتيسر فهم مقاصده إلا بتبيينه وَّاله وإيضاحه، فكان هو مبينًا لمجملات القرآن ومفسرًا لمشكلاته، وليس بيانه وتفسيره إلا في أحاديثه، فكل حديث ورد في الصلاة فهو بيان وتفسير لقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَوةَ﴾، فإن الصلاة مجملة لم يبين أوقاتها وأعدادها وأركانها وشرائطها وواجباتها وسننها ومفسداتها إلا السنة، وكذا الزكاة والصوم والحج. (وَكَانَ كِتَابُ ((الْمَصَابِيح))) قيل: إن البغوي لم يسم هذا الكتاب بالمصابيح نصًّا منه، وإنما صار هذا الاسم علمًا له بالغلبة من حيث أنه ذكر بعد قوله: أما بعد، فهذه ألفاظ صدرت عن صدر النبوة، وسنن سارت عن معدن الرسالة، وأحاديث جاءت عن سيد المرسلين وخاتم النبيين، هن مصابيح الدجى ... إلخ، وهو من أجمع الكتب في باب الحديث، فإنه جمع فيه أحاديث الأحكام على ترتيب الأبواب الفقهية بحيث يستحسنه الفقيه، ووضع الترغيب والترهيب على ما يقتضيه العلم ويرتضيه، ولو فكّر أحد في تغيير باب عن موضعه لم يجد له موضعًا أنسب مما اقتضى رأيه، ولذلك عكف عليه المتعبدون، واعتنى بشأنه العلماء بالقراءة والتعليق، فله شروح كثيرة، ذكرها جلبي في ((كشف الظنون))، لكنه لطلب ١٤١ خُطْبَةُ الْكِتَابِ الاختصار ترك ذكر الأسانيد اعتمادًا على نقل الأئمة، ولم يذكر كثيرًا من الصحابة رواة الآثار، ولا تعرض لتخريج تلك الأخبار، بل قسّم أحاديث كل باب إلى صحاح وحسان، واصطلح على أن جعل الصحاح: ما هو في ((الصحيحين)) أو أحدهما، والحسان: ما ليس في واحد منهما، والتزم أن ما كان فيها من ضعيف أو غريب أشار إليه ونبّه عليه، وإن ما كان موضوعًا أو منكرًا لم يذكره ولا يشير إليه، هذا هو المشروط في الخُطبة، لكن ذكر في أواخر باب مناقب قريش حديثًّا، وقال في آخره: منكر، وقيل: قد ألحقه بعض المحدثين. قال النووي في ((التقريب)) تبعًا لابن الصلاح: أما تقسيم البغوي أحاديث ((المصابيح)) إلى حسان وصحاح، مريدًا بالصحاح ما في الصحيحين وبالحسان ما في السنن، فليس بصواب؛ لأن في السنن الصحيح والحسن والضعيف والمنكر، انتھی . قال السيوطي في ((التدريب)) (ص٥٤): ومن أطلق عليها الصحيح كقول السلفي في الكتب الخمسة اتفق على صحتها علماء المشرق والمغرب، وكإطلاق الحاكم على الترمذي ((الجامع الصحيح))، فقد تساهل. قال العراقي: وأجيب عن البغوي بأنه يبين عقب كل حديث الصحيح والحسن والغريب، قال: وليس كذلك، فإنه لا يبين الصحيح من الحسن فيما أورده من السنن، بل يسكت ويبين الغريب والضعيف غالبًا، فالإِيراد باقٍ في مزجه صحيح ما في السنن بما فيه من الحسن، وقال شيخ الإسلام: أراد ابن الصلاح أن يعرف أن البغوي اصطلح لنفسه أن يسمي السنن الأربعة الحسان؛ ليغتني بذلك عن أن يقول عقب كل حديث: أخرجه أصحاب السنن؛ فإن هذا اصطلاح حادث ليس جاريًا على المصطلح العرفي، انتهى. قلت: وقد وقع له بعد ذلك الاصطلاح أن ذكر أحاديث من الصحاح ليستِ في أحد من ((الصحيحين)) وأحاديث من الحسان هي في أحد ((الصحيحين))، وأَدْخلّ في الحِسان أحاديث ولم ينبه عليها، وهي ضعيفة واهية في غاية الضعف كما ستقف عليه إن شاء اللّه تعالى. ثم إن الشيخ ولي الدين محمد بن عبدالله الخطيب كمَّل ((المصابيح)) وذيل أبوابه، فذكر الصحابي الذي رُوِي الحديث عنه، وذکر الکتاب ١٤٢ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ الّذِي صَنَّفْهُ الإِمَامِ مُحيي السُّنَّة قَامِعُ الْبِدْعَةِ أَبُو مُحمَّد الْحُسَيْنِ بْنِ مَسْعُود الذي أخرجه منه، وزاد على كل باب من صحاحه وحسانه إلا نادرًا فصلًا ثالثًا، وسماه ((مِشْكَاةِ الْمَصَابِيح))، فصار كتابًا حافلًا كما ترى، وله تصرفات أخرى أيضًا في ((المصابيح))، كما سيجيء ذكره في كلامه، نعم، لم يتعرض هو كالبغوي للكلام على الأحاديث التي أوردها من السنن والمسانيد التي لم يلتزم مصنفوها الصحة في الغالب طلبًا للاختصار، ولا يخفى أنه يسوغ العمل بأحاديثها التي لم يقع التصريح بتحسينها أو تصحيحها منهم أو من غيرهم ممن يعتمد عليه إلا بعد البحث عنها، فما كان منها صحيحًا أو حسنًا أو ضعيفًا يحتمل ضعفه يقبل، وما لم يكن كذلك يرد. قال في ((كشف الظنون)): قيل: عدد أحاديث ((المصابيح)) أربعة آلاف وسبعمائة وتسعة عشر حديثًا، منها المختص بالبخاري ثلاثمائة وخمسة وعشرون حديثًا، وبمسلم ثمانمائة وخمسة وسبعون حديثًا، ومنها المتفق عليها ألف وإحدى وخمسون حديثًا، والباقي من كتب أخرى، وقال ابن الملك: إن عدد الأحاديث المذكورة فيه أربعة آلاف وأربعمائة وأربعة وثمانون حديثًا، منها ما هو من الصحاح ألفان وأربعمائة وأربعة وثلاثون حديثًا، ومنها ما هو من الحسان، وهو ألفان وخمسون حديثًا . (مُحْيِي السُّنَّةِ) رُوي أنه لما جمع كتابه المسمى بـ(شرح السنة)) رأى النبي ◌َّ في المنام فقال له: ((أَحْيَاَ اللَّهُ كَمَا أَحْبَيْتَ سُنَّتِي)»، فصار هذا اللقب عَلمًا له بطريق الغلبة. (قَامِعُ الْبِدْعَةِ) أي: قاطعها ودافع أهلها أو مبطلها ومميتها. (أَبُو مُحمَّد الْحُسَيْنِ بْن مَسْعُود) هو الإمام الحافظ المجتهد المحدِّث المفسِّر أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد الشافعي صاحب: ((معالم التنزيل في التفسير))، و((شرح السنة))، و((المصابيح))، و((الجمع بين الصحيحين)) في الحديث و((التهذيب)) في الفقه، وغير ذلك من التصانيف الحسان، كان بحرًا في العلوم، إمامًا في الفقه والحديث والتفسير، أخذ الفقه عن القاضي حسين بن محمد صاحب ((التعليقة)) في الفقه، وحدَّث عنه، وعن أبي الحسن عبدالرحمن بن محمد الداودي، ويعقوب بن أحمد الصيرفي وغيرهم، وروى عنه أهل مرو وغيرهم، وبورك له في تصانيفه لقصده الصالح، فإنه كان من العلماء الربانيين، كان ذا تعبد ونسك وقناعة باليسير، وكان يأكل كسرة وحدها فعذلوه، فصار يأكلها خُطْبَةُ الْكِتَاب ١٤٣ ... الْفَرَّاء الْبَغَوي - رَفَعَ اللَّهُ دَرَجَتْهُ - أَجْمَعَ كِتَابٍ صُنِّفَ فِي بَابِهِ، بزيت، قال القاري: كان مفسِّرًا محدِّثًا فقيهًا. قال بعض مشايخنا: ليس له قول ساقط، وكان عابدًا زاهدًا جامعًا بين العلم والعمل على طريقة السلف الصالحين. توفي بمرو الروذ في شوال سنة ٥١٦هـ ست عشرة وخمسمائة، ودفن عند شيخه القاضي حسين بمقبرة الطالقاني، ولعله بلغ ثمانين سنة، وارجع إلى ((تذكرة الحفاظ)) (ج ٤: ص٥٤ - ٥٥)، و((وفيات الأعيان)) (ج١: ص ١٤٥ - ١٤٦)، و(إتحاف النبلاء)) (٢٤٤)، و((أشعة اللمعات)) (ج١: ص٢٩.٢٨). (الْفَرَّاءُ) بالرفع على أنه صفة لأبي محمد الحسين كما يظهر من كلام ابن خلكان حيث قال: أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد المعروف بالفراء البغوي الفقيه، وقيل بالجر، نعت لأبيه نسبة إلى عمل الفراء وصنعها وبيعها، قال الذهبي في ترجمة البغوي: هو أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء الشافعي، قال: وكان أبوه يعمل الفراء ويبيعها، قال في ((الإتحاف)): يقال له الفراء وابن الفراء أيضًا، قال القاري: وهو غير الفراء النحوي المشهور. (الْبَغَويُّ) بالرفع صفة للحسين؛ لأن المقصود ببيان النسبة البلدية، وكذا الولادية والصناعية عند المحدثين هو العلم الأول إلا نادرًا، والبَغَوي: بفتح الباء الموحدة والغين المعجمة وبعدها واو، هذه النسبة إلى بلدة بخراسان بين مرو وهرات، يقال له: بغ، وبَغْشُور بفتح الباء الموحدة وسكون الغين المعجمة وضم الشين وبعدها واو ساكنة ثم راء، معرب باغ كور، وهذه النسبة شاذة على خلاف القياس، قاله السمعاني في كتاب ((الأنساب))، وقيل: العلم المركب تركيبًا مزجيًّا يحذف عجزه وينسب إلى صدره، أو ينسب إليه برمته من دون حذف، فتقول: بَعلِيُّ ومعدَوِيٌّ وبعلبكي ومعدي كربي في النسبة إلى بعلبك ومعدي كرب، والبغوي من هذا القبيل، وإنما جاءت الواو في النسبة إجراء للفظه بغ مجرى محذوف العجز كالدموي، فإنه يرد المحذوف إلى الاسم المحذوف منه إذا بقي على حرفين من أصوله، فتقول في أب وأخ: أبوي وأخوي، ويجوز في مثل يد ودم أن يرد المحذوف، وهو الأفصح، وحينئذٍ إذا کان یاء قلبت واوًا، فيقال: يدوي ودموي، ويجوز النسبة على اللفظ فيقال: يدي ودمي، ولئلا يلتبس بالبغي بمعنى الزاني. (أَجْمَعَ كِتَابٍ) خبر كان (صُنِّفَ فِي بَابِهِ) أي: في باب الحديث فإنه جمع فيه ١٤٤ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ وَأَضْبَطَ لِشَوَارِدِ الْأَحَادِيثِ وَأَوَابِدِهَا، وَلِمَا سَلََّكَ رَوَقَّهُ طَرِيقِ الْأخْتِصَارِ، وَحَذْفَ الأَسَانِيدِ،. الأحاديث المهمة على ترتيب الأبواب الفقهية، والمراد: أنه من أجمع الكتب في باب الحديث، أو قاله مبالغة في مدحه، ويجوز مثل هذه المبالغة في مدح كتاب؛ ترغيبًا للطالبين وتشويقًا لهم إليه. (وَأَضْبَطَ) عطف على (أجمعَ)؛ لأنه لما جرد عن الأسانيد وعن اختلاف الألفاظ وتكرارها في المسانيد صار أقرب إلى الحفظ والضبط، وأبعد من الغلط والخبط. (لِشَوَارِدِ الأَحَادِيثِ) جمع شاردة، وهي النافرة والذاهبة عن الدرك، من إضافة الصفة إلى الموصوف، والأحاديث قيل: جمع أحدوثة في الأصل كأساطير جمع أسطورة ثم جعل جمع حديث. (وَأَوَابِدهَا) عطف تفسير، أي: وحشياتها، جمع آبدة وهي الوحش والشيء الغريب، وأوابد الكلام: غرائبه، شبهت الأحاديث بالوحوش لسرعة تنفرها وتبعدها عن الضبط والحفظ، ولذا قيل: العلم صيد والكتابة قيد، قاله القاري. وقال السيد جمال الدين: المراد بالشوارد الأحاديث المخرجة في الأصول قد خفيت على الطالبين مواضع إيرادها، فكأنها نفرت منهم، وبالأوابد: الأحاديث التي دلالتها على معانيها كانت خفية، فكأنها توحشت من الطلاب بالنظر إلى معانيها المقصودة، فبإيراد محي السنة إياها في الأبواب المناسبة والمواضع اللائقة من كتاب ((المصابيح)) ظهرت معانيها واتضحت، فارتفع الشرود وانتفى التوحش منها، وصارت مأنوسة، ذكره في ((اللمعات)). (طَرِيقَ الاخْتِصَارِ) أي: بالاكتفاء على متون الأحاديث. (وَحَذْفَ الْأَسَانِيدِ) عطف تفسير على ذلك، والمراد بحذف الإسناد إما حذف الصحابي وترك المخرج في كل حديث، وهو مجاز من باب إطلاق الكل على البعض، أي: طرفي الإسناد، وهو مراد المصنف ظاهرًا من قوله: (لَكِن لَيْسَ مَا فِيهِ أَعْلَامٌ كَالأَغْفَالِ) فالشيء الذي ذكره المصنف في ((المشكاة)) زيادة على ((المصابيح)) هو ذكر الصحابي وبيان المخرج، وهو الذي أهمله صاحب ((المصابيح))، وأما معناه الحقيقي على مصطلح أهل الحديث، وهو حكاية طريق المتن بحيث يعلم جميع رواته، لكن المصنف اكتفى بذكر المخرج، كما يقول: وإني إذا نسبت الحديث ١٤٥ خُطْبَةُ الْكِتَابِ تَكَلَّمَ فِهِ بَعْضُ النُّقَّادِ، وَإِنْ كَانَ نَقْلُهُ - وَإِنَّهُ مِنَ الثّقَاتِ - كَالْإِسْنَادِ، لَكِنْ لَيْسَ مَا فِيهِ أَعْلَامٌ كَالْأَغْفَالِ، إليهم ... إلخ، وعلى هذا يكون ذكر المخرج، أي: الصحابي للتبرك والتأكيد فقط. (تَكَلّمَ) جواب (لِمَا)، أي: طعن في بعض أحاديث كتابه حتى أن بعض الطاعنين أفردوا أحاديث من ((المصابيح)) ونسبوها إلى الوضع، ثم إنه لما نسبت إلى الأئمة المخرجين لها علم أن بعضها صحيح وبعضها حسن؛ كحديث أبي هريرة: ((المَرْءُ عَلى دينِ خَلِيلِهِ)) فإنه أحد الأحاديث التي انتقدها الحافظ سراج الدين القزويني على ((المصابيح))، وقال: إنه موضوع، وكذا أورده ابن الجوزي في (الموضوعات))، وقد حسَّنه الترمذي، وصحَّحه الحاكم، وقال النووي: إسناده صحيح. (بَعْضُ النَّقَّادِ) بضمِّ النون وتشديد القاف، وقال السيد جمال الدين: أي: تكلم في حقه واعترض عليه بعض المبصرين، بأن صحة الحديث وسقمه متوقفة على معرفة الإسناد، فإذا لم يذكر لم يعرف الصحيح من الضعيف فيكون نقصًا. (وَإِنْ كَانَ نَقْلُهُ) أي: نقل البغوي بلا إسناد، والواو وصلية. (وَإِنَّهُ مِنَ الثِّقَاتِ) أي: المعتمدين في نقل الأحاديث وبيان صحتها وحسنها وضعفها، روي بكسر الهمزة في (إِنَّهُ) على أنه حال من المضاف إليه في (نَقْلُهُ)، ورُوي بفتحها للعطف على اسم كان، يعني: نقله بتأويل المصدر، أي: وإن كان نقله و کونه من الثقات كالإسناد. (كَالْإِسْنَادِ) أي: كذكره. (لَكِنْ لَيْسَ مَا فِيهِ أَعْلَامٌ) أَعلام الشيء بفتح الهمزة آثاره التي يستدل بها، وهو جمع عَلَم بفتحتين. (كَالأَغْفَالِ) بالفتح، وهي الأراضي المجهولة التي لا عمارة فيها ولا أثر تُعرف به، جمع غُفْل بضم الغين المعجمة وسكون الفاء، وفي بعض النسخ بكسرة الهمزة فيهما، فهما مصدران لفظًا وضدان معنى، وأراد بالأول: كتابه ((المشكاة))، وبالثاني: ((المصابيح))، وكان حقه أن يقول: لكن ليس ما فيه أغفال كالأعلام، ولعله قلب الكلام؛ تواضعًا مع البغوي وهضمًا لنفسه، والحاصل: أنه ادعى أن في صنيع البغوي قصورًا في الجملة، وهو عدم ذكر الصحابة أولًا وعدم ذكر المخرج في كل حديث آخِرًا، فإن ذكرهما مشتمل على فوائد. قال القاري: أما ذكر الصحابي ففائدته: أن الحديث تتعدد رواته وطرقه، وبعضها صحيح وبعضها ضعيف، فيذكر الصحابي؛ ليعلم ضعف المروي من ١٤٦ ** مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ فَاسْتَخَرْتُ اللَّهَ وَاسْتَوْفَقْتُ مِنْهُ، فَأَعْلَمْتُ مَا أَغْفَلَهُ، فَأَوْدَعْتُ كُلَّ حَدِيثٍ مِنْهُ فِي مَقَرِّهِ كَمَا رَوَاهُ الأَئِمَّةُ الْمُتْقِنُونِ وَالثِّقَاتُ الرَّاسِخُون، مِثْل أَبِي عَبْداللّهِ مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيلَ صحيحه، ومنها: رجحان الخبر بحال الراوي من زيادة فقهه وورعه، ومعرفة ناسخه من منسوخه بتقدم إسلام الراوي وتأخره. وأما ذكر المخرج ففائدته: تعيين لفظ الحديث، وتبيين رجال إسناده في الجملة، ومعرفة كثرة المخرجين وقلتهم في ذلك الحديث لإفادة الترجيح وزيادة التصحيح، ومنها: الرجوع إلى الأصول عند الاختلاف في الفصول وغيرها من المنافع. (فَاسْتَخَرْتُ اللَّهَ) لقوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص: ٦٨]، ولما روى الطبراني في ((الصغير)) و((الأوسط)) من حديث أنس مرفوعًا: ((مَا خَابَ مَنِ استخارَ، وَلا ندِمَ مَنِ اسْتَشَارَ ، ولا عالَ من اقتصَدَ». (وَاسْتَوْفَقْتُ مِنْهُ) بتقديم الفاء على القاف، أي: طلبتَ من اللَّه التوفيق. (فَأَعْلَمْتُ مَا أَغْفَلهُ) أي: فبينت ما أهمله البغوي عمدًا فإنه ترك ذكر الصحابة في كثير من الأحاديث، فالتزمتُ ذكر الصحابي في كل حديث، وأيضًا لم يتعرض هو لذكر المخرج بحيث يعلم مخرج كل حديث بخصوصه، وإن عُلم مجملًا من اصطلاحه في الصحاح والحسان أنه ذكر في القسم الأول - أي: الصحاح - أحاديث ((الصحيحين)) أو أحدهما، وفي القسم الثاني - أي: الحسان - أحاديث غيرهما، فذكرت المخرج في كل حديث بخصوصه، قال القاري: أي: فبينت ما تركه بلا إسناد عمدًا من ذكر الصحابي أولًا، وبيان المخرج آخرًا بخصوص كل حديث التزامًا. (فَأَوْدَعْتُ كُلَّ حَدِيثٍ مِنْهُ) أي: من المصابيح. (فِي مَقَرِّهِ) أي: وضعت كل حديث من الكتاب في محله الموضوع في أصله من كل كتاب وباب من غير تقديم وتأخير وزيادة ونقصان وتغيير. (كَمَا رَوَاهُ الأَئِمَّةُ) أي: أئمة الحديث الذين يقتدى بهم. (الْمُتْقِنُونَ) أي: الضابطون الحافظون الحاذقون المروياتهم - مِنْ أتقن الأمر إذا أحكمه - ومنه قوله تعالى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِىّ أَنْقَنَ كُلّ شَىْءٍ﴾ [النمل: ٨٨]. (الثِّقَاتُ) بكسر المثلثة جمع ثقة، وهم العدول والأثبات. (الرَّاسِخُونَ) أي: الثابتون بمحافظة هذا العلم، المتمكنون فيه، مِن رَسَخَ، أي ثبت في موضعه، يقال: رسخ الخبر في الصحيفة، والعلم في القلب، وفلان راسخ في العلم، أي متمكن فيه. (مِثْل أَبِي عَبْداللَّهِ مُحمَّد بْنِ إِسْمَاعيلَ) هو أمير المؤمنين في حديث سيد خُطْبَةُ الْكِتَابِ K=X ١٤٧ المرسلين، إمام الأئمة المجتهدين، سلطان المحدثين، أبو عبدالله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن الأحنف بَرْدِزْبَه الجعفي مولاهم - ولاء إسلام - البخاري، صاحب ((الجامع الصحيح)) والتصانيف، جبل الحفظ وإمام الدنيا في ثقة الحديث، ومعجزة للرسول البشير النذير؛ حيث وجد في أمته مثل هذا الفرد العديم النظير، فلم ير مثله من جهة الحديث وإتقانه، وفهم معاني كتاب الله وسنة رسوله، ومن حيثية حدة ذهنه، ودقة نظره، ووفور فقهه، وكمال زهده، وغاية ورعه، وقوة اجتهاده واستنباطه، وكثرة اطلاعه على طرق الحديث وعلَلِه، ولد يوم الجمعة بعد الصلاة لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال سنة ١٩٤ هـ، وتوفي وقت العشاء ليلة السبت ليلة الفطر سنة ٢٥٦هـ، ودفن يوم العيد بعد صلاة الظهر بخَرْتَنْك على فرسخين من سمرقند، وعمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر يومًا، ولم يخلف ولدًا، كانت أمه مستجابة الدعوات، توفي أبوه وهو صغير فنشأ في حجر والدته، ثم عمي، وقد عجز الأطباء عن معالجته، فرأت في المنام إبراهيم الخليل ◌ُ لِّلّ قائلا لها: قد ردَّ اللَّه على ابنك بصره بكثرة دعائك له، فأصبح وقد ردَّ اللّه عليه بصره، فنشأ متربيًّا في حجر العلم، مرتضعًا من ثدي الفضل، ثم ألهم طلب الحديث وله عشر سنين، وَرَدَّ على بعض مشايخه غلطًا وهو في إحدى عشرة سنة، فأصلح كتابه من حفظ البخاري، سمع الحديث ببلده بخارى، ثم رحل في طلب هذا الشأن إلى جميع محدثي الأمصار، وسمع الكثير، وأخذ عنه الحديث خلق كثير في كل بلدة حدَّث بها، روى عنه الترمذي في ((جامعه)) كثيرًا، ومسلم في غير ((صحيحِهِ)، قال الفَرَبرِي: سمع كتاب البخاري منه تسعون ألف رجل، قال البخاري: خرجتُ كتابي ((الصحيح)) من زهاء ستمائة ألف حديث، وما وضعت فيه إلا صحيحًا، وارجع لترجمته إلى كتاب ((سِيرَة الْبُخَارِي)) جزء كبير، وتأليف مفرد مبسوط في ترجمة الإمام البخاري، وذكر تصانيفه، وبيان محاسن ((جامعه الصحيح)) وفضائله، باللغة الأردية (١) لوالدنا العلامة محمد عبدالسلام (١) وقد نقله إلى العربية أخونا الفاضل الشيخ عبد العظيم السلفي البستوي نظمّتْهُ وهو كتاب مطبوع متداول . ١٤٨ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ الْبُخَارِيِّ، وَأَبِي الْحُسَيْن مُسْلِمِ بْن الْحَجَّاجِ المباركفوري نَخّْتُهُ، وقد ذكر شيئًا من ترجمته الشيخ الدهلوي في ((أشعة اللمعات)) (ص٩ - ١٣)، والعلامة القنوجي في ((إتحاف النبلاء)) (٣٤٩ - ٣٥٥)، وعلي القاري في ((المرقاة)) (١٣ - ١٦)، والحافظ في أواخر مقدمة ((الفتح)) (٥٦٣ - ٥٨٣)، وفي ((تهذيب التهذيب)) (ج٩: ص ٤٧ - ٥٥)، والقسطلاني في مقدمة ((إرشاد الساري)) (ج١: ص٣١ - ٤٦)، والنووي في ((تهذيب الأسماء واللغات)) (ج١: ص٦٧ - ٧٦)، والسبكي في ((طبقات الشافعية)) (ج٢: ص٢ - ١٩)، والسمعاني في ((الأنساب)) (ورقة ٦٨، ١٣١)، والخطيب في ((تاريخ بغداد)) (ج٢ : ص٣٤.٤)، وابن خلكان في ((تاريخه))، والذهبي في ((تذكرته))، والمصنف في ((الإكمال)) وغيرهم، وأفرد بعضهم ترجمته في تأليفات مبسوطة كالذهبي وابن الملقن والأمير اليماني والعجلوني وغيرهم. (الْبُخَارِي) نسبة إلى ((بُخَارَى)) بلدة عظيمة من بلاد ما وراء النهر؛ لتولده فيها وصار بمنْزِلة العلم له ولكتابه. (وَأَبِي الْحُسَيْن مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ) هو الإمام الحافظ الحجة أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري، أحد الأئمة الحفاظ وأعلام المحدثين صاحب التصانيف، طلب علم الحديث صغيرًا، ورحل إلى العراق والحجاز والشام ومصر، سمع من مشايخ البخاري وغيرهم كأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه والقعنبي وغيرهم. وروى عنه أئمة من كبار عصره وحفاظ دهره، كأبي حاتم الرازي وابن خزيمة وغيرهما، وروى عنه الترمذي حديثًا واحدًا: ((أَحْصُوا هِلَالَ شَعْبَانَ لِرَمَضَانَ)) ما له في ((جامع الترمذي)) غيره، ألف المؤلفات النافعة، وأنفعها (صحيحه)) الذي فاق بحسن ترتيبه وحسن سياقه وبديع طريقته. قال مسلم: صنَّفْتُ ((المسند الصحيح)) من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة، قال الحافظُ: حصل لمسلم في كتابه حظ عظيم مفرط لم يحصل لأحد مثله، بحيث أن بعض الناس كان يفضله على ((صحيح محمد بن إسماعيل))، وذلك لما اختصَّ به من جمع الطرق وجودة السياق والمحافظة على أداء الألفاظ، كما هي من غير تقطيع ولا رواية بمعنى، وقد نسج على منواله خلق من النيسابوريين فلم يبلغوا شأوه، وحفظت ١٤٩ خُطْبَةُ الْكِتَابِ الْقُشَيْرِي، وَأَبِي عَبْدِاللَّهِ مَالِكِ بْنِ أَنَسِ الأَصْبَحِيِّ، منهم أكثر من عشرين إمامًا ممن صنف (المستخرج)) على مسلم، وقال الخطيب: إنما قفا مسلم طريق البخاري ونظر في علمه وحذا حذوه، ولما ورد البخاري النيسابور في آخر مرة لازمه مسلم وداوم الاختلاف إليه، وقال الدارقطني: لولا البخاري لما ذهب مسلم وجاء، ولد سنة ٢٠٤ هـ، وقيل: سنة ٢٠٦ هـ، وتوفي عشية يوم الأحد لأربع أو لخمس أو لست بقين من رجب سنة ٢٦١هـ، وعمره خمس وخمسون سنة، ودفن بنصر آباد ظاهر نيسابور يوم الاثنين، ملتقط من ((التذكرة)) للذهبي (ج٢: ١٦٥ - ١٦٧)، و((وفيات الأعيان)) (ج٢: ص٩١)، و((تهذيب التهذيب)) (ج١٠: ١٢٦ - ١٢٨)، و((المرقاة)) (ج١: ١٦ - ١٧)، و(«إتحاف النبلاء)) (٤٣٠ - ٤٣١)، و((أشعة اللمعات)) (ج١: ١٣ - ١٤)، و((الإكمال)) للمصنف، و((بستان المحدثين)) (١١٦ - ١١٧). (القُشَيْرِي) بضم القاف وفتح الشين المعجمة وسكون المثناة من تحتها وبعدها راء، نسبة إلى قُشير بن كعب، قبيلة كبيرة من العرب. (وَأَبِي عَبْداللَّهِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ) هو الإمام الحافظ فقيه الأمة، أحد أعلام الإسلام، إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، كبير المتثبتين، صاحب المذهب، أبو عبدالله مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث بن غيمان، ويقال: عثمان بن جثيل، وقيل: خثيل بن عمرو بن ذي أصبح الحارث المدني. (الأَصْبَحيّ) بفتح الهمزة وسكون الصاد المهملة وفتح الباء الموحدة بعدها حاء مهملة، نسبة إلى ذي أصبح جَدِّه التاسع، واسمه الحارث بن عوف، وهي قبيلة كبيرة من أكرم قبائل اليمن جاهلية وإسلامًا، من يعرب بن يشجب بن قحطان، كان جَدُّه الأعلى الحارث بن عوف بن الأصبح، وهو بطن من الحمير، ولذا لُقِّب بذي أصبح، واختلف في ولادته، فقيل: ولد سنة ٩٠هـ، وقيل: سنة ٩٤ هـ، وقيل: سنة ٩٥هـ، قال الذهبي في ((التذكرة)): أما يحيى بن بكير فقال: سمعته يقول: ولدتُ سنة ٩٣هـ ثلاث وتسعين، فهذا أصح الأقوال، انتهى. واختاره السمعاني في ((الأنساب))، وقال: هذا متصل بالسند إلى يحيى بن بكير تلميذ الإمام، واختاره ابن فرحون، وقال: هو الأشهر، وحمل في بطن أمه ثلاث سنين، واختلف في تاريخ ١٥٠ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ وفاته أيضًا، قال ابن فرحون: والصحيح أنها كانت يوم الأحد لتمام اثنين وعشرين يومًا من مرضه في ربيع الأول سنة ١٧٩هـ، فقيل: لعشر مضت، وقيل: الأربع عشرة، ولثلاث عشرة، ولإحدى عشرة، وقيل: لاثنتي عشرة من رجب، ودفن بالبقيع، قال المصنف في ((الإكمال)): هو - أي: مالك - إمام الحجاز، بل الناس في الفقه والحديث، وكفاه فخرًا أن الشافعي من أصحابه، أخذ العلم عن الزهري، ويحيى بن سعيد، ونافع مولى ابن عمر، وهشام بن عروة، وربيعة بن عبدالرحمن، وخلق كثير، قال الزرقاني: أخذ عن تسعمائة شيخ فأكثر، قال: والرواة عنه فيهم كثرة جدًّا، بحيث لا يعرف لأحد من الأئمة رواة كرواته، وقال الذهبي: حدَّث عنه أممٌ لا يكادون يحصون، وروى سعيد بن أبي مريم عن أشهب بن عبد العزيز قال: رأيتُ أبا حنيفة بين يدي مالك كالصبي بين يدي أبيه. وقال الشافعي: قال لي محمد ابن الحسن: أيهما أعلم صاحبنا أم صاحبكم؟ يعني: أبا حنيفة ومالكًا ﴾؟ قال: قلتُ: على الإنصاف؟ قال: نعم، قال: قلت: ناشدتك اللَّه، من أعلم بالقرآن صاحبنا أم صاحبكم؟ قال: اللَّهم صاحبكم، قال: قلت: ناشدتك الله، من أعلم بالسنة صاحبنا أم صاحبكم؟ قال: اللَّهم صاحبكم، قال: قلت: ناشدتك اللَّه، من أعلم بأقاويل أصحاب رسول اللّه وَّله المتقدمين صاحبنا أم صاحبكم؟ قال: اللَّهم صاحبكم، قال الشافعي: فلم يبق إلا القياس، والقياس لا يكون إلى على هذه الأشياء، فعلى أي شيء نقيس؟! ذكره ابن خلكان. ساد مذهبه في الأندلس قضاء وفتيا ولا يزال هو السائد إلى اليوم في المغرب، وقد أطنب الناس من السلف والخلف في ذكر ترجمته في كتبهم، وصنّف جمع منهم تأليفات مفردة بذكر أحواله، منهم الذهبي، وأبو بكر بن أحمد بن مروان المالكي المتوفى سنة ٣١٠هـ، وأبو الروح عيسى بن مسعود الشافعي المتوفى سنة ٧٧٤هـ، وأبو عبد الله محمد بن أحمد التستري المالكي المتوفى سنة ٣٤٥هـ، ومحمد أبو إسحاق بن القاسم بن شعبان المتوفى سنة ٣٥٥هـ، ومحمد أبو بكر بن اللباد بن محمد المتوفى سنة ٣٣٣هـ، والحافظ ابن حجر، والسيوطي وغيرهم، وقد ذكر شطرًا صالحًا من ترجمته، وكشف حال كتابه ((الموطأ)) الشاه عبدالعزيز في (بستان المحدثين))، ١٥١ خُطْبَةُ الْكِتَابِ وَأَبِي عَبْداللَّه مُحَمَّد بْن إِدْرِيس الشَّافِعِي، والشيخ عبدالحي اللكنوي في مقدمة ((التعليق الممجد))، والعلامة القنوجي في ((إتحاف النبلاء)) (ص٣٣٨ - ٣٣٩)، والحافظ في ((تهذيب التهذيب)) (ج ١٠ : ص٣ - ٩)، والمصنف في ((الإكمال))، والقاري في ((المرقاة)) (ج١: ١٧ - ١٨)، وصاحب ((الأوجز)) في مقدمة شرحه لـ((الموطأ)) (ص١١ - ٣٥)، فعليك أن تراجع هذه الكتب. قال الذهبي في ((التذكرة)) (ج١: ص١٩١): قد كنت أفردت ترجمة مالك في جزء وطولتها في ((تاريخي الكبير))، قد اتفق لمالك مناقب ما علمتها اجتمعت لغيره : أحدها: طول العمر، وعلو الرواية. وثانيها: الذهن الثاقب، والفهم، وسعة العلم. وثالثها: اتفاق الأئمة على أنه حجة، صحيح الرواية. ورابعتها: تجمعهم على دينه، وعدالته، واتباعه السنن. وخامستها: تقدمه في الفقه والفتوى، وصحة قواعده، عاش ستًّا وثمانين سنة، انتھی . وقدم المصنِّفُ عليه البخاريَّ ومسلمًا مع كونه أولى وأحرى بالتقديم؛ للشرط الذي لكتابيهما. وقال القاري: أَخِّر عن البخاري ومسلم ذكرًا وإن كان مقدَّمًا عليهما وجودًا ورتبة وإسنادًا لتقدم كتابيهما على كتابه ترجيحًا لعدم التزامه تصحیحًا، انتهى. (وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ إِدْرِيسَ) هو الإمام العلم، حبر الأمة، صاحب المذهب، ناصر الحديث، المجدد لأمر الدين على رأس المائتين، محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد یزید بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف القرشي المطلبي المكي، نزيل مصر أبو عبدالله. (الشَّافِعِيِّ) بكسر الفاء بعدها عين مهملة، نسبة إلى شافع، قيل: لقي شافع النبي وَّ وهو ١٥٢ RE* * مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ مترعرع، وهذا وجه تخصيص النسبة إليه، ثم نسبة أهل مذهبه أيضًا شافعي؛ لأن الاسم إذا كان مختومًا بياء مشددة، فإن كان قبلها أكثر من حرفين وجب حذفها، فتقول في النسبة إلى إسكندرية إسكندري، والشافعي من هذا القبيل، فقول العامة: ((شَافِعوي)) خطأ، ولد بغزة سنة ١٥٠ هـ، على الأصح، وهي سنة وفاة أبي حنيفة، وحمل إلى مكة وهو ابن سنتين، وتوفي عند العشاء الآخر ليلة الجمعة آخر يوم من رجب سنة ٢٠٤هـ، ودفن بعد العصر يوم الجمعة بقرافة مصر، عاش أربعًا وخمسين سنة، قال المصنّفُ بعد ذكر شيء من مناقبه: وفضائله أكثر من أن تحصى، كان إمام الدنيا وعالم الناس شرقًا وغربًا، جمع الله له من العلوم والمفاخر ما لم يجمع لإمام قبله ولا بعده، وانتشر له من الذكر ما لم ينتشر لأحد سواه، سمع مالك بن أنس، وسفيان ابن عيينة، ومسلم بن خالد، وخلقًا سواهم كثيرًا. حدَّث عنه أحمد بن حنبل، وأبو ثور، وأبو إبراهيم المزني، والربيع بن سليم المرادي، وخلق كثير غيرهم، قَدِمَ بغداد سنة خمس وتسعين ومائة فأقام بها أشهرًا، ثم خرج إلى مصر ومات بها، قال القاري: وصنَّف في العراق كتابه القديم المسمى بـ((الحُجَّة))، ثم رحل إلى مصر سنة تسع وتسعين ومائة، وصنف كتبه الجديدة بها، ورجع عن تلك ومجموعها يبلغ مائة وثلاثة عشر مصنّفًا، وسار ذكرها في البلدان، وقصده الناس من الأقطار للأخذ عنه، وكذا أصحابه من بعده لسماع كتبه حتى اجتمع في يوم على باب الربيع تسعمائة راحلة، وابتكر أصول الفقه، وكتاب القسامة، وكتاب الجزية، وقتال أهل البغي، وكان حجة في اللغة والنحو. وقال ابن خلكان: كان الشافعي كثير المناقب، جم المفاخر، منقطع القرين، اجتمعت فيه من العلوم بكتاب الله وسنة الرسول وَّليل وكلام الصحابة وآثارهم واختلاف أقاويل العلماء وغير ذلك من معرفة كلام العرب واللغة العربية والشعر، حتى أن الأصمعي مع جلالة قدره في هذا الشأن قرأ عليه أشعار الهذليين ما لم يجتمع في غيره، حتى قال أحمد بن حنبل: ما عرفتُ ناسخ الحديث من منسوخه حتى جالستُ الشافعي. وقال أبو عبيدٍ القاسمُ بنُ سلام: ما رأيتُ رجلًا قط أكمل من الشافعي. قال ابن خلكان: والشافعيُّ أول من تكلِّم في أصول الفقه، ١٥٣ خُطْبَةُ الْكِتَابِ وَأَبِي عَبْدِاللَّهِ أَحْمَد بْن مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلِ الشَّيْبَانِيِّ، وهو الذي استنبطه، وقد اتفق العلماء قاطبة من أهل الحديث والفقه والأصول واللغة والنحو وغير ذلك على ثقته وأمانته وعدالته وزهده وورعه، ونزاهة عرضه وعفة نفسه وحسن سيرته وعلو قدره وسخائه، وأخبرني أحد المشايخ أنه عمل في مناقب الشافعي ثلاثة عشر تصنيفًا، انتهى. قلت: بل زيادة على ذلك فقد ذكر في ((كشف الظنون)) أحدًا وعشرين تصنيفًا مع العزو إلى مَن صنف هذه التصانيف. وقال ابن الملقن في ((العقد المذهب)): بلغ التصانيف في مناقب الشافعي إلى نحو أربعين مؤلفًا بل زيادة على ذلك، وقال الحافظ في ((توالي التأسيس بمعالي ابن إدريس)): قد سبق إلى التأليف في ذلك من يتعسر استيعابهم بالذكر، أو يطمع في اللحاق بهم المتأخر ولو وسع المجال أو ضيق الفكر، ثم ذكر أسماء بعض من صنّف في ذلك، وعليك أن تراجع ((توالي التأسيس))، فقد ذكر فيه الحافظ شطرًا صالحًا من مناقبه. (وَأَبِي عَبْد اللَّهِ أَحْمَدِ بْنِ مُحمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ) بن هلال بن أسد الإمام الحافظ الحجة صاحب المذهب. (الشَّيْبَانِيِّ) نسبة إلى شيبان بن ذهل بن ثعلبة أحد أجداده، وهو مروزي الأصل، خرجت أمه من مرو وهي حامل، فولدته ببغداد في ربيع الأول سنة ١٦٤ هـ، وتوفي ضحوة نهار الجمعة لثنتى عشرة خلت من ربيع الأول سنة ٢٤١ هـ ببغداد، كان ◌َّهُ إمامًا في الفقه والحديث والزهد والورع والعبادة، وبه عرف الصحيح والسقيم، والمجروح من المعدل، ونشأ ببغداد، وطلب العلم، وسمع الحديث من شيوخها، ثم رحل إلى مكة والكوفة والبصرة والمدينة واليمن والشام والجزيرة، فسمع من يحيى بن سعيد القطان، وابن عيينة، والشافعي، وعبدالرزاق بن الهمام، وخلق كثير. وروى عنه ابناه صالح وعبدالله، وابن عمه حنبل بن إسحاق، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، وأبو زرعة، وأبو القاسم البغوي، وخلق كثير سواهم. قال أبو زرعة: كانت كتبه اثني عشر جملًا، وكان يحفظها على ظهر قلبه، وكان يحفظ ألف ألف حديث. قال الشافعيُّ: خرجتُ من بغداد وما خلَّفتُ بها أحدًا أتقى وأورع ولا أفقه ولا أعلم من أحمد بن حنبل. ١٥٤ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ وَأَبِي عِيسَى مُحَمَّد بْنِ عِيسَى التِّرْمِذِي، ودعي إلى القول بخلق القرآن فلم يجب، فضرب وحبس، وهو مصر على الامتناع، وكان ضربه في العشر الأخير من شهر رمضان سنة عشرين ومائتين، وكان حبسه أيام المعتصم ثمانية وعشرين شهرًا، ثم عرف المتوكل قدره وأكرمه وقدره، وألَّف (المسند الكبير))، أعظم المسانيد وأحسنها وضعًا وانتقادًا، انتقاه من أكثر من سبعمائة ألف حديث وخمسين ألف حديث، ومناقبه كثيرة، وفضائله جمة، وله كرامات جليلة، وقد طول المؤرخون ترجمته، وترجمه الذهبي في ((النبلاء)) في مقدار خمسين ورقة، وأفردت ترجمته بمصنفات مستقلة بسيطة، قال الذهبي في ((التذكرة)): سيرة أبي عبد الله - يعني: الإمام أحمد - قد أفردها البيهقي في مجلد، وأفردها ابن الجوزي في مجلد، وأفردها شيخ الإسلام الأنصاري في مجلد لطيف، انتهى. وقال الحافظ في ((تهذيب التهذيب)) (ج١: ص ٧٥): لم يسق المؤلف - يعني: مصنف ((التهذيب)) - قصة المحنة، وقد استوفاها ابن الجوزي في مناقبه في مجلد، وقبله شيخ الإسلام الهروي، وترجمته في ((تاريخ بغداد)) للخطيب (ج٤ : ٤١٢ - ٤٢٣) مستوفاة، انتهى. قال ابن خلكان: وحرز من حضر جنازته من الرجال فكانوا ثمانمائة ألف، ومن النساء ستين ألفًا، وقال أبو الحسن بن الزاغوني: كشف قبر أحمد حين دفن الشريف أبو جعفر بن أبي موسى إلى جانبه، فوجد کفنه صحیحًا لم يبل، وجنبه لم يتغير، وذلك بعد موته بمائتين وثلاثين سنة. (وَأَبِي عِيسَى مُحمَّد بْن عِيسَى) بن سورة بن الضحاك السلمي الضرير البوغي. (التِّرْمِذِيّ) نسبة إلى تِرْمِذ، واختلف في ضبطها كثيرًا، والمعروف المشهور على الألسنة كسر التاء والميم وبينهما راء ساكنة بوزن إِثْمِد، كما ضبطها صاحب ((القاموس))، قال السمعاني في ((الأنساب)) (ورقة ١٠٥): والناس مختلفون في كيفية هذه النسبة، بعضهم يقول: بفتح التاء المنقوطة بنقطتين من فوق، وبعضهم يقول: بكسرها، والمتداول على لسان تلك البلدة - وكنت أقمت بها اثني عشر يومًا - فتح التاء وكسر الميم، والذي كنا نعرفه قديمًا كسر التاء والميم جميعًا، والذي يقوله المتنوقون وأهل المعرفة: بضم التاء والميم، وكل واحد يقول معنى لما يدعیه، انتهى. وقال الذهبي في ((التذكرة)) (ج١: ص١٨٨): قال شيخنا ابن دقيق العيد: وترمذ بالكسر هو المستفيض على الألسنة حتى يكون كالمتواتر، وهذه البلدة ترمذ قال السمعاني: مدينة قديمة على طرف نهر بلخ الذي يقال له: جيحون، ولد سنة ٢٠٩ هـ، كتبه نصًّا العلامة الشيخ محمد عابد السندي المتوفى سنة ١٢٥٧ هـ بخطه على نسخة من كتاب الترمذي المكتوبة سنة ١٢٢١ هـ المصححة المقابلة على أصل صحيح معتمد، ذكره العلامة الشيخ أحمد محمد شاكر في مقدمة تعليقه على الترمذي (٧٧) قال: ولعلَّه نقل ذلك استنباطًا من كلام غيره من المتقدمين، وقد صرَّح بذلك أيضًا جسوس والبيجوري في شرحهما على الشمائل، وقد ذكرَهُ الذهبي في ((ميزان الاعتدال)) أنه مات في رجب سنة ٢٧٩هـ، وقال: وكان من أبناء السبعين. وقال القاري في ((شرح الشمائل)) بعد أن ذكر وفاته سنة ٢٧٩هـ: وله سبعون سنة. وقال الصلاح الصفدي في ((نكت الهميان)): ولد سنة بضع ومائتين. وقال ابن الأثير في ((جامع الأصول)): ولد في ذي الحجة سنة مائتين(١)، فالله أعلم بصحة ذلك، والأكثر على أنه توفي ليلة الإثنين الثالث عشر من رجب سنة ٢٧٩ هـ، وقيل: سنة ٢٧٥ هـ، وقيل: سنة ٢٧٧ هـ، والصواب الأول. وهو نَّتُهُ أحد الأئمة الحفاظ الأعلام المبرزين الذين يُقتدى بهم في علم الحديث، صنف ((الجامع)) والتواريخ و((العلل)) تصنيف رجل عالم متقن، كان يضرب به المثل في الحفظ، قد امتحنه بعض المحدثين بأن قرأ له أربعين حديثًا من غرائب حديثه، فأعادها من صدره، فقال: ما رأيتُ مثلك. ونقل الحاكم أبو أحمد عن عمر بن علك أنه قال: مات البخاري فلم يخلف بخراسان مثل أبي عيسى في العلم والحفظ والورع والزهد، بكى حتى عمي، وبقي ضريرًا سنين، وذكره ابن (١) كذا نقله شيخنا في مقدمة ((شرح الترمذي)) (ص١٦٧)، والذي في ((جامع الأصول)) طبعة مصر (ج١: ص١١٤): ولد سنة تسع ومائتين. SCIEADE ١٥٦ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ حبان في ((الثقات))، وقال: كان ممن جمع وصنف وحفظ وذاكر، وقال أبو الفضل البيلماني: سمعت نصر بن محمد الشيركوهي يقول: سمعت محمد بن عيسى الترمذي يقول: قال لي محمد بن إسماعيل - يعني: البخاري: ما انتفعت بك أكثر مما انتفعت بي، وقال ابن خلكان: وهو تلميذ أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، وشاركه في بعض شيوخه، مثل قتيبة بن سعيد، وعلي بن حجر، وابن بشار وغيرهم، وقال الشيخ أحمد المصري في مقدمة تعليقه: الترمذي تلميذ البخاري وخريجه، وعنه أخذ علم الحديث، وتفقه فيه، ومرن بين يديه، وسأله، واستفاد منه، وناظره فوافقه وخالفه كعادة هؤلاء العلماء في اتباع الحق حيث كان، وفي إنكار التقليد والإعراض عنه، وقد طاف البلاد وسمع خلقًا من الخراسانيين والعراقيين والحجازيين كما في ((التهذيب))، والرواة عنه كثيرون، ذكر بعضهم في ((تذكرة الحفاظ)) وفي ((التهذيب))، وأهمهم عندنا ذكرًا المحبوبي راوي كتاب ((الجامع)) عنه، ترجم له ابن العماد في ((شذرات الذهب)) (ج٢: ص٣٧٣) فقال: أبو العباس المحبوبي محمد بن أحمد بن محبوب المروزي، محدث مرو وشيخها ورئيسها، توفي في رمضان سنة ٣٤٦هـ، وله سبع وسبعون سنة، روى ((جامع الترمذي)) عن مؤلفه، وروى عن سعيد بن مسعود صاحب النضر بن شميل وأمثاله. ووصفه السمعاني في ((الأنساب)) (ورقة ٥١١): شيخ أهل الثروة من التجار بخراسان وإليه كانت الرحلة، وقد أراد البخاري أن يشهد لتلميذه الترمذي شهادة قيمة فسمع منه حديثًا واحدًا كعادة كبار الشيوخ في سماعهم ممن هو أصغر منهم، انتهى كلام الشيخ أحمد مختصرًا. قلت: بل سمع البخاري من الترمذي حديثين، ذكر أحدهما في تفسير سورة الحشر، والثاني في مناقب عليٍّ، وقال المصنف: وللترمذي تصانيف كثيرة في علم الحديث، وهذا كتابه ((الصحيح)) أحسن الكتب وأكثرها فائدة وأحسنها ترتيبها وأقلها تكرارًا، وفيه ما ليس في غيره من ذكر المذاهب ووجوه الاستدلال وتبيين أنواع الحديث من الصحيح والحسن والغريب، وفيه جرح وتعديل، وفي آخره خُطْبَةُ الْكِتَابِ ١٥٧ وَأَبِي دَاوُدْ سُلَيْمَانِ بْنِ الأَشْعَثِ السَّجِسْتَانِيِّ، كتاب ((العلل))، وقد جمع فيه فوائد حسنة لا يخفى قدرها على من وقف عليها(١). وارجع للبسط والتفصيل إلى مقدمة ((تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي))، وإلى ((مقدمة تعليق الترمذي)) للشيخ أحمد محمد شاكر المصري. (وَأَبِي دَاوُدْ سُلَيْمَانَ بْنِ الأَشْعَثِ) بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو بن عمران الأزدي. (السِّجِسْتَاني) بكسر السين المهملة - وتفتح - وبكسر الجيم وسكون السين الثانية بعدها تاء مثناة من فوقها وبعد الألف نون، نسبة إلى سجستان معرب سيستان الأقليم المشهور بين خراسان وكرمان، ويقال في النسبة إلى سجستان: (سَجْزِي)) أيضًا، وقد نسب أبو داود وغيره كذلك، وهو عجيب التغير في النسب، ولد سنة ٢٠٢هـ، وتوفي بالبصرة يوم الجمعة منتصف شوال سنة ٢٧٥ هـ عن ثلاث وسبعين سنة. وهو الإمام الثبت أحد حفاظ الحديث وعلله، وفي الدرجة العليا من النسك والصلاح وعلم الفقه والورع والإتقان، أحد من رحل وطوف البلاد وجمع وصنف، وسمع بخراسان والعراق والجزيرة والشام والحجاز ومصر، وقدم بغداد مرارًا، ثم نزل البصرة وسكنها، وأخذ عن أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وقتيبة بن سعيد وعبدالله بن مسلمة ومسدد بن مسرهد ومحمد بن بشار، وغير هؤلاء أئمة الحديث ممن لا يحصى كثرة. وحدث عنه ابنه أبو بكر عبدالله بن أبي داود، وكان من أكابر الحفاظ ببغداد عالمًا متفقًّا عليه إمام بن إمام، وحدَّث عنه أيضًا أبو عيسى الترمذي صاحب ((الجامع))، وأبو عبدالرحمن النسائي صاحب ((السنن)) المشهورة، وأحمد بن محمد الخلال، وروى عنه شيخه أحمد بن حنبل فرد حدیث، أي: حديث العتيرة، کان أبو داود يفتخر بذلك، وروى عنه خلق سوی هؤلاء. (١) وكتاب ((العلل)) هذا الملحق بكتاب ((الجامع)) (سنن الترمذي) معروف بـ((العلل الصغير))، وقد شرحَهُ ابن رجب الحنبلي المتوفى سنة ٧٩٥، وطبع هذا الشرح في بغداد سنة ١٣٩٦ هـ بتحقيق السيد صحبي جاسم الحميدي البدري السامرائي، وللتر مذي أيضًا كتاب ((العلل الكبير))، ذكره ابن النديم في ((الفهرست)) ص(٣٣٩) قال السيد صبحي: لم أقف عليه ولعله فقد. ١٥٨ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ وَأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنْ أَحْمَدِ بْنِ شُعَيْبِ النَّسَائِيِّ، قال أبو بكر الخلال: أبو داود هو الإمام المقدم في زمانه، رجل لم يسبقه إلى معرفته بتخريج العلوم وبصره بمواضعه أحد في زمانه. وقال ابن حبان: أبو داود أحد أئمة الدنيا فقهًا وعلمًا وحفظًا ونسكًا وورعًا وإتقانًا، وقال الحافظ موسى بن هارون: خُلِقٍ أبو داود في الدنيا للحديث وفي الآخرة للجنة، وما رأيت أفضل منه، قال أبو داود: كتبتُ عن رسول اللَّه وَلِّ خمسمائة ألف حديث، انتخبتُ منها ما ضمنته هذا الكتاب، جمعتُ فيه أربعة آلاف حديث وثمان مائة حديث، ذكرت الصحيح وما يشبهه وما يقاربه، وقال: ما ذكرت فيه حديثًا أجمع الناس على تركه. وعرض كتابه هذا على شيخه أحمد بن حنبل فاستجاده واستحسنه، وارجع للبسط إلى ((تاريخ بغداد)) (ج٩: ص٥٥ - ٥٩)، و((التهذيب)) (ج٤: ١٦٩ - ١٧٣)، و((التذكرة)) (ج ٢: ١٦٨ - ١٧٠)، و((بستان المحدثين))، و((إتحاف النبلاء)) (٢٥٦ - ٢٥٧)، وغير ذلك من كتب التواريخ والتراجم. (وَأَبِي عَبْد الرَّحْمَنِ أَحْمَدِ بْنِ شُعَيْب) بن علي بن سنان بن بحر بن دينار، الحافظ الإمام القاضي صاحب السنن المشهورة. (النَّسَائِيّ) نسبة إلى نَسَأ - بفتح النون والسين المهملة وبعدها همزة، يعني: بالقصر - وهي مدينة بخراسان، وقال صاحب ((مجمع البحار في المغني)): النسائي بنون مفتوحة وخفة سين مهملة ومد وهمزة نسبة إلى نساء، مدینة بخراسان، و كذا ضبطه طاش کبری زاده، قال شيخُنا في مقدّمة شرحه لـ((جامع الترمذي)) (ص ٦٥): النسائي بالمد والنسائي بالقصر كلاهما صحيح، فإن الظاهر أن مدينة نساء التي هي بخراسان، يقال لها: نساء ونسأ بالوجھین، انتهى. ولد سنة ٢١٤هـ، أو سنة ٢١٥ هـ، أو سنة ٢٢١هـ، على اختلاف الأقوال، والراجح هو القول الثاني، وتوفي برملة من أرض فلسطين، وقيل: بمكة يوم الاثنين لثلاث عشرة خلت من صفر ، وقيل: من شعبان سنة ٣٠٣ . قال الذهبي في ((مختصره)): عاش ثمان وثمانين سنة. قال الحافظُ: وكأنه بناه على ما تقدم من مولده فهو تقريب، انتھی . ١٥٩ خُطْبَةُ الْكِتَابِ وهو نَّهُ أحد الأئمة الحفاظ العلماء الفقهاء، لقي المشايخ الكبار، وأخذ الحديث عن قتيبة بن سعيد وهناد بن السري ومحمد بن بشار وعلي بن حجر ومحمود بن غيلان وأبي داود سليمان بن الأشعث وغير هؤلاء من المشايخ الحفاظ، وأخذ عنه الحديث خلق كثير، ومنهم الطبراني والطحاوي وأبو بكر بن السني الحافظ، وله كتب كثيرة في الحديث والعلل وغير ذلك، قال أبو الحسين بن المظفر: سمعتُ مشايخنا بمصر يعترفون لأبي عبد الرحمن النسائي بالتقدم والإمامة، ويصفون من اجتهاده في العبادة بالليل والنهار ومواظبته على الحج والجهاد، وإقامته السنن المأثورة واحترازه عن مجالس السلطان، وإن ذلك لم يزل دأبه إلى أن استشهد، وقال الحاكم: سمعتُ عمرو بن علي الحافظ غير مرة يقول: أبو عبد الرحمن مقدم على كلِّ مَن يذكر بهذا العلم من أهل عصره. وقال مرة: سمعتُ عمرو بن علي يقول: النسائي أفقه مشايخ مصر في عصره، وأعرفهم بالصحيح والسقيم، وأعلمهم بالرجال، فلما بلغ هذا المبلغ حسدوه، فخرج إلى الرملة، فسئل عن فضائل معاوية فأمسك عنه، فضربوه في الجامع، فقال: أخرجوني إلى مكة، فأخرجوه وهو عليل، وتوفي مقتولًا شهيدًا، وقال: أما كلام أبي عبد الرحمن على فقه الحديث فأكثر من أن يذكر، ومن نظر في كتابه ((السنن)) تحير، قال السيد جمال الدين المحدث: صنف النسائي في أول الأمر كتابًا يقال له: ((السنن الكبير)) للنسائي، وهو كتاب جليل لم يكتب مثله في جمع طرق الحديث وبيان مخرجه، وبعده اختصره وسماه بـ((المجتنى)) - بالنون، وسبب اختصاره أن أحدًا من أمراء زمانه سأله: أن جميع أحاديث كتابك صحيح؟ فقال في جوابه: لا، فأمره الأمير بتجريد الصحاح وكتابة صحيح مجرد، فانتخب منه ((المجتنى))، وكل حديث تكلم في إسناده أسقطه منه، فإذا أطلق المحدثون بقولهم: ((رَوَاهُ النَّسَائِي))، فمرادهم هذا المختصر المسمى بـ((المجتنى))، لا الكتاب الكبير، كذا في ((المرقاة))، وقال ابن الأثير (ج١: ص١١٦): وسأله بعض الأمراء عن كتابه ((السنن)) أكله صحيح؟ فقال: لا، قال: فاكتب لنا الصحيح منه مجردًا، فصنع ((المجتبى))، فهو ((المجتبى من السنن))، ترك كل حديث أورده في ((السنن)). ((الْكَبِيرَة)) مما تكلم في إسناده بالتعليل، رواه ابن عساكر، وسماه المجتنى بالنون أو