Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢٠
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
فقال: لا تُكفِّرنَّ أحدًا بذنب ولا تنفِ أحدًا به من الإيمان وتأمر بالمعروف وتنهى
عن المنكر وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطِئك وما أخطأك لم يكن يُصيبك، ولا
تتبرّأ من أحدٍ من أصحاب رسول الله وَلَه، ولا تُوال أحدًا دون أحدٍ وأن تَرُدَّ أمر
عثمان وعلي إلى الله رَت إلى أن قال:
قال أبو حنيفة عمن قال: لا أعرف ربِّي في السَّماء أم في الأرض فقد كفر لأن الله
٥﴾ [طه: الآية ٥] وعرشه فوق سماواته. قلتُ: فإن
يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اُسْتَوَى
قال: إنه على العرش استوى ولكنه يقول: لا أدري العرش في السماء أم في
الأرض؟ قال: هو كافر لأنه أنكر أن يكون في السماء لأنه تعالى في أعلى علِّيين وأنه
يُدعى من أعلى لا من أسفل.
وفي لفظ: سألت أبا حنيفة عمن يقول: لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض
﴾ [طه: الآية ٥]
قال: قد كفر، قال: لأن الله يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ أَسْتَوَى
وعرشه فوق سبع سماوات، قال: فإنه يقول: على العرش استوى ولكن لا يدري
العرش في الأرض أو في السماء، قال: إذا أنكر أنه في السماء فقد كفر ففي هذا
الكلام المشهور عن أبي حنيفة عند أصحابه أنه كَفّرَ الواقف الذي يقول لا أعرف
ربي في السماء أم في الأرض، فكيف يكون الجاحِدُ النافي الذي يقول: ليس في
السماء أو ليس في السماء ولا في الأرض(١) وذكر شارح العقيدة الطحاوية ابنُ أبي
العز الحنفي: وكلام السلف في إثبات صفة العُلُو كثير جدًّا، ثم ذكر من طريق
شيخ الإسلام أبي إسماعيل الأنصاري من كتابه الفاروق بسنده إلى أبي مُطيع
البلخي مثل ما ذكره ابن تيمية نَّتُهُ، ثم قال:
ولا يُلْتفتُ إلى من أنكر ذلك ممن ينتسب إلى مذهب أبي حنيفة، فقد انتسب إليه
طوائفُ مُعتزلة وغيرهم مخالفون له في كثير من اعتقاداته، وقد ينتسب إلى مالك
والشافعي وأحمد من يُخالفهم في بعض اعتقاداتهم(٢).
وكذلك المالكية قد خالفوا الإمام مالكًا في مسائل العقيدة، فقد روى عبد الله
(١) ((مجموع فتاوى شيخ الإسلام)) (٥/ ٤٧ - ٤٨).
(٢) ((شرح العقيدة الطحاوية)) (ص ٣٢٢ - ٣٢٣).

٢١
مُقَدِمَةٌ أ.د/ وَصي الله
ابن الإمام أحمد في السُّنة بسنده عن مالك بن أنس تَخّْتْهُ قال: الله في السماء،
وعِلْمه في كل مكان لا يخلو منه شيء.
وساق البيهقي بإسناد صحيح عن ابن وهب قال: كنت عند مالك فدخل رجل
فقال: يا أبا عبد الله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ أَسْتَوَى ﴾﴾ [طه: الآية ٥] كيف استوى فأطرق
مالك وأخذتْه الرُحَضاء ثم رفع رأسه فقال: الرحمن على العرش استوى؟! كما
وصف نَفْسه، ولا يُقال: كيفَ وكيفَ عنه مرفوع، وأنت صاحب بدعة، أخرجوه.
وروی یحیی بن یحیی التيمي وجعفر بن عبد الله وطائفة قالوا:
جاء رجل إلى مالك فقال: يا أبا عبد الله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (@)﴾ [طه: الآية ٥]
كيف استوى؟ قال: فما رأيت مالكًا وجد من شيء كموجدته من مقالته، وعلاه
الرحضاء. يعني العرق وأطرق القوم، فسري عن مالك وقال: الكيف غير معقول،
والاستواء منه غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وإني أخاف
أن تكون ضالاً، وأمر به فأخرج(١).
وكذلك الشافعية خالفوا الإمام الشافعي في مسائل العقيدة.
قال الشافعي: القول في السنة التي أنا عليها، ورأيت عليها الذين رأيتهم، مثل
سفيان ومالك وغيرهما، الإقرار بشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله،
وأن الله على عرشه في سمائه، يقرب من خلقه كيف شاء، وينزل إلى السماء الدنيا
كيف شاء ... وذكر سائر الاعتقاد.
وقال: لله تعالى أسماء وصفات لا يَسَع أحدٌ قامت عليه الحجّة ردَّها.
قال: فإن خالف بعد ثبوت الحُجّة عليه فهو كافر، فأما قبل ثبوت الحجة عليه
فمعذور بالجهل لأن علم ذلك لا يُدرَك بالعقل ولا بالرَوِيّة والفِكْر، ويُثبتُ هذه
الصفات وينفي عنها التَّشْبيه كما نفى عن نفسه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ
(٢)
[الشورى: ١١] (١) .
اُلْبَصِيرُ
(١) ((مختصر العلو)) (ص ١٤٠ - ١٤١).
(٢) ((مختصر العلو)) (١٧٧).

٢٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وأما الإمام أحمد بن حنبل فالمنقول عنه في باب العقيدة والسنة وعدم تأويل
الأسماء والصفات طيّب كثير مبارك فيه. فهو حامل لواء السنة والصابر في محنة
إحياء السُّنة فقد تواتر عنه تكفير من قال بخلق القرآن حَلَّ مَنْزلُه وإثبات الأسماء
والصفات والعلو، وتقديم التسخين وأن الإيمان يزيد وينقص إلى غير ذلك من
عقود الديانة مما يطول شرحه(١).
فالفقه في الدين عقيدة وأحكامًا فقهٌ أكبر، وفقه الفروع كله يجب أن يكون على
منهج النَّبِّ ◌ٍَّ وأصحابه والتَّابِعِينَ لهم بإحسان على فهم الصَّحَابَةِ.
فوجب على الأمة في باب العقيدة أن تؤمن بجميع ما أخبر الله عن نفسه أو
رسوله وَ ل# من غير تأويل ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل على ما أراد الله ورسوله
وعلى ما فهم صحابة رسول الله وَ لَه عن النَّبِيِّ وَلهبلا واسطة، وعلى فهمهم كمل
الدين تحت نعمة الله على أمة محمد وَله به، وأجمع صحابة رسول الله مَّ ل عليه.
في حياة النَّبِيِّ وَّةٍ وبعد ما التحق النَّبِيُّ وَّه بالرفيق الأعلى، أجمع عليه من اتبعهم
بإحسان من التَّابِعِينَ وأتباعهم في خير القرون من الذين ينعقد بهم الإجماع.
وما حدثت بدعة الخروج والتشيع النَّصب والقدر إلا من الشذوذ من أمة محمد
وَلَه واعتبرهم الصَّحَابَةُ والتَّابِعُونَ مخالفين لما جاء به الذي وجبت على الناس
طاعته - أعني نبينا محمدًا مَّله - وكانوا منبوذين مردودين ومردودًا عليهم من عامة
الصَّحَابَةِ والأئمة والأمة.
وهذه مسألة اجتماعية لا يجوز للأمة الاختلاف فيها، فقد انعقد الإجماع عليها
من أفضل الناس بعد رسول الله وَلّ، فإن كان إجماع يتصور حصوله في زمن
الصَّحَابَةِ في مسألة ما فمسألة الإيمان بالله وبصفاته من غير تأويل ولا تعطيل ولا
تكييف ولا تمثيل. ومخالفهم أليس يعتبر مخالفًا للإجماع؟ بلى.
وبعد هذا الإجماع الذي لا يقدر أن ينكره رجل يحترم دينه وعقله، قدَّر الله ابتلاءً
وامتحانًّا للأمة والحياة كلها ابتلاء أن تبرز في أفق البلاد الإسلامية بعد خير القرون
مذاهب عقدية أخرى - أيضًا. إعتزال وتجهم وأشعرية وماتريدية - وهي بزعمهم
(١) ((العلو للعلي الغفار)) (ص١٣٠)، ومختصره (ص ١٨٩).

٢٣
مُقَدِمَةٌ أ.د/ وَصي الله
عقلية أدخلوا فيها اصطلاحات فلسفية، العرض والجوهر والعلم اليقيني والظني،
وشبهوا الله بالخلق أولًا فنفوا التشبيه عنه فوصل بهم إلى تعطيل صفات الله عن
طريق تأويلها وحملها ما لم تتحمل ولا حملها عليه أفضل الخلق ولا أصحابه،
وهذه التأويلات الباطلة مَسخَت صورة العقيدة الصافية التي كان يفهمها البادي
أغرق الناس في البداوة في عهد النَّبِيِّ نَّةٍ وصحابته الأبرار، ولم يستشكل هو ولا
غيره منها شيئًا. وبحقٌّ كانوا خير القرون على الإطلاق لإسلامهم الكامل وإيمانهم
التام به .
وسمى الخلف علم التوحيد علم الكلام، وذلك لعله لأجل أنه حصل فيه كلام
كثير ومناظرات ومناقشات عقلية غير سلفية من الطوائف المختلفة، بعد أن لم يكن
فيه من صحابة رسول الله وَلّ إلا السمع والإيمان به كما جاء. وإذا ذهبت أيها
القارئ الكريم وزُرت المكتبات الشهيرة في العالم تجد في فهارسها ذُكِرَتْ كتبُ
التوحيد تحت عنوان ((علم الكلام)).
ذكر النواب صديق حسن خان رَّهُ ((علم الكلام)) ونقل عن ابن خلدون قوله:
علمُ الكلام هو علم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية، والرد
على المبتدعة المنحرفين في الاعتقادات عن مذاهب السلف وأهل السنة، وسر
هذه العقائد الإيمانية هو التوحيد.
ونقل عن أبي الخير في ((موضوعاته)) قال: هو علم يقتدر به على إثبات العقائد
الدينية بإيراد الحجج عليه ودفع الشبه عنها، وموضوعه ذات الله تعالى وصفاته عند
المتقدمين .
ونقل عن الغزالي في ((الإحياء)) قوله: وحاصل ما يشتمل عليه علم الكلام من
الأدلة التي ينتفع بها فالقرآن والأخبار مشتملة عليه، وما خرج عنهما فهو إما
مجادلة مذمومة وهي من البدع، وإما مشاغبة بالتعلق بمناقضات الفرق، وتطويل
بنقل المقالات التي أكثرها ترَّهات وهذيانات تزدريها الطباع وتمجُّها الأسماع،
وبعضها خوض فيما لا يتعلق بالدين، ولم يكن شيء منها مألوفًا في العصر الأول
وكان الخوض فيه بالكلية من البدع(١).
(١) انظر: ((بحر العلوم)) (ص ٤٨٠).

٢٤
#
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
وما ورد ذكر المبتدعة في قول ابن خلدون لعله يقصد بهم مع الفرق الأخرى غير
الأشعرية المثبتة لصفات الله. وما ورد في قوله مذاهب السلف وأهل السُّنة فأظن
أنه يقصد به الأشاعرة فقط، فالدعوة المخلصة موجهة إلى العلماء الذين يقودون
الأمة للفِكْر والتحقيق في مسائل الدين عامةً والتوحيد خاصةً، هل هم مطمئنون بما
يعيشون عليه من العقائد المخالفة لما كانت عليه عقيدة النَّبِيِّ نَّهِ وأصحابه الذين
رضي الله عنهم ورضوا عنه.
وكيف يطمئن بمخالفة ما كان عليه النَّبِيُّ ◌َلَّ وأصحابه قلبُ رجل يرجو لقاء ربه،
ويؤمن أنه سيكلمه ربه ليس بينه وبين الله ترجمان، وهل يمكن لأحد يعتقد عقائد
الأشعرية والماتريدية أن يقول لنا: إن عقيدة النَّبِيِّ وَّه وأصحابه كانت أشعرية أو
ماتريدية، لا يمكن أن يقول هذا القول - الذي لا أكذب فيه - عاقلٌ، والله
المستعان .
ثم لا ندري ما هو السبب أن المقلدين لأئمة المذاهب لم يُقَّدوا الأئمة في
طريقة السلوك وتزكية النفوس، بل تركوا طريقة الأئمة الذين كانوا على طريقة
النَّبِيِّ وَّهَ والصَّحَابَةِ، وأوجدوا طرقًا مختلفة النقشبندية والحبشية والقادرية
والسهروردية والرفاعية والتيجانية وغيرها، وربطوا الأمة بها باصطلاحات
مبتدعة: الشيخ والمريد، والبيعة للمشايخ، والمراقبة ثم اخترعوا أورادًا وأذكارًا
خاصَّةً لكل طريق، وطرقًّا مختلفة لأداء هذه الأذكار، سرًّا أو جهرًا، بهدوء أو
برقص وغناء !! أمور تثير العجب.
وهل يمكن لمن يحب الله والرسول وَله أن يدَّعي لنا ويصرح بأن هذه الطرق
المختلفة ولأداء وظائف هذه الطرق هي على طريقة الرسول وَله والصَّحَابَةِ والأئمة
الذين يقلدونهم، لا يمكن أن يدعي أحد يحترم نَبِيَّه وأصحابه ودينه وعقله، لذا
ندعو الناس جميعًا والعلماء خاصة أن يتخذوا دينهم عقيدة وأحكامًا وزهدًا وسلوًا
وتزكية على منهج الله ورسوله، ولا يمكن هذا إلا بعد أن نؤمن أن إمام الأئمة
محمدٌ رسول الله وَله والأئمة كلهم أوصونا به، فالأئمة كلّهم عقيدة وعملا هم من
أصحاب الحديث السلفيين فننصح المتفقه عامة بما نصح به شيخ الإسلام ابن تيمية
رحمة الله عليه قال :
جاءني بعض الفقهاء من الحنفية فقال: أستشيرك في أمرٍ، قلتُ: وما هو؟ قال:

٢٥
مُقَدِمَةٌ أ.د/ وَصى الله
أريد أن أنتقل من مذهبي، قلتُ له: ولِمَ؟ قال: لأني أرى الأحاديث الصَّحِيحَةَ
كثيرًا تخالفه، واستشرتُ في هذا بعض أئمة أصحاب الشافعي فقال لي: ولو
رجعت عن مذهبك لم يرتفع ذلك من المذهب، وقد تقررت المذاهب ورجوعك
غير مفيد، وأشار عليَّ بعض مشايخ التصوُّف بالافتقار إلى الله والتضرع إليه وسؤال
الهداية لما يحبه ويرضاه، فماذا تشير عليَّ أنت؟ قال ابن تيمية: فقلت له: اجعل
المذهب ثلاثة أقسام: قسم الحق فيه ظاهر بيِّن موافق للكتاب والسنة، فاقض به
وأنت طيب النفس منشرح الصدر. وقسم مرجوح ومخالفٌ معه الدليل، فلا تُمتِ
بهِ ولا تحكم به وادفعه عنك. وقسم من مسائل الاجتهاد التي الأدلة فيها متجاذبة
فإن شئت أن تفتي به، وإن شئت أن تدفعه عنك.
فقال: جزاك الله خيرًا. أو كما قال(١).
هذا هو الفقه الصحيح الواجب على علماء الأمة، ولكن الأمر قد تغير منذ القديم
كما ظهر من كلام شيخ الإسلام ت (٧٢٨هـ) ومعاصره المستثير منه، وقد اقترح أبو
شامة المقدسي ت (٦٦٥هـ) قبل الإمام ابن تيمية مثل هذا الاقتراح للفقه الراجح
بالكتاب والسنة، فقال: ((لم أزل منذ فتح الله عليَّ بالاشتغال بعلم الشريعة، وفهم
ما ذكرت من الاتفاق والاختلاف ودلالات الكتاب والسنة مهتمًا بجمع كتاب يجمع
أو يقاربه، توفيقًّا من الله لمعاودة الأمر الأول، وهو ما كان عليه الأئمة المتقدمون
من استنباط الأحكام من الأصلين، مستظهرين بأقوال السلف فيها، طلبًا لفهم
معانيها، ثم يصار إلى الراجح منها بطريقة وردت لو كان كفاني ذلك غيري ممن هو
في زمني، أو وجدت أحدًا من أصحابنا فعله قبلي، بل مال كل مصنّف من أصحابنا
ومن غيرهم إلى التعصب لمذهبه، وترجيح قول إمامه في كل ما أتى به.
وكان الواجب على الجميع نظرهم بعين الإنصاف في كل ما وقع فيه الاختلاف
والصِّرورة إلى القول الراجح، وهو الأقرب إلى ما دل عليه الأصلان الكتاب
والسنة فيزول الخلاف في كثير من المسائل، ولا يتقي منها إلا القليل على ما ستراه
من السبيل إن شاء الله تعالى.
(١) أورد ابن القيم في ((إعلام الموقعين)) (١٦٥/٦ - ١٦٦).

٢٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْعُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
وهذا الكتاب أرجو أن أكون ألممتُ فيه بامتثال أمر الله رَ في قوله سبحانه:
﴿فَإِن نَزَعْثُمْ فِى شَىْءٍ فَرُدُوهُ إِلَى اللَّهِ وَاَلَّسُولِ﴾ [النساء: الآية ٥٩].
قال الشافعي ◌َّتْهُ في كتابه ((الرسالة)): يعني - والله أعلم - إلى ما قال الله
والرسول إن عرفتموه، وإن لم تعرفوه سألتم الرسول عنه، ومن تنازع من بعد
رسول الله وَالله ردَّ الأمر إلى قضاء الله ثم قضاء رسوله، فإن لم يكن فيما يتنازعون
فيه قضاءٌ فيهما، ولا في واحد فيهما ردُّوه قياسًا على أحدهما.
قلت: ولم يختلف المفسرون - فيما وقفت عليه من كتبهم - في أن معناها إلى
كتاب الله وسنة رسوله، وتقدير ذلك فرده إلى قول الله تعالى وقول الرسول فيجب
رد جميع ما اختلف فيه إلى ذلك، فما كان أقرب إليه اعتقد صحَّته وأُخذِ به، ولذلك
قال عمر بن الخطاب رَوَّهُ: ((ردُّوا الجهالات إلى السنة))، وفي رواية: ((يُرد
الجهالات إلى السُّنة)) (١).
هذه كانت طريقة العلماء والأعلام أئمة الدين كما سبق ذكره(٢).
وقد شكى التعصب المذهبي الإمام عز الدين بن عبد السلام المتوفى قبل أبي
شامة المقدسي سنة (٦٦٥) قال: ومن العجيب أن الفقهاء المقلّدين يقف أحدهم
على ضعف مأخذٍ إمامه بحیث لا يجد لضعفه مدفعًا، ومع هذا يُقلِّده فيه ويترك من
الكتاب والسنة والأقيسة الصَّحِيحَةِ لمذهبه جمودًا على تقليد إمامه، يتحيل لدفع
ظواهر الكتاب والسُّنة، ويتأولها التأويلات البعيدة الباطلة نضالاً عن
مقلّده ... إلخ))(٣)
وقد صاحب هذا التعصب المخالف للسُّنة القرون الماضية وفي وقت قريب في
الماضي، قال أحد علماء الحنفية الكبير الشأن فيهم في كتابه الذي جُمعَ من تدريسه
لـ((سنن الترمذي) وطبع باسم ((تقرير الترمذي))، قال بعد ذكر الأدلة: الحق
(١) رواه معبد بن منصور (٣٥٥/١) بإسناد صحيح عن مسروق عن عمر، ومسروق صلى خلف أبي بكر
ولقي عُمر: ((التهذيب)) (١/ ١١١)، وذكره البخاري معلقًا في ((خلق أفعال العباد)) (رقم ١٦٣).
(٢) خطبة الكتاب الموصل للردِّ إلى الأمر الأول (ص ١٠٧، ١٠٨).
(٣) ((قواعد الأحكام)) (٢ / ١٣٤).

مُقَدِمَةٌ أ.د/ وَصي الله
٢٧
والإنصاف أن الترجيح للشافعي في هذه المسألة، ونحن مُقلَّدون يجب علينا تقليد
إمامنا أبي حنيفة (١) .
والأمر في التعصب للمذاهب أوضح من أن يوضح، وقد ذاقت الأمة الأمرين
من هذا التعصب البغيض على مدى التاريخ الإسلامي، وقد توارثت الأمة من
قديم الدهر التفرق والاختلاف، وأخلدت إليها، فانفصلت مدارس الطوائف عن
غيرها والطالب يقرأ في الكتب ويسمع من الأساتذة: إمامنا وإمامهم، أصحابنا
وأصحابهم، كتبنا وكتبهم، مذهبنا ومذهبهم، حتى إن الربط والمساكن
والمكتبات الدينية كانت توقف للمذاهب الخاصة (٢)، ولذلك نشأت الأجيال من
الأمراء والحكام والعوام على هذا الفكر، وكلما قويت دولة تتبع أحد المذاهب
انتشر فقهه وعلماؤه وأوذي من خالفه، وضُيِّق عليهم حتى وصل الحال إلى أن
اقتسموا المسجد الحرام ومساجد الله الأخرى، وجعلوا فيها مقامات ومُصلّيات
خاصة بالأئمة الأربعة، وهذا أمر لا يرضي الله ولا رسوله ولا الأئمة ولا المؤمنين
المخلصين لحُبِّ الله ورسوله، الذين لا يتخذون من دون الله ولا رسوله ولیجة،
بل وجعلوا في المسجد الحرام مصلى خامسًا للزيدية في بعض السنن، حج ابن
جُبير الأندلسي سنة (٥٧٨)، وكتب رحلته، قال فيها: ((وللحرم أربعة أئمةٍ سُنّة،
وإمام خامس لفرقة تسمى ((الزيدية)) وأشراف هذه البلدة على مذهبهم، وهم
يزيدون في الأذان ((حي على خير العمل)) إثر قول المؤذن: حيَّ على الفلاح وهم
روافض سَبَئيون والله من وراء حسابهم، ولا يجتمعون مع الناس (أي: لا يصلون
الجمعة) إنما يصلون ظهرًا أربعًا، ويصلون المغرب بعد فراغ الأئمة من
(٣)
صلاتها))(٣).
وكما قلت: إن هذا التفرق والتعصب صاحب تاريخ الأمة حتى وصل الحال إلى
أن متقدمهم وهو أبو الحسن الكرخي عُبيد الله بن الحُسين المولود في (٢٦٠هـ)،
المتوفى سنة (٣٤٠ هـ) الذي انتهت إليه رئاسة الحنفية بالعراق مولده ووفاته في
(١) (تقرير الترمذي)) (ص ٣٩).
(٢) انظر: كتاب ((الدارس في تاريخ المدارس))، وكتاب ((العقد الثمين)) للفاسي.
(٣) ((رحلة ابن جبير)) (ص ٧٠).

٢٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
الكرخ وألف ببغداد ((الرسالة في الأصول)) التي عليها مدار فروع الحنفية،
و(شرح الجامع الصغير))، و((الجامع الكبير)) (١).
قال هذا الرئيس: الأصل أن كل آية تخالف قول أصحابنا فإنها تحمل على
النسخ أو على الترجيح، والأولى أن تُحمل على التأويل من التوفيق.
وقال: الأصل أن كل خبر يجيء بخلاف قول أصحابنا فإنه يُحمل على النسخ أو
على أنه مُعارض بمثله، ثم يُصار إلى دليل آخر أو ترجيح فيه بما يحتج به أصحابنا
من وجوه الترجيح أو يُحمل على التوفيق، وإنما يفعل ذلك على حسب قيام
الدليل، فإن قامت الأدلة على النسخ يحمل عليه، وإن قامت على غيره صرنا إليه.
وقال: الأصل أن الحادثة إذا وقعت ولم يجد المؤول فيها جوابًا ونظيرًا في كتب
أصحابنا فإنه ينبغي له أن يستنبط جوابها من غيرها، إما الكتاب أو السنة أو غير ذلك
مما هو الأقوى فالأقوى(٢).
فانظروا رحمكم الله هذه الجرأة، أن كل آية تخالف قول أصحابنا فإنها تحمل
على النسخ أو على الترجيح، كيف جعل هذا الرئيس الأصل هو قولُ أصحابه!
وبالفعل يوجد في كتب فقه الحنفية مواضع ادَّعي فيها نسخ الآية بدون دليل
النسخ.
ثم كيف جعل الأصل في النوازل كتب أصحابه، وجعل البحث في الكتاب
والسنة بعد مرحلة البحث في كتب الحنفية.
وانظروا إلى متعصِّب آخر خلاف سنة رسول الله وَّل وهو من المالكية، وهو
أصبغ بن خليل القرطبي الأندلسي المتوفى سنة (٢٧٣هـ).
قال ابن الفرضي: أصبغ بن خليل: من أهل قرطبة يكنى أبا القاسم، كان حافظًا
للرأي على مذهب مالك وأصحابه، فقيهًا في الشروط، بصيرًا بالعقود، دارت
الفتيا عليه بالأندلس خمسين عامًا ... وكان معاديًا للآثار شديد التعصب للرأي،
(١) انظر: ((الفوائد البهية)) (ص ١٠٧)، و((الأعلام)) للزركلي (٣٤٧/٤).
(٢) ((أصول الكرخي)) (ص ٣٧٣ - ٣٧٥) المطبوع مع «أصول البزدوي)) في باكستان کتب خانة آرام باخ
كراتشي .

٢٩
مُقَدِمَةُ أ.د/ وَصي اللَّه
سمعت محمد بن أحمد بن يحيى يقول: سمعت قاسم بن أصبغ يقول: سمعت
أصبغ بن خليل يقول: لأن يكون في تابوتي رأسُ خنزير أحبُّ إليَّ من أن يكون فيه
((مسند ابن أبي شيبة)).
قال: وسمعت أبا محمد عبد الله بن محمد بن علي يقول: سمعت قاسم بن
أصبغ يدعو على أصبغ بن خليل ويقول: هو الذي حرمني أن أسمع من بقي(
(١)
(يعني من مخلد) هكذا يكون التعصب والضلال عن الصراط المستقيم.
وذكر النصّين ابن حجر في ((لسان الميزان)) عن ابن الفرضي (٢) والإمام بقي بن
مخلد (ولد في حدود (٢٠٠ هـ)، وتوفي سنة (٢٧٦ هـ) له قصة أيضًا تدل على ابتلاء
الله لأمة محمد وَلَه بكثير من المتعصبين.
قال ابن الفرضي: ملأ بقي بن مخلد الأندلس حديثًا، فأنكر عليه أصحابه
الأندلسيون أحمد بن خالد، ومحمد بن الحارث وأبو زيد، ما أدخله من كتب
الاختلاف وغرائب الحديث، فأغروا به السلطان وأخافوه به، ثم إن الله أظهره
عليهم وعصمه منهم، فنشر حديثه، وقرأ الناس روايته فمن يومئذ انتشر الحديث
بالأندلس(٣). وتأملوا قوله: فمن يومئذ انتشر الحديث بالأندلس. يعني بدأت
غربة الإسلام في القرن الثالث، وذكر الذهبي في ترجمة بقي أنه سمع من أحمد بن
حنبل مسائل وفوائد ولم يرو له مُسندًا لكونه (أحمد بن حنبل) كان قد قطع
الحديث، وسمع من أبي بكر بن أبي شيبة فأكثر وعنى بهذا الشأن عناية لا مزيد
عليها، وأدخل جزيرة الأندلس علمًا جمًّا، وبه وبمحمد بن وضاح صارت تلك
الناحية دار حديث، ثم ذكر الذهبي قصته المذكورة ناقلاً عن ابن حزم أبي محمد
الظاهري الأندلسي.
قال ابن حزم: وكان محمد بن عبد الرحمن الأموي صاحب الأندلس محبًّا
للعلوم عارفًا، فلما دخل بقي الأندلس بمصنف أبي بكر بن أبي شيبة وقرئ عليه
(١) ((تاريخ علماء الأندلس)) (١ / ٧٧ - ٧٩).
(٢) ((لسان الميزان)) (١ / ٤٥٨ - ٤٥٩).
(٣) ((تاريخ علماء الأندلس)) (١ / ٩٢ - ٩٣).

٣٠
EX
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أنكر جماعةٌ من أهل الرأي ما فيه من الخلاف واستبشقوه ونشّطوا العامة عليه،
ومنعوه من قراءته، فاستحضره صاحب الأندلس محمد وإياهم، وتصفح الكتاب
كله جزءًا جزءًا، حتى أتى على آخره، ثم قال لخازن الكتب: هذا كتاب لا تستغني
خزائننا عنه، فانظر في نسخة لنا، ثم قال بقي : انشر علمك واروٍ ما عندك. ونهاهم
أن يتعرضوا له(١).
إن كان هؤلاء من متقدمي المتعصبين، فانظروا ماذا قال المتأخر منهم؛ ترجم
ابن حجر ليوسف بن موسى بن محمد بن أحمد بن أبي مكين الملطي ثم الحلبي
الحنفي (٧٢٦ - ٨٠٣) وذكر أنه كان يقول: من نظر في كتاب البخاري تزندق.
((إنباء العمر بأبناء العمر)) (٣٤٨/٤).
وقال شيخنا محمد الأمين الشنقيطي تكثمّتُهُ في تفسير قوله تعالى: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ
٢٤﴾ [محمَّد: الآية ٢٤] تحت عنوان مسائل تتعلق بهذه الآية
اَلْقُرْءَانَ أَمْ عَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَاَ
الكريمة: المسألة الأولى اعلم أن قول بعض متأخري الأصوليين: إن تدبُّرَ هذا
القرآن العظيم وتفهُّمَه والعملَ به لا يجوز إلا للمجتهدين خاصةً، وإن كل من لم
يبلغ درجة الاجتهاد المطلق بشروطه المقررة عندهم التي لم يستند اشتراط كثير
منها إلى دليل من كتاب وسنة ولا إجماع ولا قياس حكي ولا أثر عن الصَّحَابَةِ -
قول لا مستند له من دليل شرعي أصلًا.
ثم ذكر الأدلة على وجوب تعلم الكتاب والسنة وتَفَهُمُهُمَا وإدراك معانيهما،
والعمل بما علم فيهما على كل من له قدرة من المسلمين وأطال فيهما.
ثم قال: وبذلك تعلم أن ما ذكره صاحب ((مراقى السعود)) تبعًا للقرافي من
قوله:
منه بمعنى النص مما يُحظَلُ
من لم يكن مجتهدًا فالعمل
لا يصح على إطلاقه بحال لمعارضته لآيات وأحاديث كثيرة من غير استناد
إلی دلیل.
ثم قال: اعلم أيها المسلم المنصف أن من أشنع الباطل وأعظم القول بغير الحق
(١) ((سير أعلام النبلاء)) (١٣ / ٢٨٨).

٣١
مُقَدِمَةٌ أ.د/ وَصى اللَّه
على الله وكتابه وعلى النَّبِيِّ بَّله وسنته المطهّرة ما قاله الشيخ أحمد الصاوي(١) في
((حاشيته على الجلالين)) في سورة الكهف وآل عمران، واغترّ بقوله في ذلك خلق
لا يحصى من المنتسبين باسم طلبة العلم؛ لكونهم لا يُميِّزون بين حق وباطل، فقد
قال الصاوي أحمد المذكور في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَا نَقُولَنَّ لِشَأَىْءٍ إِنِّ فَاعِلٌ
• [الكهف: ٢٣] بعد أن ذكر الأقوال في انفصال الاستثناء على المستثنى
ذَلِكَ غَدًا
منه بزمان ما نصُّه: وعامة المذاهب الأربعة على خلاف ذلك كله؛ فإن شرط حل
الإيمان بالمشيئة أن تتصل وأن يقصد بها حل اليمين، ولا يضر الفصل بتنفس أو
سعال أو عطاس.
ولا يجوز تقليد ما عدا المذاهب الأربعة ولو وافق قول الصَّحَابَةِ والحديث
الصحيح والآية، فالخارج عن المذاهب الأربعة ضال مضل، وربما أدَّاه ذلك
للكفر؛ لأن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر. اهـ منه بلفظه.
فانظر يا أخي رحمك الله ما أشنع هذا الكلام وما أبطله، وما أجرأ قائله على الله
وكتابه وعلى النَّبِيِّ وَل وسنته وأصحابه، سبحانك هذا بهتان عظيم.
أما قوله بأنه لا يجوز الخروج عن المذاهب الأربعة ولو كانت أقوالهم مخالفة
للكتاب والسنة وأقوال الصَّحَابَةِ، فهو قول باطل بالكتاب والسنة وإجماع الصَّحَابَةِ
◌ّ وإجماع الأئمة الأربعة أنفسهم، كما سنرى إيضاحه إن شاء الله بما لا مزيد
عليه في المسائل الآتية بعد هذه المسألة، فالذي ينصره هو الضال المضل.
وأما قوله: إن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر، فهذا أيضًا من
أشنع الباطل وأعظمه، وقائله من أعظم الناس انتهاكًا لحرمة كتاب الله وسنة رسول
الله ◌َيهر، سبحانك هذا بهتان عظيم.
والتحقيق الذي لا شك فيه وهو الذي كان عليه أصحاب رسول الله ◌َالله وعامة
علماء المسلمين: أنه لا يجوز العُدول عن ظاهر كتاب الله وسنة رسوله وَّل في حال
من الأحوال، بوجه من الوجوه حتى يقوم دليل صحيح شرعي صارف عن الظاهر
إلى المحتمل المرجوح.
(١) وهو أحمد بن محمد الخلوتي الشهير بالصاوي، فقيه مالكي ولد (١١٧٥) ومات (١٢٤١) من كتبه
((حاشية على تفسير الجلالين)). ((الأعلام)) للزركلي (١/ ٢٣٣).

٣٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
والقول بأن العمل بظاهر الكتاب والسنة من أصول الكفر لا يصدر عن عالم
بكتاب الله وسنة رسوله وَّل﴿، وإنما يصدر عمَّن لا علم له بالكتاب والسنة أصلًا؛
لأنه لجهله بهما يعتقد ظاهرهما كفرًا، والواقع في نفس الأمر أن ظاهرهما بعيد عما
ظنه أشد من بُعد الشمس من اللمس(١).
لذا ننادي فقهاء المذاهب عامة أن يأخذوا بأصول فقه الصَّحَابَةِ الأئمة من
بعدهم، الذين هُدُوا إلى الطيب من القول وهُدُوا إلى الصراط المستقيم.
فإذا نابت عليهم مسألة رجعوا إلى الكتاب والسنة وأقوال الصَّحَابَةِ والأئمة.
على أصول الفقه الصحيح.
فأصول فقه الصَّحَابَةٍ كانت مبنية على :
١- كتاب الله وسنة رسول الله وَله معًا تفسيرًا من السنة للكتاب.
مَد الحاله
٢ - سنة رسول الله
وستلم .
٣- أقوال الصَّحَابَةِ واستشاراتهم.
٤- القياس .
كما تدل عليه النصوص السلفية الكثيرة.
وعلى الأصول السابقة أصول الأئمة الأربعة وغيرهم؛ لأنهم كانوا على طريقة
سلفهم الصَّحَابَةِ والتَّابِعِينَ:
١- كتاب الله وسنة رسول الله وَّل معًا تفسيرًا من السنة للكتاب.
٢- سنة رسول الله أَالآله ه
٣- الإجماع من الصَّحَابَةِ أو من غيرهم.
٤- آثار الصَّحَابَةِ، أقوالهم واستشاراتهم انفرادًا أو بجماعة.
٥- القياس.
(١) ((أضواء البيان)) (٧ / ٤٣٠ - ٤٣٨).

٣٣
مُقَدِمَةُ أ.د/ وَصى اللَّه
روى ابن معين، ومن طريقه الخطيب في ((تاريخيهما)) عن يحيى بن الضُريس
قال: شهدت سفيان وأتاه رجل فقال له: ما تنقم على أبي حنيفة؟ قال: وما له؟
قال: سمعته يقول: آخذ بكتاب الله، فما لم أجد فبسُنَّة رسول الله وَ ل، فإن لم أجد
في كتاب الله ولا سنة رسول الله أخذتُ بقول الصَّحَابَةِ، آخذ بقول من شِئت منهم
وأدع من شئت منهم، ولا أخرج من قولهم إلى قول غيرهم.
فأما إذا انتهى الأمر إليَّ أو جاء إلى إبراهيم والشعبي وابن سيرين والحسن وعطاء
وسعيد بن المسيب ... وعدَّ رجالًا، فقوم اجتهدوا فأجتهد كما اجتهدوا(١).
وذكر هذا المعنى عن الإمام غير واحد من الأئمة.
وروى أبو نعيم في ((الحلية)) عن مُطرِّف بن عبد الله قال: سمعتُ مالكًا يقول:
سَنَّ رسول الله وَ له وولاة الأمر بعده سُننًا، الأخذ بها اتباع لكتاب الله واستكمال
لطاعة الله، وقوة على دين الله ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها، ولا النظر في شيء
خالفها، من اهتدى بها فهو مهتد، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن تركها اتبع
غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصیرًا.
وعن إسحاق بن عيسى قال: قال مالك: أكلما جاء أجدل من رجل تركنا ما نزل
به جبريل على محمد علي(٢).
وقال الإمام الشافعي: الأصل قرآن وسنة، فإن لم يكن فقياسٌ عليهما، وإذا
اتصل الحديث عن رسول الله وَلو وصح الإسناد به فهو سنة، والإجماع أكثر من
الخبر المنفرد، والحديث على ظاهره، وإذا احتمل المعاني فما أشبه منها ظاهره
أولاهما به. وإذا تكافأت الأحاديث فأصحها إسنادًا أولاها، وليس المنقطع بشي ما
عدا منقطع ابن المسيب.
وقال: لم يجعل الله لأحد بعد رسول الله وَ ل أن يقول إلا من جهة علم مضى
قبله، وجهة العلم بعد الكتاب والسنة والإجماع والآثار وما وصفت من
(١) ((تاريخ ابن معين)) رواية الدوري (٤/ ٦٣)، و((تاريخ بغداد)) (١٣ / ٣٦٨)، و((أخبار أبي حنيفة))
للضميري (ص ١٠).
(٢) ((حلية الأولياء)) (٦/ ٣٢٤).

٣٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(١)
القياس
.
وأما الإِمام أحمد بن حنبل تَخّْتُهُ فقد ذكر رزق الله التميمي أصول فقهه وفتاواه،
فقال: وكان يذهب تَخّْتُهُ إلى أن أدلة الله وَلَ في الأحكام الشرعية والحوادث التي
لا تدخل تحت العلوم الضرورية مأخوذة من أصول خمس: فأوَّلها كتاب الله
ويقرأ: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِ اُلْكِتَبِ مِن شَىْءٍ﴾ [الأنعام: الآية ٣٨]، والثاني: سنة رسول الله وَه
ويتلو: ﴿فَإِن تَنَزَعْتُمْ فِ شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: الآية ٥٩]، والرجوع إليه ◌َّ بعد
عدمه إنما هو إلى سنته، ويروى: ((عليكم بسنتي))، ويقرأ: ﴿وَمَآ ءَانَنَكُمُ الرَّسُولُ
فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنَكُمْ عَنْهُ فَأَنْنَهُواْ﴾ [الحشر: ٧].
الثالث: إجماع أهل العصر من العلماء أهل الحل والعقد إذا لم يختلفوا، فإن
خالف بعضهم ولو واحدًا منهم، لم يكن إجماعًا، وإذا انتشر القول عن بعضهم
وعلمه جميعهم، ولم ينكروا منه شيئًا فهو إجماع. وكان يقول: الإجماع إجماع
الصحابة ومن سواهم تبع لهم.
والرابع: تحول الواحد من الصحابة إذا انتشر، ولم يعرف منكر ينكره.
والخامس: القياس، وهو رد الشيء إلى نظيره لعلةٍ تجمع بين أصله وفرعه، فإن
عدم ذلك فلا قياس، وكان يقول بالقياس من طريق التشبه والمقاربة حتى يكون له
عِلة صحيحة تجمع بين الأصل والفرع.
وكان تَخْتُ يجعل القياس في الأدلة بمنزلة الميتة مع الضرورة والتراب عند عدم
الماء، وأما استنباط الدليل منه فحرام عنده ممنوع معه (٢).
وبعد فهناك اقتراح مهم وهو أن يقوم علماء السنة بالبحث عن المسائل المدونة
في كتب فقه الأئمة أو نقول في كتب المذاهب عامة، وثم في المسائل المستجدة
في كل زمان ومكان في ضوء أدلة الإسلام المذكورة في الكتاب والسنة وأقوال
(١) ((الرسالة)) (ص ٨٤، ٥٣٨)، وانظر: ((الأم)) للشافعي (١/ ١٥٣، ٣١/٢، ٦/ ٤٣٤، ٢٦٥/٧).
(٢) قطعة من أصول مذهب الإمام أحمد ومشربه، لأبي محمد رزق الله التميمي المطبوع بآخر طبقات
ابن أبي يعلى (٢/ ٢٨٣ - ٢٨٥) ببعض الاختصار. وفيه في ثنايا كلام الإمام تعليقات وتوضيحات
غريبة من المؤلف مثل قوله: ويروي: ((أصحابي كالنجوم)).

٣٥
مُقْدِمَةٌ أ.د/ وَصي اللَّه
الصحابة وتابعيهم من الأئمة بإحسان، فيُرتِب للأمة الفقه الراجح بالأدلة
الصَّحِيحَةِ مقصورًا من فقه جميع المذاهب لا مذهب واحد.
ومن الممكن أن يُفتح في الجامعات وخاصة في هذه البلاد المباركة المملكة
العربية السعودية - أقامها الله وأدامها - مشروعات لفقه الكتاب والسنة في صورة
رسائل الدكتوراه خاصة .
ومن الممكن وقد أعطى الله المسلمين في هذا الزمان خاصة من الإمكانات
المادية التي تمكنهم أن يؤسسوا مركزًا لجمع الأحاديث والآثار الصَّحِيحَةِ، وفي
المركز قسم آخر يبحث فيه المتخصصون في كلية الشريعة وكلية الحديث في الفقه
الراحج من أقوال المذاهب بالأدلة الصَّحِيحَةِ الراحجة.
وقد ورثنا نحن الفصل بين السنة والفقه في الدراسات في الجامعات نتيجةً لما
كانت الدراسات في القرون الماضية لكل مذهب في ضوء أقوال أئمتهم، فكان
لكل مذهب مدارس خاصة بهم، وأهل الحديث والسنة كانوا في جهة منفصلة
عنهم. ولم تكن في مدارس المذاهب عناية لائقة بدراسة السنة وخاصة في القرون
المتأخرة.
فهناك أمنية أخرى في هذا الجانب واقتراح أيضًا يحتاج من علماء الأمة الثقات
اهتمام خاص وعناية خاصة، وهو: أن تُحْدث في الجامعات دراسات عليا في
التخصُّصين الماجستير والدكتوراه بنوع فريد جديد خاص. يكون منهجها مشربًا
من كلية الشريعة وكلية الحديث؛ فيدرس فيها الطلبة ويدرَّبون على فقه المذاهب
وأصولها وعلى دراسة السنة بعلومها، فيتخرج الطالب فيها جامعًا بين المذاهب
وبين علوم السُّنة ويكون بحثه مبنيًّا على ترجيح المسائل في ضوء الأدلة.
وأطمع أن يكون هذا كله في هذه الدولة المباركة المملكة العربية السعودية؛ لما
عهدنا من أولياء أمورنا من خادم الحرمين الشريفين والمسئولين والعلماء جبال
العلم والفقه أئمة الدين؛ الشيخ محمد بن إبراهيم والشيخ عبد العزيز بن باز،
والشيخ محمد بن صالح العثيمين، والشيخ صالح الفوزان وأمثالهم - رحم الله
أحياءهم وَأمواتهم - وأمواتهم الذين دروسهم وفتاواهم مبنية على الأدلة

٣٦
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْخُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الصَّحِيحَةِ. والتحري فيها من الكتاب والسنة من غير انحياز إلى مذهب من
المذاهب .
ومن أهم أهداف هذه المشاريع: إعطاء السنة المشرفة حقها من العمل بها في
تصحيح العقائد والمسائل، وإقامة الحجة على المتعصبين الذين يأثمون بترك
السُنَّة في مسائل العقيدة والأحكام.
ومن أهم أهداف هذه المشاريع: تخفيف حدة التعصب المذهبي بنشر الراجح
من المسائل إذا صَلَحت النيات؛ لأن الفقهيات والاختلاف فيها إذا كان نُصْب أعين
الناس الوصول إلى الحق فأمر قريب إلى الإصلاح؛ لأن الاختلاف في هذه الحالة
لا يُؤدِّي إلى أن يصير المسلمون فرقًا متنازعة، ولا إلى تقديم أقوال العلماء على
حُجج الله وأدلته، ولا إلى الالتجاء إلى تحريف معاني النصوص، فلا مناصَّ من
أن يقوم المخلصون من أمة محمد وَله ويتناسوا ما استقر في أذهانهم من اختلاف
المذاهب، وَلْيَحْسَبوا الإسلام مذهبًا واحدًا اختلف علماؤه وأئمته أبو حنيفة ومالك
والشافعي وأحمد والأوزاعي وداود وابن حزم وغيرهم كما يختلف عُلماءُ المذهب
الواحد، وقد نصّ غير واحد من علماء المذاهب أن العالم المُقلِّد إذا ظهر له
رُجحان الدليل المخالف لإمامه لم يَجُز له تقليدُ إمامه في تلك المسألة بل يأخذ
بالحق الراجح .
ومن أهداف هذه المشاريع أن يخرج جيل يعرف أن كل الأئمة أثمتُنا وكلّهم
أوصونا بالأخذ بالدليل، فليجعل الطلبة والعلماء أقوال الأئمة مقسومة إلى ثلاثة
أقسام كما أوصى ابن تيمية تَخْتُهُ متفقهة بعض المذاهب:
قسم له الدلیل من الكتاب والسنة فیأخذوا به، وقسم ليس له دلیل صحيح صريح
فيتركوه، وقسم فيه اجتهاد الأئمة والدليل لا ينافي الاجتهاد.
ففي هذه الحالة يأخُذ الطالبُ والعالم إذا كان مفتيًا أو قاضيًا بقول الإمام الذي
هو الأصلح والأيسر للأمة بدون تقليد لواحدٍ منهم وما خُيِّر الرسول وَلَه بين أمرين
إلا اختار أيْسَرهما، فينتج عن هذا كله إن شاء الله تخفيف في حدة التعصب
المذهبي الذي فرَّق الأمة إلى حدٍّ ما.
ولم يكن هناك تمذهب بمذهب أحد ولا تفرق بين المسلمين باسم الأئمة.

٣٧
مُقَدِمَةُ أ.د/ وَصي اللَّه
قال الشاه ولي الله الدهلوي تخّلهُ: اعلم أن الناس كانوا قبل المائة الرابعة غير
مجتمعين على التقليد الخالص لمذهب واحد بعينه، قال أبو طالب المكي في
(قوت القلوب)): إن الكتب والمجموعات محدثة، والقول بمقالات الناس،
والفتيا بمذهب الواحد من الناس، واتخاذ قوله، والحكاية له من كل شيء،
والتفقه على مذهبه؛ لم يكن الناس قديمًا على ذلك في القرنين الأول
والثاني . انتهى.
أقول (الشاه): وبعد القرنين حدث فيهم شيء من التخريج، غير أن أهل المائة
الرابعة لم يكونوا مجتمعين على التقليد الخالص على مذهب واحد، والتفقه له
والحكاية لقوله كما يظهر من التتبع (١).
ثم بعد القرن الرابع انقسم الفقه إلى فقه المذاهب، وفقه أهل الحديث أو فقه
أهل الرأي، وفقه أهل الكوفة من جهة وفقه أهل الحديث، وبرزا بروزًا واضحًا.
ولكن كما قال الشاه ولي الله أنه حدث بعد القرنين فيهم شيء من التخريج،
وكأنه يشير إلى وجود نواة لانقسام الفقه في القسمين المذكورين.
قلت: وأكبر دليل على صدق قول الشاه ولي الله ذكر الترمذي لأقوال أهل
الكوفة، وأهل الحديث في مواضع كثيرة في ((جامعه)) أو في ((سننه)).
وكان فقه أهل الحديث على قدمه وساقه، فألف أئمة الحديث كتبهم الستة
((الصحيحين)) و((سنن أبي داود))، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وغيرهما من
السنن والمسانيد والجوامع وأنواعًا أخرى من التآليف لإيصال السنة النبوية وفقهها
إلى أمة محمد رَّ وتسهيلها عليهم.
وجاء العلماء بعدهم فقاموا بشرح هذه المؤلفات كُلَّ على حسب نظره وفهمه
وتوجهاته، ولكن كثيرًا من هذه الشروح لم تسلم من التأثر بمذهب الشارح في
تأويل بعض الأحاديث أو ترك بعض الأحاديث لأجل المذهب، أو الاستدلال
بالضعيف إذا وافق الحديث المذهب.
(١) (حجة الله البالغة)) (١/ ١٥٢).

٣٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وايم الله هذا واضح جلي، وخاصة في شروح أهل الهند، والذي ندين الله به
أنه يجب على شارح الحديث والباحث في المسائل عقدية كانت أو عملية، أن يفرغ
جهده في معرفة الحق الراجح بأدلة الشرع على درجات ترتيبها، كتاب الله وسنة
رسوله لفهم كتاب الله، ثم سنة رسوله، ثم أقوال الصحابة، ثم القياس والاجتهاد.
ولا يجوز لأحد أن يقول بكتاب الله حتى يكون قد أفرغ جهده في معرفة عمومه
وخصوصه، وإطلاقه وتقييده، وتفسيره بالسنة؛ إذ السنة مبينة لكتاب الله.
وعليه كان فقه الصحابة وفقه الأئمة.
روى ابن معين ومن طريقه الخطيب البغدادي في ((تاريخيهما)) عن يحيى بن
الضريس، قال: شهدت سفيان وأتاه رجل فقال له: ما تنقم على أبي حنيفة؟ قال:
وما له؟ قال: سمعته يقول: آخذ بكتاب الله، فما لم أجد فبسنة رسول الله، فإن لم
أجد في كتاب الله ولا سنة رسول الله أخذت بقول الصحابة، آخذ بقول من شئت
منهم وأدع من شئت منهم ولا أخرج من قولهم إلى قول غيرهم.
فأما إذا انتهى الأمر إليَّ أو جاء إلى إبراهيم والشعبي وابن سيرين والحسن
وعطاء وابن المسيب ... وعدَّ رجالًا، فقوم اجتهدوا فأجتهد كما اجتهدوا(١).
هذا وأمامي الآن كتاب من نفائس كتب شروح الحديث:
وهو كتاب ((مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) لشيخنا العلامة أبي الحسن
عبيد الله ابن العلامة الشيخ محمد عبد السلام المباركفوري رَّتُهُ .
وقد وضع الله القبول لكتاب ((مشكاة المصابيح)) للخطيب أبي عبد الله
محمد بن عبد الله العمري التبريزي.
فأقبل عليه العلماء قراءة وتدريسًا وشرحًا، وهو مقرر في مدارس أهل الحديث
في الهند وباكستان .
وله شروح كثيرة من أشهرها: ((الكاشف عن حقائق السنن)) للعلامة حسن بن
محمد الطيبي (ت ٧٤٣) وقد طبع قريبًا.
(١) ((تاريخ ابن معين)) رواية الدوري (٦٣/٤)، و((تاريخ بغداد)) (٣٦٨/١٣)، و(«أخبار أبي حنيفة)»
للصيرمي (ص١٠).

مُقَدِمَةٌ أ.د/ وَصي اللَّه
٣٩
و((منهاج المشكاة)) للآبهري عبد العزيز بن محمد (ت ٨٩٥هـ)، و((مرقاة
المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) لملا علي القاري (ت ١٠١٤ هـ) مطبوع.
وأما ((مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) لشيخنا عبيد الله بن عبد السلام
الرحماني المباركفوري فله ميزة على الشروح السابقة؛ لأنه أتى بمقاصد الشراح
السابقين وزاد عليها ببعض الميزات.
ومن أهم هذه الميزات: أن المؤلف تَخُّْهُ من علماء أهل الحديث بالهند، أهل
الحديث الذين لهم جهد كبير في نشر السنة دراسة وتدريسًا وشرحًا وترجيحًا
لمسائل الخلاف في ضوء السنة، والذين مع حبهم واحترامهم لجميع الأئمة
واستفادتهم من فقههم لا يتقيدون بمذهب أي إمام في بحوثهم ودراساتهم، مع
الاستفادة مما ورد عن الأئمة واحترام أرائهم الاجتهادية .
ونذكر فيما يأتي بعض الأمثلة من بحوث العلامة الشيخ في هذا الكتاب
المبارك: ذكر في كتاب الإيمان وذكر اختلاف الفِرقِ في مُسَمَّى الإيمان فقال:
والكلام في الإيمان على أنواع:
الأول في معناه اللغوي: وقد أوضحه الزمخشري وابن تيمية وغيرهما.
والثاني: في معناه الشرعي، واختلفوا فيه على أقوال: فقال الحنفية: الإيمان
هو مجرد تصديقِ النَّبِيِّ وَّ فيما علم مجيئه به بالضرورة تفصيلًا في الأمور
التفصيلية، وإجمالًا في الأمور الإجمالية؛ تصديقًا جازمًا ولو بغير دليل. فالإِيمان
بسيط عندهم غير مركب، لا يقبل الزيادة والنقصان من حيث الكمية، فجعلوه
كالكلي المتواطئ، لا تفاوت في صدقه على أفراده، واستدلوا على ذلك بوجوه
ذكرها العيني في ((شرح البخاري)) وغيره في غيره، لا يخلو واحد منها من الكلام،
ثم المتكلمونِ منهم جعلوا الإقرار شرطًا لإجراء الأحكام، فمن صدَّق فهو مؤمن
بينه وبين الله وإن لم يقر بلسانه، وقال الفقهاء منهم: الإقرار بالشهادتين
ركن، لكنه ليس بأصلي له كالتصديق، بل هو ركن زائد، ولهذا يسقط حالة
الإكراه والعجز.
قال القاري: والحقُّ أنه ركن عند المطالبة به وشرط لإجراء الأحكام عند عدم