Indexed OCR Text

Pages 1-20

مُرْعَاءُ الْمُقَادِ
شِرَحُ
مِشِكَاةِ المصانع
لِلعَلَامَةِ المَحَدِّث
أَبِي الْحَسِنْ عُبَيْدِ اللهِبْن الْعَلَّمَةِ محَدِ عَبْدِ السَّلَام للبُّارَكَفُورِيّ
رَحْمَهُمَا الله تَعَالى
تَقْديم نَفِيَ الشَّيخ
الدّكتور وَضِيَّ اللَّهِ بْ مُحَمَّدٌ عَبَّاسِ حَفِظَهُ الله
المدس بالْتَنْجِ الَّمَ وَالأسْنَاذ المُشَارِك ◌َجَامِعْ أُمّ الْعُرُبى - بمكّة المكرَّتة
حقّقه وخرّج أحاديثه
الشَّيِّخْ مُحَمَّدْ سُلَيْمَانْ بِرْ مُحَمَّدٍ أَمِيِّنْ
غَفَّ اللّه لَه وَكَوَالدَيْهِ
للمُعَلَُّ الْأَوَّلُ
الدِّرَاسَة - خطبَةُ الكِتَاب - كِتَابُ الإيمَان
حَديث (١ - ١٩٧)
قدار القُبَشِ اللَّهِ وَالتَّزِع

بسم الله الرحمن الرحاب
عَبد الرحمن عبيد الله الرَانِ
ABDUL RAHMAN UBAIDULLAH
AL-RAHĘMANI
والى بورة بناء عبود، ١ حظر كوم
PANIPURA P.O MUBARAKPUR
DISTI AZAMGARH- UP INDIA
يوبى، الصيد الرمز البريدى +٢٧٧٤
الجوال ٩٩٣٥٧٤٠٧٩٠٠
PIN 276404-MOB 993574760
الحمد لله ربالعالمين والصلاة والسلام على نبينا كمدد على اله وصحبه أجمعين، وبعد:
فقد أذنت أنا الموقع أدناه عبد الرحمن عبيد الله الرحمانى المباد عضوى- الشيخ محمد سليماً
بن محمدا مين الذي مثل مدار القدس للنشر والتوزيع، في الرياض، المملكة العربية السعوية
فى طبع ونشر وتوزيع كتاب "مرعة المناتج شرح مشكرة المصابيح، لوالدنا العلامة
الشيخ أبى الحسن عبيد الله بن العلامة عبد السلام الباركفروى- رحمهما الله تعالى.
وكذلك الرسالة المسا ب تحفظ أهل الفكر في مصطلح أهل الأثر مفردة من الكتاب أيضا.
بدون أي تغييراً وتبديل او نقص أو زيادة فى أصل الشرح. ولا يحق لأحد أن يطيع
الشرح المذكر سوى الأخ الشيخ محمد سليما تحمد أمين داخل المملكة العربية السعودية
وخارجها إلا بإذن مسبوق مكتوب وموقع منى. وعلى هذاجرى التوقيع فقط
١٩- شوال ٣ ٣ ١٤ هـ الموافق ٧ سبتمبر ٢٠١٢ م
الالهى
حَد الرحمة عبد الله الرحماني
فِرْعَاء الْفَارِيِ
شِرَحُ
مِشَكَاةِ المِصَاح
المُجَلَّدُ الأَوَّلُ

محمد سليمان أمين، ١٤٣٨ هـ
ح
فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر
المباركفوري، عبيد الله محمد
مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح. / عبيد الله محمد المباركفوري؛
محمد سليمان أمين - الرياض، ١٤٣٨ هـ
١٤ مج
ردمك ٢-٨٧٦٥-٠١-٦٠٣-٩٧٨ (مجموعة)
٩-٨٧٦٦-٠١-٦٠٣-٩٧٨ (ج١)
١ - الحديث - شرح أ- أمين، محمد سليمان (محقق) ب- العنوان
١٤٣٦/٧١٢٣
دیوي ٢٣٧،٢
رقم الإيداع: ١٤٣٦/٧١٢٣
ردمك: ٢-٨٧٦٥-٠١-٦٠٣-٩٧٨ (مجموعة)
٩-٨٧٦٦-٠١-٦٠٣-٩٧٨ (ج١)
جَمْعُ الحقوق محفوظة لِلُحقّقْ وللنّاشِرُ
الطَّبْعَةُ الأولى
١٤٣٨ هـ - ٢٠١٧م
حقوق الطبع محفوظة C ١٤٣٨ هـ، لا يسمح بإعادة نشر هذا الكتاب
أو أي جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي نظام
ميكانيكي أو إلكتروني يمكّن من استرجاع الكتاب أو ترجمته إلى أي
لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبق من المحقق والناشر.
صَفْ وَتَعِيمِيمِ وَإِخْرَارُ
مَدَارُ الْقَبْسِ لِلنَّشروالتَّالِ
الرياض - المملكة العربية السعودية
شارع الأمير سطام بن عبدالعزيز
ت: ٢٦٨١٠٤٥ - ف: ٤٣٥١٣٩٥
جوال: ٠٠٩٦٦٥٥٢٢٩٣٩٣٨
darulqabas@yahoo.com

فُرْعَاءُ الْمَقارة
شَرَّحُ
مِشَكَاةِ المِصَاح
لِلَعَلّمَةِ المُحدِّث
أَبَيْ الْحَنْ عُبَيْدِ اللهِبْنْ الْعَلَّمَةِ محَدَ عَبْدِ السَّلَامِ المُّارَ كَفُورِيّ
رَجَهُمَا الله تَعَالى
تَقْيِم نَضِيَة الشّيخ
الدّكتور وَضِيّاللهِ بْنْ مَحَمَّدْ عَبَّاسِ حَفِظَهُ اللّه
المدّس بالَجِهَامِ وَالأَسْتَذ المُشَارِ بَجَامِعَةٍ أُمّ الُربى - بِمَكّة المكرَّة
حقّقه وخرّج أحاديثه
الشَّيْخُ مُحَمَّدْ سُلَيْمَانَ بَزْمُحَمَّدْ أَمِّيْنَ
غَفَرَ اللّه لَهَوَكَوَلَدَيْهِ
المُجَلَّدُ الأَوَّلُ
الدِّرَاسَة - خطبَةُ الكِتَاب - كِتَابُ الإِيمَان
حَديث (١ - ١٩٧)
غَدَارُ الْقَبْشِ النشر والتَوزِيعُ

مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ
٥
D.
ـے
DO
بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحَيَةِ
مُقَدِّمَةُ النَّاشِر
الحمد للهِ الذي أوضحَ لِمعالمِ الإسلام سبيلاً، وجعلَ السُّنَّة على الأحكام دليلًا،
وبعثَ لمَنَاهِج الهدايةِ رسولًا، ومَهَّد لصرَاطِهِ المستقيم وصولًا، أحمدُهُ حمدًا يكونُ
برضاه كفيلاً،َ وللفوزِ بلقائهِ منيلًا، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً
وافيةً بحصولِ الدرجات وظلالها، واقيةً من حلول الدَّرَكَات وأهوالها .
وأشهد أنَّ محمَّدًا عبدُهُ ورسولُهُ، سيد المرسلين، وخاتم النَّبِّينَ، المبعوث
بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، حتى أشرقَ الوجودُ برسالتهِ ضياءً
وابتهاجًا، ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجًا، وصلِّ اللَّهم وسلِّم عليه
صلاةً وسلامًا دائمين ما ظهرتْ بوازغ شموس الأخبار، ساطعة من آفاق عبارات
من أوتي جوامع الكلم والاختصار، ثُمَّ على مَن التزمَ العمل بقضيَّةِ هَدْيه العظيم
المقدار، من المهاجرين والأنصار، والتَّابِعِينَ لهم بإحسانٍ إلى يومِ القرارِ، الذين
تناقلوا الخبر والأخبار، ونوَّرُوا مناهجَ الأقطار، بأنوارِ المآثر والآثارِ .
G أما بعد:
فإن الْحَدِيْثَ النبوي الشريف أحد المراجع الرئيسة للفقهِ الإسلامي؛ لذا كَانَ
علمُ الْحَدِيْثِ رِوَايَةً ودرايةً من أشرفِ العلوم وأجلُّها، بَلْ هُوَ أجلُّها عَلَّى الإطلاقِ
بَعْدَ العلمِ بالقرآنِ الكريمِ الَّذِيْ هُوَ أصل الدين ومنبع الطريق المستقيم، فالحديث
هُوَ المصدِرُ الثاني للتشريع الإسلامي، بعضُهُ يستقلَّ بالتشريع، وكثيرٌ مِنْهُ شارحٌ
لكتابِ اللَّه تَعَالَى، مبينٌ لما جاء فِيهِ، قَالَ اللَّه تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ
لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤].
هَذَا، وقد أدرَكَ المسلمون أهمية الْحَدِيث النبوي الشريف، فعانوا ما عانوا من أجلٍ
حِفظ الْحَدِيْث النبوي الشريف، وللحرصِ الشديدِ عَلَى حفظِ السنة، اهتمَّ المسلمون لا
سيما المحدِّثُون بمذاكرةِ الْحَدِيث ومدارسته من أجلِ حفظه وضبطه وإِتْقَانِهِ .
فالواجبُ على المسلمينَ جميعًا أن لا يفرِّقُوا بينَ القرآن والسُّنَّة من حيثُ وجوبُ

٦
TENCK
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الأخذ بهما كليهما، وإقامة التشريع عليهما معًا، فإن هذا هو الضمان لهم أن لا
يميلوا يمينًا ويسارًا، وأن لا يرجعوا القهقرى ضُلََّلًا، كما أفصحَ عن هذا رسولُ الله
وَه بقوله: ((تَرَكْتُ فِيَكُمْ أَمْرَيْنٍ لَنْ تَضِلُّوا مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمُ بِهِمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَِّي،
وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَى الْحَوْضِ)).
وللَّهِ دُّ القائلِ:
أَوِ الأَحَادِيثِ مِنْ دونِ الدَّوَاوينِ
كلُّ الْعُلُومِ سِوى القُرْآنِ مَشْغَلةٌ
وَبِالْحَدِيثِ اسْتَقَامَتْ دَوْلَةُ الدِّينِ
فَبِالْقُرَآنِ أُقِيمَتْ كُلُّ مَائِلَةٍ
إِن السُّنَّةَ التي لها هذه الأهمية في التشريع إنما هي السنة الثابتة عن النَّبِيِّ وَّة.
بالطّرقِ العلميَّة والأسانيدِ الصَّحِيحَةِ المعروفَةِ عندَ أهلِ العلمِ بالحديثِ ورجالِهِ،
فإذا كان ذلك، فالواجبُ كمالُ التسليم للرسولِ وَله والانقيادُ لأمرهِ وتلقِّي خبرَهُ
بالقبول والتصديق، دونَ أن نعارضَهُ بخيالٍ باطلٍ، نسِّيه معقولا أو نُحَمِّلُه شبهةً أو
شكّا، أو نقدِّم عليه آراء رِجالٍ، وزبالة أذهانهم.
فإنَّ المسلمَ الحقَّ المتبعَ سُنَّتِهِ وَلَ يوحِّدُه ◌َّه بالتحكيم والتسليم والانقياد
والإذعان، كما نوحِّد المرسل ◌ََّ بالعبادة والخضوع والذّل والإنابة والتوكل؛ لذا
قال الله تعالى: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اَللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، وقال: ﴿فَلَ وَرَبِّكَ لَا
يُؤْمِنُونَ حَقَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيَ أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَا
قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]، وقال: ﴿وَمَآ ءَانَنَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنَّكُمْ عَنْهُ
فَانْتَهُواْ﴾ [الحشر: ٧]. والآياتُ البَيِّنَاتُ في هذا المقامِ كثيرة.
فمن المؤسف أنه قد وجد بعضُ المفسرين والكُتَّاب المعاصرين والمتثقفين
زورًا مَنْ قال بالاعتمادِ على القرآنِ فقط، بل وجد في الوقت الحاضر طائفة
يتسمون بـ(القرآنيين) يفسِّرُون القرآنَ بأهوائهم وعقولهم دون الاستعانةِ على ذلك
بالسُّنة الصَّحِيحَةِ، بل إنَّ السنة عندهم تَبَع لأهوائهم، فما وافقهم منها تشبُّوا به،
وما لم يوافقهم منها نبذوه وراءهم ظهريًّا؛ وكأنَّ النَّبِيَ وَّه قد أشارَ إلى هؤلاء بقوله
في الحديث الصحيح الذي رواه أبو داود والترمذيُّ وابن ماجه وغيرُهم: ((لاَ أَلْفِيَنَّ
أَحَدَكُمْ مُتَّكِنًا عَلَى أَرِبِكَتِهِ يَأْتِهِ الأَمْرُ مِنْ أَمْرِي مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ، فَيَقُولُ: لاَ
نَدْرِي مَا وَجَدْنَا فِى كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاه)). وفي روايةٍ أُخرى: ((أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ

٧
مُقَدِمَةُ النَّاشِرِ
وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلاَ يُوشِكْ رَجُلٌ شَبْعَانُ عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ: عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ فَمَا وَجَدْتُمْ
فِيهِ مِنْ حَلَالٍ فَأَحِلّوهُ، وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ)) .
فهذا يدلُّ دلالةً قاطعة على أن الشريعة الإسلامية ليست قرآنًا فقط، وإنما قرآن
وسُنة، فمن تمسَّك بأحدهما دونَ الآخر لم يتمسَّك بأيهما؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما
يأمرُ بالتمسكِ. ولقد أحسنَ القائلُ:
قَالَ الصَّحَابَةُ هُمْ أُولُو الْعِزْفَانِ
العِلْمُ قَالَ اللَّهُ قَالَ رَسُولُهُ
بَيْنَ الرَّسُولِ وَبَيْنَ رَأْي قُلَانٍ
مَا العِلْمُ نَصْبُكَ لِلْخِلَافِ سَفَاهَةً
وَأَوَدُّ أنْ أُشيرَ في هذه المقدِّمةِ إلى طريقَةِ الاختصارِ وحذف الأسانيدِ في كُتُبٍ
المتأخرينَ من المحدِّثين:
فمن المعلوم أنَّ الصَّحَابَةَ - رضوان الله عليهم - كانوا يتحرُّونِ الصحَّةَ فيما
يتحمّلُون، وكانَ الواحدُ منهم لا يروي حديثًا إلا وهو متثبّت مما يقولُ، ولم يُعرف
عن الصَّحَابَةِ أنهم كانوا يسألون عن الإسنادِ؛ لما عُرفوا به جميعًا من العدالةِ
والأمانةِ، وإذا كان الأمرُ قد وصلَ ببعضهم إلى أنه كان لا يقبل الحديثَ إلا بعدَ أن
تثبت عندَهُ صحتُّه بالشهادةِ أو اليمينِ، كما دلَّت على ذلك الآثار الكثيرة، فإنَّ
الغرضَ من ذلك هو زيادة التأكد والتثُبُّت، لا عدم الثقة بمنْ يروون عنه منهم.
ثم لما ماتَ معظمُ الصَّحَابَةِ، وتفرَّق أصحابهم وأتباعهم، وجَاءَ عصرُ التَّابِعِينَ،
وقلَّ الضبطُ، وفيهِ ظهرَ الوضعُ وفشا الكذبُ، فكانوا لا يقبلون حديثًا إلا إذا جاءَ
بسندهِ، وثبتت لهم عدالة رُواته، وأما ما كان فى رُواته مَنْ لا يُوثق بحديثِه، فإنَّهُم
لا يقبلونَهُ، فقد روى الإمام مسلم فى مقدمة ((صحيحهِ)) عن محمد بنِ سيرينَ أنه
قال: ((لم يكونوا يسألونَ عنِ الإِسْنَادِ، فلما وقعتِ الفتْنَةُ قالوا: سَمُّوا لنَا رِجَالَكُم)».
حتى انتهى الأمر إلى زمنٍ جماعةٍ من الأئمةِ، مثل عبد الملك بن جريج،
ومالك بن أنس، وغيرهما، فَدوَّنوا الحديثَ، حتى كان زمنُ الإمامين البخاري
ومسلم، فازدادَ انتشارُ هذا النوع من التصنيف والجمع والتأليف، وتفرَّقت أغراضُ
الناسِ، وتنوَّعت مقاصدهم، إلَى أن انقرضِ ذلك العَصر الذي كان فيه حميدًا عن
جماعة من الأئمة والعلماء قد جمعوا وألَّفوا، مثل أبي عيسى محمد بن عيسى
الترمذي، وأبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني، وأبي عبد الرحمن أحمد بن
شعيب النسائي، وغيرهم من العلماءِ الذين لا يُحصون كثرة، وكان ذلك العصر

٨
ers
ges
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
خلاصة العصور في تحصيلٍ هذا العلم، وإليهِ المنتهى.
وقد عني المحدِّثون مِن بعدهم بدراسة كلِّ المصنفات التي اعتمدت الرواية
بالإسناد، وقاموا بتصنيفها على حسب جودة أسانيدها، واعتبروها هي الأصول
الأصيلة التي جمعتْ جُلَّ المادة الحديثية المرويَّة بأسانيد معتبرة أو قابلة للاعتبارِ .
ثم جاءَ عصرُ مَن بعدهم فاختلفت أغراض الناس ومقاصدهم في تصنيف
الحديثِ، وتنوَّعت المقاصد؛ فمن هؤلاء المتأخرين مَن جمعَ بين كُتب الأولين
بنوع من التصرفٍ والاختصارِ، حيثُ قصرت الهِمَمُ على تدوينِ الحديثِ مطلقًا؛
ليسهّل حفظ ألفاظه، ويستنبط منه الأحكام، فصنّفت كتب حديثية كثيرة في جميع
أبوابِ العلم، مشتملة على المتونِ دونَ الأسانيد مع الإبقاء على صحابي الحديث
وحدَهُ في الغالبِ، وصارَ مَن يصنِّف في ذلك إنما يُعَول على روايةٍ كُتُبٍ بإسنادِهِ
إليها؛ إذْ قدْ أُمِن تخليطُهُ فيما يَروِي؛ لاعتمادهِ على نصٌّ مُدَوَّن مشهور معروف
متداول، فلم يأت التصنيفُ على هيئةِ الإسنادٍ، وعلى وفق طريقته سابقًا في كاملٍ
الكتابِ إلا في البعضِ اليسيرِ، كما في كتابٍ ضياء الدين المقدسي.
قال الحافظُ أبو الفضلِ العراقيُّ في مقدِّمة كتابهِ («تقريب الأسانيد وترتيب
المسانيد)): ولما رأيتُ صعوبةَ حفظ الأسانيد في هذه الأعصار لطولِها، وكان قصر
أسانيد المتقدمين وسيلةً لتسهيلها، رأيتُ أن أجمعَ أحاديث عديدةً في تراجم
محصورة مذكورة، إما مطلقًا على قولٍ من عمَّمه، أو مقيدًا بصحابي تلك
الترجمة، ولفظ الحديث الذي أورده في هذا المختصرِ هو لمن ذكر الإسناد إليه من
((الموطأ))، ((ومسند أحمد)) ... إلخ.
ومنهم من قصد إلى استخراج أحاديث تتضمن ترغيبًا وترهيبًا، وأحاديث تتضمن
أحكامًا شرعية غير جامعةٍ، فدوَّنها وأخرج متونَها وحدها، كما فعلَهُ ركنُ الدين
ومحيي السنة أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي،
صاحب التصانيف في كتابه ((المصابيح))، فقد كان كتاب المصابيح مِن مُصنَّفات
المحدثين والعلماء الذين سَلَكُوا طريق الاختصار وحذف الأسانيد.
ثم ألَّف العلّامةُ الشيخُ التقي النقي ولي الدين محمد بن عبدالله الخطيب
التبريزي كتابًا سمَّاه ((مشكاة المصابيح))، فكان كتابُ ((المشكاة)) تكملةً
لـ: ((المصابيح))، وتذييلًا لأبوابه؛ إذ إنَّ صاحب ((المصابيح)) أغفلَ إسنادَ بعض

٩
بالرجوع
مُقَدِمَةٌ النَّاشِرِ
الأحاديث، ولم يذكر مُخرجها، فجاءَ الخطيبُ التبريزي، فذكر ما أغفلَهُ صاحب
(المصابيح))، فالتزمَ ذكر مَن خرَّج الحديثَ، وتعيينَ الصحابي الذي رواه، فأخرجَ
كتابًا مقسّمًا على أبوابٍ، يجمعُ الأحاديث المشهورة في سائرِ ما يحتاجُ إليه الناسُ
من أمورِ العباداتِ، والآدابِ، والزهد والرقائق وما يتعلق بالآخرة، إلى غير ذلك،
وأودعَ كلَّ حديثٍ في مقرِّه.
وقد سردَ الخطيبُ التبريزي الكتبَ والأبوابَ كما سَرَدها صاحب ((المصابيح))،
فرتَّب الكُتُب على ترتيبٍ كُتُب الفقهِ، وقسَّم الكتابَ إلى أبوابٍ، وقسّم كلّ بابٍ
إلى فصولٍ ثلاثة:
الأول: ما أخرجَهُ الشيخان أو أحدهما.
الثاني: ما أوردَهُ غيرُهما من الأربعةِ وأصحاب المسانيد والسنن.
الثالث: ما اشتملَ على معنى الباب من مُلحقات مناسبة، وإن كان موقوفًا.
وللَّهِ دُّ مَنْ قال:
فَذَلِكَ مِشْكَاةٌ وَفِيهَا مَصَابِيحُ
لِئِنْ كَانَ في المشْكَاةِ يُوضَعُ مِصْبَاحٌ
لِهَذَا على كُتُب الأْنَامِ تَرَاجِيحُ
وَفِيها مِنَ الأَنْوَارِ مَا شَاعَ نَفْعُها
حَوَائِجُ أَهْلِ الصِّدْقِ مِنْهُ مَنَاجِيخُ
فِيهِ أُصُولُ الدِّينِ وَالْفِقْهِ وَالْهُدَى
ولقد تناولَ العلماءُ والمحدِّثون («مشكاة المصابيح)) بالشرحِ، وتخريج
الأحاديث، وجمع الحواشي، ذكرَها صاحبُ ((مِرعاة المفاتيح)) الشَيخ عبيد الله
ابن العلامة محمد عبد السلام المباركفوري وَخَّلهُ، مما يُغني ذَلِك عن ذكرِها هنا.
منهجي في خدمة الكتاب:
بقي لي أن أُشير إلى ما وقَّقني اللَّهُ رَ، وأعانني عليه في خِدْمةِ هذا الكتابِ
الرفيعِ القدر، العظيم الشأن، فأقولُ مستعينًا باللّهِ العلي القدير:
١- قُمت - بفضل الله تعالى - بضبط أحد شروح أهلِ العلمِ على كتاب ((مشكاة
المصابيح)) وهو كتاب ((مِرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) للشيخ أبي الحسن
عبيد اللّه ابن العلامة محمد عبد السلام المباركفوري لَّلهُ، مِن بدايةِ خُطبة
الكتابِ، ثم كتاب الإيمان، إلى نهايةِ كتابِ الْبُيُوعِ.

١٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢- ذكرت مقدِّمة يسيرةً مختصرة تحوي منزلةَ السُّنة المطهرة في الشريعة، ثم
شيئًا يسيرًا عن طريقةِ المحدِّثين المتأخرين في اختصارِ وحذفٍ الأسانيدِ.
٣- ألحقت بهذا العمل المبارك ترجمةً للشيخ عبيد اللّه المباركفوري صاحب
((المِرعاة)) رحمه الله تعالى رحمة واسعة وغفر له وبارك في ذريته.
ولقد تركت ترجمةَ الإمام البغوي رَّتْهُ والتعريف بكتابه ((المصابيح))؛ لأنَّ
الشارح الشيخُ عبيد اللَّه المباركفوري تَخْتُهُ تعرَّض لهذه الأمور في شرحِهِ لخطبةٍ
الكتاب، فأغنى ذلك عن ذكرها هنا.
أما عن ترجمة صاحب ((المشكاةٍ)) ولي الدين محمد بن عبد الله الخطيب
التبريزي، فقد أعنتنا البحثُ عن ترجمةٍ له، فما وجدنا إلا النزر اليسير مما لا يشفي
الصدرَ، غير أنَّ صاحب ((المرعاة)) ذكر في شرح خُطبة الكتاب حين تعرَّض لترجمتهِ
فقال: ولم أقف على ترجمةِ صاحب ((المشكاة)) وعلى مولده ووفاته ولا على
مذهبه، مع الجهد البالغ في التتبع، وقال الشيخُ أبو بكر شاويش ناشر ((مشكاة
المصابيح)) بتحقيق العلامة الشيخ ناصر الدين الألباني رحمه الله تعالى في
مقدِّمتهِ: صاحبُ ((المشكاة)) من علماءِ القرن الثامن للهجرة، ولم نجدْ له فيما بين
أيدينا ترجمةً وافيةً إلا أنَّ مَن عَرضوا له ذكروه بالعلمِ والصلاحِ .
٤- قمت بتخريج الآياتِ القرآنية بذكر السورةِ، ورقم الآية مع وضع الآيات
بين قوسين هكذا ﴿ ... ﴾ وتم أخذها من برنامج مصحف المدينة.
٥- تمَّ وضعُ أحاديث المتنِ داخل إطار مميَّز ملون، وكتابتُها بالخطِّ الأسودِ
الثقيل.
٦ - قمت بترقيمٍ أحاديث الكتابٍ ترقيمين، الأول: ترقيمًا من بدايةِ الكتابِ إلى
نهايتِهِ، والثاني: تَرِقيمًا حسب الأبوابِ، فيبدأ معَ كلِّ بابٍ ترقيم جديد، وذلك
وَفق ما ذكرَهُ الشيخُ الألباني ◌َّهُ في ترقيمِهِ، وأما ترقيم الأبواب فيتمُّ بشكلٍ
متسلسلٍ داخل الكُتُب فقط؛ حيثُ يبدأ من بداية الكتابِ، وينتهي مع نهاية هذا
الكتاب، أي: يبدأ ترقيم جديد مع بدايةِ الكتابِ التالي.
٧- وقد قمت بوضع حاشية على الأحاديث وتخريجها تخريجًا علميًّا من كتب
السنة النبوية، معتمدًا في ذلك على تخريجات مهمة من ناحية التوثيق العلمي، من
أهمها كتاب ((هداية الرواة إلى تخريج أحاديث المصابيح والمشكاة)) للحافظ

١١
مُقْدِمَةُ النَّاشِرِ
الجليل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني وظّهُ)) بتخريج العلامة المحدث محمد
ناصر الدين الألباني تخمّلهُ، مع تضمين الكتاب أحكامه الحديثية من كتبه المتنوعة
المفيدة؛ وذلك حرصًا منا أن يكون الكتاب موثقًا جامعًا للتخاريج العلمية المحررة
على منهاج أهل الحديث، ويكون نافعًا للقارئين والمطلعين عليه .
٨- ومن الأمور المهمة التي قمنا بها من أجل خدمة الكتاب خدمة علمية تساعد
القراء على جودة الاطلاع أننا تلافينا بعض السلبيات التي تعتور عالم الطباعة، إذ
حرصنا على الجوانب الفنية، ومنها:
أ - التشكيل لألفاظ متن المشكاة بألوان جميلة قشيبة، وذلك تشكيلًا كاملًا على
أيدي كوكبة من المصححين اللغويين.
ب - وضع الحديث كله جملة واحدة في أعلى الصفحة، بعد أن كان مقطع
الأوصال، مشتت الأجزاء، ولربما استغرق الوصول إلى لفظة واحدة منه خمسًا
وثلاثين صفحة؛ لتشعب مباحث الحديث وتنوع موارده العلمية، وفي ذلك تسهيل
للقارئ الكريم لمعرفة الحديث وأجزائه دفعة واحدة.
جـ - التفريق بين الشرح والمتن، بتكبير أجزاء ألفاظ الحديث وتمييزها بألوان
وخطوط كبيرة عن الشرح العلمي لمتن الحديث.
٩ - تمَّ وضعُ الشرحِ تحتَ الحديثِ أو الأحاديث المقصودة مع تكرارِ رقم المتن
في الشرحٍ؛ ليسهل على القارئ الوصول إلى معرفة كل حديثٍ بشرحِهِ.
١٠- بالنسبة لألفاظِ المتن التي تُدرج في الشرح لشرحها، تمَّ كتابتها بالخطِّ
الأسود الثقيل؛ حتى لا تختلط بألفاظِ الشرح، وزيادة في تمييزها فقد وُضِعت بين
قوسين كبيرين ( ..... )، مع تشكيلها تشكيلاً كاملاً.
١١- وتعظيمًا لأقوالِ رسولِ اللَّهُ وَّهالتي تردُ في المتن قمت بوضعها بين قوسين
صغيرين ملونين (( ... )) أما التي وردت في الشرح كُتبت بالخطّ الواضح
الثقيلِ، وتمييزًا لها عن أحاديثِ المتن التي في الشرح فقد وُضعت أيضًا بينَ قوسين
صغيرين ( .... )).
١٢ - أسماءُ الأعلام والمصنفين التي تردُ بالشرح وُضِعت أيضًا بالخطِّ الأسود
الواضح؛ ليتيسر لطالب العلم العثور على القولِ الذي يبحث عنه.

١٢
*
cHees
ERHER
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٣- قُمت بوضع علامات الترقيم المناسبة حسب سياق العبارات؛ تَيسيرًا
لِلفهْمِ، وزيادة في سَهولةِ البحث تمَّ وضع اسم الباب بأعلى الصفحة فيما يُعرف
بالترويسة مع ذكر رقم الباب.
وقبل أن أختم هذه الكلمة أرى من الواجب الشكر والعرفان لمن له الأيادي
البيضاء صاحب هذه الدار، التي أسسها لنشر رسالة الإسلام وَفْقَ منهج السلف
الصالح رحمهم الله تعالى.
وأبتَهل إلى الله من أن يجزيه أوفر الجزاء وأسأله سبحانه أن يسبغ عليه العافية
والمعافاة وأن ينسأ له في أثره، وأن لا يحرمه جزيل المثوبة، وأن يكون موفقًا
مسددًا في حياته.
وأدعو الله تعالى أن لا يحرم والديّ الأجر الجزيل والثواب الوفير.
وأدعو الله تعالى أن يغفر لوالديه، ويرفع درجتهما في أعلى الجنان بصحبة النبي الكريم.
وقد مَنَّ الله ◌ََّ على مَدَارِ القَبَسِ لإخراج هذا السفر الجليل، ونشكره تَعَالَ على
هذا التوفيق.
والشكر موصول لكل من أسهم في إخراج هذا العمل المبارك بهذه الصورة
القشيبة في خدمة هذا الكتاب، تشجيعًّا، وصفًا، وتنضيدًا، وضبطًا، وطباعة.
ونحن مَدَارَ القَبَسِ لِلْنَّشْرِ وَالتَّوْزِيع إذ نقدم هذا العمل المتواضع إلى القراء
الكرام، نأمل منهم الدعاء بالتوفيق والسداد للقائمين على هذا العمل المبارك.
لقد تشرفت بتخريج الأحاديث وبمراجعة وطباعة هذا الشرح المبارك ((مرعاة
المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)).
وأحمد الله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه في الأولى والآخرة، حمدًا يستنزل
الرحمة ويستكشف الغُمَّة، حمدًا يكون لإِنعامه مُجازيًا ولإحسانه مُوازيًا.
وأسأله سبحانه دائمًا التوفيق والعون وهو حسبنا ونعم الوكيل، نعم المولى
ونعم النصير.
وكتبه
مُحَمَّدْ سُلَيْمَانْ بَزْ مُحَمَّدْ أَفِيْنْ
غَفَ اللّه لَ وَكَوَالدَيْهِ
لَيْلَةَ الْمُبَارَكَة ٢٧ رَمَضَانَ الْمُبَارَكِ ١٤٣٥هـ

مُقَدِمَةٌ أ.د/ وَصي الله
١٣
DO
بِسْمِ اللَّهِ الَّمَنِ الرَّحِيَةِ
تَقْيم
الدّكتور وَضِيّ اللّهِبْ مُحَمَّدْ عَبَّاسِ حَفِظَهُ اللّه
المدرّس بالَجِالحَم وَالأَسْتَاذ المُشَرِ يَجَامِعَة أُمّالُرى- بمكّة المكرَّة
الحمد لله رب العالمين، والصَّلاةُ والسَّلامُ على خير خلقه محمد وعلى آله
وصحبه أجمعين، وبعد :
فقد أرسل الله رسوله محمدًا مَّله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله.
أنزل الله عليه كتابه ومثله معه، وهو الحديث أو السنة، وكلاهما وحي من
الله تعالى؛ ولا يجوز لأحد من المسلمين أن يختلف في أن السنة تفسير وبيان
لكتاب الله، ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: الآية ٤٤].
وكانا مصدر التشريع والفقه في دين الله في عهد سيد الخلق وَاليه، وكان
أصحاب رسول الله - وَّله ورضي عن الصَّحَابَةِ - أحرص الناس على تلقي الوحيين
كتابًا وسنة من الرسول ◌َّله وذاته الشريفة؛ ولذلك خلقهم الله واختارهم لصحبة
خاتم أنبيائه؛ فتلقوا عنه كل ما يصدر عنه من قول أو فعل أو تقرير، وكانوا أفقه
الأمة في العقيدة والأحكام.
وقد قدر الله أن يمكن أعداء الإسلام وبعض جهلة المسلمين من تأويل كتاب
الله في مسائل كثيرة بما لا يرضاه الله ولا رسوله ولا المؤمنون، حتى في عهد
الصَّحَابَةِ، كما مكنهم ابتلاءً وامتحانًا أن يدخلوا في حديث رسول الله وعليه ما
لیس منه.
فقامت جماعة أهل الحديث - أعني صحابة رسول الله وقّ رضي الله عنهم -
بالرد على تأويل المبطلين وتحريف الغالين، كما قاموا بجهود منقطعة النظير

١٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
لحفظ السنة النبوية وتنقيتها من الشوائب والأكدار.
ولا يجوز لأحد ممن يحترم عقله ودينه أن يقول: إن مصدر التشريع كان في عهد
التَّبِيِّ وَّةَ غير الكتاب والسنة؛ بل هما الركنان للتفقه في زمن الوحي.
وإن المتبع لسنة رسول الله وقائية والمتتبع لتاريخ الفقه الإسلامي يصل إلى نتيجة
حتمية؛ أنه بعد انقطاع خبر السماء، والتحاق النَّبِيِّ وََّ بالرفيق الأعلى، كان
صحابة رسول الله وَله إذا نزلت بهم نازلة أو نابتهم نائبة في أمور الدين والدنيا
هُرِعوا إلى معرفة حكمها الشرعي من كتاب الله وسنة رسول الله، فإن لم يجدوا
حكم المسألة فيهما اجتماعًا وانفرادًا استشاروا وسألوا فيما بينهم، فإن وجد عند
أحدهم حديث عن الرسول وَلهل انتهوا إليه؛ وإلا كانوا يجتهدون، ولكن في هذه
الحالة يقول أحدهم: أقول فيها برأيي؛ فإن أصبت فمن الله وإن أخطأت فمني ومن
الشيطان(١).
وجاء عهد التَّابِعِينَ تلامذة الصَّحَابَةِ وأصحابهم فساروا مسير الصَّحَابَةِ ومسارهم
فكان تفقههم على أصول الصَّحَابَةِ بالوحيين إضافة إلى اجتهادات الصَّحَابَةِ اجتماعًا
أو انفرادًا، وما كانوا يَعْدون أقوال الصَّحَابَةِ بعد الوحيين، وعليه كان أتباعهم حتى
جاء الأئمة المتبوعون - رحم الله الجميع - فساروا على مسار تفقه الصَّحَابَةِ
وأصولهم وما كان لهم أن يتخذوا طريقًا غير طريقة أصحاب رسول الله المجمع
عليه منهم ويتبعوا غير سبيل المؤمنين. وكل من هيأه الله في القرون الأولى بقيادة
الأمة العلمية والشرعية في العواصم الإسلامية لم تكن لهم أصول غير ما ذكرنا.
فكان فقه الأئمة - عقيدة وشريعة - منزوعًا من الكتاب والسنة وإجماع الصَّحَابَةِ
إن أجمعوا، أو أقوالهم وفتاويهم لا يتعدون هذه الأصول الثلاثة؛ فإن لم يصلوا أو
لم يجدوا شيئًا من هذه الأصول لجؤوا إلى الاجتهاد، وكانوا بحق مجتهدين، وكان
لهم أن يجتهدوا في مسائل الأمة، بل كان واجبًا عليهم أن لا يتركوا الأمة حيارى،
فكانوا يبذلون أقصى جهودهم لمعرفة الحق، ولكن كانوا يعلمون أنه قد يفوتنا
بعض الأحاديث؛ لذا قد أوصى الجميع بمعنى: ((إذا صح الحديث فهو مذهبي)).
(١) إسناده صحيح عن عبد الله بن مسعود: أخرجه أبو داود (٢١١٦)، والنسائي (٣٣٥٨).

١٥
مُقَدِمَةٌ أ.د/ وَصى الله
وقد أخرج الله رَ في ديننا - دين الإسلام دين العِلْم والقراءة - أئمة كثيرين يشهدون
بأمر الله، ويهدون على أصول الشريعة المعروفة الكتاب والسنة وآثار الصَّحَابَةِ ثم
اجتهاداتهم، كانوا مُنْثِّين في عواصم الإسلام ومُدنها وقُراها، في خير القرون.
وأمراء الإسلام كانوا يتبعونهم في تسيير دفة الحكم بفتاواهم ومشوراتهم كالفقهاء
من الصَّحَابَةِ الَّذَينِ ذكرهم الإمام ابن القيم في كتابه «إعلام الموقعين)) (١) ومن التَّابِعِينَ
الفقهاء السبعة: سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة
بن مسعود وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث المخزومي المتوفون في سنة
(٩٤ هـ)، وخارجة بن زيد بن ثابت الأنصاري ت (١٠٠ هـ)، وسليمان بن يسار
الهلالي ت (١٠٤)، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ت (١٠٦)هـ، ثم انظر
أيها القارئ الكريم كتاب ((أخبار القضاة)) لوكيع بن خلف وغيره، وانظر إلى تراجم
كثير من رجال أسانيد الكتب السِّة تجدهم كانوا قضاة ولهم أعمال مشكورة في
القضاء والفتوى وممن ذكرهم ابن القيم من التَّابِعِينَ وغيرهم.
كلهم كانوا على أصول الكتاب والسُّنة وآثار الصَّحَابَةِ والإجماع والقياس.
وحتى الأئمة الأربعة كانوا يعترفون لکثیر منھم وینوِّهون بذکرهم.
قال الإمام أبو حنيفة تَخْتُهُ: ما رأيتُ أحدًا أفْقه من جعفر بن محمد(٢)، وقال
الإمام مالك بن أنس: ذَهبتْ حلاوة الفقه منذ مات ربيعة (٣).
قال الشافعي تَخْتُهُ: ما رأيتُ أفقه من سفيان بن عُيَيْنة ولا أسكتَ عن الفتيا
منه(٤). وسُئِل الإمام أحمد بن حنبل الشيباني تَخْتُهُ عن مسألة، فقال للسائل: سَلْ
غيرنا، فقال: إنما نريد جوابك. فقال: ما أتفقه سل أبا ثور(٥)، وأبو ثور هو
إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان الكلبي الفقيه صاحب الإمام الشافعي ثقة ثبت(٦).
(١) (١٤/١ - ٥٠).
(٢) ((تهذيب الكمال)) للمزي (٧٩/٥).
(٣) ((سير أعلام النبلاء)) (٩١/٦).
(٤) ((سير أعلام)) (١٠/ ٧١).
(٥) ((تاريخ بغداد)) (٦٦/٦)، و((بحر الدم)) (ص ٥١ - ٥٢).
(٦) ((تقريب التهذيب)) (ص ٨٩ رقم ١٧٢).

١٦
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقال الشافعي: الليث (ابن سعد) أفقهُ من مالك إلا أن أصحابه لم يقوموا به (١).
وقال يحيى بن أبي بكر: الليثُ أفقه من مالك ولكن الحظوة لمالك تَخْذَّتُهُ (٢).
وكلُّ ما كان عِلْم أحدٍ منهم بالكتاب والسنة أكثر كان فقهه هو الفقه المطلوب.
ولا يجوز لأحدٍ أن يقول: إن أحدًا من أئمتنا كان يُفتي عن الهوى والتشهِّي، ولكن
قد يقع من بعضهم هفوات وأخطاء، وكان يُصحِّح بعضهم خطأ بعض ويَرُد على
الخطأ، وكان الأئمة يأخذون بالصحيح، إذا ظهر لهم، بانشراح صدر ورحابة
ضمير، قال ابن وهب (تلميذ مالك): سمعتُ مالكًا سُئِل عن تخليل أصابع الرجلين
في الوضوء فقال: ليس ذلك على الناس، قال: فتركتُه حتى خَفَّ الناسُ، فَقُلتُ
له: عندنا في ذلك سُنَّة، فقال: وما هي؟ قلتُ: حدثنا الليث بن سَعْد وابن لهيعة
وعمرو بن الحارث عن يزيد بن عَمرو المعافري، عن أبي عبد الرحمن الحُبُلي عن
المُسْتورد بن شدّاد القرشي قال: رأيتُ رسول الله و لي يدلك بخنصره ما بين أصابع
رجْلَيهِ، فقال: هذا الحديث حَسَن، وما سمعتُ به قط إلا الساعة، ثم سمعته بعد
ذلك يُسأل فيأمُر بتخليل الأصابع(٣) .
ولكن قدَّر الله - ابتلاءً وامتحانًا لطائفة أهل الحديث الذين بشر لهم التَّبِيُّ ◌َل:
((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضُرهم من خَذلهُم ولا من خالفهم،
حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس)) (٤) - أن يحصل الخلاف في الأمة، في
جانب العقيدة والشريعة والسلوك، فذهبتْ طوائف مذاهب في هذه الجوانب
مخالفة لما كان عليه الشَّبِيُّ وَّه وصحابته والتَّابِعُونَ لهم بإحسان.
فآل الأمر في دين الله بدل الاتباع إلى تقليد قول من ليس قوله حجة، وانتسبوا
في العقيدة إلى الأشعري والماتريدي والمعتزلي والجهمي.
(١) ((سير أعلام النبلاء)) (١٣٩/٨).
(٢) ((الجرح والتعديل)) (٧/ ١٨٠)، وعنه في ((السير)) (١٠/ ١٣٩).
(٣) مقدمة ((الجرح والتعديل)) (ص٣١ - ٣٢)، و((السنن الكبرى)) للبيهقي (٧٦/١).
(٤) (صحيح مسلم)) (٣/ ١٥٢٤) رقم (١٠٣٧).

١٧
مُقَدِمَةٌ أ.د/ وَصي اللَّه
وبالأخص في الأحكام الشرعية أوجبوا على الناس أن لا يخرجوا من قول أحدٍ
من الأئمة الأربعة. ومن قال منهم: إني لا أقلد أحدًا بعينه بل جميعهم أئمتنا واتبع
الجميع فیما وافق فيه الدلیل عيب عليه ونودي علیه بـ ((لا مذهبي))، ووُصف بالدجل
والتعصب والسُّخْف والضلال وأنه عميل للمُستَعْمر، وأن يَدًا خفية تحركهم (١).
وهذه مخالفة لما كان عليه الرسول وَ له والتَّابِعُونَ وأتباعهم والأئمة الأربعة
المتبوعون وغيرهم، وكلهم من أهل الحديث وقد نهوا عن التعصب لأجل التقليد
لأحدٍ معين، وحاشاهم أن يأمروا بالتقليد والتعصب ويرضوا بهما وقد عاشوا
القرآن والسنة وخالط الاتباع لحو مهم ودماءهم رحمهم الله، و کان کتاب الله وسنة
رسوله أجلَّ في صُدورهم من كل شيء. انظروا ماذا قال أئمتنا في هذا الباب:
١- الإمام أبو حنيفة تَّلهُ: وقد روى عنه أصحابه أقوالًا كثيرة وعبارات
متنوعة، وكلها تؤدي إلى معنى واحد وهو وجوب الأخذ بالحديث وترك تقليد
الأئمة المخالفة له. قال رَخْدَتْهُ :
أ- إذا صحَّ الحديث فهو مذهبي.
ب- لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يَعْلم من أين أخذناه.
جـ- وفي رواية: حرام على من لم يعرف دليلي أن يُفتي بكلامي، زاد في رواية:
فإننا بشر نقول القول اليوم ونرجع عنه غدًا.
د- وفي رواية: وَيْحك يا يعقوب - هو أبو يوسف الصاحب للإمام - لا تكتب
عني كل ما تسمع مني؛ فإني أرى الرأي اليوم وأتركه غدًا، وأرى الرأي غدًا وأتركه
بعد غدٍ .
هـ- إذا قلتُ قولًا يخالف كتاب الله وخبرًا لرسول الله وَّ فاتركوا قولي.
٢- الإمام مالك بن أنس تَخّْتُهُ:
أ- قال: إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيي، فكل ما وافق الكتاب
والسنة فخذوه، وكلَّ ما لم يوافق فاتر كوه.
(١) انظر: ((بدعة التعصب المذهبي)) لعيد العباسي (ص ٨ - ٩).

EDARE
١٨
*
** ce
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ee
ب- وقال: ليس أحد بعد النَّبِيِّ بَّهَ إلا ويؤخذ من قوله ويترك إلا النَّبِيُّ وَله.
٣- الإمام الشافعي محمد بن إدريس :
وأما الشافعي فالمنقول عنه في الاتباع وترك التقليد أكثر وأطيب.
أ- قال: ما منا من أحد إلا وتذهب عليه سنة رسول الله وَل﴿ وتغربُ عنه، فَمَهْمَا
قلت من قولٍ أو أصَّلْتُ من أصل فيه عن رسول الله وَّ خلافُ ما قلتُ، فالقول ما
قال الرسول وَل وهو قولي.
ب- قال: أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة عن رسول الله وَليل لم
يحل له أن يدعها لقول أحد.
جـ- وقال: إذا وجدتم في كتابي خلافَ سُنَّةِ رسول الله وَلَه فقولوا بسنة رسول
الله وَلَّه، ودعوا ما قلتُ، وفي رواية: فاتبعوها ولا تلتفتوا إلى قول أحد.
د- وقال: إذا صحَّ الحديث فهو مذهبي.
هـ- وقال مخاطبًا للإمام أحمد بن حنبل ◌َّهُ: أنتم أعلم بالحديث والرجال
مني، فإذا كان الحديث الصحيح، فأعلموني به أي شيء يكون كوفيًّا أو بصريًّا أو
شاميًّا حتى أذهب إليه إذا كان صحيحًا.
و- وقال: كل مسألةٍ صحَّ فيها الخبر عن رسول الله وَّه عند أهل النقل بخلاف
ما قلتُ، فأنا راجع عنها في حياتي وبعد موتي.
ز- وقال: إذا رأيتموني أقول قولًا، وقد صح عن النَّبِّ وَلَ خلافه فاعلموا أنَّ
عقلي قد ذهب .
حـ- وقال: كلُّ ما قلتُ فكان عن النَِّّوَّهِ خلافُ قولي مما يصح فحديث النَّبِيِّ
وَل أولى فلا تقلدوني.
ط- وقال: كل حديث عن النَّبِيِّ وَّ فهو قولي وإن لم تسمعوه مني.
٤- الإمام أحمد بن محمد بن حنبل نَظّتُهُ :
وأما الإمام أحمد فهو أكثر الأئمة جمعًا للسنة وتمسكًا بها حتى كان يكره وَضْع
الكتب التي تشتمل على التفريع والرأي، ولذلك قال:

١٩
مُقَدِمَةٌ أ.د/ وَصي الله
أ- لا تقدِّدني ولا تُقُلِّد مالكًا ولا الشافعي ولا الأوزاعي ولا الثوري وخذ من
حيث أخذوا.
ب- وقال: لا تُقلِّد دينك أحدًا من هولاء، ما جاء عن النَّبِيِّ وَلّه وأصحابه فخذ به
ثم التَّابِعِينَ بعدُ، والرجل فيه مُخيّر.
جـ- وقال مرةً: الاتباع أن يتّبع الرجل ما جاء عن النَّبِّ وَّ وعن أصحابه، ثم هو
من بعد التَّابِعِينَ مخيَّر.
د- وقال: رأي الأوزاعي ورأي مالك ورأي أبي حنيفة كلَّه رأيٌّ، وهو عندي
سواء، وإنما الحجة في الآثار.
هـ- وقال: من ردَّ حديث رسول الله وَّلَه فهو على شفا هلكة(١)، وإن العجب لا
ينقضي حين يرى المسلم المتّبع للسنة أمر أصحاب المذاهب المتأخرين يتعصبون
للأئمة في المسائل الفرعية الأحكام وغيرها، والأئمة قد نهوهم عن تقليدهم وتقليد
غيرهم. وأما الفقه في العقيدة وهو الفقه الأكبر وهو الركن الأول في دين الإسلام
فهم مخالفون فيه للأئمة، أكثرهم خالفوا الأئمة الذين انتسبوا لهم واتبعوا المذهب
الأشعري وغيره، سوى أتباع الإمام أحمد - رحمهم الله - فكانوا رمزًا للعقيدة
السلفية الصَّحِيحَةِ على مر القرون إلا قليلاً منهم.
وأما أكثر أتباع المذاهب الثلاثة فكانوا في العقيدة على غير مذهب السلف
والأئمة؛ وهذا أمر لا يُنكره إلا مكابر أو من ليس له إلمام بتاريخ الإسلام
والمذاهب الإسلامية .
وهذا الإمام أبو حنيفة تَّلهُ نقل عنه الأئمة في باب العقائد مسائل يخالفه فيها
أكثر مقلدیه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية تَخَّتْهُ :
وفي كتاب ((الفقه الأكبر)) المشهور عند أصحاب أبي حنيفة الذي رووه بالإسناد
عن أبي مطيع الحكم بن عبد الله البلخي قال: سألت أبا حنيفة عن الفقه الأكبر،
(١) انظر: مقدمة ((صفة صلاة النبي بَّ﴾)) (ص ٤٦ - ٥٣)، وكتاب ((الاتباع)) (ص ٧٤ - ٧٩).