Indexed OCR Text
Pages 461-480
Beexx ٤٦٠ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ آخر كتاب المساقاة، والنسائي والبيهقي (ج ٥ ص ٣٠٧) والبغوي (ج ٨ ص ٨٢) بعضهم مختصرًا وبعضهم مطولًا بألفاظ مختلفة مآلها واحد، فالحديث متفق عليه، وزاد مسلم في روايته من طريق عبيد الله عن زيد بن أبي أنيسة، قال زيد لعطاء بن أبي رباح: أسمعت جابر بن عبد الله يذكر هذا - يعني: التفسير المذكور، - عن رسول الله وَّل؟ قال: نعم، وعلى هذا فالتفسير المذكور في الحديث هو الراجح، بل المتعين، فقد صرح الصحابي برفعه. ٢٨٦٠ - [٣] وَعَنْهُ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ،وَ له عَنِ الْمُحَاقَلَةِ وَالْمُزَابَةِ وَالْمُخَابَرَةِ وَالْمُعَاوَمَةِ وَعَنِ الثُّنْيَا وَرَخَّصَ فِي الْعَرَايَا. [رَوَاهُ مُسْلِمٌ] الشرح ٢٨٦٠ - قوله: (وَالمُعَاوَمَة) مفاعلة من العام بمعنى السنة كالمسانهة من السنة والمشاهرة من الشهر. قال في ((النهاية)): هي بيع ثمر النخل والشجر سنتين وثلاثًا فصاعدًا، يقال: عاومت النخلة إذا حملت سنة ولم تحمل أخرى، وهي مفاعلة من العام السنة. انتهى. وإنما نهى عنه؛ لأنه بيع غرر؛ لكونه بيع ما لم يوجد، فهو كبيع ولد لم يخلق، وزاد مسلم قبل قوله وعن الثنيا. وقال أحدهما أى: أبو الزبير أو سعيد بن ميناء في روايته عن جابر: بيع السنين: هي المعاومة، قال النووي: أما النهي عن بيع المعاومة وهو بيع السنين: فمعناه أن يبيع ثمر الشجرة عامين أو ثلثه أو أكثر، فيسمى بيع المعاومة وبيع السنين وهو باطل بالإجماع، نقل الإجماع فيه ابن المنذر وغيره؛ لأحاديث الباب ولأنه بيع غرر؛ لأنه بيع معدوم ومجهول وغير مقدور على تسليمه وغير مملوك للعاقد. وقال البغوي بعد ذكر صورة بيع السنين بنحو ما قال النووي: هذا في بيوع الأعيان، وأما في بيوع الصفات فهو جائز وهو أن يسلم في شيء إلى أجل، وذلك الشيء منقطع في الحال، وسيوجد عند المحل غالبًا. انتهى. (وعن الثُّنْيَا) بالمثلثة مضمومة فنون ساكنة فمثناة تحتية بزنة دنيا وعليا: اسم من (٢٨٦٠) أخرجه مسلم (١٥٣٦ / ٨٥). ٤٦١ كِتّابُ البُيُوعِ بَابُ الْمَنْهِيِ عِنْهَا مِنَ الْبُيُوع الاستثناء وهو في البيع: أن يستثني البائع عن المبيع شيئًا مجهولًا. قال محيي السنة: الثنيا أن يبيع ثمر حائطه - مثلا - ويستثني منه جزءًا غير معلوم القدر فيفسد لجهالة المبيع باستثناء غير المعلوم منه. وقال القاضي: المقتضي للنهي فيه إفضاؤه إلى جهالة قدر المبيع؛ ولهذا قال الفقهاء: لو قال: بعت منك هذه الصبرة إلا صاعًا وكانت مجهولة الصيعان فسد العقد؛ لأنه خرج المبيع عن كونه معلوم القدر عيانًا أو تقديرًا. أما لو باعها واستثنى منها سهما معينًا - مشاعا - كالثلث أو الربع صح لحصول العلم بقدر على الإشاعة، كذا في ((المرقاة))، وفي رواية الترمذي الآتية في الفصل الثاني من هذا الباب ((نهى عن الثنيا إلا أن تعلم. قال الأمير الصنعاني: وصورة ذلك أن يبيع شيئًا ويستثني بعضه، ولكنه إذا كان ذلك البعض معلومًا صحت؛ نحو أن يبيع أشجارًا ويستثني واحدة معينة، فإن ذلك يصح اتفاقًا. قالوا: لو قال: إلا بعضها فلا يصح؛ لأن الاستثناء مجهول، وظاهر الحديث - أي: رواية الترمذي - أنه إذا علم قدر المستثنى؛ صح مطلقًا. وقيل: لا يصح أن يستثني ما يزيد على الثلث، والوجه في النهي عن الثنيا هو الجهالة، وما كان معلومًا فقد انتفت العلة، فخرج عن حكم النهي، وقد نبه النص على العلة بقوله إلا أن تعلم. انتھی . وقال النووي بعد ذكر رواية الترمذي: مثال الثنيا المبطلة للبيع قوله: بعتك هذه الصبرة إلا بعضها، وهذه الأشجار أو الأغنام أو الثياب ونحوها إلا بعضها، فلا يصح البيع؛ لأن المستثنى مجهول. فلو قال: بعتك هذه الأشجار إلا هذه الشجرة أو هذه الشجرة إلا ربعها أو هذه الصبرة إلا ثلثها، وما أشبه ذلك من الثنيا المعلومة؛ صح البيع باتفاق العلماء، ولو باع الصبرة إلا صاعًا منها أو باع ثمرة نخلات فاستثنى من ثمرتها عشرة آصع مثلًا للبائع، فالبيع باطل عند الشافعي وأبي حنيفة، وصحح مالك أن يستثني منها ما لا يزيد على ثلثها، وقال في الثاني: يجوز ذلك ما لم يزد على قدر ثلث الثمرة. انتهى. وقال ابن قدامة في ((المغني)) (ج ٤ ص ١٠١،١٠٠): إذا باع ثمرة بستان واستثنى صاعًا أو آصعًا أو مدًّا أو أمدادًا، أو باع صبرة واستثنى منها مثل ذلك؛ لم يجز، وروي ذلك عن سعيد بن المسيب والحسن والشافعي والأوزاعي وإسحاق وأبي ثور وأصحاب الرأي. وقال أبو الخطاب: فيه رواية أخرى أنه يجوز، وهو قول ابن ٤٦٢ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ ater *= سيرين وسالم بن عبد الله ومالك؛ لأن النبي وَلّ نهى عن بيع الثنيا إلا أن تعلم؛ رواه الترمذي وقال: هو حديث حسن صحيح، وهذه ثنيا معلومة؛ ولأنه استثنى معلومًا أشبه ما إذا استثنى منها جزءًا، ولنا أن النبي وَّ نهى عن الثنيا. رواه مسلم؛ ولأن المبيع معلوم بالمشاهدة لا بالقدر، والاستثناء يغير حكم المشاهدة؛ لأنه لا يدري كم يبقى في حكم المشاهدة، فلم يجز ويخالف الجزء، فإنه لا يغير حكم المشاهدة ولا يمنع المعرفة بها، وإن باع شجرة أو نخلة واستثنى أرطالًا معلومة، فالحكم فيه كما لو باع حائطًا واستثنى آصعًا، وقال القاضي في ((شرحه)): يصح لأن الصحابة في أجازوا استثناء سواقط الشاه والصحيح ما ذكرناه، وهذا أشبه بمسألة الصاع من الحائط وإليها أقرب والمعنى الذي ذكرناه فيها متحقق هاهنا؛ فلا يصح، وإن استثنى نخلة أو شجرة بعينها جاز، ولا نعلم في ذلك خلافًا. وذلك لأن المستثنى معلوم ولا يؤدي إلى جهالة المستثنى منه، وإن استثنى شجرة غير معينة لم يجز؛ لأن الاستثناء غير معلوم فصار المبيع والمستثنى مجهولين، وروي عن ابن عمر أنه باع ثمرته بأربعة آلاف واستثنى طعام القيان، وهذا يحتمل أنه استثنى نخلاً معينًا بقدر طعام القيان؛ لأنه لو حمل على غير ذلك كان مخالفًا لنهي النبي بَّ عن الثنيا إلا أن تعلم، ولأن المستثنى متى كان مجهولًا لزم أن يكون الباقي بعده مجهولًا فلا يصح بيعه، كما لو قال: بعتك من هذه الثمرة طعام القيان، وإن استثنى جزءًا معلوم من الصبرة أو الحائط مشاعًا كثلث أو ربع أو أجزاء كسُبْعَيْنٍ أو ثلاثة أثمان صح البيع والاستثناء، ذكره أصحابنا وهو مذهب الشافعي، وقال أبو بكر وابن أبي موسى: لا يجوز، ولنا أنه لا يؤدي إلى جهالة المستثنى ولا المستثنى منه فصح، وذلك لأن معنى: بعتك هذه الصبرة إلا ثلثها، أي: بعتك ثلثيها. وقوله: إلا ربعها، بعتك: ثلاثة أرباعها. انتهى. وقال محمد في ((موطئه)): لا بأس أن يبيع الرجل ثمره ويستثني بعضه إذا استثنى شيئًا من جملته ربعًا أو خمسًا أو سدسًا، انتھی . قال ابن قدامة: وإن باع قطعًا واستثنى منه شاة بعينها صح، وإن استثنى شاة غير معينة؛ لم يصح، وهو قول أكثر أهل العلم، وقال مالك: يصح أن يبيع مائة شاة إلا شاة يختارها، أو يبيع ثمرة حائطه ويستثني ثمرة نخلات بعدها، ولنا أن النبي وقَال نهى عن الثنيا إلا أن تعلم ونهى عن بيع الغرر؛ ولأنه مبيع مجهول، والمستثنى ٤٦٣ كِتّابُ البُيُوعِ بَابُ المُنْهِيِ عنْهَا مِنَ الْبُيُوع مجهول فلم يصح. انتهى. (وَرَخَّصَ) بتشديد الخاء المعجمة من الترخيص (فِي العَرَايَا) بفتح العين المهملة جمع عرية بتشديد الياء على وزن فعيلة، كمطية ومطايا وضحية وضحايا. واختلف في اشتقاقها ومعناها لغة، وكذا اختلف في معناها شرعًا، أما الاختلاف في معناها اللغوي ففيه أقوال: أحدها: أنها فعيلة بمعنى فاعلة، قاله الأزهري، والجمهور: لأنها عريت بإعراء مالكها أي: إفراده لها من باقي النخل، فهي عارية أي: منفردة باعتبار التحريم أو بالبيع أو بالعطية، يقال: عريت النخل بفتح العين وكسر الراء تعري بفتحها على أنه قاصر، فكأنها عريت أي: تعرت وتجردت عن حكم أخواتها. قال صاحب ((العين)): العرية من النخل: التي تعرى عن المساومة عند بيع النخل، وقال غيره: مأخوذة من عري يعرى؛ إذا خلع ثوبه كأنها عريت من جملة التحريم، وقيل: مأخوذة من من تخلي الإنسان عن ملكه من الثمرة من قوله فَبَدْنَهُ بِالْعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (٢٥)﴾ [الصَّافات: الآية ١٤٥] فسميت النخلة العرية تعالی : بمعنى العارية؛ لأنها عريت عن الثمن؛ لكونها هبة، كما قاله ابن رشد، أو لأنها عريت عن الخرص في الزكاة، أو لأنها عريت عن ملك مالكها، أو لأنها انفردت من تحريم المزابنة، أو لأنها انفردت عن المساومة عند بيع باقي النخل، أو لأنها انفردت بالبيع عن باقي النخل، أو لأنها انفردت لما وهب مالكها ثمرها. القول الثاني: أنها فعيلة بمعنى مفعولة، قاله الهروي وغيره من عراه يعروه؛ إذا أتاه وتردد إليه؛ لأن صاحبها يعروها أي: يأتيها ويتردد إليها، فهي معروة، وأصلها عريوة فقلبت الواو ياء وأدغمت قال في ((طرح التثريب)): من جعلها بمعنى مفعولة قال: هي من عرى النخل بفتح العين والراء معًا على أنه متعد، يعروها إذا أفردها عن غيرها من النخل ببيعها رطبًا - أو بأن أعطاها لآخر على سبيل المنحة ليأكل ثمرها وتبقى رقبتها لمعطيها - وقيل: من عراه يعروه إذا أتاه وتردد إليه؛ لأن صاحبها يتردد إليها: يعني يأتيها متى شاء فيأكل رطبها. القول الثالث: أنها مأخوذة من عراه يعروه إذا أتاه يطلب منه عرية فأعراه أي: إياها، كما يقال: سألني فأسألته، فالعرية اسم للنخلة المعطى ثمرها. قال الأبي: إن ((عرا)) التي على وزن ((غزا)) هي بمعنى الطلب، ومنه يقال: عرى فلان فلانًا فأعراه؛ إذا أتاه يطلب معروفه ومعنى فأعراه فأعطاه، كما يقال: طلبني فأطلبته أي: أعطيته. فقيل: العرية مشتقة من عراه يعروه ٤٦٤ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ إذا أتاه يطلب معروفه؛ لأن معراها يأتيها ويطلبها. وهذا الاشتقاق موافق لما فسرها به مالك من أنها هبة الثمر. وتفسيرها بذلك هو الذي صوبه أبو عبيد وليس موافقًا لما فسرها به الشافعي؛ لأن الذي فسرها به ليس فيه هبة ولا عطية. انتهى. وعلى هذا العربية اسم لعطية خاصة، وقد سمت العرب عطايا خاصة بأسماء خاصة كالمنيحة لعطية الشاة، والإفقار لما ركب فقاره. وكانت العرب إذا دهمتهم سنة تطوع أهل النخل منهم على من لا نخل له فيعطيهم من ثمرة نخله دون رقابها، ومنه قول بعضهم : ولكن عرايا في السنين الجوائح ليست بسنهاء ولا رجبية والسنهاء: التي تحمل سنة دون سنة، والرجبية: التي تميل لضعفها فيدعم، ثم ذكر أنه يعرى ثمرتها في سني الجائحة يعني: عند نزول الجوائح بالناس واشتداد الزمان وقلة الثمار، فعلى هذا العرية هبة وعطية لا بيع، وإليه ذهبت الحنفية. وأما معنى العرية شرعًا، ففيه أيضا أقوال: أحدها: ما ذهب إليه مالك في المشهور عنه، قال: العربية أن يهب رجل نخلته لآخر أو يهب له ثمرها، ثم يتأذى بدخوله عليه، فيرخص للواهب أن يشتري رطبها من الموهوب له بتمر يابس، ذكره في ((المدونة)) من رواية ابن القاسم عنه، وحكاه أيضًا ابن عبد البر في ((التمهيد)) من رواية ابن وهب عن مالك، وذكره البخاري معلقًا. قال ابن عبد البر: هذه رواية مشهورة عن مالك بالمدينة وبالعراق، القول الثاني: أن تكون لرجل نخلة أو نخلتان في حائط رجل له نخل كثير، فيتأذى صاحب النخل الكثير بدخول الآخر عليه، خصوصًا إذا خرج مع أهله في حائطه، كما هو عادة أهل المدينة أنهم يخرجون بأهليهم في وقت الثمار إلى حوائطهم، فيقول صاحب النخل الكثير: أنا أعطيك خرص نخلك تمرًّا فرخص لهما في ذلك. رواه الطحاوي من طريق ابن نافع عن مالك. قال ابن عبد البر في ((التمهيد)) (ج ٢ ص ٣٢٩): هذه الرواية عن مالك على خلاف أصله في العرية أنها هبة الثمرة وأن الواهب هو الذي رخص له في شرائها . وهذا لم يوهب له ثمر نخل، بل هو ملك رقاب. قال: وهي - أي: الرواية الأولى - رواية مشهورة عنه بالمدينة وبالعراق إلا أن العراقيين رووها عنه بخلاف شيء من ٤٦٥ كِتَابُ البُيُوعِ * بَابُ الْمُنْهِي مِنْهَا مِنَ الْبُيُوعِ معناها، فذكرها الطحاوي من طريق ابن نافع عن مالك أن العرية النخلة والنخلتان للرجل في حائط غيره، والعادة بالمدينة أنهم يخرجون بأهليهم في وقت الثمار إلى حوائطهم، فيكره صاحب النخل الكثير دخول الآخر عليه، فيقول: أنا أعطيك خرص نخلك تمرًا فرخص لهما في ذلك. قيل: أصل العرية عند مالك هو ما ذكر في القول الأول، وأما ما رواه الطحاوي عنه فهو داخل في حكم العرية. قال الدردير بعد ذكر العرية بمعناها المشهور عندهم: ولما كان لنا ما يشبه العرية في الترخيص في شراء الثمرة بخرصها وليس هو من العرية في شيء، ذكره الخليل بقوله: وجاز شراء أصل لغيرك في حائطك بخرصه مع بقية الشروط. انتهى. قلت: ولصحة بيع العرية عند المالكية عشرة شروط ذكرها الأبي وابن رشد وغيرهما منها: أن يكون البيع بعد بدو الصلاح، وأن يكون بثمن مؤجل إلى الجذاذ ولا يجوز كونه حالًا، وأن لا تكون هذه المعاملة إلا مع المعرى خاصة؛ لما يدخل على المالك من الضرر بدخوله حائطه، أو لرفع الضرر عن الآخر بقيام صاحب النخل بالسقي والكلف، واحتج لمالك في قصر العرية على ما ذكره بحديث سهل ابن أبي حثمة الآتي بلفظ: ((يأكلها أهلها رطبًا))، فتمسك بقوله ((أهلها)) والظاهر أنه الذي أعراها، ويحتمل أن يراد بالأهل من تصير إليه بالشراء فقد صاروا بشرائها أهلها. قال الحافظ: والأحسن في الجواب أن حديث سهل دل على صورة من صور العرية، وليس فيه التعرض لكون غيرها ليس عرية. القول الثالث: ما ذهب إليه الشافعي فقال في ((الأم)): وذكر عنه البيهقي في ((المعرفة)) من طريق الربيع عنه: العرايا أن يشتري الرجل ثمر النخلة فأكثر بخرصه من التمر، بأن یخرص الرطب ثم بقدر کم ینقص إذا یبس ثم يشتري بخرصه تمرًا، فإن تفرقا قبل أن يتقابضا؛ فسد البيع. انتهى. ومحصله أن لا يكون جزافًا ولا نسيئة. وقد جاء عن الشافعي بلفظ آخر فقال: ولا تبتاع العرية بالتمر إلا أن تخرص العرية كما يخرص المعشر، فيقال: فيها الآن كذا وكذا من الرطب، فإذا يبس كان كذا وكذا، فيدفع من التمر بكيله خرصًا، ويقبض النخلة بثمرها قبل أن يتفرقا، فإن تفرقا قبل قبضها؛ فسد. قال الحافظ: وضابط العرية عند الشافعية أنه بيع رطب في نخل يكون خرصه؛ إذا صار تمرًا أقل من خمسة أوسق بنظيره في الكيل من التمر مع التقابض في المجلس. ٤٦٦ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ وحكي عن الشافعي تقييد المشتري في العرية بالمساكين، وهو اختيار المزني ومستنده ما ذكره الشافعي في ((الأم)) وفي ((مختلف الحدیث)) عن محمود بن لبيد قال: قلت لزيد بن ثابت: ما عرایا کم هذه؟ قال: فلان وأصحابه شکوا إلى رسول الله وَ له أن الرطب يحضر وليس عندهم ذهب ولا فضة يشترون بها منه وعندهم فضل تمر من قوت سنتهم، فرخص لهم أن يشتروا العرايا بخرصها من التمر یأکلونها رطبًا . قال الشافعي: وحدیث سفیان بن حسین عن یحیی بن سعيد عن بشير بن يسار، عن سهل بن أبي حثمة - يعني حديثه الذي ذكره المصنف بعد هذا - يدل لهذا، فإن قوله: ((يأكله أهلها رطبًا)) يشعر بأن مشتري العرية يشتريها ليأكلها وأنه ليس له رطب يأكله غيرها، ولو كان المرخص له في ذلك صاحب الحائط - يعني كما قال مالك - لكان لصاحب الحائط في حائطه من الرطب أكثر من العرايا يأكل من حائطه ولو لم يفتقر إلى أن يبتاع العرية التي هي داخلة في معنى ما وصفت من النهي. قال السبكي: هذا الحديث - يعني: حديث محمود بن لبيد عن زيد بن ثابت - لم يذكر للشافعي إسناده، وكل من ذكره إنما حكاه عن الشافعي ولم يجد البيهقي في ((المعرفة)) له إسنادًا، قال: وعلى تقدير صحته، فليس فيه حجة للتقييد بالفقير؛ لأنه لم يقع في كلام الشارع، وإنما ذكره في القصة، فيحتمل أن تكون الرخصة وقعت لأجل الحاجة المذكورة، ويحتمل أن يكون للسؤال، فلا يتم الاستدلال مع إطلاق الأحاديث المنصوصة من الشارع، كذا في ((الفتح)). وقال القسطلاني: قد حكي عن الشافعي تقييدها بالمساكين على ما في حديث سفيان وهو اختيار المزني، والصحيح أنه لا يختص بالفقراء، بل يجري في الأغنياء لإطلاق الأحاديث فيه. وما رواه الشافعي عن زيد بن ثابت أن رجالًا محتاجين من الأنصار، شکوا إلى رسول الله پێ أن الرطب یأتي ولا نقد بأیدیھم یبتاعون به رطبًا يأكلونه مع الناس، وعندهم فضل قوتهم من التمر، فرخص لهم أن يبتاعوا العرايا بخرصها من التمر، أجيب عنه بأنه ضعيف، وبتقدير صحته، فهو حكمة المشروعية، ثم قد يعم الحكم، كما في الرمل والاضطباع على أنه ليس فيه أكثر من أن قومًا بصفة سألوا فرخص لهم، واحتمل أن يكون سبب الرخصة فقرهم أو سؤالهم والرخصة عامة، فلما أطلقت أحاديث أخر تبين أن سببها السؤال كما لو الا كِتّابُ البُيُوعِ بَابُ الْمَنْهِيِ عَنْهَا مِنَ الْبُيُوع ٤٦٧ سأل غيرهم، وأن ما بهم من الفقر غير معتبر؛ إذ ليس في لفظ الشارع مَلَه ما يدل لاعتباره، وعند الحنابلة لا تجوز العرية إلا لحاجة صاحب الحائط إلى البيع أو لحاجة المشتري إلى الرطب. انتهى. وقال الولي العراقي: اعتبار الفقر في جواز ذلك هو أحد قولي الشافعي، والقول الآخر: أنه لا يختص بالفقر بل هو عام في حق كل أحد، وهذا هو الأظهر الذي به الفتوى في مذهبه، ثم ليس المراد بالفقر هنا ما يبادر إلى الفهم منه، وإنما المراد به عدم النقد كما صرح به المتولي والجرجاني من أصحابنا. قال تقي الدين السبكي: وقصة محمود بن لبيد في سؤاله زيد بن ثابت ترشد له. انتھی. القول الرابع: ما روى الأثرم عن أحمد أنه قال: العرايا أن يعري الرجل الجار أو القرابة للحاجة أو المسكنة، فللمعري أن يبيعها ممن شاء. قال: وأنا لا أقول فيها بقول مالك فلا يختص البيع بالمعري، نهى رسول الله وَّل عن المزابنة أن يباع من كل واحد ورخص في العرايا أن تباع من كل واحد، ومالك يقول ببيعها من الذي أعراها وليس هذا وجه الحديث عندي ويبيعها ممن شاء. وكذلك فسره لي ابن عيينة وغيره، قيل له: فإذا باع المعرى العرية له أن يأخذ التمر الساعة أو حتى يجذ؟ قال: بل يأخذه الساعة على ظاهر الحديث، كذا في ((طرح التثريب)). وقال ابن قدامة (ج ٤ ص ٥٩): لا يشترط في بيع العرية أن تكون موهوبة لبائعها. هذا ظاهر كلام أصحابنا وبه قال الشافعي. وظاهر قول الخرقي أنه شرط، ثم ذكر ابن قدامة رواية الأثرم عن أحمد المتقدمة وقول مالك، ثم قال: ولنا حديث زيد بن ثابت وهو حجة على مالك في تصريحه بجواز بيعها من غير الواهب، ولأنه لو كان لحاجة الواهب لما اختص بخمسة أوسق؛ لعدم اختصاص الحاجة بها، ولم يجز بيعها بالتمر؛ لأن الظاهر من حال صاحب الحائط الذي له النخل الكثير يعريه الناس أنه لا يعجز عن أداء ثمن العربية، وفيه حجة على من اشترط كونها موهوبة لبائعها؛ لأن علة الرخصة حاجة المشتري إلى أكل الرطب ولا ثمن معه سوى التمر فمتى وجد ذلك؛ جاز البيع، ولأن اشتراط كونها موهوبة مع اشتراط حاجة المشتري إلى أكلها رطبًا ولا ثمن معه يفضي إلى سقوط الرخصة إذ لا يكاد يتفق ذلك، ولأن ما جاز بيعه إذا كان موهوبًا؛ جاز وإن لم يكن موهوبا كسائر الأموال. وما جاز بيعه لواهبه؛ جاز لغيره كسائر الأموال. ٤٦٨ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ وإنما سمي عرية لتعريه عن عيره وإفراده بالبيع، قال ابن قدامة: ويشترط في بيع العرية شروط خمسة: أن يكون فيما دون خمسة أوسق، وبيعها بخرصها من التمر، وقبض ثمنها قبل التفرق، أي: التقابض في المجلس، وحاجة المشتري إلى أكل الرطب، وأن لا يكون معه ما يشتري به سوى التمر، واشترط القاضي وأبو بكر شرطًا سادسًا: وهو حاجة البائع إلى البيع. واشترط الخرقي كونها موهوبة لبائعها، واشترط أصحابنا لبقاء العقد: أن يأكلها أهلها رطبًا، فإن تركها حتى تصير تمرًا؛ بطل العقد واشترطوا أيضا كونها في النخيل خاصة، ويحتمل أن يجوز في العنب والرطب دون غيرهما، كما قال الشافعي. والقول الخامس: ما قاله الحنفية، وهي أن العرية هي أن يهب الرجل الرجل ثمر نخلة من نخيله ويأذن له في أخذها، فلا يفعل حتى يبدو لصاحبها أن يمنعه من ذلك؛ فله منعه، لأنها هبة غير مقبوضة؛ لأن المُعْرَى لم يكن ملكها، فأبيح للمُعْرِي أن يعوضه بخرصها تمرًا أو يمنعه. وقال عيسى بن أبان منهم: الرخصة في ذلك للمعرى أن يأخذ بدلًا من رطب لم يملكه تمرًا. وقال غيره منهم: الرخصة في ذلك للمعرِي؛ لأنه كان يكون مخلفًا لوعده فرخص له في ذلك. وأخرج به من إخلاف الوعد، حكاه ابن عبد البر. وقال: ليس للعرية عندهم مدخل في البيوع، والعرية عندهم هبة غير مقبوضة. وقد رد ما قاله الحنفية بأوجه: أحدها: أن المنهي عنه في أول الخبر البيع واستثنى منه بيع العرايا، ولو كان المراد بالهبة لما احتاج إلى استثنائه من جملة الخبر. الثاني: أنه قال فيه: ((رخص في العرايا))، والرخصة لا تكون إلا عن حظر، والحظر إنما كان في البيع لا في الرجوع عن الهبة قبل القبض، والثالث: أنهم لم يفرقوا هنا بين ذي رحم محرم وغيره حتى يجوز له الرجوع في حق الأجنبي دون غيره، فإن كان الرجوع جائزًا فليس إعطاؤه التمر بدله بيعًا وإنما هو تجديد هبة أخرى. والرابع: أن الرخصة قيدت بما دون خمسة أوسق، والرجوع في الهبة لا يتقيد بذلك عندهم ولا عند غيرهم، كذا في ((طرح التثريب))، واعلم أنه جعل الحافظ أقوال العلماء المختلفة في تفسير العرية والمراد منها شرعًا صورًا للعرية حيث قال بعد ذكر قولي الإمام مالك والإمام الشافعي: ثم إن صور العرية كثيرة، ٤٦٩ كِتّابُ البَيُوع ECKEN بَابُ الْمَنْهِيِ مِنْهَا مِنَ الْبُيُوع منها: أن يقول الرجل لصاحب حائط: بعني ثمر نخلات بأعيانها بخرصها من التمر، فيخرصها ويبيعه ويقبض منه التمر، ويسلم إليه النخلات بالتخلية، فينتفع برطبها، ومنها: أن يهب صاحب الحائط لرجل نخلات أو ثمر نخلات معلومة من حائطه، ثم يتضرر بدخوله عليه، فيخرصها ويشتري منه رطبها بقدر خرصه بتمر يعجله له، ومنها: أن يهبه إياها فيتضرر الموهوب له بانتظار صيرورة الرطب تمرًّا ولا يحب أكلها رطبًا؛ لاحتياجه إلى التمر، فيبيع ذلك الرطب بخرصه من الواهب أو من غيره بتمر يأخذه معجلًا، ومنها: أن يبيع الرجل ثمر حائطه بعد بدو صلاحه، ويستثني منه نخلات معلومة يبقيها لنفسه أي: لعياله، وهي التي عفي له عن خرصها في الصدقة، وسميت عرايا لأنها أعريت من أن تخرص في الصدقة، فرخص لأهل الحاجة الذين لا نقد لهم وعندهم فضول من تمر قوتهم أن يبتاعوا بذلك التمر من رطب تلك النخلات بخرصها، ومما يطلق عليه اسم العرية أن يعري رجلًا ثمر نخلات يبيح له أكلها والتصرف فيها، وهذه هبة محضة. ومنها: أن يعري عامل الصدقة لصاحب الحائط من حائطه نخلات معلومة لا يخرصها في الصدقة، وهاتان الصورتان من العرايا لا بيع فيها، وجميع هذه الصور صحيحة عند الشافعي والجمهور. وقصر مالك العرية في البيع على الصورة الثانية، وقصرها أبو عبيد على الصورة الأخيرة من صور البيع، وزاد أنه رخص لهم في البيع لأكل الرطب لا للتجارة والادخار، ومنع أبو حنيفة صور البيع كلها وقصر العرية على الهبة، وهو أن يُعري الرجل ثمر نخلة من نخله ولا يسلم ذلك له، ثم يبدو له في ارتجاع تلك الهبة فرخص له أن يحتبس ذلك ويعطيه بقدر ما وهبه له من الرطب بخرصه تمرًا وحمله على ذلك أخذه بعموم النهي عن بيع الثمر بالتمر، وتعقب بالتصريح باستثناء العرايا في حديث ابن عمر وفي حديث غيره، وحكى الطحاوي عن عيسى بن أبان من أصحابهم أن معنى الرخصة أن الذي وهبت له العرية لم يملكها؛ لأن الهبة لا تملك إلا بالقبض، فلما جاز له أن يعطي بدلها تمرًا وهو لم يملك المبدل منه حتى يستحق البدل؛ كان ذلك مستثنى وكان رخصة . وقال الطحاوي: بل معنى الرخصة فيه أن المرأ مأمور بإمضاء ما وعد به، ويعطي بدله ولو لم يكن واجبًا عليه، فلما أذن له أن يحبس ما وعد به ويعطي بدله ٤٧٠ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ ولا يكون في حكم من أخلف وعده، ظهر بذلك معنى الرخصة. واحتج لمذهبه بأشياء تدل على أن العرية العطية، ولا حجة في شيء منها؛ لأنه لا يلزم من كون أصل العرية العطية أن لا تطلق العرية شرعًا على صور أخرى. قال ابن المنذر: الذي رخص في العرية هو الذي نهى عن بيع الثمر بالتمر في لفظ واحد من رواية جماعة من الصحابة. قال: ونظير ذلك الإذن في السلم مع قوله وَلَّه: (لَا تَبعْ مَا لَيْسَ عِنْدَََ)). قال: فمن أجاز السلم مع كونه مستثنى من بيع ما ليس عندك، ومنع العرية مع كونها مستثناة من بيع الثمر بالتمر فقد تناقض. ثم رد ما تأول به الحنفية أحاديث بيع العرايا بما قدمنا عن ((طرح التثريب)) من وجوه الرد عليهم. قال الحافظ في شرح حديث سالم بن عبد الله عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله وَ لَه قال: (لَا تَبِيعُوا الثَّمَرَ بِالتَّهْرِ)). قال: وعن زيد بن ثابت أنه مَ ◌ّ} رخص بعد ذلك - أي: ((بعد النهي عن بيع الثمر بالتمر)) - في بيع العرايا. قال: هذا من أصرح ما ورد في الرد على من حمل من الحنفية النهي عن بيع الثمر بالتمر على عمومه. ومنع أن یکون بيع العرایا مستثنى منه، وزعم أنهما حكمان مختلفان وردا في سياق واحد، وكذلك من زعم منهم كما حكاه ابن المنذر عنهم أن بيع العرايا منسوخ بالنهي عن بيع الثمر بالتمر بأن المنسوخ لا يكون بعد الناسخ. انتهى. وقد أجاب العيني عن هذا بما لا يخلو من التكلف والجدل والتحامل، كما هو عادته في تعقباته على الحافظ، ومال ابن نجيم من الحنفية إلى مذهب الجمهور القائلين بجواز بيع العرية، حيث قال في ((البحر)): وأصحابنا - (الحنفية) - خرجوا عن الظاهر بثلاثة وجوه: الأول: إطلاق البيع على الهبة، والثاني: قوله: رخص، خلاف ما قرروه؛ لأن الرخصة لا تكون إلا بعد ممنوع، والمنع إنما كان في البيع لا الهبة، والثالث: التقييد بما دون خمسة أوسق كما سيأتي - (في حديث أبي هريرة) - لأنه على مذهبنا لا فائدة له؛ لأن الهبة لا تقيد، وقيل: لأنهم لم يفرقوا في الرجوع في الهبة بين ذي رحم وغيره، وبأنه لو كان الرجوع جائزًا فليس إعطاؤه التمر بدل الرطب بل تجديد هبة أخرى؛ لأن الهبة الأولى لم تكمل؛ لعدم وجود القبض فيها كما قرروه. قال في ((البحر)): ومنهم من قال: تعارض المحرم والمبيح فقدم المحرم، قال: وهو مردود؛ لأن الرخصة متصلة بالنهي، فلا يصح القول بنسخ الترخيص ٤٧١ كِتّابُ البُيُوعِ يجري بَابُ المَنْهِيِ عنْهَا مِنَ الْبُيُوع للاتصال. قال: وقد ثبت في البخاري أنه نهى عن بيع المزابنة ثم رخص بعد ذلك في بيع العرايا. قال: فبطل القول بالنسخ والله الموفق. انتهى. قال صاحب ((المواهب اللطيفة)) بعد ذكر كلام ابن نجيم: فكأنه مال إلى قول الجمهور. والله أعلم. ثم من أجاز بيع العرايا قال: البسر في معنى الرطب، كما صرح به الماوردي من أصحاب الشافعية. ٢ فائدة: قال الولي العراقي: اختلف العلماء في أن هذه الرخصة هل يقتصر بها على مورد النص وهو النخل، أم يتعدى إلى غيره على أقوال: أحدها: اختصاصها بالنخل. وهذا قول الظاهرية على قاعدتهم في ترك القياس، وبه قال ابن قدامة من الحنابلة. الثاني: تعديها إلى العنب بجامع ما اشتركا فيه من إمكان الخرص، فإن ثمرتها متميزة مجموعة في عناقيدها، بخلاف سائر الثمار، فإنها متفرقة مستترة بالأوراق لا يتأتى خرصها. وبهذا قال الشافعي. الثالث: تعدیھا إلی کل ما ییبس ويدخر من الثمار - (كالجوز واللوز والتين والزيتون) - وهذا هو المشهور عند المالكية، وجعلوا ذلك علة الحكم في محل النص، وأناطوا الحكم به وجودًا وعدمًا حتى قالوا: لو كان البسر مما لا يتتمر والعنب مما لا يتزبب لم يجز شراء العرية منه بخرصها، بل يخرج من محل الرخصة لعدم العلة. الرابع: تعديها إلى كل ثمرة مدخرة وغير مدخرة، وهذا قول محمد بن الحسن وهو قول عن الشافعي. انتهى. قلت: واختاره أيضا شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأن الرطب فاكهة المدينة ولكل بلد فاكهة والحكمة المرخصة موجودة فيها كلها والرخصة عامة، وارجع إلى ((المغني)) (ج ٤ ص ٦٣، ٦٤). (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه البخاري مختصرًا بغير ذكر المعاومة والثنيا، وأخرجه أيضا أحمد (ج ٣ ص ٣١٣، ٣٥٦، ٣٦٠، ٣٦٤) والترمذي وأبو داود والنسائي والبيهقي (ج ٥ ص ٣٠٤) والبغوي (ج ٨ ص ٨٤) وليس عند بعضهم ذكر العرايا والمعاومة، وإن شئت الوقوف على اختلاف الألفاظ، فارجع إلى ((جامع الأصول)) (ج ١ ص ٤٠١، ٤٠٢، ٤٠٣). ٤٧٢ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ itE ٢٨٦١ - [٤] وَعَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ عَنِ بَيْعِ الثَّمَرِ بِالثَّمَرِ إِلَّا أَنَّهُ رَخَّصَ فِي الْعَرِبَّةِ أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا تَمْرًا يَأْكُلُهَا أَهْلُهَا رُطَبًا. [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] الشرح ٢٨٦١ - قوله: (وَعَنْ سَهْلٍ) بسكون الهاء (بْنِ أَبِي حَثْمَةَ) بفتح الحاء المهملة وسكون المثلثة، تقدمت ترجمة سهل (ج ٢ ص ٢٣٤) (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ وَلَّهعَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ) بالمثلثة أي: الرطب (بِالتَّمْرِ) أي: اليابس، فهو بالتاء المثناة الفوقية. (إِلَّا أَنَّهُ رَخَّصَ فِي العَرِيَّةِ) بفتح العين وكسر الراء وتشديد التحتية. قال الطيبي: هذا يشعر بأن العرايا مستثناة من المزابنة؛ لأن قوله: ((بيع الثمر بالتمر)) هو المزابنة، والعرية فعيلة بمعنى فاعلة عند الجمهور كما تقدم؛ لأنها عريت بإعراء مالكها عن باقي النخل، أو لأنها عريت من جملة التحريم. وقال القاضي: العرية فعيلة بمعنى مفعول، والتاء فيها لنقل اللفظ من الوصفية إلى الاسمية كالنطيحة والأكيلة، فنقل منها إلى العقد الوارد عليها المتضمن لإعرائها . (أَنْ تُبَاعَ) أي: العربية يعني ما عليها من الرطب وهو بدل من العرية. (بِخَرْصِهَا) بفتح الخاء المعجمة وكسرها، وأنكر ابن العربي الفتح وجوزهما النووي. قال: ومعناه بقدر ما فيها إذا صار تمرًا، فمن فتح قال: هو اسم الفعل ومن كسر قال: هو اسم للشيء المخروص. انتهى. والخرص: هو التخمين والحدس. قال في ((النهاية)): خرص النخلة والكرمة يخرصها خرصًا إذا حزر ما عليها من الرطب تمرًا ومن العنب زبيبا فهو من الخرص الظن؛ لأن الحزر إنما هو تقدير بظن والاسم الخرص بالكسر يقال: كم خِرصُ أرضك؟ قال القاري: قوله: ((بخرصها)) أي: بقدرها يعني: بمخروصها كيلاً حال كون المخروص. (تَمْرًا يَأْكُلُهَا أَهْلُهَا رُطَبًا) قال الطيبي: يحتمل أن يكون ((تمرًا)) تمييزًا، ويجوز أن يكون حالًا مقدرة ويؤيده قوله: (٢٨٦١) أخرجه البخاري (٢١٩١)، ومسلم (١٥٤٠/ ٧٠). كِتّابُ البُيُوعِ بَابُ الْمُنْهِي عِنْهَا مِنَ الْبُيُوعِ ٤٧٣ ((يأكلها أهلها رطبًا)) فإن ((رطبًا)) حال، وهذا ينصر مذهب من قال: الحال يحب أن يكون مشتقًا: إما حقيقة أو مؤولا؛ لأن المطلوب هنا هو الوصف لا الذات وإلا کان الإبدال عبئًا. انتهى. قال القاري: ويؤيد كون ((تمرًا)) تمييزًا قوله في الحديث الآتي: ((بخرصها من التمر)). وقوله ((رُطَبًّا)) بضم الراء وفتح الطاء، وقال الكرماني: وروي بفتحها فَهُوَ متناول للعنب. وقال: أهل النخلة هم البائعون لا المشتري، والآكل هو المشتري لا البائع. ثم قال: الضمير في ((يأكلها أهلها)) راجع إلى الثمار التي يدل عليها الخرص، وأهل الثمار هم المشترون - (الذين صاروا ملَّاك الثمرة) - وذكر الأكل ليس بقيد، بل هو لبيان الواقع. وعن أبي عبيد أنه شرطه. كذا ذكره العيني. وفي رواية: ((قال سفيان بن عيينة مرة أخرى: إلا أنه رخص في العرية يبيعها أهلها بخرصها يأكلونه رطبًا. قال: هو سواء))، قال الحافظ: الغرض أن ابن عيينة حدثهم به مرتين على لفظين والمعنى واحد، وإليه الإشارة بقوله: ((هو سواء))، أي: المعنى واحد إذ الضمير منصوب في ((يأكلها)» عائد إلى الثمار، كما في الأول، والمرفوع إلى أهل المخروص، فحاصلهما واحد، وإن اختلفا لفظًا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في البيوع وفي الشرب ومسلم في البيوع، وأخرجه أيضا أحمد (ج ٤ ص ٢) والشافعي في ((الأم)) وفي ((السنن)) وفي ((المسند)) والترمذي وأبو داود في البيوع والنسائي فيه وفي الشروط، والبيهقي (ج ٥ ص ٣١٠) والبغوي (ج ٨ ص ٨٦). ٢٨٦٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لَ أَرْخَصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا مِنَ التَّمْرِ فِيمَا دُونَ خَمْسَةٍ أَوْسُقٍ أَو في خَمْسَةٍ أَوْسُقٍ. شَكَ دَاوُد بْنُ [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] الْحُصَيْنِ. الشرح ٢٨٦٢ - قوله: (أَرْخَصَ) من الإرخاص، وفي بعض النسخ ((رَخَّص)) (٢٨٦٢) أخرجه البخاري (٢٣٨٢)، ومسلم (١٥٤١/ ٧١). ٤٧٤ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ بالتشديد من الترخيص، وهكذا وقع في البخاري، قال الحافظ: قوله: ((رخص)) كذا للأكثر بالتشديد وللكشميهني: ((أرخص)). (فِي بَيْعِ العَرَايَا) أي: في بيع ثمر العرايا؛ لأن العرية هي النخلة، والعرايا جمع عرية كما تقدم، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه (بِخَرْصِهَا) بفتح الخاء المعجمة وقد تكسر، وبصاد مهملة: حزر ما على النخلة من الرطب تمرًا. (مِنَ التَّمْرِ) قال الطيبي: متعلق ب(بيع العرايا)) والباء في ((بخرصها)) للسببية، أي: أرخص في بيع رطبها من التمر بواسطة خرصها. انتهى. وقال القاري: الظاهر أن ((من)) بيانية تمييز للمخروص. (فِيمَا دُونَ) أي: أقل من: (خَمْسَةٍ أَوْسُقٍ) جمع وَسْق بفتح فسكون: وهو ستون صاعًا، والصاع: خمسة أرطال وثلث، فالوسق ثلثمائة وعشرون رطلًا عند أهل الحجاز وقد تقدم بيانه (أَوْ فِي خَمْسَةٍ أَوْسُقٍ) بتمامها (شَكَّ دَاوُدُ بْنُ الحُصَيْنِ) شيخ الإمام مالك أحد رواة الحديث في أنه هل قال شيخه أبو سفيان: ((خمسة أوسق)) أو قال ((دون خمسة أوسق)). وداود بن الحصين - بضم الحاء المهملة وفتح الصاد - الأموي مولاهم أبو سليمان المدني، ثقة إلا في عكرمة، ورمي برأي الخوارج، مات سنة خمس وثلاثين ومائة. والحديث قد استدل به من قال: إنه لا يجوز بيع العرايا إلا فيما دون خمسة أوسق وهم الشافعية والحنابلة وأهل الظاهر. قالوا: لأن الأصل التحريم وبيع العرايا رخصة فيؤخذ بما يتحقق فيه الجواز ويلغي ما وقع فيه الشك. قال الحافظ: قد اعتبر من قال بجواز بيع العرايا بمفهوم العدد المذكور في هذا الحديث ومنعوا ما زاد عليه. واختلفوا في جواز الخمسة لأجل الشك المذكور، والخلاف عند المالكية والشافعية، والراجح عند المالكية الجواز في الخمسة فما دونها وعند الشافعية الجواز فيما دون الخمسة ولا يجوز في الخمسة، وهو قول الحنابلة وأهل الظاهر، فمأخذ المنع أن الأصل التحريم وبيع العرايا رخصة، فيؤخذ منه بما يتحقق منه الجواز، ويُلغي ما وقع فيه الشك. وسبب الخلاف أن النهي عن بيع المزابنة هل ورد متقدمًا، ثم وقعت الرخصة في العرايا، أو النهي عن المزابنة وقع مقرونًا بالرخصة في بيع العرايا، فعلى الأول لا يجوز في الخمسة للشك في رفع التحريم وعلى الثاني يجوز للشك في قدر التحریم، ويرجح الأول ما وقع عند البخاري. قال سالم: وأخبرني عبد الله عن زيد بن ثابت أن رسول الله وكل أرخص بعد ذلك لصاحب العرية، واحتج بعض المالكية بأن ٤٧٥ كِتّابُ البُيُوعِ بَابُ الْمُنْهِي عِنْهَا مِنَ الْبُيُوعِ لفظة: ((دون)) صالحة لجميع ما تحت الخمسة، فلو عملنا بها للزم رفع هذه الرخصة، وتعقب بأن العمل بها ممكن بأن يحمل على أقل ما يصدق ويطلق عليه، وهو المفتى به في مذهب الشافعي، وقد روى الترمذي حديث الباب من طريق زید بن الحباب عن مالك بلفظ: ((أرخص في بيع العرايا فيما دون خمسة أوسق))، ولم يتردد في ذلك. انتهى. قال الزين العراقي: ولقائل أن يقول: تختص الرخصة بأربعة أوسق؛ لأنه أكثر ما صرح به، كما في حديث جابر الذي رواه البيهقي من طريق محمد بن إسحاق عن محمد بن يحيى بن حبان عن عمه واسع بن حبان عن جابر بن عبد الله، قال: نهى رسول الله وَّل عن المحاقلة والمزابنة، وأذن لأصحاب العرايا أن يبيعوها بمثل خرصها، ثم قال: الوسق والوسقين والثلاثة والأربعة. قال: وقوله: ((دون خمسة أوسق))، محمول على الأربعة؛ لأنها دونها فما زاد على الأربعة مشكوك فيه، فلا ينبغي أن يتعدى بالرخصة عن القدر المحقق. قال ولده الولي العراقي: هو قول قد حكاه ابن عبد البر في (التمھید)) (ج ٢ ص ٣٣٥) فقال بعد حكاية القولين المتقدمين: وقال آخرون: لا تجوز في أكثر من أربعة أوسق. قال: واحتجوا بما رواه ابن إسحاق ... فذكر حديث جابر المتقدم، ثم قال: ولا خلاف عن مالك والشافعي ومن اتبعهما في جوازها في أكثر من أربعة أوسق إذا كانت دون خمسة أوسق، ولم يعرفوا حديث جابر في الأربعة الأوسق، ولم يثبت عندهم. انتهى. قال الحافظ في ((الفتح)): حديث جابر أخرجه الشافعي وأحمد وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم، كلهم من طريق ابن إسحاق، حدثني محمد بن يحيى بن حبان ... فذكره كما تقدم، ثم قال: وترجم عليه ابن حبان الاحتياط أن لا يزيد على أربعة أوسق، وهذا الذي قاله يتعين المصير إليه. وأما جعله حدًّا لا يجوز تجاوزه؛ فليس بالواضح. انتهى. وقال ابن قدامة: لا يجوز بيع العرايا في زيادة على خمسة أوسق بغير خلاف نعلمه ويجوز فيما دون خمسة أوسق بغير خلاف بين القائلين بجوازه، فأما في خمسة أوسق فلا يجوز عند إمامنا، وبه قال الشافعي في أحد قوليه. وقال مالك والشافعي في قول: يجوز، ورواه إسماعيل بن سعيد عن أحمد؛ لأن في حديث زيد بن ثابت وسهل بن أبي حثمة أنه رخص في العرية مطلقًا، ثم استثنى ما زاد على الخمسة في حديث أبي هريرة. وشك في الخمسة، فاستثنى اليقين وبقي المشكوك ٤٧٦ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ فيه على مقتضى الإباحة. ولنا أن النبي نَّ نهى عن المزابنة، والمزابنة: بيع الرطب بالتمر، ثم أرخص في العرية فيما دون خمسة أوسق وشك في الخمسة، فيبقى على العموم في التحريم، ولأن العرية رخصة بنيت على خلاف النص، والقياس يقينا فيما دون الخمسة، والخمسة مشكوك فيها، فلا تثبت إباحتها. ومن فروع هذا المسألة ما لو زاد في صفقة على خمسة أوسق، فإن البيع يبطل في الجميع وخرَّج بعض الشافعية من جواز تفريق الصفقة أنه يجوز وهو بعيد لوضوح الفرق، ولو باع ما دون خمسة أوسق في صفقة ثم باع مثلها البائع بعينه للمشتري بعينه في صفقة أخرى؛ جاز عند الشافعية على الأصح، ومنعه أحمد وأهل الظاهر، وارجع إلى ((المغني)) (ج ٤ ص ٥٨) و((طرح التثريب)) (ج ٦ ص ١٤١). (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في البيوع وفي آخر المساقاة، ومسلم في البيوع، وأخرجه أيضا أحمد (ج ٢ ص ٢٣٧) ومالك في البيوع والشافعي في ((الأم)) (ج ٣ ص ٤٧) وفي (السنن)) وفي ((المسند)) وأبو داود والترمذي في البيوع والنسائي فيه وفي الشروط، والبيهقي (ج ٥ ص ٣١١) والبغوي (ج ٨ ص ٩٠). ٢٨٦٣ - [٦] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ وَلَه عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِي. [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] - وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِم: نَهَى عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى تَزْهُوَ وَعَنِ السُّنْبُلِ حَتَّى يَبْيَضَّ وَيَأْمَنَ العَاهَةَ(*). الشرح ٢٨٦٣ - قوله: (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ بِّهِ عَنْ بَيْع الثِّمَارِ) بكسر المثلثة جمع ثمرة بفتحتين وهو أعم من الرطب وغيره (حَتَّى يَبْدُوَ) بضم الدال المهملة وفتح الواو بغير همز أي: يظهر (صَلاحُهَا) أي: حمرتها وصفرتها وتذهب عنها الآفة، ففي (٢٨٦٣) أخرجه البخاري (٢١٩٤)، ومسلم (١٥٣٤/ ٤٩). (#) أخرجه مسلم (١٥٣٥/ ٥٠). ٤٧٧ كِتَابُ البُيُوعِ بَابُ الْمُنْهِي عَنْهَا مِنَ الْبُيُوعِ رواية لمسلم: ((لا تبتاعوا الثمر؛ حتى يبدو صلاحه وتذهب عنه الآفة)). قال: يبدو صلاحه: حمرته وصفرته. وفي رواية أخرى له: ((قيل لابن عمر: ما صلاحه؟ قال: تذهب عاهته، وفي رواية أخرى للطيالسي والبيهقي، قال ابن عمر: صلاحه : أن يؤكل منه، وفي حديث ابن عباس عند مسلم: نهى عن بيع النخل حتى يأكل أو يؤكل منه وحتى يوزن. وروى الشافعي وأحمد والبيهقي والبغوي من طريق عثمان ابن عبد الله بن سراقة سألت ابن عمر عن بيع الثمار فقال: نهى رسول الله مَ ثل عن بيع الثمار حتى تذهب العاهة. قلت: ومتى ذلك؟ قال: حتى تطلع الثريا. وروى البخاري من طريق خارجة بن زيد، أن زيد بن ثابت لم يكن يبيع ثمار أرضه حتى تطلع الثريا . (أَيْ: مَعَ الفَجْرِ) فيتبين الأصفر من الأحمر. وروى أحمد (ج ٢ ص ٣٤١) وابن عبد البر في ((التمهيد)) (ج ٢ ص ١٩٢) من طريق عسل بن سفيان عن عطاء عن أبي هريرة مرفوعًا: ((إذا طلع النجم ذا صباح رُفعت العاهة)). وروى محمد بن الحسن في كتاب ((الآثار)) (ص ١٥١) والطبراني في ((الصغير)) (ص ٢٠) وأبو نعيم في ((تاريخ أصبهان)) (ج ١ ص ١٢١) عن أبي حنيفة عن عطاء عن أبي هريرة: ((إذا طلع النجم رفعت العاهة عن كل بلد))، قال: والنجم: هو الثريا. قال الحافظ: وطلوعها صباحًا يقع في أول فصل الصيف وذلك عند اشتداد الحر في بلاد الحجاز وابتداء نضج الثمار. فالمعتبر في الحقيقة النضج. وطلوع الثريا علامة له، وقد بينه في حديث زيد بن ثابت بقوله: فيتبين الأصفر من الأحمر. انتهى. وحديث أبي هريرة ذكره السيوطي في ((الجامع الصغير)) بلفظ: ((إذا طلعت الثريا؛ أمن الزرع من العاهة))، وعزاه للطبراني في ((الصغير)) ورمز له بالضعف. قال المناوي: ((إذا طلعت الثريا)) أي: ظهرت للناظرين ساطعة عند طلوع الفجر، وذلك في العشر الأوسط من أيّار - مايو - فليس المراد بطلوعها مجرد ظهورها في الأفق؛ لأنها تطلع كل يوم وليلة ولكنها لا تظهر للأبصار؛ لقربها من الشمس في نيف وخمسين ليلة من السنة. قال الباجي: قوله: ((حتى يبدو صلاحها)) معناه: حتى تزهي، ومعنى الإزهاء في ثمرة النخل: أن تبدو فيها الحمرة أو الصفرة وهو النضج وبدو الصلاح، بذلك ينجو من العاهة. وذلك كله بعد أن تطلع الثريا من طلوع الفجر في النصف الآخر من شهر مايه - مايو - بالأعجمي. ٤٧٨ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ قال: وبدو صلاح التين أن يطيب وتوجد فيه الحلاوة، ويظهر السواد في أسوده والبياض في أبيضه، وكذلك العنب الأسود بدو صلاحه أن ينحو إلى السواد وأن ينحو أبيضه إلى البياض مع النضج، وكذلك الزيتون بدو صلاحه أن ينحو إلى السواد، وبدو صلاح القثاء أن تنعقد وتبلغ القثاء منه مبلغًا يوجد له طعم، وأما الموز، فعن مالك أنه يباع إذا بلغ في شجره قبل أن يطيب، فإنه لا يطيب حتى ينزع . قال الباجي: ومعنى ذلك عندي أن يتناهى عظمه أو عظم بعضه، ويبلغ أوله مبلغًا إذا أزيل عن أصله؛ تهيأ فيه تمام النضج، فإنه إذا أزيل عن أصله قبل تناهيه؛ فسد، ولم يتم نضجه، وأما الجزر واللفت والفجل والثوم والبصل، فبدو صلاحه؛ إذا استقل وتم وانتفع به أو لم يكن في قلعه فساد. والبر؛ إذا يبس. وكذلك الفول والحمص والعدس والورد وسائر الأنوار؛ أن تنفتح كمامه ويظهر نوره. وقصب السكر؛ إذا طاب وهو أن يكبر فلا يكون فسادًا. انتهى. وقال الخرقي: بدو صلاح ثمرة النخل أن تظهر فيها الحمرة أو الصفرة، وثمرة الكرم أن تتموه وما سوى النخل والكرم أن يبدو فيها النضج. قال ابن قدامة: وجملة ذلك أن ما كان من الثمرة يتغير لونه عند صلاحه كثمرة النخل والعنب الأسود والإجاص، فبدو صلاحه بذلك، وإن كان العنب أبيض، فبدو صلاحه بتموههه، وهو أن يبدو فيه الماء الحلو ويلين ويصفر لونه، وإن كان مما لا يتلون كالتفاح ونحوه فبأن يحلو، وإن كان مما لا يتغير لونه ويؤكل صغارًا وكبارًا كالقثاء والخيار، فصلاحه بلوغه أن يؤكل عادة. وقال القاضي وأصحاب الشافعي: بلوغه أن يتناهى عظمه. وما قلناه أشبه بصلاحه مما قالوه، فإن بدو صلاح الشيء ابتداؤه وتناهي عظمه آخر صلاحه. وما قلنا في هذا الفصل فهو قول مالك والشافعي وكثير من أهل العلم أو مقارب له، وقال عطاء: لا يباع حتی یؤ کل من الثمر قليل أو كثير، وروي نحوه عن ابن عمر وابن عباس. ولعلهم أرادوا صلاحه للأكل، فيرجع معناه إلى ما قلنا، فإن ابن عباس قال: نهى رسول الله وَ ل عن بيع النخل حتى يأكل منه أو يؤكل. متفق عليه. وإن أرادوا حقيقة الأكل كان ما ذكرنا أولى؛ لأن ما رووه يحتمل صلاحه للأكل، ٤٧٩ كِتّابُ البُيُوعِ بَابُ المُنْهِي ◌َنْهَا مِنَ الْبُيٌوعِ فيحمل على ذلك موافقة لأكثر الأخبار، وهو ما روي عن النبي ومثّل أنه نهى عن بيع الثمرة حتى تطيب. متفق عليه. ونهى أن تباع الثمرة حتى تزهو، قيل: وما تزهو؟ قال: تحمار أو تصفار. رواه البخاري. ونهى عن بيع العنب حتى يسود. رواه الترمذي وابن ماجه، والأحاديث في هذا كثيرة كلها تدل على هذا المعنى. انتهى. وقال ابن الهمام في ((فتح القدير)): بدو الصلاح عندنا - (الحنفية) - أن تؤمن العاهة والفساد، وعند الشافعي هو ظهور النضج وبدو الحلاوة. وقال القسطلاني: بدو الصلاح في الأشياء: صيرورتها إلى الصفة التي تطلب فيها غالبًا. ففي الثمار ظهور أول الحلاوة وذلك في غير المتلون؛ بأن يتموه ويتليَّن، وفي المتلون، بانقلاب اللون كأن احمرَّ أو اصفرَّ أو اسودَّ. وفي نحو القثاء بأن يُجنى مثله غالبًا للأكل. وفي الحبوب باشتدادها. في ورق التوت بتناهيه. وقال الولي العراقي والنووي بعد ذكر نحو ذلك: والعبارة الشاملة أن يقال: بدو الصلاح في هذه الأشياء: صيرورتها إلى الصفة التي تطلب غالبًا؛ لكونها على تلك الصفة . (نَهَى البَائِعَ) لئلا يكون آخذًّا مال المشتري إلا بمقابلة شيء يسلم له (وَالْمُشْتَرِي) لئلا يكون مضيعا ماله بوجود المخاطرة بفعل ذلك. قال الحافظ: نهى البائع لئلا يأكل مال أخيه بالباطل، وأما المشتري؛ فلئلا يضيع ماله ويساعد البائع على الباطل. وفيه أيضا: قطع النزاع والتخاصم، قال الولي العراقي: قوله: ((نهى البائع والمشتري)) تأكيد لما فيه من بيان أن البيع وإن كان فيه مصلحة الإنسان، فليس له أن يرتكب المنهي عنه فيه، فإن المنع لمصلحة المشتري؛ لأن الثمار قبل بدو الصلاح معرضة لطوارئ العاهات عليها، فإذا طرأ عليها شيء منها؛ حصل الإجحاف للمشتري في الثمن الذي بذله. وعليه فقد منعه الشرع ونهى المشتري، كما نهى البائع، وكأنه قطع بذلك النزاع والتخاصم. انتهى. وقال الخطابي في ((المعالم)): الثمرة إذا بدا صلاحها؛ أمنت العاهة غالبًا وما دامت وهي رخوة رخصة أي: رطبة قبل أن يشتد حبها أو يبدو صلاحها، فإنها بعرض الآفات وكان نهيه البائع عن ذلك لأحد وجهين: أحدهما: احتياطًا له بأن يدعها حتى يتبين صلاحها فيزداد قيمتها ويكثر نفعه منها، وهو إذا تعجل ثمنها، لم