Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الناس حنينَهُ، فلا ينكر وصف الجماد بحبِّ الأنبياء، وقد سلَّم عليه الحجر
والشجر، وسبحت الحصيات في يده، وكلمته الذراع، وأمنت حوائط البيت
وأسكفة الباب على دعائه وَ ل؛ إشارة إلى مزيد حب الله إياه، حتى أسكن حبه في
الجمادِ وغرس محبته في الحجرِ مع فضل ييسه وقوة صلابته، وقوله: ((نُحِبُّهُ»
حقيقة أيضًا؛ لأن جزاء من يحب أن يحب. ولأنه من جبال الجنة كما رواه أحمد
عن أبي عبس بن جبر - كما تقدم - وللبزار والطَّبَرَاني: ((أُحُدٌ هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ،
عَلَى بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ)) أي: من داخلها. فلا ينافي رواية الطَّرَاني أيضًا: ((أُحُدٌ
رُكْنٌ مِنَّ أَرْكَانِ الْجَنَّةِ)) لأنه ركنٌ داخل الباب، بدليل رواية ابن سلام في تفسيره: أنه
ركن باب الجنةٍ، وقيل: هو على حذف المضاف، أي: يحبنا أهله وهم الأنصار؛
لأنهم جيرانه، وكانوا يحبونه وَل ويحبهم. وقيل: لأنه كان يبشره بلسانِ الحالِ؛
إذا قدم من سفر بقربه من أهله ولقائهم، وذلك فعل المحب بمن یحب، فکان یفرحُ
إذا طلع له استبشارًا بالأوبة من السفر والقرب من الأهل، وضعف بما في رواية
الطَّبَرَاني عن أنس: ((فإذا جِئْتُموه فكُلُوا من شجرهِ ولَوُ مِن عِضَاهه)). بكسر المهملة
وضاد معجمة: كل شجرة عظيمة ذات شوك، فحثَّ على عدم إهمال الأكل حتى لو
فرض أنه لا يوجد إلا ما لا يؤكل كالعضاه يمضغ منه تبركًا ولو بلا ابتلاع قال:
وأخذ من هَذَا الحديث أنه أفضل الجبال. وقيل: عرفة، وقيل: أبو قبيس. وقيل:
الَّذِي كلَّم الله عليه موسى، وقيل: قاف. قيلٍ: وفيه قبر هارون أخي موسى لِ لَّاهُ
ولا يصح. انتهى. (اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَةَ) تقدم شرحه.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البُخَارِي في باب خرص التمر من كتاب الزكاة، وفي باب
من غزا بصبي للخدمة من الجهاد، وفي باب قوله: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾
[النساء: الآية ١٢٤] من كتاب الأنبياء، وفي باب غزوة أحد من المغازي، وفي باب
الحيس من الأَطْعِمَة، وفي باب ما ذكر النَّبِي وَّ وحض على اتفاق أهل العلم،
إلخ. من كتاب الاعتصام، وأخرجَهُ مسلمٌ في الحجِّ في فضل المدينة، وأخرجه
أيضًا مالك في ((الجامع)) والترمذي في أواخر المناقب.

كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ حَرَمِ المُدِينَةِ حَرَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى
١٨١
٢٧٧١ - [١٩] وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((أُحُدٌ
جَبَلٌ يُحِبُّنَا، وَنُحِبُّهُ)).
[رَوَاهُ البُخَارِيُّ] {صحيح}
الشرح
٢٧٧١- قوله: (وعنْ سَهْلِ بن سَعْدٍ) تقدم ترجمته في الجزء الأول
(ص١٦٦). (أُحُدٌ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنَّحِبُّهُ) تقدم وجه تخصيصه بالذكر في كلام
السهيلي. وقال القاري: لعل وجه تخصيصه بالذكر لتحر كه به سرورًا لما رقى عليه
مع أصحابه الثلاثة فقال له: ((اثْبُتْ أُحُدُ، فَإِنَّمَا عَلَيْكَ نَبِيٌّ وَصِدِّيقٌ وَشَهِيدَانٍ».
(رَوَاهُ البُخَارِيُّ) في باب خرص التمر من كتاب الزكاة تعليقًا إذ قال: وقال
سليمان. (بْنُ بِلَالٍ) عن سعد بن سعيد عن عمارة بن غزية عن عباس. (بْنِ سَهْلِ بْنِ
سَعْدٍ) عن أبيه عن النَّبِيِّ قال: ((أُحُدٌ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ)). قال الحافظ: وصله أبو
علي بن خزيمة في ((فوائده))، وفي الباب عن أبي حميد الساعدي عند أحمد
والبخاري ومسلم وعن سويد بن عامر الأنصاري عند أحمد والطَّرَاني في ((الكبير))
والضياء في ((المختارة)).
(٢٧٧١) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٤٠٨٣)، مسلم (١٣٩٣) كذلك عن أنس.

١٨٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الثانى
٢٧٧٢ - [٢٠] عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: رَأَيْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِي
وَقَّاص، أَخَذَ رَجُلًّا يَصِيدُ فِي حَرَمِ الْمَّدِينَةِ الَّذِي حَرَّعَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ، فَسَلَّبَهُ
ثِيَابَهُ فَّجَاءَ مَوَالِيهِ، فَكَلَّمُوهُ فِيهِ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَّهَ حَرَّمَ هَذَا الْحَرَمَ.
وَقَالَ: ((مَنْ أَخَذَ أَحَدًّا يَصِيدُ فِيهِ فَلْيَسْلُبُهُ))، فَلَا أَرُدُّ عَلَيْكُمْ طُعْمَةً أَطْعَمَنِيهَا
رَسُولُ اللّهِ وَلَّهِ، وَلَكِنْ إِنْ شِئْتُمْ دَفَعْتُ إِلَيْكُمْ ثَمَنَهُ.
[رَوَاهُ أَبُو دَاودَ]
الشرح
٢٧٧٢ - قوله: (عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ) قال الحافظ في ((تهذيب
التهذيب)): روى عن سعد وأبي هريرة وصهيب وعنه يعلى بن حكيم الثقفي، قال
أبو حاتم: ليس بالمشهور، فيعتبر حديثه، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، روى له
أبُو دَاوُد حديثًا واحدًا في حرم المدينة. قلت: قال البُخَارِي وأبو حاتم: أدرك
المهاجرين والأنصار، وقال في ((التقريب)) عنه: مقبول من الثالثة، أي: الطبقة
الوسطى من التابعين .
(أَخَذَ رَجُلًا) أي: عبدًا. (فَسَلَبَهُ ثِيَابَهُ) بدل اشتمال أي: أخذ ما عليه من الثياب.
(فَجَاءَ مَوَالِيهِ، فَكَلَّمُوهُ فِيهِ) أي: في شأن العبد ورد سلبه. (حَرَّمَ هَذَا الْحَرَمَ) قال
الطيبي: دل على أن سعدًا اعتقد أن تحريمها كتحريم مكة. (وَقَالَ) أي: النَِّ ◌َّ .
(مَنْ أَخَذَ) كذا في ((المشكاة)) و((المصابيح)) و((جامع الأصول)) و((المنتقى)) للمجد
ابن تيمية، وهكذا وقع في بعض نسخ أبي داود وفي بعضها ((وجد)) بدل ((أخذ)).
(أَحَدًا يَصِيدُ فِيهِ، فَلْيَسْلُبْهُ) زاد في بعض نسخِ أبي داود ((ثِيَابِه)) ولفظ أحمد: ((مَنْ
رَأَيْتُمُوهُ يَصِيدُ فِيهِ شَيْئًا فَلَكُمْ سَلْبُهُ)) وقوله: ((فَلْيَسْلُبْهُ ثِيَابَهُ)) ظاهر في أنها تؤخذ ثيابه
جميعها. وقال الماوردي: يبقى له ما يستر عورته، وصححه النووي، واختاره
(٢٧٧٢) أَبُو دَاوُد (٢٠٣٧) في الحجِّ عن سعدٍ، وقد تقدَّمَ لمُسْلِمٍ عنه في الصِّحَاحِ مَعْنَاه، وهَذَا سِيَاقه
أتم.

كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ حَرَمِ الْمُدِينَةِ حَرَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى
١٨٣
جماعة من أصحاب الشافعي. (فَلَا أَرُدُّ عَلَيْكُمْ طُعْمَةً) بضم الطاء وكسرها، ومعنى
الطعمة: الأكلة، وأما الكسر فجهة الكسب وهيئته؛ قاله الشوكاني. وقال القاري:
طعمة بالضم، أي: رزقًا. (وَلَكِنْ إِنْ شِئْتُمْ دَفَعْتُ إِلَيْكُمْ ثَمَنَهُ) أي: تبرعًا؛ قاله
الطيبي. وفي رواية لأحمد: ((إِنْ شِئْتُمْ أَنْ أُعْطِيَكُمْ ثَمَنَهُ؛ أَعْطَيْتُكُمْ)) قال الشوكاني:
وبقصة سعدٍ هذه احتج من قال: إن من صاد من حرم المدينة أو قطع من شجرها؛
أخذ سلبه. وهو قول الشافعي في القديم. قال النووي: وبهذا قال سعد بن أبي
وقاص وجماعة من الصحابة. انتهى.
وقد حكى ابن قدامة عن أحمد في إحدى الروايتين القول به. قال: وروي ذلك
عن ابن أبي ذئب وَابْن المنذر. انتهى. وهذا يردُّ على القاضي عياض حيث قال:
ولم يقل به أحد بعد الصَّحَابَة إلا الشافعي في قَوْلِه القديم. وقد اختلف في السلبِ
فقيل: إنه لمن سلبه، وقيل: لمساكين المدينة، وقيل: لبيت المال. قال
الشوكاني: وظاهر الأدلة أنه للسالب وأنه طعمة لكل من وجد فيه أحدًا يصيد أو
يأخذ من شجره. انتهى. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) في الحج، وأخْرَجَه أيضًا أَحْمَد (ج١ : ص
١٧٠) وقد سكت عنه أبو داود. قال النووي: وهو صحيح أو حسن، أي: كما هو
قاعدته فيما يسكت عليه. وقال المنذري: سُئل أبو حاتم الرازي عن سليمان بن أبي
عبد الله - المذكور في إسناده - فقال: ليس بالمشهور ولكن يعتبر بحديثه. انتهى.
وقال الشوكاني: قال الذهبي: تابعي وثق، وقد روى الحاكم (ج١: ص ٤٨٦)
من طريق بشر بن المفضل عن عبد الرحمن بن إسحاق عن أبيه عن عامر بن سعد عن
أبيه: أنه كان يخرج من المدينة يريد الحاطب من الحطاب معه شجرة رطب قد
عضده من بعض شجر المدينة، فيأخذ سلبه فيكلمه فيه فيقول: لا أدع غنيمة غنمنيها
رسول اللَّه ◌َ له وأنا من أكثر الناس مالًا. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد.
وقال الذهبي : صحيح.

١٨٤
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٧٧٣ - [٢١] وَعَنْ صَالِحِ مَوْلَى لِسَعْدٍ: أَنَّ سَعْدًا وَجَدَ عَبِيدًا مِنْ
عَبِيْدِ الْمَدِيْنَةِ يَقْطَعُونَ مِنْ شَجَرِّ الْمَدِيْنَةِ، فَأَخَذَ مَتَاعَهُمْ، وَقَالَ - يَعْنِي
لِمِوَالِيْهِم: سَمِعْتُ رَسَولَ اللَّهِ وَهِ يَنْهَى أَنْ يُقْطَعَ مِنْ شَجَرِ الْمَدِيْنَةِ شَيءٌ،
[رَوَاهُ أَبُو دَاودَ]
وَقَالَ: (مَنْ قَطَعَ مِنْهُ شَيْئًا؛ فَلِمَنْ أَخَذَهُ سَلَبُهُ)) .
الشرح
٢٧٧٣ - قوله: (وَعَنْ صَالِحِ مَوْلَّى لِسَعْدٍ) هَذَا خطأ، والصواب: عن صالح
عن مولى لسعد كما في أبي داود،ً وفي الظاهر: أنه سقط لفظ: عن. من قلم نساخ
((المشكاة)) أو وقع سهو من المصنف. قال ميرك: ويؤيد ذلك أن من صنف في
أسماء رجال الكتب لم يذكر لسعد مولی يقال له: صالح، وصالح هذا هو صالح بن
نبهان المدني مولى التوأمة - بفتح المثناة وسكون الواو بعدها همزة مفتوحة - قال
الحافظ في ((التقريب)): صَدُوق اختلط بأخرِةٍ. قال ابن عدي: لا بأس برواية
القدماء عنه كابن أبي ذئب وَابْن جريج، مات سنة خمس أو ست وعشرين ومائة.
انتهى. وقال الخزرجي في ((الخلاصة)): قال ابن معين: صالح مولى التوأمة ثقة
حجة، سمع منه ابن أبي ذئب قبل أن يخرف، ومن سمع منه قبل أن يختلط؛ فهو
ثبت. انتهى. قلت: هَذَا الحديث من رواية ابن أبي ذئب عنه. وما قال الْمُنْذِرِي
في ((مختصر السنن)): (صالح مولى التوأمة لا يحتج بحديثه) فهو محمول على ما
روي عنه بعد الاختلاط، ومولى سعد هَذَا مجهول، كما قال المنذري، ففي
الاحتجاج بِهَذَا الحَدِيث نظر قوي، لكن يؤيده الحديث الّذِي قبله، وحديث مسلم
من طريق عامر بن سعد عن سعد الَّذِي سبق في الفصل الأول.
(يَقْطَعُونَ مِنْ شَجَرِ الْمَدِينَةِ) أي: من بعض أشجارها. (فَأَخَذَ مَتَاعَهُمْ) أي:
ثيابهم وِما عندهم. (وَقَالَ) أي: سعد. (يَعْنِي لِمَوَالِيهِمْ) بيان من الراوي للمقولِ
لهم. (أَنْ يُقْطَعَ) بصيغة المجهول. (وَقَالَ) أي: الشَّبِيِّ. (مَنْ قَطَعَ مِنْهُ) أي: من
شجرها. (فَلِمَنْ) أي: للذي. (أَخَذَهُ) أي: القاطع. (سَلَبُهُ) بفتح السين واللام،
(٢٧٧٣) أَبُو دَاوُد (٢٠٣٨) فِيهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سَعْدٍ.

كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ حَرَمِ الْمُدِينَةِ حَرَسَهَا اللهُ تَعَالَى
sesey
١٨٥
EXSHE
أي: ما عليه من الثيابٍ وغيرها .
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) في الحج وسكت عليه، وقد تقدَّم أنَّ مولى سعد مجهول، لكن
يؤيده الحديث الَّذِي قبله، وحديث سعد المذكور في الفصل الأول.
٢٧٧٤ - [٢٢] وَعَنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلِّ: ((إِنَّ صَيْدَ وَجٍّ
وَعِضَاهَهُ؛ حَرَمٌ مُحَرَّمٌ لِلَّهِ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوِدَ]
- وَقَالَ مُحْيِي الْسُنَّةَ: وَجٌ ذَكَرُوا أَنَّهَا مِنْ نَاحِيَةِ الطَّائِفِ، وَقَالَ الْخَطَّابِي:
((أَنَّهُ) بدل ((أنَّها)) .
الشرح
٢٧٧٤ - قوله: (وَعَنِ الزُّبَيْرِ) أي: ابن العوام تقدم ترجمته. (إِنَّ صَيْدَ وَجِّ)
بفتح الواو وتشديد الجيم: هو الطائف، وقيل: واد بالطائف. قال ابنُ رسلان: هو
أرضُ بالطائفِ عندَ أهل اللغةِ. وقال أصحابنا: هو واد بالطائف، وقيل: كل
الطائف. وقال الحازمي في ((المؤتلف والمختلف في الأماكن)): وجّ: اسم لحصون
الطائف، وقيل: لواحد منها. (وَعِضَاهَهُ) بكسر العين وتخفيف الضاد كما سلف،
قال الجوهري: العضاه كل شجر يعظم وله شوك، وعند البيهقي: ((عِضَاهَهُ - يعني:
شجرَهُ -)). (حَرَمٌ) بفتح الحاءِ والراء المهملتين الحرام، كقولهم زمن وزمان، وعند
البيهقي ((حَرَامٌ)). (مُحَرَّمٌ لِلَّهِ) تأكيد للحرمة.
قال الشوكاني: والحَدِيث يَدُلَّ عَلَى تحريم صيد وج وشجره، وقد ذهب إلى
كراهته الشافعي حيث قال في الإملاء: أكره صيد وج. وجزم جمهور أصحاب
الشافعي بالتحريم، وقالوا: إن مراد الشافعي بالكراهة كراهة التحريم. قال ابن
رسلان في ((شرح السنن)) بعد أن ذكر قول الشافعي في الإملاء: وللأصحاب فيه
طريقان أصحهما وهو الَّذِي أورده الجمهور القطع بتحريمه. قالوا: ومراد الشافعي
بالكراهة كراهة التحريم، ثم قال: وفيه طريقان أصحهما وهو قول الجمهور،
(٢٧٧٤) أَبُو دَاوُد (٢٠٣٢) مِنْ حَدِيثِ الزُّبِيْرِ، وَفِيهِ قِصَّةٌ.

١٨٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْخُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
يعني: من أصحاب الشافعي أنه يأثم فيؤدبه الحاكم على فعله ولا يلزمه شيء؛ لأن
الأصل عدم الضمان إلا فيما ورد به الشرع ولم يرد في هَذَا شيء. والطريق الثاني :
حكمه في الضمان حكم المدينة وشجرها وفي وجوب الضمان فيه خلاف انتهى.
وقد قدمنا الخلاف في ضمان صيد المدينة وشجرها. قال الخطابي في
((المعالم)) (ج٢: ص ٤٤٢): ولست أعلم لتحريمه وَجَّا معنى إلا أنْ يَكُون ذلك
على سبيل الحمى لنوع من منافع المسلمين، وقد يحتمل أنْ يَكُون ذلك التحريم
إنما كان في وقت معلوم وفي مدة محصورة، ثم نسخ، ويدل على ذلك قوله:
وذلك قبل نزوله الطائف وحصاره لثقيف. ثم عاد الأمر فيه إلى الإباحة كسائر بلاد
الحل، ومعلوم أن عسكر رسول اللّه وَإليه إذا نزلوا بحضرة الطائف وحصروا أهلها
ارتفقوا بما نالته أيديهم من شجر وصيد ومرفق، فدلَّ ذلك على أنها حل مباح
ولیس یحضرني في هذا وجه غیر ما ذكرته. انتهى.
قال في ((عون المعبود)) نقلا عن ((غاية المقصود)): في ثبوت هَذَا القول أي: كون
تحريم وَجّ قبل نزول الطائف نظر؛ لأن محمد بن إسحاق قال في (مغازيه)) ما
ملخصه: أن رجالًا من ثقيف قدموا على رسول اللَّه ◌َل المدينةَ بعد وقعة الطائف،
فضرب عليهم قبة في ناحية مسجده، وكان خالد بن سعيد بن العاص هو الَّذِي
يمشي بينهم وبين رسول اللّه ◌َ ليل حتى كتبوا كتابهم، وكان خالد هو الَّذِي کتبه و کان
كتاب رسول اللَّه ◌َيِّ الَّذِي كتب لهم أيِ بعد إسلام أهل الطائف: ((بِسْم اللَّهِ
الرَّحْمَنِ الرَّحِيم، مِنْ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى الْمُؤْمِنِينَ: إِنَّ عِضَاهَ وَجٍّ وَصَيْدَهُ
حَرَامٌ، لَّا يُعْضَدُ، مَنْ وُجِدَ يَصْنَعُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُجْلَدُ وَيُنْزَعُ ثِيَابُهُ، فَإِنْ تَعَدَّى ذَلَِكَ
فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ، فَيُبْلَغُ بِهِ النَّبِيُّ مُحَمَّدٌ، وَأَنَّ هَذَا أَمْرُ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ - وَّ) وكتب
خالد بن سعيد بأمر الرسول محمد بن عبد الله: ((فَلَا يَتَعَدَّاهُ أَحَدٌ فَيَظْلِمَ نَفْسَهُ فِيمَا
أَمَرَ بِهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَ لِ)) انتهى ملخصًا محررًا من زاد المعاد.
قال ابن القيم: إن وادي وج وهو واد بالطائف حرم يحرم صيده وقطع شجره،
وقد اختلف الفقهاء في ذلك، والجمهور قالوا: ليس في البقاع حرم إلا مكة
والمدينة وأبو حنيفة رَّتُهُ خالفهم في حرم المدينة، وقال الشافعي تَّتُهُ في أحد
قوليه: (وج)) حرم يحرم صيده وشجره. واحتج لهذا القول بحديثين أحدهما: هو

١٨٧
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابٌ حَرَمِ الْمُدِينَةِ حَرَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى
الَّذِي تقدم، والثاني: حديث عروة بن الزبير عن أبيه الزبير أن النَّبِيِ وَّ قال: ((إِنَّ
صَيْدَ وَجٌّ وَعِضَاهَهُ حَرَمٌ مُحَرَّمٌ لِلَّهِ)) رواه الإمام أحمد وأبو داود. وهذا الحديث
يعرف لمحمد بن عبد الله بن إنسان عن أبيه عن عروة. قال البُخَارِي في ((تاريخه)) :
لا يتابع عليه. قلت: وفي سماع عروة من أبيه نظر وإن كان قد رآه، والله أعلم.
انتھی کلام ابن القيم.
وقال الشوكاني بعد نقل كلام الخطابي: والظاهر من الحديث تأبيد التحريم،
ومن ادعى النسخ، فعليه الدليل؛ لأن الأصل عدمه، وأما ضمان صيده وشجره
على حد ضمان صيد الحرم المكي، فموقوف على ورود دليل يدل على ذلك؛ لأن
الأصل براءة الذمة ولا ملازمة بين التحريم والضمان. انتهى. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) في
الحج وأخْرَجَه أيضًا أَحْمَد (ج١: ص ١٦٥) والحميدي (ج١: ص ٣٤) والْبَيْهَقِي
(ج٥: ص ٢٠٠) والبخاري في ((التاريخ الكبير)) (ج١: ص ١٤٠) كلهم من طريق
عبد الله بن الحارث عن محمد بن عبد الله بن إنسان عن أبيه عن عروة بن الزبير عن
الزبير، وفيه قصة، والحَدِيث سَكَتَ عَنْه أبُو دَاوُد وكذا سكت عنه عبد الحق،
وتعقب: بما نقل عن البُخَارِي أنه قال (ج٣: ص ٤٥) في ترجمة عبد الله بن
إنسان: لم يصح حديثه. وكذا قال الأزدي وَابْن حبان، وذكر الذهبي في ((الميزان)»
أن الشافعي صححه واعتمده وذكر الخلال في ((العلل)) أن أحمد ضعفه وذكر ابن
حبان عبد الله بن إنسان في ((الثقات)) وقال: كان يخطئ. وتعقبه الذهبي فقال: هَذَا
لا يستقيم أن يقوله الحافظ إلا فيمن روى عدة أحاديث، فأما عبد اللَّه هَذَا، فهذا
الحديث أول ما عنده وآخره، فإن كان قد أخطأ، فحديثه مردود على قاعدة ابن
حبان، يعني: أنه إذا لم يكن عند عبد اللَّه المذكور غير هَذَا الحديث، فإن كان
أخطأ فيه، فما هو الَّذِي ضبطه؟ قال الشوكاني: مقتضى قول ابن حبان: كان
يخطئ. تضعيف الحديث، فإنه ليس له غيره، فإن كان أخطأ فيه، فهو ضعيف.
وقال العقيلي: لا يتابع إلا من جهة تقاربه في الضعف. وقال النووي في ((شرح
المهذب)): إسناده ضعيف. وقال الْمُنْذِرِيٍ في ((مختصر السنن)) (ج٢: ص ٤٤٢):
في إسناد هَذَا الحديث محمد بن عبد الله بن إنسان الطائفي وأبوه، فأما محمد
فسئل عنه أبو حاتم الرازي فقال: ليس بالقوى، وفي حديثه نظر، وذكره البُخَارِي
في ((تاريخه الكبير)) (ج١: ص ١٤٠) وذكر له هَذَا الحديث وقال: ولم يتابع عليه

١٨٨
eet #eees
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وذكر أباه (ج٣: ص ٤٥) وأشار إلى هَذَا الحديث وقال: لم يصح حديثه. وقال
البستي: عبد الله بن إنسان روى عنه ابنه محمد ولم يصح حديثه. انتهى. وبهذا
يتبين عدم صحة الاستدلال بِهَذَا الحَدِيث على حكم مشتمل على تحريم. (وَقَالَ
مُحْيِي السُّنَّةِ) أي: البغوي صاحب ((المصابيح في شرح السنة)). (وَجِّ ذَكَرُوا) أي:
العلماء. (إِنَّهَا مِنْ نَاحِيَةِ الطَّائِفِ) يعني: أنه موضع من نواحي الطائف. (وَقَالَ
الْخَطَّابِيُّ) أي: في ((معالم السنن)) (ج٢: ص ٤٤١). (أَنّهُ) بفتح الهمزة. (بَدَل
أَنَّهَا) وهو أمر سهل؛ لأن التذكير باعتبار الموضع، والتأنيث باعتبار البقعة .
٢٧٧٥ - [٢٣] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهُ: ((مَنِ اسْتَطَاعَ
أَنْ يَمُوتَ بِالْمَدِيْنَةِ فَلْيَمُتْ بِهَا، فَإِنِّي أَشْفَعُ لِمَنْ يَمُوْتُ بِهَا)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ إِسْنَادًا] {صحيح}
الشرح
٢٧٧٥ - قوله: (مَنِ اسْتَطَاعَ) أي قدر. (أَنْ يَمُوتَ بِالْمَدِينَةِ) أي: أن يقيم بها
حتی یدر که الموت ثمة. (فَلْيَمُتْ بِهَا) أي : فليقم بها حتى يموت بها، فهو تحریض
على لزوم الإقامةِ بها؛ ليتأتى له أن يموت فيها إطلاقًا للمسبب على سببه. (فَإِنِّي
أَشْفَعُ) ولفظ ابن ماجه: ((فَإِنِّي أَشْهَدُ)). (لِمَنْ يَمُوتُ بِهَا) أي: أخصه بشفاعتي غير
العامة زيادة في إكرامِهِ. قال الطيبي: أمر له بالموت فيها، وليس ذلك من
استطاعته، بل هو إلى الله تعالى لكنه أمر بلزومها والإقامة بها بحيث لا يفارقها،
فيكونُ ذلك سببًّا؛ لأن يموت فيها فأطلق المسبب وأراد السبب، كقوله تعالى:
﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُم ◌ُسْلِمُونَ﴾ [ آل عمران: الآية ٩٧] والحديثُ قد استدلَّ به على: أنَّ
السُّكنى بالمدينة والمجاورة بها أفضل منها بمكّة؛ لأنَّ الترغيب في الموت في
المدينة لم يثبت مثله لغيرها، والسكنى بها وصلة إليه، فيكون ترغيبًا في سُكناها
وتفضيلًا لها على غيرِها، ولأنَّه صحَّ ((لَا يَصْبِرُ عَلَى لَأْوَائِهَا وَشِدَّتِهَا أَحَدٌ إِلَّا كُنْتُ لَهُ
(٢٧٧٥) التِّرْ مِذِي (٣٩١٧) فِي المَنَاقِبِ، وَابن مَاجَهْ (٣١١٢) فِي الحَجِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَقال التِّرْمِذِي:
حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ .

كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ حَرَم المُدِينَةِ حَرَسَهَا اللهُ تَعَالَى
١٨٩
شَفِيعًا أَوْ شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ)) ولم يرد في سُكنى مدينة نحو ذلك، ولأنَّه اختارَ وَه
ذلك ولم يكن يختار إلا الأفضل، ولأنَّ الإقامة بالمدينة في حياته وَله أفضل
إجماعًا، فیستصحب ذلك بعد وفاته حتى يثبت إجماع مثله برفعِهِ، هَذَا حاصل ما
ذكره السندي في ((اللباب)) والسمهودي في و((فاء الوفاء)) للاحتجاج لذلك، وهما
من القائلين بأفضلية المجاورة بالمدينة من المجاورة بمكة، وقد ردَّ ذلك علي
القاري وَابْن حجر المكي من شاءَ البسط والتفصيل رجع إلى ((شرح اللباب))
للقاري، و((شرح مناسك النووي)) لابن حجرٍ وإلى ((غُنية الناسك))، وسيأتي شيء
من الكلام في ذلك في شرح حديث يحيى بن سعيد المرسل في الفصل الثالث.
وقال المناوي: وأخذَ من الحديث حجة الإسلام. نَدبُ الإقامة بها مع رعاية
حرمتها وحرمة ساكنيها. وقال ابن الحاج: حثَّه على محاولة ذلك بالاستطاعة التي
هي بذل المجهود في ذلك فيه زيادة اعتناء بها، ففيه دليل على تمييزها على مكة في
الفضل؛ لإفراده إياها بالذكر هنا. وقال القاري: ليسَ هَذَا الحديث صريحًا في
أفضلية المدينة على مكة مطلقًا؛ إذ قد يكون في المفضول مزية على الفاضل من
حيثية، وتلك بسبب تفضيل بقعة البقيع على الحجون، إما لكونه تربة أكثر
الصَّحَابَة الكرام أو لقرب ضجيعه - عليه الصلاة السلام - ولا يبعد أن يراد به
المهاجرون، فإنه ذم لهم الموت بمكة كما قرَّر في محلّه. وقال النووي في ((شرح
مسلم)) وفي ((مناسكه)): إن المجاورة بهما جميعًا مستحبة إلا أن يغلب على ظنه
الوقوع في الأمور المحظورة.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٢: ص ٧٤، ١٠٤). (وَالتِّرْمِذِيُّ) في أواخر المناقب، وأخرجه
أيضًا ابن ماجه في الحج وَابْن حِبَّان فِي ((صَحِيحِه)) كما فِي ((مَوَارِدِ الظَّمْآنِ))
(ص ٢٥٥) والْبَيْهَقِي وعبد الحق. (وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٍ إِسْنَادًا)
وفي ((جامع الترمذي)): غريب من هَذَا الوجه من حديث أيوب السختياني. (عَنْ
نَافِع عَنْ ابْنِ عُمَرَ) والحديث صحَّحه أيضًا عبدُالحقِّ. وفي الباب عن سبيعة بنت
الحارث الأسلمية عند البيهقي في ((الشعب)) والبزار والطَّرَاني في ((الكبير)) نحو
حديث ابن عمر. قال المنذري: ورواته محتج بهم في الصحيح إلا عبد الله بن
عكرمة، وروى عنه جماعة ولم يجرحه أحد، وعن صميتة الصحابية أخرجه ابن
حبان فِي ((صَحِيحِه)) كما فِي ((مَوَارِدِ الظَّمْآَنِ)) (ص٢٥٥) والْبَيْهَقِي في ((الشعبِ))

١٩٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ
والطَّرَاني، وعن امرأة يتيمة كانت عند رسول اللّه ◌َل من ثقيف أنها حدثت صفية
بنت أبي عبيدٍ: أنَّ رسولَ اللَّهِ وَ ه قال: ((مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَمُوتَ بِالْمَدِينَةِ،
فَلْيَمُتْ ... )) الحديث. أخرجه الطَّبَرَانِي في الكبير، قال الْهَيْئَمِي: إسناده حسن
ورجاله رِجَال الصَّحِيح خلا شيخ الطَّرَاني.
٢٧٧٦ - [٢٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((آخِرُ قَرْيَةٍ
مِنْ قُرَى الْإِسْلَامِ خَرَابًا الْمَدِيْنَةُ)). [رَوَاهُ التَّْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ]
الشرح
٢٧٧٦ - قوله: (آخِرُ قَرْيَةٍ) بفتح القاف. (مِنْ قُرَى الْإِسْلَام) بضم القاف.
(خَرَابًا) قال المناوي: الخراب: ذهاب العمارة، والعمارة: إحياء المحل وشغله
بما وضع له، ذكره الحراني، وفي ((الكشاف)): التخريب والإخراب: الإفساد
بالنقض والهدم. (الْمَدِينَةُ) خبر وآخر مبتدأ ويجوز عكسه. والمراد بالمدينة:
المدينة النبوية وهي علم لها بالغلبة، فلا يستعمل معرفًا إلا فيها، والنكرة اسم لكل
مدينة، ويقال في النسبة للكلِّ: مديني وللمدينة النبوية مدني للفرق، وفي
الحَدِيث: إشارة إلى أن عمارة الإسلام منوطة بعمارتها وهذا ببركة وجوده
فيها وعَلِيلاً.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في أواخر ((جامعه)) وأخرجه أيضًا ابن حبان في ((صَحِيحِه)) كما
في ((الموارد)) (ص٢٥٧) كلاهما من طريق مسلم بن جنادة عن أبيه عن هشام بن
عروة عن أبيه عن أبي هريرة. (وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) لا نعرفه إلا من
حديث جنادة عن هشام. قال المناوي في ((شرح الجامع الصغير)): وقد رمز
المصنف يعني : السيوطي - لضعفه وهو كما قالَ، فإن الترمذيَّ ذكر في ((العلل)) أنه
سأل عنه البُخَارِي فلم يعرفه وجعل يتعجب منه وقال: كنت أرى أن جنادة هَذَا
مقارب الحديث، انتهى. وذكر البخاري جنادة هَذَا في ((التاریخ الكبير)) ولم يذكر
فيه جرحًا ولا تعديلًا. وقال الحافظ في ((التهذيب)) والذهبي في ((الميزان)): ضعَّفه
(٢٧٧٦) التِّرْمِذِي (٣٩١٩) فِي المَنَاقِبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً.

كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ حَرَمِ المُدِينَةِ حَرَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى
١٩١
أبو زرعة. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديثُ ما أقربه من أن يترك حديثه، وذكره ابن
حبان في الثقات. قال الحافظ: وقال الساجي: حدث عن هشام بن عروة حديثًا
منكرًا ووثقه ابن خزيمة وأخرج له فِي ((صَحِيحِه)). وقال في ((التقريب)): هو صَدُوق
له أغلاط. انتهى.
قلت: الظاهر أن الترمذي حسن الحديث لكون جنادة المذكور صدوقًا، قال
السبكي كغيره: إذا ضعف الرجل في السند ضعف الحديث من أجله ولم يكن فيه
دلالة على بطلانه من أصله، ثم قد يصحُّ من طريق أخرى، وقد يكونُ هَذَا الضعيفُ
صَادقًّا ثبتًا في تلك الروايةِ، فلا يدلَّ مجرَّد تضعيفِهِ والحمل عليه على بطلان ما جاء
في نفس الأمر، انتهى. قالوا: وإذا قوى الضعف لا ينجبر بوروده من وجه آخر وإن
كثر الطرق، بخلاف ما خف ضعفه ولم يقصر الجابر عن جبره، فإنه ينجبر
ويعتضد .
٢٧٧٧ - [٢٥] وَعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ عَنِ النَّبِيِّ وَ قَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ
أَوْحَى إِلَيَّ: أَّ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ نَزَلْتَ، فَهِيَ دَارُ هِجْرَتِكَ، الْمَدِينَةِ، أَوِ
الْبَحْرَيْنِ، أَوْ فِتَّسْرِينَ)).
[رَوَاهُ التّرْمِذِيُّ]
الشرح
٢٧٧٧ - قوله: (أَّ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ) منصوب على الظرفيه بقوله: (نَزَلْتَ) أي:
للإقامةِ بها والاستيطان فيها. (الْمَدِينَةِ) بالجرِّ على البدلية من الثلاثة. (أَوِ
الْبَحْرَيْنِ) موضع بين بصرة وعمان، وقيل: بلاد معروفة باليمن، وقال الطيبي:
جزيرة ببحر عمان. (أَوْ قِنَّسْرِينَ) بكسر القاف وفتح النون الأولى المشددة ویکسر،
بلد بالشام، وهو غير منصرف. قال القاري: هَذَا الحديثُ مشكل فإنَّ التي رآها
وهو بمكة أنها دار هجرته وأمر بالهجرة إليها هي المدينة، كما في الأحاديث التي
أصح من هذا، وقد يجمعُ بأنه أوحى إليه للتخيير بين تلك الثلاثة ثم عين له إحداها
(٢٧٧٧) التِّرْ مِذِي (٣٩٢٣) فِيهِ مِنْ حَدِيثِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، وَقَالَ: غَرِيبٌ، قُلْتُ: وَفِي سَنَدِهِ غَيْلَانُ بْنُ
عَبْدِ اللهِ وَهُوَ مَجْهُولٌ.

١٩٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وهي أفضلها. انتهى.
قال شيخُنا في ((شرح الترمذي)): وفي حديث أبي موسى عند البُخَارِي - في بابٍ
هجرة النَّبِي وَّةٍ إلى المدينة - عن النَِّي ◌َِّ: ((رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أُهَاجِرُ مِنْ مَكَّةَ
إِلَى أَرْضٍ بِهَا نَخْلٌ، فَذَهَبَ وَهَلِي إِلَى أَنَّهَا الْيَمَامَةُ أَوْ هَجَرُ، فَإِذَا هِيَ الْمَدِينَةُ يَثْرِبُ))،
قال الحافظُ: ووقع عند البيهقي من حديث صهيب رفعَهُ: ((أُرِيتُ دَارَ هِجْرَتِكُمْ
سَبِخَةً بَيْنَ ظَهْرَانَيْ حَرَّتَيْنِ، فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ هَجَرَ، أَوْ يَثْرِبَ)). ولم يذكر اليمامة،
وللترمذي من حديث جرير قال: قال رسولُ اللهِ وَلّهِ: ((إِنَّ اللهَ تَعَالَى أَوْحَى إِلَيَّ أَيَّ
هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ نَزَلْتَ ... )) فذكر الحديث ثم قال: استغرَبَهُ الترمذي، وفي ثبوته نظر؛
لأنَّهُ مخالف لما في الصحيح من ذكر اليمامة؛ لأنَّ قنسرين من أرض الشام من
جهة حلب بخلاف اليمامة، فإنها إلى جهةٍ اليمنٍ إلا إن حمل على اختلاف
المأخذ؛ فإنَّ الأول جرى على مقتضى الرؤيا التي أريها، والثاني: يخير بالوحي،
فيحتملُ أنْ يَكُون أُري أولًا، ثم خير ثانيًا فاختار المدينة. انتهى.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في أواخر المناقب عن الحصين بن حريث عن الفضل بن موسى
عن عيسى بن عبيدٍ عن غيلان بن عبد الله العامري، عن أبي زرعة بن عمرو بن جریر
عن جرير بن عبد الله البجلي وقال: هَذَا حديث غريب لا نعرفُهُ إلا من حديثٍ
الفضل بن موسى، تفرَّدَ به أبو عمار، وقد تقدَّم أن الحافظَ قال: في ثبوت هَذَا
الحديث نظر؛ لكونه مخالفًا لما في ((صحيح البخاري)). وقال في ((تهذيب
التهذيب)) في ترجمة غيلان بن عبد الله: ذكره ابن حبان في ((الثقاتٍ))، وقال: روى
عن أبي زرعة عن جريرٍ حديثًا منكرًا، وأخرجه الترمذي وقال: غريب. وقال
الذهبي في (المیزان)»: ما علمت روی عنه سوی عیسی بن عبيد، حدیثه منکر، ما
أقدم الترمذي علَى تَحْسِينه بل قال: غريب.

كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ حَرَم المُدِينَةِ حَرَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى
١٩٣
الفصل الثالث
٢٧٧٨ - [٢٦] عَنَ أَبِي بَكْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ قَالَ: ((لَا يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ
رُعْبُ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، لَهَا يَوْمَئِذٍ سَبْعَةُ أَبْوَابٍ، عَلَى كُلِّ بَابٍ مَلَكَانٍ)).
[ رَوَاهُ البُخَارِيُّ] {صحيح}
الشرح
٢٧٧٨ - قوله: (لَا يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ رُعْبُ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ) بضم الراء وسكون
العين، أي: خوفه وذعره، وإذا لم يدخل رعبه، فأولى أن لا يدخل هو، وسمي
الدجال مسيحًا: لمسحه الأرض أو لأنه ممسوح العين؛ لأنَّهُ أعور، وذكر لفظ
الدجال بعد المسيح؛ ليتميز عن عيسى المسيح - عليه الصلاة والسلام - وقد تقدم
بیان ما هو المراد من عدم دخول رعب الدجال في المدينة في شرح حديث أنس :
((لَيْسَ مِنْ بَلَدٍ إِلَّا سَيَطَؤُهُ الدَّجَّالُ إِلَّا مَكَّةَ وَالْمَدِينَّةَ)). (لَهَا) أي: لسورها. (يَوْمَئِذٍ
سَبْعَةُ أَبْوَابٍ) أي: طرق وأنقاب. (عَلَى كُلِّ بَابٍ مَلَكَانٍ) أي: اثنان أو نوعان يمينًا
وشمالًا يحَّفظانها ويحرسانها منه. (رَوَاهُ البُخَارِّيُّ) في الحج وفي الفتن وهو من
أفراده لم يخرجه مسلم ولا أصحاب السنن، نعم أخرجه أحمدُ (ج٥: ص ٤١،
٤٣، ٤٦).
٢٧٧٩ - [٢٧] وَعَنْ أَنَسِ عَنِ النَّبِيِّ وَِّ قَالَ: ((اللَّهُمَّ اجْعَلْ بِالْمَدِينَةِ
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
ضِعْفَيْ مَا جَعَلْتَ بِمَكَّةَ مِنَ الْبَرَكَّةِ)).
الشرح
٢٧٧٩ - قوله: (اللَّهُمَّ اجْعَلْ بِالْمَدِينَةِ ضِعْفَي) تثنية ضعف بالكسر أي: مثليه
(٢٧٧٨) رَوَاهُ الْبُخَارِي (١٨٧٩) في الحج.
(٢٧٧٩) مُتَفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (١٨٨٥)، ومُسْلِم (١٣٦٩) فيه عنه.

١٩٤
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
بناء على أن ضعف الشيء مثله وهو ما عليه أهل اللغة. قال الجوهري: ضعف
الشيء مثله وضعفاه مثلاه وأضعافه أمثاله. انتهى. وقال في ((القاموس)): ضعف
الشيء بالكسرِ مثله وضعفاه مثلاه، أو الضعف: المثل إلى ما زادَ، يقال: لك
ضعفه، يريدون مثليه وثلاثة أمثاله؛ لأنَّهُ زيادة غير محصورةٍ، وقول الله تعالى:
﴿يُضَعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنٍ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٣٠] أي: ثلاثة أعذبة، ومجاز
يضاعف، أي: يجعل إلى الشيء شيئان حتى يصير ثلاثة. انتهى.
وأما في العرفٍ: فضعف الشيء مثلاه، وضعفاه: ثلاثة أمثاله، وعليه جرى
الفقهاء في الإقرار والوصية، فيلزم في الوصية بضعف نصيب ابنه مثلاه وبضعفيه
ثلاثة أمثاله في قَوْلِه: له عليَّ ضعف درهم. يلزمه درهمان؛ عملًا بالعرفِ لا العمل
باللغةِ، والمعني هنا: اللهم اجعل بالمدينةِ مِثلي (مَا جَعَلْتَ بِمَكّةَ مِنَ الْبَرَكَةِ) أي:
الدنيوية بقرينة قوله في الحديثِ الآخر: ((اللَّهُمَّ بَارِْكُ لَنَا فِي صَاعِنَا وَمُدِّنَا)) فلا يقال:
إن مقتضى إطلاق البركة أنْ يَكُون ثواب صلاة المدينة ضعفي ثواب الصلاة بمكة،
أو المراد: عموم البركة، لكن خصت الصلاة ونحوها بدليل خارجي، واستدل به
على تفضيل المدينة على مكة وهو ظاهر من هذه الجهة لكن لا يلزم من حصول
أفضلية المفضول في شيء من الأشياء ثبوت الأفضلية على الإطلاق، وتكرير
الدعاء في حق الشام واليمن بقوله: ((اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا وَيَمَنِنَا))، للتأكيد،
والتأكيد لا يستلزم التكثير المصرح به في حديث الباب، فلا يصح مناقضة
الاستدلال المذكور بتكرير الدعاء للشام واليمن. قال الأبي: ومعنى ((ضعفي ما
بمكة)) أَنَّ الْمَرَاد ما أشبع بغير مكة رجلًا أشبع بمكة رجلين وبالمدينة ثلاثة،
فالأظهر في الحديث أن البركة إنما هي في الاقتيات. وقال النووي: في نفس
المكيل بحيث يكفى المد فيها من لا يكفيه في غيرها، وهذا أمر محسوس عند من
سکنها .
(مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) أخرجاه في الحج، وأخرجه أيضًا أحمد، وفي الباب عن علي بلفظ
((اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ عَبْدََ وَخَلِيلَكَ، وَدَعَا لِأَهْلِ مَّةَ بِالْبَرَكَةِ، وَأَنَا عَبْدَُكَ وَرَسُولُكَ
أَدْعُو لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ؛ أَنْ تُبَارَِكَ لَهُمْ فِي مُدِّهِمْ وَصَاعِهِمْ مِثْلَيْ مَا بَارَكْتَ لِأَهْلِ مَكَّةَ مَعَ
الْبَرَكَةِ بَرَكَتَيْنٍ)) أي: أدعوك أن تضاعف لهم البركة ضعفي ما باركته لأهل مكة
بدعاء إبراهيم أخرجه أحمد (ج١: ص ١١٥، ١١٦) والترمذي في فضل المدينة
من المناقب والطََّرَاني في ((الأوسط)).

كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
١٩٥
بَابُ حَرَمِ المُدِينَةِ حَرَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى
٢٧٨٠ - [٢٨] وَعَنْ رَجُل مِنْ آلِ الْخَطَّابِ عَنِ النَّبِيِّ نََّ قَالَ: ((مَنْ
زَارَنِي مُتَعَمِّدًا؛ كَانَ فِي جِوَارِيٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَكَّنَ الْمَدِيْنَةَ وَصَبَرَ عَلَى
بَلَائِهَا؛ كُنْتُ لَهُ شَهِيْدًا وَشَفِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ مَاتَ فِي أَحَدِ الْحَرَمَيْنِ؛
بَعَثَهُ اللَّهُ مِنَ الْأَمِنِيْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)).
{ضعيف}
الشرح
٢٧٨٠ - قوله: (وَعَنْ رَجُل مِنْ آلِ الْخَطَّابِ) بفتح الخاء المعجمة وتشديد
الطاء المهملة على ما في نسخ ((الَّمشكاة))، وكتب ميرك على الهامش: آل حاطب.
بالحاءِ المهملة وكسر الطاء ووضع عليه الظاهر وكتب تحته كذا في ((الترغيب))
للمنذري ذكره القاري. قلت: قد وقع الاضطراب في سند هَذَا الحديث، فرواه
العقيلي وكذا البيهقي في ((الشعب)) بلفظ: عنْ رجلٍ من آلِ الخطاب. ورواه أبُو
دَاوُد الطيالسي ومن طريقه البيهقي في ((السنن)) بلفظ: عن رجلٍ من آل عمر عن
عمر. ورواه البُخَارِي في ((تاريخه)) والدار قطني في ((سننه)) بلفظ: عن رجل من ولد
حاطب. وفي رواية: من آل حاطب. ثم الرجل المبهم بعضهم يسنده عن عمر كما
في رواية البيهقي من طريق أبي داود الطيالسي، وبعضهم يسنده عن حاطب وهو
عند الدار قطني، وبعضهم يرسله ولا يسنده لا عن حاطب ولا عن عمر وهو الَّذِي
ذكره البُخَارِي والعقيلي، ورواية العقيلي بلفظ: عن رجل من آل الخطاب. توافق
رواية الطيالسي عن رجل من آل عمر، وقيل: (الخطاب) تصحيف من حاطب.
(مَنْ زَارَنِي) أي: زيارة مشروعة. (مُتَعَمِّدًا) أي: لا يقصد غير زيارتي من الأمور
التي تقصد في إتيان المدينة من التجارة وغيرها، فالمعنى لا يكون مشوبًا بسمعة
ورياء وأغراض فاسدة، بل يكون عن احتساب وإخلاص ثواب. (كَانَ فِي جِوَارِي)
بكسر الجيم أي: في مجاورتي. (وَمَنْ سَكَنَ الْمَدِينَةَ) أي: أقام أو استوطن بها.
(وَصَبَرَ عَلَى بَلَائِهَا) من حرها، وضيق عيشها، وفتنة من يسكنها من الروافض
وغَيْرهم من أهل البدع التي فيها نظير ما كان يقع للصحابة من منافقيها .
(٢٧٨٠) رَوَاهُ البَيْهَقِي (٤١٥٢).

١٩٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(كُنْتُ لَهُ شَهِيدًا) أي: لطاعته. (وَشَفِيعًا) لمعصيته. قال القاري: ويحتمل أن
تكون الواو بمعني ((أو)).
(وَمَنْ مَاتَ فِي أَحَدِ الْحَرَمَيْنِ) أي: مؤمنًا. (بَعَثَهُ اللَّهُ مِنَ الْآَمِنِينَ يَوْمَ الْقِيَامَة)
أي: من الفزع الأكبر أو من كل كدورة، وفِي الحَدِيثِ: دليل على فضل زيارة
النَّبِي وَّ، وفضل سكنى المدينة، وفضل الموت في أحدِ الحرمين، واستدل به
على: ندب السفر وشد الرحل لزيارة قبر النَّبِي وَّه وسيأتي الكلام على هَذَا في
شرح الحديث التالي.
٢٧٨١ - [٢٩] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوَعًا: ((مَنْ حَجَّ فَزَارَ قَبْرِي بَعْدَ
مَوْتِي؛ كَانَ كَمَنْ زَارَنِي فِي حَيَاتِي)).
[رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ]
الشرح
٢٧٨١ - قوله: (مَنْ حَجَّ فَزَارَ قَبْرِي بَعْدَ مَوْنِي) وفي رواية: ((بعد وفاتي)). قال
القاري: الفاء التعقيبية دالة على أن الأنسب أن تكون الزيارة بعد الحج، كما هو
مقتضى القواعد الشرعية من تقديم الفرض على السنة، وقد روى الحسن عن أبي
حنيفة تفصيلًا حسنًا، وهو أنه إن كان الحج فرضًا، فالأحسن للحاج أن يبدأ بالحج
ثم يثنى بالزيارة، وإن بدأ بالزيارة جاز، وإن كان الحج نفلًا، فهو بالخيار فيبدأ
بأيهما شاء. انتهى. والأظهر أن الابتداء بالحج أولى لإطلاق الحديث، ولتقديم
حق الله على حقِّه وَّه؛ ولذا تقدم تحية المَسْجِد النبوي على زيارة مشهده وَّل.
انتھی کلام القاري.
قلت: وما نقل عن بعض السلف من الصَّحَابَة والتابعين أنهم كانوا يبدؤون
بالمدينة قبل مكة إذا حجوا ففيه: أنهم عللوا ذلك بالإِهلال من ميقات النَّبِي وَل
لقولهم: نهل من حيث أحرم رسول اللّه وَّل. ولم يعللوه بما توهم من توهم أن
ذلك إنما كان لأجل زيارة قبر النَّبِي ◌َّةَ، وإن اتفق معها قصد عبادات أخرى، فهو
(٢٧٨١) البَيْهَقِي (٤١٥٤) في شُعبِ الإِيمانِ.

كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ حَرَمِ المُدِينَةِ حَرَسَهَا اللَّهِ تَعَالَى
١٩٧
مغمور بالنسبة إليها، فلا دلالة في فعلهم على فضل الابتداء بالمدينة على مكة ولا
على أن الابتداء بالمدينة كان لقصد الزيارة.
(كَانَ كَمَنْ زَارَنِي فِي حَيَاتِي) في الحديث دليل على فضيلة زيارة قبر النَّبِيِ بَلِّ،
ولا خلاف فيه بل هو أمر مجمع عليه، واستدل به السبكي ومن وافقه على
استحباب السفر لمجرد زيارة مشهده وَل#، قيل: لأن الزيارة شاملة للسفر، فإنها
تستدعي الانتقال من مكان الزائر إلى مكان المزور، وإذا كانت الزيارة قربة كان
السفر إليها قربة، وفيه: أنه سلمنا أن الزيارة مطلقة شاملة للسفر، ولكن قوله وَله :
((لَا تَشُدُّوا الرِّحَالَ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ ... )) إلخ. مقيد لذلك الإطلاق، على أن لفظ
الزيارة مجمل كالصلاة والزكاة، فإن كل زيارة قبر ليست قربة بالإجماع للقطع بأن
الزيارة الشركية والبدعية غير جائزة، فلما زار النَّبِي وَّ القبور وقع ذلك الفعل بيانًا
لمجمل الزيارة ولم يثبت السفر لزيارة القبر من فعله ولو، وكذلك الصلاة والذكر
شاملان للصلوات المبتدعة والأذكار المحدثة، فلو سوغ الاستدلال بمثل تلك
الإطلاقات للزم جواز الصلوات والأذكار المبتدعة المحدثة، وهذا كله مبني على
أن حَدِيث ابنِ عُمَر هَذَا والذي قبله ثابتان صالحان للاستدلال والاحتجاج أو
الاستشهاد ودون ذلك خرط القتاد كما ستعرف.
(رَوَاهُمَا) أي: الحديثين السابقين. (الْبَيْهَقِيُّ فِي ((شُعَبِ الْإِيمَانِ))) وروى
الحديث الثاني في ((السنن الكبري)) أيضًا (ج٥: ص ٢٤٦) وفي الباب روايات
أخرى ذكرها السبكي في ((شفاء السقام)) وكلها ضعيفة، وفضائل الزيادة مشهورة،
ومن أنكرها إنما أنكر ما فيها من بدع وخرافات وأمور شركية أو أنكر السفر وإعمال
المطي للزيارة لا نفس الزيارة، والحديث الأول أخرجه أيضًا العقيلي والدار قطني
(ص٢٧٩، ٢٨٠) والْبَيْهَقِي في ((السنن)) والطيالسي وغَيْرهم بألفاظ مختصرًا
ومطولًا وإسناده مجهول كما قال البيهقي مضطرب اضطرابًا شديدًا في متنه
وسنده، کما بينه العلامة ابن عبد الهادي واهٍ جدًّا لا يصلح للاحتجاج، ومداره على
هارون بن قزعة وهو مجهول، وشيخه رجل من آل الخطاب أيضًا مجهول،
والتفصيل في ((الصارم المنكي في الرد على السبكي)) للعلامة الحافظ ابن عبد
الهادي الحنبلي المقدسي، وفي ((صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان))
للعلامة الشيخ محمد بشير المحدث السهسواني، فعليك أن تراجعهما.

١٩٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ
والحديث الثاني: وهو حَدِيث ابنِ عُمَر أخرجه أيضًا أبو يعلى والدار قطني وَابْن
عدي والطَّرَاني وَابْن عساكر، وفي سنده حفص بن أبي داود سليمان الأسدي
القاري وليث بن أبي سليم، وفي بعض طرقه الحسن بن طيب وأحمد بن رشدین
وكلهم ضعفاء مجروحون، وبعضهم متروكون وضاعون. قال الإمام ابن عبد
الهادي في ((الصارم)): اعلم أن هَذَا الحديث لا يجوز الاحتجاج به ولا يصلح
الاعتماد على مثله، فإنه حديث منكر المتن، ساقط الإسناد، لم يصححه أحد من
الحفاظ، ولم يحتج به أحد من الأئمة، بل ضعفوه وطعنوا فيه، وذكر بعضهم أنه
من الأحاديث الموضوعة والأخْبَار المكذوبة. قال: والحديث منكر جدًّا. انتهى.
وحفص بن سليمان المذكور ضعفه الأئمة وتركوه واتهمه بعضهم، فقال أحمد
ومسلم: هو متروك الحديث. وقال البخاري: تركوه. وقال علي بن المديني:
ضعيف الحديث وتركته على عمد. وقال النسائي: ليس بثقة ولا یکتب حديثه،
وقال مرة: متروك الحديث. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه فقال: لا يكتب
حديثه، وهو ضعيف الحديث، لا يصدق، متروك. وقال ابن خراش: كذاب،
متروك، يضع الحديث. وقال الحاكم: أبو أحمد ذاهب الحديث، وروى ابن عدي
من طريق الساجي عن أحمد بن محمد البغدادي قال: سمعت يحيى بن معين
يقول: كان حفص بن سليمان كذابًا. وقال أبو بشر الدولابي في ((كتاب الضعفاء
والمتروكين)»: حفص بن سليمان متروك الحديث. وقال البيهقي: تفرد به حفص
وهو ضعيف في روایة الحدیث. ولیث بن أبي سلیم مضطرب الحدیث ضعفه یحیی
ابن معين والنَّسَائِي وغَيْرهما، وقد اختلط أخيرًا ولم يتميز حديثه فترك، وأما
الحسن بن الطيب البلخي فضعفه النسائي وغيره، وكذبه مطين.
وأما أحمد بن رشدين؛ فقال ابن عدي: كذبوه فإن قيل: قد روى هَذَا الحديث
من غير رواية حفص بن سليمان عن ليث بن أبي سليم، ولو ثبت ضعف حفص بن
سليمان فإنه لم ينفرد بهذا الحديث، وقول البيهقي: إنه تفرد به بحسب ما اطلع عليه
وقد جاءَ في ((معجمِ الطَّرَاني الكبير)) و((الأوسط)) متابعته. فقد قال الطَّبَرَاني: حدثنا
أحمد بن رشدين حدثنا علي بن الحسين بن هارون الأنصاري حدثنا الليث بن بنت
الليث بن أبي سليم قال: حدثتني جدتي عائشة بنت يونس امرأة الليث بن أبي سليم
عن مجاهد عن ابن عمر قال: قال رسول اللّه وَّ: ((مَنْ زَارَ قَبْرِي بَعْدَ مَوْتِي؛ كَانَ

كِتَابُ المُنَاسِكِ
بَابُ حَرَمِ الْمُدِينَةِ حَرَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى
١٩٩
کَمَنْ زَارَنِي فِي حَیَاتِي».
فالجوابُ أن يقال: ليس هَذَا الإسناد بشيء يعتمد عليه ولا هو مما يرجع إليه، بل
هو إسناد مظلم ضعيف جدًّا؛ لأنَّهُ مشتمل على ضعيف لا يجوز الاحتجاج به
ومجهول لم يعرف من حاله ما يوجب قبول خبره، وَابْن رشدين شيخ الطِّبَرَاني قد
تكلموا فيه، وعلي بن الحسين الأنصاري ليس هو ممن يحتج بحديثه، والليث بن
بنت الليث بن أبي سليم وجدته عائشة مجهولان لم يشتهر من حالهما عند أهل
العلم ما يوجب قبول روايتهما ولا يعرف لهما ذكر في غير هَذَا الحديث، ولیث بن
أبي سليم قد تقدَّم ما فيه من الكلام.
والحاصلُ : أن هَذَا المتابع الَّذِي ذكر من رواية الطَّرَاني لا يرتفع به الحديث عن
درجة الضعف والسقوط ولا ينهض إلى رتبة تقتضي الاعتبار والاستشهاد لظلمة
إسناده وجهالة رواته وضعف بعضهم واختلاطه واضطراب إسناده، ولو كان
الإسناد إلى ليث بن أبي سليم صحيحًا لكان فيه ما فيه فكيف والطريق إليه ظلمات
بعضها فوق بعض، كذا في ((الصارم المنكي)) (ص ٦٢، ٦٣).
وقال الحافظ في ((التلخيص)) (ص٢٢١) بعد ذكر تخريج هَذَا الحديث وتفصيل
طرقه والكلام في أسانيده وبيان ما وقع فيه من الاختلاف في متنِهِ وسندِهِ ما نصُّهُ:
فائدة: طرق هَذَا الحديث كلها ضعيفة لكن صححه من حَدِيث ابنِ عُمَر أبو علي بن
السكن في إيراده إياه في أثناء الصحاح له وعبد الحق في ((الأحكام)) في سكوته عنه،
والشيخ تقي الدين السبكي من المتأخرين باعتبار مجموع الطرق. انتهى.
قلت: ومن وقف على ما في سند حَدِيث ابنِ عُمَر من الكلام لا يخفى عليه ما في
صنيعٍ ابنِ السكن وعبد الحق من التساهل والإهمال، وأما تصحيح السبكي إياه
باعتبار مجموع الطرق، فقد ناقشه في ذلك ابن عبد الهادي حديثًا حديثًا، وبين ما
في كلامه من الخطأ والتعسف والزيغ والفساد من أحب الوقوف على ذلك، وعلى
اختلاف العُلَمَاء في مسألة زيارة قبر النَّبِي وَّ رجع إلى ((الصارم المنكي)).