Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤٠
see* * cesa
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ER
ظاهر العموم أن تكون فيهما. وقال القاضي عياض: البركة هنا: بمعنى النماء
والزيادة وتكون بمعنى الثبات واللزوم، قال: فقيل: يحتمل أن تكون هذه البركة
دينية، وهي ما تتعلق بهذه المقادير من حقوق الله تعالى في الزكوات والكفارات،
فتكون بمعنى الدعاء للثبات والبقاء لها، كبقاء الحكم بها ببقاء الشريعة وثباتها،
ويحتملُ أن تكون دنيوية من تكثير المال والقدر بهذه الأكيال، حتى يكفي منه ما لا
يكفي من غيره في غير المدينةِ، أو ترجع البركة إلى التصرف بها في التجارةِ
وأرباحها، أو إلى كثرةٍ ما يُكال بها، من غلاتها وثمارها، أو تكون الزيادة فيما
یکال بها لا تساع عیشھم و کثرته بعد ضیقه بما فتحَ اللهُ علیھم ووسّع من فضلهِ لھم،
وتمليكهم من بلاد الخصب والريف بالشام والعراق ومصر وغيرها حتى کَثُر
الحمل إلى المدينة، واتسع عيشهم حتى صارت هذه البركة في الكيل نفسه، فزاد
مدُّهم وصارَ هشاميًّا مثل مد النَّبِي وََّ مرتين أو مرة ونصفًا. وفي هَذَا كله ظهور
إجابة دعوته وَّخير وقبولها. انتهى كلام القاضي.
قال النووي: الظاهر من هَذَا كله أنَّ الْمَرَاد البركة في نفس الكيل في المدينة
بحيث يكفي المد فيها لمن لا يكفيه في غيرها، وهذا أمر محسوس عند مَن سكنها .
قال الطيبي: ولعلَّ الظاهر هو قول عياض: أو لاتساع عيش أهلها ... إلخ؛
لأَنَّهُ وَيِّ قال: ((وأَنا أدعوك للمدينةِ بمثل ما دَعَاك إبراهيم لمكة))، ودعاء إبراهيم هو
قوله: ﴿فَأَجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِىّ إِلَيْهِمْ وَأَرْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾
[إبراهيم: الآية ٣٧] يعني: وارزقهم من الثمراتِ بأن تجلب إليهم من البلادِ لعلَّهم يشكرون
النعمة في أن يرزقوا أنواع الثمرات في واد ليس فيه نجم ولا شجر ولا ماء، لا جرم
أن اللَّه رَّت أجابَ دعوته، فجعله حرمًا آمنًا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقًا من
لدنه، ولعمري إن دعاء حبيب الله و ل استجيب لها وضاعف خيرها على غيرها بأن
جلب إليها في زمن الخلفاء الراشدين من مشارق الأرض ومغاربها من كنوز كسرى
وقيصر وخاقان ما لا يحصى ولا يحصر، وفي آخر الأمر يأرز الدين إليها من أقاصي
الأرض وشاسع البلاد، وينصر هَذَا التأويل قوله في حديث أبي هريرة: ((أَمِرْتُ بِقَرْيَةٍ
تَأْكُلُ الْقُرَى))، ومكة أيضًا من مأكولها. انتهى.
وقال الباجي: يحتمل أن يريد بالبركة بركة دنيا وآخرة، ففي الدنيا أنْ يَكُون
الطعام الَّذِي يكتال به تكثر بركته بأن يجزئ منه العدد ما لا يجزئ ما كيل بغيره، أو

١٤١
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ حَرَمِ المُدِينَةِ حَرَسَهَا اللهُ تَعَالَى
يبارك في التصرف به على وجه التجارة بمعنى الإرباح، أو يريد به المكيل، فيكون
ذلك دعاؤه في كثرةٍ ثمارهم وغلاتهم، وأما البركةُ الدينية، فإنها بهذا الكيل يتعلَّق
كثير من العباداتِ من أداءِ زكاة الحبوب والفطر والكفارات. انتهى.
قلت: الأرجحُ عندنا هو ما قاله النووي، فإنه هو الظاهر من ألفاظ هَذَا
الحديث، وما ورد في معناه كما لا يخفى على المتأملِ. قال القرطبي: إذا وجدت
البركة فيها في وقتٍ حصلت إجابة الدعوة ولا يستلزم دوامها في كلِّ حينٍ، ولكلِّ
شخصٍ. والله أعلم.
G تنبيه:
قال الزرقاني: هل يختص الدعاء المذكور بالمد المخصوص بزمانه وليه أو يعم
كل مد تعارفه أهل المدينة في سائر الأعصار زاد أو نقص، وهو الظاهر؛ لأنه وَالد
أضافه إلى المدينة تارة وإلى أهلها أخرى، ولم يضفه إلى نفسه الزكية، فدلَّ على
عموم الدعوة لا على خصوصه بمدِّ النبيِّ وَجَّ كما أفادَهُ بعض العلماء. انتهى.
قلت: وإلى الخصوصِ يظهرُ ميل البُخَارِي حيثُ ترجم على حديثٍ أنسِ: أنَّ
رسولَ اللّهِ وَلَه قال: «اللَّهُمَّ بَارِكُ لَهُمْ فِي مِکْيَالِهِمْ وَبَارِكْ لَهُمْ فِي صَاعِهِمْ وَمُدِّهِمْ،
بلفظ: باب بركة صاع التَّبِي وَلّ ومده.
(اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ) عليه الصلاة والسلام. (عَبْدُلَكَ وَخَلِيلُكَ) كما قلت: ﴿وَأَّخَذَّ
اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [سورة النساء الآية ١٢٤]. (وَإِنِّي) أيضًا. (عَبْدُلَكَ وَنَبِيَُّكَ) لم يقل:
خليلك، مع أنه خليل كما صرَّح به في أحاديث عدة. قال الأبي: رعاية للأدبِ في
ترك المساواة بينه وبين آبائه الكرام. وقال الطيبي: عدم التصريح بذلك مع رعاية
الأدب أفخم. قال الزمخشري في قَوْلِه تعالى: ﴿يَلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضُِ
مِّنْهُم مَّن كَّمَ اَللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٥٤]. الظاهر: أنه أراد
محمدًاً وََّ، وفي هَذَا الإيهام من تفخيم فضله وَّر كما لا يخفى. وقد سُئل
الحطيئة عن أشعر الناس فقال: زهير والنابغة ولو شئت لذكرت الثالث - أراد نفسه
- ولو صرَّح به لم يفخم أمره.
(وَإِنَّهُ دَعَاكَ لِمَكَّةَ) أي: بقوله: ﴿فَأَجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِىّ إِلَيْهِمْ وَأَرْزُقْهُم مِّنَ
الثَّمَرَتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ (وَأَنَا) كذا في جميع نسخ ((المشكاة))، وهكذا عند

١٤٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الترمذي، وفي ((صحيح مسلم)) ((وَإِنِّي)) وهكذا في ((الموطأ)) و((جامع الأصول))
و((المصابيح)). (أَدْعُوَكَ) أي: أطلب منك. (لِلْمَدِينَةِ بِمِثْلِ مَا دَعَاَ لِمَكَّةَ وَمِثْلِهِ)
أي: بمثل ذلك المثل. (مَعَهُ) والمعنى بضعف ما دعا إبراهيم عليه الصلاة السلام،
ولفظ حديث أنس عند البُخَارِي كما سيأتي في الفصل الثالث: ((اللَّهُمَّ اجْعَلْ
بِالْمَدِينَةِ ضِعْفَيْ مَا جَعَلْتَ بِمَكَّةَ مِنَ الْبَرَكَةِ)) قال القاضي أبو محمد: في هَذَا دليل
على فضل المدينة على مكة؛ لأن تضعيف الدعاء لها إنما هو لفضلها على ما قصر
عنها .
قال الباجي: والذي عندي أن وجه الدليل من ذلك أن إبراهيم دعا لأهل مكة بما
يختصُّ بدنياهم فقال: ﴿وَأَرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَتِ﴾ [البقرة: ١٢٦] وأن النَّبِي ◌َّدعا لأهل
المدينة بمثل ذلك ومثله معه. فيحتملُ أن يريد به وبدعاء آخر معه وهو الأمر
آخرتهم، فتكونُ الحسنات تضاعف للمدينة بمثل ما تضاعف بمكة، فإنما معنى
فضيلة إحدى البقعتين على الأخرى في تضعيف الحسناتِ، ويحتمل أن يريد أن
إبراهيم أيضًا دعا لأهل مكة بأمر آخرتهم وعلم هو ◌َّ فدعا بمثل ذلك، وبمثله معه
فيعود إلى مثل ما قدمنا ذكره. ويحتمل أن يريد أن إبراهيم دعا لأهل مكة في
ثمراتهم ببركة قد أجابَ اللَّه دعاءه فيه، وأنه وَ ليل دعا لأهل المدينة في ثمراتهم أيضًا
بمثل ذلك ومثله معه، فلا يكون هَذَا دليلاً على فضل المدينة على مكة في أمر
الآخرةِ، وإنما يدلُّ على أنَّ البركة في ثمارِهم مثل البركة في ثمارٍ مكّة، إما لقربٍ
تناولها أو لكثرتها أو للبركة في الاقتيات بها أو ليوصل من يقتات بها في المدينة إلى
مثلي ما يتوصل به من يقتات في مكة بثمارها. انتهى.
وقال الحافظِ في شرح حديث أنس المذكور: أي: من بركة الدنيا بقرينة قوله في
حديث آخر ((اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا وَمُدِّنَا)) ويحتمل أن يريد ما هو أعمُّ من ذلك،
لكن يستثنى منه ما خرج بدليل، كتضعيف الصلاة بمكة على المدينة. واستدلَّ به
على تفضيل المدينة على مكة، وهو ظاهر من هذه الجهة، لكن لا يلزم من حصول
أفضلية المفضول في شيءٍ من الأشياء ثبوت الأفضلية له على الإطلاقِ، أما من
ناقض ذلك بأنه يلزم أنْ يَكُون الشام واليمن أفضل من مكّة؛ لقوله ◌َّ في الحديث
الآخر ((اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا)) وأعادها ثلاثًا، فقد تعقب بأنَّ: التأكيد لا يستلزم
التكثير المصرح به في حديث الباب. وقال ابن حزم: لا حُجة في حديث الباب

١٤٣
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ حَرَم المُدِينَةِ حَرَسَهَا اللهُ تَعَالَى
لهم؛ لأنَّ تكثير البركة بها لا يستلزم الفضل في أمور الآخرة؛ لأنَّ البركة أعم من
أن تكون في أمور الدين أو الدنيا؛ لأنَّهَا بمعنى النماء والزيادة إلى آخر ما قدمنا من
کلا مه. انتھی.
قال الأبي: ولا يعارض دعاءه بالبركة قوله في الحديث الآخر: ((أَصَابَهُمْ
بِالْمَدِينَةِ جَهْدٌ وَشِدَّةٌ))؛ إذ لا منافاة بين ثبوت الشدة وثبوت البركة فيها وتخلفها عن
البعض لا يضر بها، كذا أجابَ شيخنا، والأظهر: أن البركة في تحصيل القوت،
وأن المد بها يشبع ثلاثة أمثاله بغيرها، فتكون الشدة في تحصيل المد، والبركة في
تضعيف القوت به. قال الزرقاني: ولعلَّ الأظهرَ جوابُ شيخِهِ وهو ابن عرفة.
انتهى. وقد تقدَّم كلام القرطبي أنه إذا وجدت البركة فيها في وقت حصلت إجابة
الدعوة، ولا يستلزم دوامها في كل حين ولكل شخص.
(ثُمَّ قَالَ) أي: أبو هريرة. (يُدْعَوْ) أي: التَّبِي ◌ََّ بعد الفراغ من الدعاء، وفي
((صحيح مسلم)): ((قَالَ: ثُمَّ يَدْعُو)) وهكذا في ((المصابيح) و((جامع الأصول))
والترمذي، ولفظ ((الموطأ)): (ثُمَّ يَدْعُو)) أي: بدون لفظة ((قَالَ)). (أَصْغَرَ وَلِيدٍ) أي:
مولود، فعيل بمعنى مفعول. (لَهُ) يعني: أصغر طفل من أهل بيتهِ، وفي رواية
المسلمٍ: ((ثُمَّ يُعْطِيهِ أَصْغَرَ مَنْ يَحْضُرُهُ مِنَ الْوِلْدَانٍ)). وللتِّرْ مِذِيِّ و((الموطأ)): ((أَصْغَر
وَلِيدًا يَرَاه)). قال القاري: التَحْقِيق أن الروايتين يعني الرواية المطلقة والمقيدة
محمولتان على الحالتين، والمعنى: أنه إذا كان عنده أو قريبًا منه وليد له أعطاه أو
وليد آخر من غير أهله أعطاه، إذ لا شك أنهما لو اجتمعا لشارك بينهما، نعم إذا لم
يكن أحد حاضرًا عنده فلا شبهة أنه ينادي أحدًا من أولاد أهله لأنه أحق ببره من
غيره.
(فَيُعْطِيَهُ) أي: الولد. (ذَلِكَ الثَّمَرَ) قال الباجي: يحتمل أن يريد بذلك عظم
الأجر في إدخال المسرة على من لا ذنب له لصغره؛ فإنَّ سرورَهُ به أعظم من سرورٍ
الكبيرِ. وقال أبو عمر: فيه من الآدابِ وجميل الأخلاق إعطاء الصغير وإتحافه
بالطرفة؛ لأنَّهُ أولى من الكبير؛ لقلة صبره ولفرحه بذلك. وقال عياض: تخصيصه
أصغر وليد يحضره؛ لأنَّهُ ليس فيه ما يقسم على الولدان، وأما من كبر منهم، فإنه
يتخلَّق بأخلاقِ الرجالِ في الصبرِ ويلوح لي أنه تفاؤل بنماءِ الثمارِ وزيادتها؛ لدفعها

١٤٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
لمن هو في سنِّ النماءِ والزيادةِ كما قيل في قلب الرداء للاستسقاء، وقيل: إنما
خصهم بذلك للمناسبة الواقعة بين الولدان وبين الباكورة؛ لقربهما من الإبداع
أي: حدثان عهدهما بالإبداع. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا مالك في كتاب ((الجامع
من الموطأ)) والترمذي في الدعوات.
٢٧٥٧ - [٥] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ وَِّ قَالَ: ((إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ
مَكَّةَ فَجَعَلَهَا حَرَامًا، وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةً حَرَامًّا مَا بَيْنَ مَأْزِمَيْهَا، أَنْ لَا يُهْرَاقَ
فِيهَا دَمٌ، وَلَا يُحْمَلَ فِيهَا سِلَاحٌ لِقِتَالٍ، وَلَا تُخْبَطَ فِيهَا شَجَرَةٌ إِلَّا لِعَلَّفٍ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشرح
٢٧٥٧ - قوله: (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ) الخدري. (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ
وَالسَّلاَمُ). (حَرَّمَ مَكَّةَ) أي: أظهر تحريمها . (فَجَعَلَهَا حَرَامًا) أي: بين كونها حرمًا.
وقال في ((اللمعات)): نسبة التحریم إلى إبراهيم باعتبار دعائه وسؤاله ذلك، فلا
ينافي ما سبق في حرم مكة من قوله: ((إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ))، وقد
تقدَّم الكلامِ في ذلك بالبسطِ والتفصيلٍ في شرح حديث ابن عباس أول أحاديث
باب حرَّم مكّة. وقوله: ((حَرَامًا)) كذا في (المشكاةٍ)) و((المصابيحِ))، وهكذا وقعَ فِي
((جامع الأصولِ)) والْبَيْهَقِيِّ، وفي نسخِ مسلمِ الموجودة عندنا ((حَرَمًّا)). (وَإِنِّي
حَرَّمْتُّ الْمَدِينَةَ حَرَامًا مَا بَيْنَ مَأْزِمَيْهَا) حرامًا نُصب على المصدر، إما ((حرمت))
على غيرِ لفظِهِ، أو على حذف الزوائد، أي: لفعلٍ مقدَّر، والتقديرُ: إني حرمتُ
المدينةَ فحرمت حرامًا، ومثله قوله - سبحانه وتعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَّكُمْ مِّنَ الْأَرْضِ ◌َبَانًا
( [نوح: ١٧] وما بين مأزميها يكون بدلاً عنها، ويحتمل أنْ يَكُون ((حَرَامًا)) مفعولًا
ثانيًا لفعل محذوف ((مَا بَيْنَ مَأْزِمَيْهَا)) مفعولًا أول، والتقدير: وجعلت ما بين
مأزميها حرامًا، والمأزم بهمزة بعد الميم وبكسر الزاي وهو الجبل، وقيل:
(٢٧٥٧) مُسْلِم (١٣٧٤/٤٧٥) فِي الحَجِّ، وَالنَّسَائِي في ((الكبرى)) (٤٢٧٦) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَهُوَ لَهُمَا
فِي الَّذِي قَبْلَهُ بِنَحْوِهِ.

كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ حَرَمِ المَدِينَةِ حَرَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى
CKi
Ex
١٤٥
المضيق بين الجبلين ونحوه والأول هو الصواب هنا ومعناه ما بين جبليها، قاله
النووي .
(أَنْ لَا يُهْرَاقَ) بسكونِ الهاء وتفتح، أي: بأن لا يراق. (فِيهَا دَمٌ)؛ لأن إراقة دم
المسلم فيها أقبح من غيرها، قيل: إن قوله: ((أَنْ لَا يُهْرَاقَ)) وقع موقع التفسير لما
حرم كأنه قال: هو أن لا يهراق بها دم وليس من المفعولية في شيء؛ إذ لو كان
متعلقًا لقوله: ((إِنِّي حَرَّمْتُ)) لكان من حقِّهِ أن يقولَ: أن يهراق بها دم، وقيل: إنه
مفعول ((حَرَّمْتُ)) على زيادة ((لَا)) مثل (لئلا يعلم أهل الكتاب)). أي: لكي يعلم، أو
على المفعول له، أي: لئلا يهراق. قال القاري: والمراد من نهي إراقة الدم النهي
عن القتال المفضي إلى إراقة الدم؛ لأنَّ إراقة الدم الحرام ممنوع عنه على
الإطلاقِ، والمباحُ منه لم نجد فيه اختلافًا يعتد به عند العُلَمَاء إلا في حَرَم مكة،
وقيل: لا يسفك دمٌّ حرامٌ؛ لأنَّ سفك الدم الحرام في مكة والمدينة أشد تحريما،
وقوله: (وَلَا يُحْمَلَ فِيهَا سِلَاحٌ) بكسر السين. (لِقِتَالِ) يؤيد القول الثاني؛ لأنَّ
التأسيسَ أولى من التأكيد. (وَلَا تُخْبَطَ) بالتأنيث والتذكير. (فِيهَا شَجَرَةٌ) أي: لا
تضرب ليسقط أوراقها. (إِلَّا لِعَلْفٍ) قال النووي: هو بإسكان اللام وهو مصدر
علفت علفًا، وأما العلف بفتح اللام فاسم للحشيش والتبن والشعير ونحوها، وفيه
جواز أخذ أوراق الشجر للعلف وهو المراد هنا بخلاف خبط الأغصان وقطعها،
فإنه حرام.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) مطولًا، وكذا البيهقي (ج٥: ص ٢٠١).
*

١٤٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٧٥٨ - [٦] وَعَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ: أَنَّ سَعْدًا رَكِبَ إِلَى قَصْرِهِ بِالْعَقِيقِ،
فَوَجَدَ عَبْدًا يَقْطَعُ شَجَرًا - أَوْ يَخْبِطُهُ - فَسَلَبَهُ، فَلَمَّا رَجَعَ سَعْدٌ جَاءَهُ أَهْلُ
الْعَبْدِ، فَكَلَّمُوهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَى غُلَامِهِمْ - أَوْ عَلَيْهِمْ - مَا أَخَذَ مِنْ غُلَامِهِمْ، فَقَالَ:
مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ أَرُدَّ شَيْئًا نَقَّلَنِيهِ رَسُولُ اللّهِ وََّ، وَأَبَى أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ.
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشرح
٢٧٥٨- قوله: (وَعَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ) أي: ابن أبي وقاص أحد العشرة
المبشرة. (أَنَّ سَعْدًا) هو أبوه. (رَكِبَ إِلَى قَصْرِهِ بِالْعَقِيقِ) اسم موضع قريب من
المدينة، وقال ابن حجر: قريب من ذي الحليفة، فكأنه من طرفها. (يَقْطَعُ شَجَرًا)
أي: شجر حرم المدينة. (أَوْ يَخْبِطُهُ) بكسر الباء، أي: يخبط ورق شجر بضرب أو
رمي جحر. (فَسَلَبَهُ) أي: أخذ ثيابه، والسلب بفتحتين المسلوبِ. (فَلَمَّا رَجَعَ
سَعْدٌ) أي: إلى المدينة. (أَوْ عَلَيْهِمْ) شكٍ من الراوي. (مَعَاذَ اللَّهِ) بفتح الميم
مصدر لفعل مقدر أي: أعوذ بالله معاذًا. (نَفَّلَنِيهِ) بتشديد الفاء، أي: جعله لي نفلاً
بالتحريك أو أعطانيه نفلاً أي: غنيمة بإذنه لكلِّ مَن رأى صائدًا أو قاطع شجر أن
يأخذ سلبه. (وَأَبَى أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ) قال النووي: هَذَا الحديث صريح في الدلالة
لمذهب مالك والشافعي وأحمد والجماهير في تحريم صيد المدينة وشجرها كما
سبقَ، وخالف فيه أبو حنيفة كما قدمناه عنه، وقد ذكر مسلم في (صَحِیچِه)) تحريمها
مَرْفُوعًا عن النبيِّ وََّ مِن رواية علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وأنس بن
مالك وجابر بن عبد الله وأبي سعيد وأبي هريرة وعبد الله بن عبيد ورافع بن خديج
وسهل بن حنيف وذكر غيره من رواية غيرهم أيضًا، فلا يلتفت إلى مَن خالف هذه
الأحاديث الصحيحة المستفيضة. وفي هَذَا الحديث: دلالة لقول الشافعي القديم
أن من صاد في حرم المدينة أو قطع من شجرها؛ أخذ سلبه، وبهذا قال سعد بن أبي
وقاص وجماعة من الصَّحَابَة ◌ُّه. قال القاضي عياض: ولم يقل به أحد بعد
(٢٧٥٨) مُسْلِم (١٣٦٤/٤٦١) عَنْهُ.

كِتَابُ النَّاسِكِ
بَابَ حَرَمِ المَدِينَةِ حرَسَهَا الله تعالى
١٤٧
الصَّحَابَة إلا الشافعي في قَوْلِه القديم وخالفه أئمة الأمصار.
قلت - قائله النووي: ولا تضر مخالفتهم إذا كانت السنة معه، وهذا القول
القديم هو المختار؛ لثبوت الحديث فيه وعمل الصَّحَابَة على وفقه، ولم يثبت له
دافع. قال أصحابنا: فإذا قلنا بالقديم، ففي كيفية الضمان وجهان: أحدهما:
يضمن الصيد والشجر والكلأ كضمان حرم مكة، وأصحهما وبه قطع جمهور
المفرعين على هَذَا القديم: أنه يسلب الصائد وقاطع الشجر والكلأ، وعلى هَذَا في
المراد بالسلب وجهان: أحدهما: أنه ثيابه فقط، وأصحهما وبه قطع الجمهور: أنه
كسلب القتيل من الكفار، فيدخل فيه فرسه وسلاحه ونفقته وغير ذلك مما يدخل
في سلبِ القتيل، وفي مصرف السلب ثلاثة أوجه لأصحابنا، أصحها: أنه للسالب
وهو الموافق لحديث سعدٍ، والثاني: أنه لمساكين المدينة، والثالث: لبيت
المال، وإذا سلب؛ أخذ جميع ما عليه إلا ساتر العورة، وقيل: يؤخذ ساتر العورة
أيضًا، قال أصحابنا: ويسلب بمجرد الاصطياد سواء أتلف الصيد أم لا. انتهى.
هذا؛ وقد تقدم أن حدیث تحریم المدينة وحديث السلب منسوخ أو مؤول عند
الحنفية، وتقدم الجواب أيضًا عن ذلك. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخْرَجَه أيضًا أَحْمَد (ج ١ :
ص ١٦٨، ١٧٠) والْبَيْهَقِي (ج ٥ : ص ١٩٩) وأخرج أَبُو دَاوُد والْحَاكِم (ج١ : ص
٤٨٦) والْبَيْهَقِي أيضًا (ج٥: ص ١٩٩) نحوه.
٢٧٥٩ - [٧] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ عَلِ الْمَدِينَةَ
وُعِكَ أَبُو بَكْرٍ وَبِلَالٌ، فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ بِلِ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ حَبِّبْ
إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ،َ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ، وَصَحِّحْهَا، وَبَارِلْكْ لَنَا فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا،
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
وَانْقُلْ حُمَّاهَا، فَاجْعَلْهَا بِالْجُحْفَةِ)).
الشرح
٢٧٥٩ - قوله: (لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لِ الْمَدِينَةَ) في الهجرة يوم الاثنين لثنتي
(٢٧٥٩) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٨٨٩)، ومُسْلِم (٤٨٠/ ١٣٧٦) فِي الحَجِّ عَنْ عَائِشَةَ رًُّْا .

١٤٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
عشرة خلت من ربيع الأول في أحد الأقوال؛ قاله الزرقاني، وفي رواية البُخَارِي
في آخر الحج: قالتْ: وقدمنا المدينةَ وهي أوبأ أرضِ اللهِ. بالهمز بوزن أفعل من
الوباء والوباء مقصور بهمز وبغير همز وهو المرض العام. وقد أطلق بعضهم على
الطاعون أنه وباء؛ لأنَّهُ من أفراده لكن ليس كل وباء طاعونًا. قال الحافظ: الوباء
أعم من الطاعون، وحقيقته مرض عام ينشأ عن فساد الهواء، وقد يسمى طاعونًا
بطريق المجاز. وفي رواية مسلم: ((قدمنا المدينة وهي وبيئة)). بهمزة ممدودة
یعنی : ذات وباء.
قال الحافظ: وما كان وباء المدينة إلا حُمَّى كما هو مبين في حديث عائشة.
قال: وزادَ محمد بن إسحاق في ڕِوَایَتِه عن هشام بن عروة قال هشام: وكان وباؤها
معروفًا في الجاهليةِ، وكان الإنسان إذا دخلها وأراد أن يسلم من وبائها قيل له:
انهق، فينهق كما ينهق الحمار وفي ذلك يقول الشاعر:
لِعَمْرِي لَئِنْ غَنَّيْتُ مِنْ خِيفَةِ الرِّدَى نَهِيقَ حِمَارٍ إِنَّنِي لَمُرَوَّعُ
انتھی .
قال عياض: قدومه وَّي على الوباء مع صحة نهيه عنه؛ لأنَّ النهي إنما هو في
الموت الذريع والطاعون، والذي بالمدينة إنما كان وخمًا يمرض بسببه كثير من
الغرباء، يعني: أن المنهي عنه إنما هو في القدوم على الوباء الذريع والطاعون، وما
كان بالمدينة ليس كذلك، وإنما كان مجرد حُمَّى تشتد وتطول مدتها بالنسبة إلى
الغرباء ولا يغلب الموت بسببها .
قال عياض: أو أن قدومه المدينة كان قبل النهي؛ لأن النهي كان في المدينة بعد
استيطانها. انتهى. وقال الحافظ: لا يعارض قدومه على المدينة، وهي بهذه الصفة
نهيه وَّر عن القدوم على الطاعون؛ لأن ذلك قبل النهي، أو أن النهي يختص
بالطاعون ونحوه من الموت الذريع لا المروض لو عم.
(وُعِك) بضم الواو وكسر العين على صيغة المجهول، أي: أصابه الوعك وهو
الحمى، وقيل: هو مغث الحُمَّى وهو ممارستها المحموم حتى تصرعه. (أَبُو بَكْرٍ)
الصديق. (وَبِلَالٌ) وغَيْرِهما كما سيأتي. قال الحافظ في حديث البراء عند البُخَارِي
في الهجرة: أنَّ عائشة أيضًا وعكت، وكان وصولها إلى المدينة مع آل أبي بكر

كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
erta Bax:
بَابُ حَرَم المُدِينَةِ حَرَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى
١٤٩
هاجر بهم أخوها عبد الله وخرج زيد بن حارثة وأبو رافع ببنتي النَّبِي ◌َّ فاطمة وأم
كلثوم وأسامة بن زيد وأمه أم أيمن وسودة بنت زمعة، وكانت رقية بنت النَّبِي ◌ِّ
سبقت مع زوجها عثمان، وأخرت زينب وهي الكبرى عند زوجها أبي العاص بن
الربيع.
قال الزرقاني: وعند النسائي وَابْن إسحاق عن هشام عن أبيه عنها: لما قدم
رسول اللّهُ وَّهِ وهي أوبأ أرض الله أصاب أصحابه منها بلاء وسقم، وصرفَ اللهُ
ذلك عن نبيه، وأصابت أبا بكر وبلالًا وعامر بن فهيرة، فاستأذنت رسول اللّه وَله
في عيادتهم، وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب، فأذن لي فدخلت عليهم وهم في
بیت واحد .
(فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ فَأَخْبَرْتُهُ) أي: بما صدرَ عن أبي بكرٍ رَضُِّلَّهُ حين قلت له: يا
أبت كيف تجدك وقد أخذته الحمى يقول:
كُلُّ امْرِئٍ مُصْبِحٌ فِي أَهْلِهِ وَالْمَوَتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ
وبما قال بلالٌ: إذ أقلعَ عنه الحمى يرفعُ صوتَهُ فيقول:
أَلَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِتَنَّ لَيْلَةً
بِوَادٍ وَعِنْدِي إِذْخَرٌ وَجَلِيلُ
وَهَلْ تَبْدُوَنْ لِي شَامَةٌ وَطَفِيلُ
وَهَلْ أَرِدَنْ يَوْمًا مِيَاهَ مَجِنَّةٍ
قال ابن عبد البرِّ: إذخر وجليل: نبتان من الكلأ طيب الرائحة يكونان بمكة
وأوديتها، لا يكادان يوجدان في غيرها، وقيل: الجليل: نبت ضعيف صفراء
يحشى بها خصاص البيوت وغيرها، ومجنة: بفتح الميم وكسر الجيم وتشدید
النون، موضع بأعلى مكة على أميالٍ كان يقام للعرب بها سوق وبعضهم يكسر
ميمها والفتح أكثر، وهي زائدة، وشامة وطفيل: جبلان على نحو ثلاثين ميلًا من
مكة في وجهة اليمن، وقيل: جبلان مشرفان على مجنة على بريدين من مكة،
وقيل: عينان عندها. قال الزرقاني: وجمع باحتمال أن العَيْنِين بقرب الجبلين أو
فيهما، وحاصل ما قال بلال: أنه كان يذكر مكة وصحة هوائها وعذوبة مائها
ولطافة جبالها ونباتها ونفحة رياح نباتها الَّذِي بمنزلة بناتها وأبنائها. وعند ابن
إسحاق: فذكرت ذلك فقلت: يا رسول الله إنهم ليهذون وما يعقلون من شدةٍ
الحمى .

aceiNt
١٥٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(اللَّهُمَّ حَبِّبْ) بصيغة الأمر من التحبيب. (الْمَدِينَةَ) بالنصب على المفعولية.
(كَحُبِّنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَ) من حب مكة أيضًا. قال الزرقاني: فاستجاب الله دعاءه،
فكانت أحب إليه من مكة كما جزم به بعضهم، وكان يحرك دابته إذا رأى المدينة
من حبها. انتهى. وقال القاري: أو أشد، أي: بل أكثر وأعظم، ويؤيده أنه في
رواية: ((وَأَشَدُّ) قال: ولا ينافي هَذَا ما سبق أنه - عليه الصلاة والسلام - قال لمكّة:
((إِنَّكِ أَحَبُّ الْبِلَادِ إِليَّ وَإِنَّكِ أَحَبُّ أَرْضِ اللهِ إِلَى اللهِ)). وفي روايةٍ: ((لَقَدْ عَرَفْتُ
أَنَّكِ أَحَبُّ الْبِلَادِ إِلَى اللَّهِ وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللَّهِ)). فإنَّ المراد به المبالغة أو لأنه لما
أوجب الله على المهاجرين مجاورة المدينة وترك التوطن والسكون بمكة؛ طلب
من الله أن يزيد محبة المدينة في قلوبٍ أصحابهِ؛ لئلا يميلوا بأدنى الميل غرضًا به،
إذ المراد بالمحبة الزائدة الملاءمة لملاذ النفس ونفي مشاقها لا المحبة المرتبة على
كثرة المثوبة فالحيثية مختلفة، ويؤيد ما قرَّرناه.
قوله: (وَصَحِّحْهَا) أي: المدينة من الوباء. قال القاري: أي: اجعل هواءها
وماءها صحيحًا. (وَبَارِْ لَنَا فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا) تقدم الكلام على هَذا. قال
الزرقاني: فاستجابَ الله تعالى دعاءَهُ، فطيب هواءها وترابها ومساكنها والعيش
بها. قال ابن بطال وغيره: من أقامَ بها؛ يجد من تربها وحيطانها رائحة طيبة لا تكاد
توجد في غيرها. قَالَ بَعْضُهُم: وقد تكرَّر دعاؤه بتحبيبها والبركة في ثمارها.
والظاهر: أنَّ الإجابة حصلت بالأول والتكرير؛ لطلب المزيد. (وَانْقُلْ) أي:
حول. (حُمَّاهَا) أي: وبائها وشدتها وكثرتها. (فَاجْعَلْهَا بِالْجُحْفَةِ) بضم الجيم
وسكون الحاء أحد المواقيت المشهورة، وقد تقدَّم ذكرها في حديث المواقيت.
قال الخطابي وغيره: كان ساكنو الجحفة في ذلك الوقت يهودًا، وهم أعداء
الإسلام والمسلمين، ولذا توجَّه دعاؤه ◌َّ عليهم، ففيه: جواز الدعاء على الكفارِ
بالأمراض والهلاك وللمسلمين بالصحة وطيب بلادهم والبركة فيها وكشف الضر
والشدائد عنهم، وفيه: إظهار معجزة عجيبة، فإنها من يومئذ وبيئة لا يشرب أحد
من مائها إلا حُمَّ ولا يمر بها طائر إلا حُمَّ وسقط.
وقال عياض: فيه معجزةٌ لَهُ وَِّ، فإنَّ الجحفة من يومئذٍ وبيئة وخمة لا يشرب
أحد من مائها إلا حُمَّ، أي: من الغرباءِ الداخلين عليها. قال السمهودي:
والموجود الآن من الحمى بالمدينة ليس حمى الوباء، بل رحمة ربنا ودعوة نبينا

١٥١
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ حَرَمِ المُدِينَةِ حَرَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى
للتكفير. قال: وفِي الحَدِيث: ((أَصَحُّ الْمَدِينَةِ مَا بَيْنَ حَرَّةِ بَنِي قُرَيْظَةَ وَالْعَرِيضِ)) وهو
يؤذن ببقاء شيء منها بها، وأن الَّذِي نقل عنها أصلًا ورأسًا سلطانها وشدتها ووباءها
وكثرتها بحيث لا يعد الباقي بالنسبة إليه شيئًا. قال: ويحتمل أنها رفعت بالكلية ثم
أعيدت خفيفة؛ لئلا يفوت ثوابها كما أشار إليه الحافظ ابن حجر، ويدلُّ له ما روى
أحمد برِجَال الصَّحِيح وأبو يعلى وَابْن حِبَّن فِي ((صَحِيحِه)) والطََّرَاني عن جابر:
اسْتَأْذَنَتِ الْحُمَّى عَلَى رَسُولِ اللَّهِ بِهِ، فَقَالَ: ((مَنْ هَذِهِ؟)) قَالَتْ: أُمُّ مِلْدَم. فأمرَ بِهَا
إلى أَهلِ قِبَاء، فَبَلَغُوا مَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّ اللَّهُ فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَيْهِ، فَقَالٍ: ((مَا شِئْتُّ؟ إِنْ شِئتم
دَعَوْتُ اللهَ لِيَكْشِفَهَا عَنْكُمْ، وَإِنْ شِئْتُمْ تَكُونُ لَكُمْ طَهُورًا))، قالُوا: أَوَ تَفْعَلِ؟ قَالَ:
((نَعَمْ))، قالُوا: فَدَعْهَا. انتهى.
قال الحافظ: وقد استشكل بعض الناس الدعاء برفع الوباء؛ لأنَّهُ يتضمن الدعاء
برفع الموت، والموت حتم مقضي، فيكون ذلك عبثًا، وأجيب: بأن ذلك لا ينافي
التعبد بالدعاء؛ لأنَّهُ قد يكون من جملة الأسباب في طول العمر أو رفع المرض،
وقد تواترت الأحاديث بالاستعاذة من الجنون والجذام وسيئ الأسقام ومنكرات
الأخلاق والأهواء والأدواء، فمن ينكر التداوي بالدعاء؛ يلزمه أن ينكر التداوي
بالعقاقير ولم يقل بذلك إلا شذوذ والأحاديث الصحيحة ترد عليهم، وفي الالتجاءِ
إلى الدعاء مزيد فائدة ليست في التداوي بغيره؛ لما فيه من الخضوع والتذلل للربِّ
- سبحانه -، بل منع الدعاء من جنس ترك الأعمال الصالحة اتكالًا على ما قدر،
فيلزم ترك العمل جملة، ورد البلاء بالدعاء كرد السهم بالترس وليس من شرط
الإيمان بالقدر أن لا يتترس من رَمْي السهم. والله أعلم.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجَهُ البخاريُّ في آخر الحجِّ وفي الهجرة وفي المرضى، ومُسْلِم
في الحج، وأخرجَهُ أيضًا مالك في كتاب ((الجامع)) والتَّسَائِي في الطب.

١٥٢
e98
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٧٦٠ - [٨] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ فِي رُؤْيَا النَّبِيِّ ◌َهِ فِي الْمَدِينَةِ:
((رَأَيْتُ امْرَأَةً سَوْدَاءَ ثَائِرَةَ الرَّأْسِ، خَرَجَتْ مِنَ الْمَدِينَةِ حَتَّى نَزَلَتْ مَهْيَعَةَ
فَتَأَوَّلْتُهَا: أَنَّ وَبَاءَ الْمَدِينَةِ نُقِلَ إِلَّى مَهْيَعَةَ)) وَهِيَ الْجُحْفَةُ.
[رَوَاهُ البُخَارِيُّ] {صحيح}
الشرح
٢٧٦٠ - قوله: (وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ فِي رُؤْيَا النَّبِيِّ بَهِ فِي الْمَدِينَةِ: رَأَيْتُ
امْرَأَةَ سَوْدَاءَ) قَالَ الطيبي: أي: قال في حديث رؤيا الَّبِي ◌َّ في شأنِ المدينةِ:
رأيتُ، فيكون رأيت، حكايةَ ابن عمر عن رسولِ اللهِ وَلَه انتهى. وقال الحافظ:
قوله: (رأيتُ) حذف منه (قال) خطأ والتقدير: (قالَ رأيتُ) وثبتَ في روايةٍ
الإسماعيليِّ عن الحسنِ بنِ سفيان عن المقدمي شيخ البُخَارِي فيه، ولفظه عن رُؤیا
رسولِ اللهِ لَّه في المدينةِ، قالَ رسولُ اللهِ وَال ◌ٍ ... إلخ.
(ثَائِرَةَ الرَّأْسِ) أي: منتشرة شعر الرأس من ثارَ الشيء إذا انتشرَ، وفي رواية عند
أحمد وأبي نعيم: ((ثَائِرَةَ الشَّعْرِ)» والمراد: شعر الرأس، وزاد: تَفِلَة. بفتحِ المثناةِ
وكسر الفاء بعدها لام، أي: كريهة الرائحة. (خَرَجَتْ مِنَ الْمَدِينَةِ) بدعائِهِ وَله .
(حَتَّى نَزَلَتْ مَهْيَعَةَ) بفتح الميم وسكون الهاء بعدها ياء آخر الحروف مفتوحة ثم
عين مهملة، وقيل: بوزن عظيمة يقال: أرض مهيعة أي: مبسوطة واسعة، وقوله
(مهيعة)) كذا في ((المشكاة)) و((المصابيح))، ولفظ البخاري: ((بِمَهْيَعَةَ)) أي: بزيادة
حرف الجار في أولها، قال القسطلاني ولابن عساكر: ((مهيعة)) بإسقاطِ الموحدةِ.
(فَتَأَوَّلْتُهَا) ولأبي ذر عن الكشميهني ((فَأَوَّلْتُهَا)) بإسقاط الفوقية بعد الفاءِ،
والتأويل تفسير الشيء بما يؤول إليه. (أَنَّ وَبَاءَ الْمَدِينَةِ نُقِلَ إِلَى مَهْيَعَةَ) قال القاري:
يقال: أرض مهيعة أي: مبسوطة، وبها كانت تعرف فلما ذهب السيل بأهلها سميت
جحفة، فقوله: (وَهِيَ الْجُحْفَةُ) تفسير من بعض الرواة. وقال الحافظ: وأظن
(٢٧٦٠) البُخَارِي (٧٠٣٩)، وَالتِّرْ مِذِي (٢٢٩٠)، وَالنَّسَائِي في ((الكبرى)) (٧٦٥١)، وَابن مَاجَهْ
(٣٩٢٤)، كُلُّهُمْ فِي التَّعِيرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَا.

كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ حَرَمِ الْمُدِينَةِ حَرَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى
١٥٣
قوله: (وَهِيَ الْجُحْفَةُ) مدرجًا من قول موسى بن عقبة أي: راوي الحديث عن سالم
ابن عبد اللَّه عن أبيه، فإن أكثر الروايات خلا عن هذه الزيادةٍ، وثبتت في رواية
سليمان وَابْن جريج عن موسى بن عقبة. انتهى. وهذه الرؤيا كما قاله المهلب من
قسم الرؤيا المعبرة، وهي مما ضرب به المثل، ووجه التمثيل أنه شق من اسم
السوداء السوء والداء، فتأول خروجها بما جمع اسمها، وتأول ثوران شعر رأسها أن
الَّذِي يسوء ويثير الشر يخرج من المدينة، وقيل: لما كانت الحمى مثيرة للبدن
بالاقشعرار وارتفاع الشعر عبر عن حالها في النوم بارتفاع شعر رأسها، فكأنه قيل :
الَّذِي يسوء ويثير الشر يخرج من المدينة.
قال الزرقاني بعد ذكر هَذَا الحديث: ولا مانع من تجسم الأعراض خرقًّا للعادة
ليحصل لهم الطمأنينة لإِخراجها وفي رواية: قدم إنسانٌ من طريقٍ مكّة فقال له
النَّبِي وَلَهُ: (هَلْ لَقِيتَ أَحَدًّا؟)) قال: لا إلا امرأة سوداء عريانة، فقال ◌َّ: (تِلْكَ
الْحُمَّى وَلَنْ تَعُودَ بَعْدَ الْيَوْم)). قال السمهودي: والموجود الآن بالحمى بالمدينة
ليس حمى الوباء، بل رحمة ربنا، إلى آخر ما تقدم من كلامه.
(رَوَاهُ البُخَارِيُّ) في الرؤيا، وأخْرَجَه أيضًا أَحْمَد والترمذي والنَّسَائِي وَابْن ماجه
في الرؤيا.

١٥٤
ess
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٧٦١ - [٩] وَعَنْ سُفْيَانَ بْنِ أَبِي زُهَيْرِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ
يَقُولُ: ((يُفْتَحُ الْيَمَنُ، فَأْتِي قَوْمٌ يَبِسُّونَ، فَيَتَخَّعَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ،
وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَّمُونَ، وَيُفْتَحُ الشَّامُ، فَيَأْتِي قَوْمٌ يَبِسُونَ
فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ، وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ،
وَيُفْتَحُ الْعِرَاقُ، فَيَأْتِي قَوْمٌ يَبِسُونَ، فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ، وَالْمَدِينَةُ
خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ».
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
· الشرح
٢٧٦١ - قوله: (وَعَنْ سُفْيَانَ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ) بضم الزاي المعجمة وفتح الهاء
مصغرًا الأزدي الشنوي من أزد شنوءة بفتح المعجمة وضم النون وبعد الواو همزة
مفتوحة، وفي النسبِ كَذَلِك، وقيلَ: بفتح النون بعدها همزة مكسورة بلا واوٍ،
ويقالُ فيه: النمري؛ لأنَّه من ولدِ النمر بن عُثمان، صحابي نزل المدينة، له خمسة
أحاديث، اتفقا على حديثين: أحدهما: في اقتناء الكلب رواه عنه السائب بن يزيد.
والآخر: في فضلِ المدينةِ رواه عنه عبد الله بن الزبير وهو الَّذِي نحنُ في شرحِهِ،
ورواية ابنُ الزبير والسائب بن يزيد عنه تدلّ على جلالته وقدم مرتبته، قيل: اسم
أبيه أبي زهيرِ القَرِد بفتح القاف وكسر الراء بعدها مهملة، ولذا يقالُ له: ابن القَرِد،
وقيل: اسم أبيه: نمير.
(يُفْتَحُ) بالتذكير والتأنيث مبنيًّ للمفعول. (الْيَمَنُ) نائب الفاعل، وسمي اليمن؛
لأنَّهُ عن يمين القبلة أو عن يمين الشمس أو بيمن بن قحطان، وقوله: ((يُفْتَحُ الْيَمَنُ))
إلخ، كذا وقع في رواية للشيخين البداءة بذكر اليمن ثم ذكر الشام ثم العراق، لكن
عند مسلم بلفظة: (ثُم)) وعند البُخَارِي بالواو، ووقع في رواية وكيع عن هشام عن
أبيه عنِ ابنِ الزبيرِ عند مسلمٍ البداءة بذكر الشام، ثم ذكر اليمن، ثم العراق مرتبًا
بلفظةٍ ثُم، والأرجح ما وقعَ في البخاريِّ. قال الزرقاني: هَذَا من أعلام نبوته وَلـ
حيث أخبر بفتح هذه الأقاليم، وأن الناس يتحملون بأهليهم، ويفارقون المدينة،
(٢٧٦١) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (١٨٧٥)، ومُسْلِم (١٣٨٢/٤٩٧) فِي الحَجِّ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ .

كِتَابِ الْمُنَاسِكِ
بَابُ حَرَمِ المدينةِ حرمها الله ثغاز
١٥٥
فكان ما قاله على ترتيب ما قال لكن في رواية لمسلم وغيره: تفتحُ الشامُ، ثم
اليمن، ثم العراق، والظاهر: أن اليمن قبل الشام للاتفاق على أنه لم يفتح شيء من
الشام في الزمن النبوي فرواية تقديم الشام على اليمن، معناها: أن استيفاء فتح
اليمن إنما كان بعد الشام. انتهى.
وقال ابن عبد البر: افتتحت اليمن في أيام النَّبِي بََّ، وفي أيام أبي بكر،
وافتتحت الشام بعدها والعراق بعدها، وفي هَذَا الحديث علم من أعلام النبوة،
فقد وقع على وفق ما أخبر به النَّبِي ◌َّ وعلى ترتيبه، ووقع تفرق الناس في البلاد بما
فيها من السعة والرخاء ولو صبروا على الإقامة بالمدينة لكان خيرًا لهم، وفي هَذَا
الحديث فضل المدينة على البلاد المذكورة وهو أمر مجمع عليه، وفيه دليل: على
أن بعض البقاع أفضل من بعضٍ، ولم يختلف العُلَمَاء في أن للمدينة فضلًا على
غيرها، وإنما اختلفوا في الأفضلية بينها وبين مكة، كَذَا فِي ((الفَتْح)).
(فَيَأْتِي قَوْمٌ) من أهل المدينة. قال القاري: أي: فيذهبون إلى اليمن، فيعجب
بعضًا بلادهم وهيئة عيشهم فيحملهم على المهاجرة إليها بأنفسهم وأهاليهم فيأتون.
(يَبِسُونَ) بفتح التحتية وكسر الموحدة وتشديد المهملة، وعن ابن القاسم بضم
الموحدة، فهو من باب ضرب ونصر ثلاثيًا، ويقال: أيضًا بضم التحتية وكسر
الموحدة من الثلاثي المزيد، فحصل في ضبطه ثلاثة أوجه يقال: أبسست الدابة
وبسستها أي: سقتها يعني: يسوقون دوابهم إلى المدينة. (فَيَتَحَمَّلُونَ) أي:
يرتحلون من المدينة إلى اليمن المفتتحة.
قال الحافظ: ((يَبِسُّونَ)) بفتح أوله وضم الموحدة وبكسرها من بس یبس. قال
أبو عبيد: معناه: يسوقون دوابهم، والبس: سوق الإبل، يقال: بس بس عند
السوق وإرادة السرعة. وقال الداودي: معناه: يزجرون دوابهم فيبسون ما يطؤونه
من الأرض من شدة السير فيصير غبارًا قال تعالى: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَشَّا
[الواقعة: ٥] أي: سالت سيلاً، وقيل: معناه: سارت سيرًا. وقال ابن القاسم: البس
المبالغة في الفت ومنه قيل للدقيق المصنوع بالدهن: بسيس، وأنكر ذلك النووي
وقال: إنه ضعيف أو باطل.
قال ابنُ عبد البرِّ: وقيل: معنى يبسون يسألون عن البلاد ويستقرئون أخبارها

١٥٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
*
ليسيروا إليها. قال: وهذا لا يكاد يعرفه أهل اللغة. وقيل: معناه يزينون لأهلهم
البلاد التي تفتح ويدعونهم إلى سكناها، فيتحملون بسبب ذلك من المدينة راحلين
إليها. ويشهد لهذا المعنى حديث أبي هريرة عند مسلم: ((يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ
يَدْعُو الرَّجُلُ ابْنَ عَمِّهِ وَقَرِيبَهُ، هَلُمَّ إِلَى الرَّخَاءِ، وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ)).
وعلى هَذَا فالذين يتحملون غير الَّذِين يبسون، كأن الَّذِي حضر الفتح أعجبه حسن
البلد ورخاؤها، فدعا قريبه إلى المجيء إليها لذلك، فيتحمل المدعو بأهله
وأتباعه .
قال ابن عبد البر: وروي يُبِسُّونَ بضم أوله من أبس إبساسًا، ومعناه: يزينون
لأهلهم البلدة التي يقصدونها وإلى هَذَا ذهب ابن وهب، وقال النووي: الصواب:
أن معناه الإخبار عمن خرج من المدينة متحملاً بأهله باسًّا في سيره، مسرعًا إلى
الرخاءِ في الأمصار التي أخبرَ النبيُّ وَله بفتحها. قال الحافظ: ويؤيده رواية ابنُ
خزيمة من طريق أبي معاوية عن هشام في هَذَا الحديث بلفظ: ((تُفْتَحُ الشَّامُ فَيَخْرُجُ
النَّاسُ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَيْهَا يَبِسُونَ، وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ)). ويوضح ذلك
ما رواه أحمد من حَدِيث جَابِر أنه سمع رسول اللّه وَلّهِ يقول: ((لَيَأْتِيَنَّ عَلَى أَهْل
الْمَدِينَةِ زَمَانٌ يَنْطَلِقُ النَّاسُ مِنْهَا إِلَى الْأَرْيَافِ، يَلْتَمِسُونَ الرَّخَاءَ، فَيَجِدُونَ رَخَاءً، ثُمَّ
يَأْتُونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ إِلَى الرَّخَاءِ، وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ)). وفي
إسناده ابن لهيعة ولا بأسَ به في المتابعات وهو يوضح ما قلناه. انتهى.
(وَمَنْ أَطَاعَهُمْ) عطف على أهليهم أي: انقاد لهم من الأجانب في السفر معهم
إلى اليمن. (وَالْمَدِينَةُ) أي: والحال أن المدينة. (خَيْرٌ لَهُمْ) أي: من اليمن؛ لأنَّهَا
حرم الرسول وَله ومهبط الوحي ومنزل البركات الدنيوية والأخروية، وقيل: لأنها
لا يدخلها الدجال ولا الطاعون، وقيل: لأن الفتن فيها دونها في غيرها، وقيل:
لفضل مسجدها والصلاة فيه ومجاورة القبر الشريف. (لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) أي: بما
فيها من الفضائل والخيرات والفوائد الدينية والدنيوية لما فارقوها ولما اختاروا
عليها غيرها من البلاد، قال الشيخ سلام الله الدهلوي في ((المحلى)): أو المعنى:
لو كانوا علماء يعلمون أن إقامتهم بالمدينة أولى، فعلى الأول مفعول العلم
محذوف، وعلى الثاني هو منزل منزلة اللازم. قال الحافظ: ويحتمل أن تكون ((لو))
بمعنى ((ليت)) فلا يحتاج إلى تقدير وعلى الوجهين، ففيه تجهيل لمن فارقها وآثر

كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ حَرَم المُدِينَةِ حَرَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى
REXEE
١٥٧
غيرها .
(وَيُفْتَحُ) بالوجهين، وفي رواية ابن جريج عن هشام عند مسلم: (ثُمَّ يُقْتَحُ)).
(الشَّامُ) سمي بذلك؛ لأنَّهُ عن شمال الكعبة، وأنكر ياقوت الحموي تسميتها بأنها
شامة القبلة، قال: هَذَا فاسد؛ لأن القبلة لا يمين لها ولا شامة ثم بسط الأقوال في
وجه تسمیتها .
(وَيُفْتَحُ) بالوجهين، وقال القاري: بالتذكير فقط، وفي رواية ابن جريج: ((ثُمَّ
يُفْتَحُ)). (الْعِرَاقُ) قال ابن الأعرابي: سمي بذلك؛ لأنه سفل عن نجد ودنا من
البحر أخذ من عراق القربة وهو الخرز الَّذِي في أسفلها. وقال الخليل: العراق:
شاطئ البحر سمي بذلك؛ لأنه على شاطئ دجلة والفرات مدًّا حتى يتصل بالبحر
على طوله، قال: وهو مشبه بعراق القربة كذا في ((معجم البلدان)). (فَيَأْتِي قَوْمٌ
يَبِسُونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ) من الناس راحلين إلى العراق مسرعين.
(وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ) من العراق. (لو كانوا يعلمون) ذلك، والواو في قَوْلِه:
((والمدينة)) في الثلاثة للحال.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجَاه في أواخر الحجِّ، وأخْرَجَه أيضًا أَحْمَد (ج٥: ص ٢١٩،
٢٢٠) ومالك في ((الجامع)) والنَّسَائِي في الحج، وروى أحمد قصة في أوله من
طريق بسر بن سعيد أنه سمع في مجلس الليثيين يذكرون أن سفيان بن أبي زهير
أخبرهم: أن فرسه أعيت بالعقيق، وهو في بعثٍ بَعَثَّهُم رسولُ اللَّه ◌ََّ، فرجع إليه
يستحمله، فخرج معه يبتغي له بعيرًا فلم يجد إلا عند أبي جهم بن حذيفة العدوي،
فسامه له، فقال له أبو جهم: لا أبيعكه يا رسول الله، ولكن خذه فاحمل عليه من
شِئت، فزعم أنه أخذه منه ثم خرجَ حتى إذا بلغ بئر إِهاب قال: ((يُوشِكُ الْبُنْيَانُ أَنْ
يَأْتِيَ هَذَا الْمَكَانَ وَيُوشَُكُ الشَّامُ أَنْ يُفْتَحَ، فَيَأْتِي رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ هَذَا الْبَلَدِ فَيُعْجِبُهُمْ
رِيعُهُ وَرَخَاؤُهُ، وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ .. )) الحديث.

١٥٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ee
٢٧٦٢ - [١٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((أُمِرْتُ
بِقَرْيَةٍ، تَأْكُلُ الْقُرَى، يَقُولُونَ: يَثْرِبُ، وَهِيَ الْمَدِينَةُ تَنْفِي النَّاسَ، كَمَا يَنْفِي
الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَیْهِ]
الشرح
٢٧٦٢ - قوله: (أُمِرْتُ) بضم الهمزة على بناء المجهول أي: أمرني ربي.
(بِقَرْيَةٍ) أي: بالهجرة إلى قرية والنزول فيها أو بالمقام في قرية واستيطانها. قال
الحافظ: أي: أمرني ربي بالهجرة إليها أو سكناها، فالأول محمول على أنه قاله
بمكة والثاني على أنه قاله بالمدينة. انتهى. وفيه: أنه لا مانع من حمله على الشق
الأول أيضًا على أنه قال ذلك بالمدينة حكاية للأمر السابق الَّذِي وقع بمكة. (تَأْكُلُ
الْقُرَى) بضم القاف جمع قرية، أي: تغلبها وتظهر عليها، والمعنى: أنَّ أهلَهَا تغلبُ
على أهلٍ سائر البلاد، فتفتح منها فكنَّى بالأكلِ عن الغلبةِ؛ لأن الآكل غالب على
المأكول. وقال التُّورِبَشْتِي: الأصلُ في الأكل للشيء: الإِفناء له، ثم استعيرُ
لافتتاح البلاد وسلب الأموال فكأنه قال: يأكل أهلها القرى وأضاف الأكل إليها؛
لأنَّ أمَوال تلك البلاد تجمع إليها فيفنى فيها. ووقع في ((موطأ ابن وهب)): قُلت
لمالِكٍ: ما تأكل القرى؟ قال: تفتح القرى؛ لأنَّ من المدينةِ افتتحت القرى كلها
بالإِسلام. وبسطه ابنُ بطالٍ فقال: معناه يفتح أهلها القرى فيأكلون أموالهم ويسبون
ذراريهم. قال: وهذا من فصيح الكلام، تقول العرب: أكلنا بلد كذا إذا ظهروا
عليها. وسبقه الخطابي إلى معنى ذلك أيضًا. وقال النووي: ذكروا في معناه
وجهين أحدهما هذا، والآخر: أن أكلها وميرتها تكون من القرى المفتتحة وإليها
تساق غنائمها، وقال ابن المنير في ((الحاشية)): يحتملُ أنْ يَكُون المراد بأكلها
القرى غلبة فضلها على فضل غيرها، ومعناه: أن الفضائل تضمحل في جنبٍ عظيم
فضلها حتى تكون عدمًا. قال الحافظ: والذي ذكره احتمالاً ذكره القاضي
(٢٧٦٢) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: البُخَارِي (١٨٧١)، ومُسْلِم (١٣٨٢/٤٨٨)، والنسائي في الكُبرى (٤٢٦١)،
ثَلَاثَتُهُمْ فِي الحَجِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.

١٥٩
كِتَابُ المُنَاسِكِ
بَابُ حَرَمِ الْمُدِينَةِ حَرَسَهَا اللهُ تَعَالَى
عبد الوهاب فقال: لا معنى لقوله: ((تَأْكُلُ الْقُرَى)) إلا رجوح فضلها عليها وزيادتها
على غيرها كذا قال، ودعوى الحصر مردودة لما مضى، ثم قال ابن المنير: وقد
سميت مكة أم القرى لكن المذكور للمدينة أبلغ من الأمومة؛ لأنَّ الأمومة لا
تمحى إذا وجدت ما هي له أم لكن يكون حق الأم أظهر. قال الزرقاني: وفِي
الحَدِيث تفضيل المدينة على مكة وقال الحافظ: استدل بالحديث على أن المدينة
أفضل البلاد. قال المهلب: لأن المدينة هي التي أدخلت مكة وغيرها من القرى في
الإِسلام، فصارَ الجميعُ في صحائف أهلها، وأجيب: بأن أهل المدينة الَّذِين
افتتحوا مكة معظمهم من أهل مكة، فالفضل ثابت للفريقين، ولا يلزمُ من ذلك
تفضيل إحدى البقعتين. قال ابن حزم: لو فتحت بلد من بلد، فثبت بذلك الفضل
للأولى للزم أن تكون البصرة أفضل من خراسان وسجستان وغَيْرهما مما فتح من
جهة البصرة وليس كذلك.
(يَقُولُونَ) أي: يسمونها. (يَثْرِبَ) بفتح المثناةِ التحتية وسكون المثلثة وكسر
الراء المهملة، أي: إن بعض الناس من المنافقين وغَيْرهم يسميها يثرب، ذكر أبو
إسحاق الزجاج في ((مختصره)) وأبو عبيد البكري في ((معجم ما استعجم)) أنها
سميت يثرب باسم يثرب بن قانية من ولد إرم بن سام بن نوح؛ لأنَّهُ أول من سكنها
بعد العرب، وقيل: هو اسم کان لموضع منها سميت به كلها، وقيل: سميت باسم
واحد من العمالقة نزلها؛ قاله الزرقاني.
(وَهِيَ الْمَدِينَةُ) يعني: والحالُ أن اسمها الَّذِي يليق بها المدينة، وفهم بعض
العُلَمَاء من هَذَا كراهة تسمية المدينة يثرب وقالوا: ما وقع في القُرْآن إنما هو حكاية
عن قول غير المؤمنين، وروى أحمد (ج٤: ص ٢٨٥) من حديث البراء بن عازب
رفعه: ((مَنْ سَمَّى الْمَدِينَةَ يَغْرِبَ، فَلْيَسْتَغْفِرِ اللهَ، هِيَ طَابَةٌ، هِيَ طَابَةُ)) وروى عمر بن
شبة من حديث أبي أيوب: أن رسول اللَّه وَلَه نهى أن يُقالَ للمدينة: يثرب؛ ولهذا
قال عيسى بن دينار من المالكية: من سمَّى المدينة يثرب كتبت عليه خطيئة. قال:
وسبب هذه الكراهة أن يثرب إما من التثريب الَّذِي هو التوبيخ والملامة أو من
الثرب وهو الفساد وكلاهما مستقبح، وكان ◌َّل# يحبُّ الاسم الحسن ويكره الاسم
القبيح؛ كَذَا فِي ((الفَتْح)).