Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ومنها: أنهم أجمعوا على أن ما زَرَعَه الآدمي وأنبته من البقول والزروع
والرياحين يجوز قطعُهُ، ولا اختلاف في ذلك كما ذكره ابن قدامة وغيره.
ومنها: أنه لا فرق بين الأخضر واليابس عند مالك، كما في ((المدونة))
والدسوقي خلافًا للأئمة الثلاثة، إذ أباحوا قطع اليابس كما صرح به ابنُ قدامة
والنووي وَ ابْن عابدين وغَيْرهم.
ومنها: أن الشوك وغيره سواء في الحرمة عند مالك وأحمد كما في ((المغني))
ويجوز قطعه عند الشافعي والقاضي وأبي الخطاب من الحنابلة، ويحرم قطعه بلا
ضمان عند الحنفية كما في ((شرح اللباب)).
ومنها: أنهم أجمعوا على إباحة قطع الإذخر رطبًا ويابسًا.
ومنها: أنه لا يجوز قطع ما ينبت بنفسه لإطعام الدواب عند المالكية على
المعتمد كما صرح به الدسوقي، وبه قال أحمد كما في ((المغني)) والحنفية، ويجوزُ
على الأصحّ عند الشافعية كما صرح به النووي في ((مناسكه)).
ومنها: أنه يجوز رعي الدواب عند مالك والشافعي وأبي يوسف، ولا يجوز عند
أبي حنيفة ومحمد وعند أحمد فيه وجهان كما ذكر ابن قدامة، ولو ارتعت بنفسها
يجوزُ إجماعًا .
ومنها: أنهم أجمعوا على جوازٍ الانتفاع بالأوراق الساقطة .
ومنها: أنه يجوزُ أخذ السواك من شجر الحرم عند المالكية كما صرح به الدردير
وَابْن الحاج وكذا عند الشافعي على ما حكى عنه أبو ثورٍ ، ولا يجوز عند أحمد كما
في ((نيل المأرب))، وكذا عند الحنفية كما في ((شرح اللباب))، واختلفت فيه
الشافعية .
ومنها: أنه لا يجوز قطع الورق عند الحنابلة كما في ((المغني)) و((الروض
المربع))، ويجوز عند الشافعية والحنفية كما في ((مناسك النووي)) وفي ((شرح
اللباب)).
(وَلَا يَلْتَقِطُ) بصيغةِ المعلوم أي: لا يأخذ. (سَاقِطَتُهَا) بالنصبِ. (إِلَّا مُنْشِدٌ) من
الإنشاد أي معرف - وهو الَّذِي يعرف اللقطة ويحتفظ بها إلى أن يحضر صاحبها

كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ حَرَم مَكَّةٌ خَرَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى
٨١
فيردها إليه - وأما الطالب فيقال له: الناشد، تقول: نشدت الضالة إذا طلبتها
وأنشدتها إذا عرفتها، وأصل الإنشاد والنشيد رفع الصوت، كَذَا فِي ((الفَتْح)).
فائدة:
قال القاري: يحرم على الأصحِّ عند الشافعية وأكثرهم على الكراهة نقل تراب
الحرم وحجره إلى غيره ولو إلى حرم المدينة، كما يمنع نقل تراب حرم المدينة
وحجره إلى غيره ولو إلى حرم مكة، انتهى. وقال ابن جاسر في ((مفيد الأنام)): قال
الإمام أحمد: لا يخرج من تراب الحرم، كذلك قال ابن عمر وَابْن عباس، ولا
يخرج من حجارة مكة إلى الحل. قال في ((المنتهى)): وكره إخراج تراب الحرم
وحجارته إلى الحل، انتهى. وقال المحب الطبري في ((القرى)): روي عن ابن عمر
وَابْن عباس ﴿ّ أنهما كرها أن يخرج من تراب الحرم وحجارته إلى الحل شيء،
أخرجه الشافعي، وقال: قال غير واحد من أهل العلم: لا ينبغي أن يخرج شيء من
الحرم إلى غيره. وقال أبو حنيفة: لا بأسَ، وعن عطاءٍ أنه كان يكره أن يخرج تراب
الحرم إلى الحلِّ، أو يدخل تراب الحل إلى الحرم أخرجه سعيد بن منصور،
انتهى. وارجع لمزيد البسط إلى ((شفاء الغرام)) (ج١: ص ٧١).
٢٧٤٢ - [٣] وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ يَقُولُ: ((لَا يَحِلُّ
لِأَحَدِكُمْ أَنْ يَحْمِلَ بِمَكَّةَ الْسَّلََّحَ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
· الشرح
٢٧٤٢ - قوله: (لَا يَحِلُّ لِأَحَدِكُمْ أَنْ يَحْمِلَ بِمَكَّةَ السِّلاَحَ) أي: بلا ضرورة
عند الجمهور ومطلقًا عند الحسن، وحجة الجمهور ما رواه البراء قال: اعتمر
النَّبِي ◌َّر في ذي القعدة فأبى أهل مكة أن يدعوه يدخل مكة حتى قاضاهم لا يدخل
مكة سلاحًا إلا في القراب. وما رواه ابن عمر: أن رسول اللّه وَ ل خرج معتمرًا
(٢٧٤٢) مُسْلِم (١٣٥٦/٤٤٩) فِيهِ عَنْ جَابِرٍ، وَفِيهِ لِلْبُخَارِيِّ (٩٦٦) عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَا قَوْلُهُ: لَمْ يَكُنِ
السِّلَاحُ يَدْخُلُ الحَرَمَ .

٨٢
PIER
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
فحال كفار قريش بينه وبين البيت ... الحديث. وفيه: قاضاهم على أنَ يعتمرَ
العامَ المقبل ولا يحمل سلاحًا عليهم إلا سيوفًا ... إلخ. أخرجهما أحمد
والبخاري. قال الشوكاني: في الحديثين دليل على جواز حمل السلاح بمكة للعذر
والضرورة، فيخصص بهذين الحديثين عموم حَدِيث جَابِر عند مسلم يعني به
حديث الباب. قال: فيكون هَذَا النهي فيما عدا من حمله للحاجة والضرورة، وإلى
هَذَا ذهب الجماهير من أهل العلم، أي: أن النهي محمول على حمل السلاح بغير
ضرورة ولا حاجة، فإن كانت حاجة جاز، قال: وهكذا يخصص بحديثي البراء
وَابْن عمر عموم قول ابن عمر للحجاج: وأدخلت السلاح الحرم، ولم يكن السلاح
يدخل الحرم. فيكون مراده لم يكن السلاح، يدخل الحرم لغير حاجة، فإنه قد
دخل به وَل غير مرة كما في دخوله يوم الفتح هو وأصحابه، ودخوله وَّ للعمرة
كما في حديث البراء وَابْن عمر، انتهى.
وقال النووي في شرح حديث جابر: هَذَا النهي إذا لم تكن حاجة فإن كانت
حاجة جاز، هَذَا مذهبنا ومذهب جماهير العلماء. قال القاضي عياض: هَذَا
محمول عند أهل العلم على حمل السلاح لغير ضرورة ولا حاجة، فإن كانت حاجة
جاز، قال القاضي: وهذا مذهب مالك والشافعي وعطاء قال: وكرهه الحسن
البصري، أي: مطلقًا تمسكًا بظاهر هَذَا الحديث، يعني: حديث النهي، وحجة
الجمهور دخول الشَّبِي ◌َّ عام عمرة القضاء بما شرطه من السلاح في القراب
ودخوله وَّة عام الفتح متأهبًا للقتال، انتهى.
وقالَ ابنُ قُدَامَة بعد ذكر حديث البراء: هَذَا ظاهر في إباحة حمله عند الحاجة؛
لأنهم لم يكونوا يأمنون أهل مكة أن ينقضوا العهد ويخفروا الذمة واشترطوا حمل
السلاح في قرابه، فأما من غير خوف فإن أحمد قال: لا إلا من ضرورة. وإنما منع
منه؛ لأن ابن عمر قال: لا يحمل المحرم السلاح في الحرم. وقال القاري بعد ذكر
كلام القاضي عياض: وفيه بحث ظاهر، إذا المراد بحمل السلاح ظاهرًا بحيث
یکون سبب لرعب مسلم أو أذى أحد كما هو مشاهد الیوم ويؤيده أنه كان ابن عمر
يمنع ذلك في أيام الحجاج، وأما عام الفتح فهو مستثنى من هَذَا الحكم فإنه كان
أبيح له ما لم يبح لغيره من نحو حمل السلاح، انتهى.

٨٣
كِتَابَ الْمُنَاسِكِ
بَابُ حَرَم مَكَّةٌ حَرَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى
قلت: والحق ما ذهب إليه الجمهور من حمل حَدِيث جَابِر على حمل السلاح
لغير ضرورة وحاجة؛ لأن فيه الجمع بين الأحاديث، وأما تخصيصه بحمل السلاح
ظاهرًا بحيث يكون سببًا لرعب مسلم أو أذى أحد فلا يخفى ما فيه.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجَهُ أيضًا البيهقي (ج ٥ : ص ١٥٦) والحديث من أفراد مسلم
ووهم المحب الطبري حيث عزاه إلى الشيخين.
٢٧٤٣ - [٤] وَعَنْ أَنَسِ: أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ دَخَلَ مَكَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ وَعَلَى
رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ، فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَ رَجُلٌ، وَقَالَ: إِنَّ ابْنَ خَطَلِ مُتَعَلَّقٌ بِأَسْتَارٍ
الْكَعْبَةِ، فَقَالَ: ((اقْتُلْهُ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٧٤٣ - قوله: (دَخَلَ مَكَّةَ) لثلاث عشرة خلت من رمضان سنة ثمان من
الهجرة. (يَوْمَ الْفَتْح) أي: فتح مكة وكان خرج من المدينة إليها لليلتين خلتا من
رمضان، وقال الواقدي: خرج العاشر رمضان، قال الحافظ: هَذَا ليس بقوي
لمخالفة ما هو أصح منه. (وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ) بكسر الميم وسكون الغين المعجمة
وفتح الفاء آخره راء، ويقال له : مغفره بزيادة هاء التأنيث آخره، وهو زرد ينسج من
الدروع على قدر الرأس يلبس تحت القلنسوة، حكاه في (الصحاح)) عن
الأصمعي، وصدر به صاحب ((المحكم)) كلامه، ثم قال: وقيل: هو رفرف
البيضة، وقيل: وهو حلق يتقنع به المتسلح، وقال في ((المشارق)): هو ما يجعل من
فضل درع الحديد على الرأس مثل القلنسوة والخمار، وقال في ((التمهيد)): هو ما
غطى الرأس من السلاح كالبيضة وشبهها من حديد كان أو غيره، قال الحافظ في
الحج: وفي رواية زيد بن الحباب عن مالك عن ابن شهاب عن أنسٍ : وعليه مغفر
من حديد. أخرجه الدار قطني في ((الغرائب)) والْحَاكِم في ((الإكليل))، وكذا هو في
(٢٧٤٣) عَنْ أَنَسٍ؛ البُخَارِي (١٨٤٦) (٤٢٨٦) فِي الحَجّ وَاللََّاسِ، مُسْلِم (١٣٥٧/٤٥٠) فِي الحَجِّ،
وأَبُو دَاوُد (٢٦٨٥)، والتِّرْ مِذِي (١٦٩٣)، وابن مَاجَهْ (٢٨٠٥)، والنَّسَائِي (٢٠٠/٥) فِي الچِهَادِ.

٨٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
رواية أبي أويس عن ابن شهاب عند ابن سعد وَابْن عدي.
وقال في المغازي: في رواية أبي عبيد القاسم بن سلام عن يحيى بن بكير عن
مالك: مغفر من حديد. قال الدارقطني: تفرَّد به أبو عبيد، وهو في ((الموطأ))
ليحيى بن بكير مثل الجماعة. ورواه عن مالك جماعة من أصحابه خارج ((الموطأ))
بلفظ: مغفر من حدید. ثم ساقه من رواية عشرة عن مالك كذلك، و کذلك هو عند
ابن عدي من رواية أبي أويس عن ابن شهاب، وعند الدار قطني من رواية شبابة بن
سوار عن مالك، انتهى.
واعلم: أنه لا معارضة بین حديث أنس هَذَا وبین حَدِیث جَابِر الآتي أنه دخل يوم
فتح مكة وعليه عمامة سوداء، لإمكان أن المغفر فوق العمامة وهي تحته وقاية
لرأسه من صدء الحديد، أو كانت العمامة السوداء ملفوفة فوق المغفر، ويحتمل
أنْ يَكُون أول دخوله كان على رأسه المغفر، ثم بعد ذلك كان على رأسه العمامة بعد
إزالة المغفر بدليل قوله في حديث عمرو بن حريث عند مسلم: خطبَ الناسَ وعليهِ
عِمامة سوداء؛ لأن الخطبة إنما كانت عند باب الكعبة بعد تمام فتح مكة. قال
الزرقاني بعد ذكر هذه الوجوه: فزعم الحاكم في ((الإكليل)) تعارض الحديثين
متعقب بأنه إنما يتحقق التعارض إذا لم يمكن الجمع، وقد أمكن ها هنا بوجوه
حسان .
وقال الحافظ: زعم الحاكم في ((الا کلیل)) أن بین حديث أنس وبین حَدِیث جاپِر
معارضة، وتعقبوه: باحتمال أنْ يَكُون أول دخوله كان على رأسه المغفر، ثم أزاله
ولبس العمامة بعد ذلك، فحکی کل منها ما رآه، ويؤيده أن في حديث عمرو بن
حريث أنه خطب الناس وعليه عمامة سوداء، وكانت الخطبة عند باب الكعبة،
وذلك بعد تمام الدخول، وهذا الجمع لعياض، وقال غيره: يجمع بأن العمامة
السوداء كانت ملفوفة فوق المغفر أو كانت تحت المغفر وقاية لرأسه من صدء
الحديد، فأراد أنس بذكر المغفر كونه دخل متهيا للحرب وأراد جابر بذكر العمامة
كونه دخل غیر محرم.
(فَمَّا نَزَعَهُ) أي: المغفر من رأسه. (جَاءَ رَجُلٌ) قال الحافظ: لم أقف على اسمه
إلا أنه يحتمل أنْ يَكُون هو الَّذِي باشر قتله، وقد جزم الفاكهي في ((شرح العمدة))

كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ حَرَم مَكَّةٌ حَرَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى
٨٥
بأنَّ الَّذِي جاء بذلك هو أبو برزة الأسلمي، وكأنه لما رجح عنده أنه هو الَّذِي قتله
رأى أنه هو الَّذِي جاء مخبرًا بقصته ويرجحه قوله في رواية يحيى بن قزعة في
المغازي فقال: اقتله بصيغة الإفراد على أنه اختلف في اسم قاتله. وقال العَيْنِي:
قوله: (جَاءَهُ رَجُلٌ)) هو أبو برزة الأسلمي، واسمه نضلة بن عبيد، وجزم به
الكرماني والفاكهي في ((شرح العمدة)). قال الزرقاني: وكذا ذكره ابن طاهر
وغيره. وقيل: اسمه سعيد بن حريث. (إِنَّ ابْنَ خَطَلٍ) بفتح الخاء المعجمة والطاء
المهملة وآخره لام كان اسمه عبد العزى، فلما أسلمَ سمَّاه النبيُّ وَِّ عبدَ اللهِ، ومن
قال: اسمه هلال التبس عليه بأخ له اسمه هلال، بين ذلك الكلبي في النسب،
وقيل: هو عبد الله بن هلال بن خطل. وقيل: غالب بن عبد الله بن خطل، واسم
خطل عبد مناف من بني تيم بن فهر بن غالب، كَذَا فِي ((الفَتْح))، وهو أحد من أهدر
دمه يوم الفتح، وقال: ((لَا أُؤَمِّنُهُمْ فِي حِلَّ وَلَا حَرَم))، وقد جمع الواقدي عن شيوخه
أسماء من لم يؤمن يوم الفتح وأمر بقتله عشرة أنَّفس ستة رجال وأربع نسوة، قاله
الحافظ والعيني، والسبب في قتل ابن خطل وعدم دخوله في قَوْلِه: ((مَنْ دَخَلَ
الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ))، ما رواه ابن إسحاق في ((المغازي)): أن رسول اللَّهِ وَل حين
دخل مكة قال: ((لَا يُقْتَلُ أَحَدٌ إِلَّ مَنْ قَاتَلَ)) إِلا نفرًا سمَّاهم فقال: ((اقْتُلُوهُمَ وَإِنْ
وَجَدْتُمُوهُمْ تَحْتِ أَسْتَارِ الْكَعْبَةِ)، منهم عبد اللَّه بن خطل وعبد الله بن سعد، وإنما
أمر بقتل ابن خطل؛ لأنَّهُ كان مسلمًا فبعثَهُ رسولُ اللّه ◌ِ لِ مصدقًا، وبعث معه رجلًا
من الأنصار، وكان معه مولى يخدمه وكان مسلمًا، فنزل منزلًا فأمر المولى أن
یذبح تیسًا ویصنع له طعامًا فنام واستيقظ ولم يصنع له شيئًا فعدا علیه فقتله، ثم ارتد
مشركًا، ولحق بمكة، وكانت له قينتان تغنيان بهجاء رسول اللَّه ◌َله .
قال الحافظ: وروى الفاكهي من طريق ابن جريج قال: قال مولى ابن عباس:
بعثَ رسولُ اللهِ وَ لّه رجلًا من الأنصار ورجلاً من مزينة وَابْن خطل وقال: أطيعا
الأنصاري حتى ترجعا، فقتل ابن خطل الأنصاري وهرب المزني. وقال النووي:
قال العلماء: إنما قتله؛ لأنَّهُ كان قد ارتدَّ عن الإسلام وقَتَل مسلمًا کان یخدمه،
وكان يهجو النبيَّ وَال ويسبه، وكانت له قينتان تغنيان بهجاء المسلمين، انتهى. قال
ابن عبد البر: فهذا القتلُ قود من دم مسلمٍ. وكذا قال الخطابي: لم ينفذ له
رسول اللَّه ◌َلّ الأمان وقتله بحق ما جناه في الإسلام.

٨٦
bees
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ) جمع ستر وكان تعلقه بها استجارة بها، وذلك كما ذكر
الواقدي أنه خرج إلى الجندمة ليقاتل على فرس وبيده قناة، فلما رأى خيل الله
والقتل دخله رعب حتى ما يستمسك من الرعدة فرجع حتى انتهى إلى الكعبة، فنزل
عن فرسه وطرح سلاحه، ودخل تحت أستارها فأخذ رجل من الركب سلاحه
وفرسه فاستوى عليه وأخبره التَِّي ◌َِّ بذلك. (فَقَالَ: اقْتُلْهُ) زاد الوليد بن مسلم عن
مالك: فَقُتِل. أخرجه ابن عائذ وصححه ابن حبان وأخرج عمر بن شبة في ((كتاب
مكة)) عن السائب بن يزيد، قال: رأيتُ رسولَ اللهِ وَله استخرج من تحت أستار
الكعبة ابن خطل فضربت عنقه صبرًا بين زمزم ومقام إبراهيم وقال: ((لا يُقْتَلُ قُرَشِيٌّ
بَعْدَ هَذَا صَبْرًا)). رجاله ثقات إلا أن في أبي معشر مقالًا، قاله الحافظ.
واختلف في قاتله هل هو سعید بن حريث أو عمار بن ياسر أو سعد بن أبي وقاص
أو سعيد بن زيد أو أبو بَرْزَة - بفتح الموحدة وإسكان الراء المهملة ثم زاي معجمة
مفتوحة الأسلمي؟ وهو أصح ما جاء في تعيين قاتله، ورجحه الواقدي، وجزم به
البلاذري وغيره، وتحمل بقية الروايات المخالفة له على أنهم ابتدروا قتله، فكان
المباشر منهم أبو برزة، وجزم ابن هشام في ((تهذيب السيرة)) بأن سعيد بن حريث
وأبا برزة اشتركا في قتله، قاله الزرقاني. وقال الحافظ في الحج بعد ذكر ما ورد من
الروايات المختلفة في ذلك ما لفظه: وروى ابن أبي شيبة من طريق أبي عثمان
النهدي أن أبا برزة الأسلمي قَتَل ابن خطل وهو متعلَّق بأستار الكعبة، وإسناده
صحيح مع إرسالهِ، وله شاهد عند ابن المبارك في البرِّ والصلة من حديث أبي برزة
نفسه، ورواه أحمد من وجه آخرٍ وهو أصح ما ورد في تعیین قاتله، وبه جزم
البلاذري وغيره من أهل العلم بالأَخْبَار، وتحمل بقية الروايات على أنهم ابتدروا
قتله فکان المباشر له منهم أبو برزة، ويحتمل أنْ يَكُون غيره شار كه فیه، فقد جزم
ابن هشام في ((السيرة)) بأن سعيد بن حريث وأبا برزة الأسلمي اشتركا في قتله،
وَمِنْهُم من سمى قاتله سعيد بن ذويب، وحكى المحب الطبري أن الزبير بن العوام
هو الَّذِي قتل ابن خطل، انتهى.
وقال في ((المغازي)): اختلف في قاتله، وقد جزم ابن إسحاق بأن سعيد بن
حريث وأبا برزة الأسلمي اشتركا في قتله، وحكى الواقدي فيه أقوالًا، منها: أن
قاتله شريك بن عبدة العجلاني، ورجح أنه أبو برزة، انتهى. واستدلَّ بقتل ابن

٨٧
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ حَرَم مَكَّةٌ حَرَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى
خطل وهو متعلق بأستار الكعبة على أن الكعبة لا تعيذ من وجبَ عليه القتل، وأنه
يجوز قتل من وجب عليه القتل في الحرم.
قال الحافظ: استدل بقصة ابن خطل على جوازٍ إقامة الحدود والقصاص في
حرم مكّة، قال ابنُ عبدِالبرِّ: كان قتل ابن خطل قودًا من قتله المسلم، وقال
السهيلي: فيه أن الكعبة لا تعيذ عاصيًا ولا تمنع من إقامة حد واجب. وقال
النووي: تأول من قال: لا يقتل فيها. على أنه مَّل قتله في الساعة التي أبيحت له،
وأجاب عنه أصحابنا: بأنها إنما أبيحت له ساعة الدخول حتى استولى عليها وأذعن
أهلها، وإنما قتل ابن خطل بعد ذلك، انتهى. وتعقب بأنَّ: الْمَرَاد بالساعة التي
أحلت له ما بين أول النهار ودخول وقت العصر، وقتل ابن خطل كان قبل ذلك
قطعًا؛ لأنَّهُ قيد في الحديث بأنه كان عند نزعه المغفر، وذلك عند استقراره بمكة.
وقد قال ابن خزيمة: المراد بقوله في حديث ابن عباس: ((ما أحل الله لأحد فيه
القتل غيري))، أي: قتل النفر الَّذِين قتلوا يومئذ ابن خطل ومن ذكر معه، قال:
وكان الله قد أباح له القتال والقتل معًا في تلك الساعة، وقتل ابن خطل وغيره بعد
تقضي القتال، انتهى.
وقال في ((المغازي)): في الاستدلال بقتل ابن خطل على ذلك نظر؛ لأنَّ
المخالفين تمسكوا بأن ذلك إنما وقع في الساعة التي أحل للنبي وَّ فيها القتال
بمكة، وقد صرَّح بأن حرمتها عادت كما كانت، والساعة المذكورة وقع عند أحمد
من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أنها استمرَّت من صبيحة يوم الفتح
إلى العصر، انتهى.
قال الطيبي: دلَّ الحديث على جواز الدخول بغير إحرام لمن لا يريد النسك،
وهذا أصح قول الشافعي، وقال الحافظ: هَذَا الحديث ظاهره أنه مَّ لما دخل مكة
يوم الفتح لم يكن محرمًا، وقد صرح بذلك مالك راوي الحديث كما ذكره
البُخَارِي في المغازي عن يحيى بن قزعة عن مالك عقب هَذَا الحديث. قال مالك:
ولم يكن الشَّبِي وََّ فيما نرى والله أعلم يومئذٍ محرمًا. وقول مالك هَذَا رواه
عبد الرحمن بن مهدي عن مالك جازمًا به، أخرجه الدار قطني في ((الغرائب))،
ووقع في ((الموطأ)) من رواية أبي مصعب وغيره قال مالك: قال ابن شهاب: ولم

٨٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
يكن رسول اللَّه ◌َ ل يومئذ محرمًا، وهذا مرسل، ويشهد له ما رواه مسلم من
حَدِيث جَابِر بلفظ: دخلَ يوم فتح مكة وعليه عمامة سوداء بغير إحرام، انتهى.
وأجيب عن ذلك: بأنه لا دلالة في قصة ابنٍ خطلٍ على جواز دخول مكة بغير
إحرام لاحتمال أنْ يَكُون ◌ِيَّ كان محرمًا، ولكنه غطّى رأسَهُ لعُذرٍ، وفيه: أن هَذَا
مخالف لتصريح جابر بأنه لم يكن يومئذ محرمًا. قال الحافظ: لكن فيه إشكال من
وجه آخر؛ لأنَّهُ پلِے کان متأهبًا للقتال، ومن کان کذلك جاز له الدخول بغیر إحرام
عند الشافعية، وإن كان عياض نقل الاتفاق على مقابله، وأما من قال من الشافعية
كابن القاص: دخول مكة بغير إحرام من خصائص النَّبِي وَلِّ، ففيه نظر؛ لأن
الخصوصية لا تثبت إلا بدليل، انتهى. وقال الشمني كما في ((المرقاة)): دخوله ◌َل
عام الفتح بغير إحرام حكم مخصوص بذلك الوقت، ولهذا قال ◌َ له في ذلك اليوم:
((إِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَلَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ثُمَّ
عَادَتْ حَرَامًا))، انتهى. وقد تقدَّم بسط الكلام على هذه المسألة مع بيان المذاهب
ودلائلها في شرح حديث ابن عباس في المواقيت فارجع إليه.
قال الحافظ: وفِي الحَدِيث مشروعية لبس المغفر وغيره من آلات السلاح حال
الخوف من العدو وأنه لا ينافي التوكُّل، وقد تقدَّم في باب: متىٍ يحلُّ المعتمرُ،
من أبوابِ العمرة من حديث عبد الله بن أبيٍ أو في: اعتمر رسول اللَّهِوَّ فلما دخلَ
مكّة طافَ وطُفنا معَهُ وكنّا نستره من أهل مكّة أن يرميه أحد ... الحديث. وإنما
احتاج إلى ذلك؛ لأنَّهُ كان حينئذ محرمًا فخشي الصَّحَابَة أن يرميه بعض سفهاء
المشركين بشيء يؤذيه فكانوا حوله يسترون رأسه ويحفظونه من ذلك.
(مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) أخرجَهُ البُخَارِي في الحج وفي الجهاد وفي المغازي وفي اللباس،
ومُسْلِمٍ فِي الحج، وأخْرَجَه أيضًا أَحْمَد ومالك في الحج، وأبو دَاوُد والترمذي في
الجهاد، والنَّسَائِي في الحج وفي السير، وَابْن ماجه في الحج والدرامي والْبَيْهَقِي
(ج ٥: ص ١٧٧).

كِتَابُ المُنَاسِكِ
بَابُ حَرَمَ مَكْةٌ حَرَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى
EBeEx
٨٩
٢٧٤٤ - [٥] وَعَنْ جَابِرِ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ بِ لهِ دَخَلَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَعَلَيْهِ
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ، بِغَيْرِ إِحْرَامٍ.
الشرح
٢٧٤٤ - قوله: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِهِ دَخَلَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ) بكسر
العين. (سَوْدَاءُ) قال النووي: فيه جواز لباس الثياب السود، وفي الرواية الأخرى:
((خَطَبَ النَّاسَ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ)). فيه جواز لباس الأسود في الخطبة، وإن كان
الأبيض أفضل منه كما ثبت في الحديث الصحيح: ((خَيْرُ ثِيَابِكُمْ الْبَيَاضُ)) وأما
لباس الخطباء السواد في حالِ الخطبةٍ فجائز، ولكن الأفضل البياض كما ذكرنا،
وإنما لبس العمامة السوداء في هَذَا الحديث بيانًا للجواز، انتهى. (بِغَيْرِ إِحْرَام) هَذَا
يرد ما أبدى الشيخ ابن دقيق العيد في ((شرح العمدة)) في ستر الرأس بالمغفَّر في
حديث أنس احتمالًا فقال: يحتمل أنْ يَكُون ◌َال كان محرمًا لكن غطى رأسه لعذر،
وقد تقدَّم في كلام الحافظ ما في أصل الاستدلال من الإشكال، وقد بسطه الولي
العراقي في ((طرح التثريب)) (ج٥: ص ٨٥) فارجع إليه .
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في الحج وأخْرَجَه أيضًا أَحْمَد (ج٣: ص ٣٨٧) والنَّسَائِي وَابْن
ماجه والدرامي والْبَيْهَقِي (ج٥: ص ١٧٧).
*
(٢٧٤٤) مُسْلِم (٤٥١ /١٣٥٨) فِي الحَجِّ، وَالتِّرْمِذِي (١٧٣٥) فِي الجِهَادِ، وَالنَّسَائِي (٢١١/٨) فِي
الزِّينَةِ عَنْ جَابٍِ .

٩٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ixE
٢٧٤٥ - [٦] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِه ◌ِ: ((يَغْزُو جَيْشٌ
الْكَعْبَةَ، فَإِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنَ الْأَرْضِ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ))، قُلْتُ: يَا
رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ، وَفِيهِمْ أَسْوَاتُهُمْ، وَمَنْ لَيْسَ
مِنْهُمْ؟ قَالَ: ((يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِم وَآخِرِهِم، ثُمَّ يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ)). [مُثَّفَقُ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٧٤٥ - قوله: (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ: يَغْزُو) بالغين والزاي
المعجمتين أي: يقصد. (جَيْشٌ) أي: عسكر عظيم في آخر الزمان. (الْكَعْبَةَ) أي:
ليخربها. وقال العَيْنِي: قوله: ((يَغْزُو جَيْشٌ الْكَعْبَةَ)) أي: يقصد عسكر من العساكر
تخريب الكعبة، وهذا لفظ البخاري. وفي رواية مسلم ((عَبِثَ الَّبِيُّ ◌ََّ فِي مَنَامِهِ،
فَقُلْنَا لَهُ: صَنَعْتَ شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تَفْعَلُهُ؟)) قال النووي: قوله: (عَبِثَ) هو بكسر الباءِ،
قيل: معناه: اضطراب بجسمه، وقيل: حرَّك أطرافه كمن يأخذ شيئًا أو يدفعه.
(فَإِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنَ الْأَرْضِ) في رواية مسلمٍ: ((بِالْبَيْدَاءِ)) وفي حديث صفية عند
الترمذي وابن ماجه (( بِالْبَيْدَاءِ أَوْ بِبَيْدَاءَ مِنَ الْأَرْضِ)) أي: على الشِكَ. وفي راوية
لمسلم عن أبي جعفر الباقر قال: ((هِيَ بَيْدَاءُ الْمَدِينَةِ)) وهي بفتح الباء الموحدة
وسكون الياء آخر الحروف ممدودة، وهي في الأصل: المفازةُ التي لا شيء فيها.
قال العَيْنِي: وهي في هَذَا الحديث اسم موضع مخصوص بين مكة والمدينة. وقال
النووي: قال العلماء: البيداء: كل أرض ملساء لا شيء بها، وبيداء المدينة:
الشرف الَّذِي قدام ذي الحليفة، أي: إلى جهة مكة، (يُخْسَفُ) على بناء المفعول.
(بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ) أي: يخسف بكلهم الأرض.
قال الحافظ: زاد الترمذي في حديثٍ صفية: ((وَلَمْ يَنْجُ أَوْسَطُهُمْ)) وزاد مسلمٍ في
حديث حفصة: ((فَلاَ يَبْقَى إِلَّ الشَّرِيدُ الَّذِي يُخْبِرُ عَنْهُمْ)) واستُغني بهذا عن تكلّف
الجواب عن حكم الأوسطِ، أو أن العرف يقضي بدخول الأوسط فيمن هلك أو
لكونه آخرًا بالنسبة للأول وأولًا بالنسبة للآخر فيدخل. وقال العَيْنِي: قوله:
(٢٧٤٥) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: عَنْ عَائِشَةَ ﴿ّا؛ البُخَارِيُّ (٢١١٨) فِي الْبَيْعِ، مُسْلِم (٢٨٨٤/٨) فِي الفِتَنِ.

٩١
كِتَابَ الْمُنَاسِكِ
بَابُ حَرَم مَكَّةٌ حَرَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى
((يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ)) يعني: كلهم، هَذَا الَّذِي يفهم منه بحسب العرف. قال
الكرماني: لم يعلم منه العموم؛ إذ حكم الوسط غير مذكور، والجواب ما قلنا، أو
نقول: إن الوسط آخر بالنسبة إلى الأول وأول بالنسبة إلى الآخر، على أن في رواية
صفية: ((وَلَمْ يَنْجُ أَوْسَطُهُمْ)) وهذا يغني عن تكلف الجواب.
(وَفِيهِمْ أَسْوَاقُهُمْ) جملة حالية، وهو جمع سوق، والتقدير: أهل أسواقهم الَّذِين
يبيعون ويشترون كما في المدن، وعليه ترجم البُخَارِي بلفظ: ((بابُ مَا ذُكِرٍ فِي
الأسْوَاقِ)). وقال الطيبي: إن كان جمع سوق فالتقدير أهل أسواقهم، وإن كان جمع
سوقة، وهي الرعايا، فلا حاجة إلى التقدير. وفي ((مستخرج أبي نعيم)): ((وَفِيهِمْ
أَشْرَافُهُمْ)) بالشين المعجمة والراء والفاء، وفي رواية محمد بن بكار عند
الإسماعيلي: ((وَفِيهِمْ سِوَاهُمْ)). قال الإسماعيلي: ووقع في رواية البخاري:
((أَسْوَاقُهُمْ)) أي: بالمهملة والقاف، وأظنه تصحيفًا، فإن الكلام في الخسف بالناس
لا بالأسواق. قال الحافظ: بل لفظ: ((سِوَاهُمْ)) تصحيف، فإنه بمعنى قوله الآتي
((وَمَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ)) فيلزم منه التكرار، بخلاف رواية البخاري، نعم أقرب الروايات
إلى الصواب رواية أبي نعيم، وليس في لفظ: ((أسواقهم)) ما يمنع أنْ يَكُون الخسف
بالناس، فالمراد بالأسواق أهلها أن يخسف بالمقاتلة منهم ومن ليس من أهل
القتال كالباعة. وفي رواية مسلم: فَقُلنا: إنَّ الطريقَ قد يجمع الناسَ، قال: ((نَعَمْ
فِيهِمْ الْمُسْتَبْصِرُ وَالْمَجْبُورُ وَابْنُ السَّبِيلِ)). والمستبصر: هو المستبين لذلك القاصد
للمقاتلة عمدًا، والمجبور بالجيم والموحدة أي: المكره. قال النووي: يقال:
أجبرته فهو مجبر، هذه اللغة المشهورة، ويقال أيضًا: جبرته فهو مجبور، حكاها
الفراء وغيره، وجاء هَذَا الحديث على هذه اللغة، وأما ابن السبيل: فهو سالك
الطريق معهم وليس منهم، والغرض أنها استشكلت وقوع العذاب على من لا إرادة
له في القتال، الّذِي هو سبب العقوبة، فوقع الجواب بأن العذاب يقع عامًّا؛
لحضور آجالهم ويبعثون بعد ذلك على نياتهم.
(وَمَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ) أي: في الكفر والقصد بتخريب الكعبة عطف على أسواقهم.
قال الطيبي: أي: من لا يقصد تخريب الكعبة، بل هم الضعفاء والأسارى. (قَالَ:
يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ) فيدخل فيهم هؤلاء وإن لم يكن قصدهم؛ لأنهم كثروا في
سوادهم. (ثُمَّ يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ) قال العَيْنِي: أي: يخسف بالكلِّ لشؤم الأشرار،

٩٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
se
ثم إنه تعالى يبعث كُلَّا منهم في الحشر بحسب قصده ونيته، إن خيرًا؛ فخير، وإن
شرًّا؛ فشر، وفي رواية مسلم: ((يَهْلِكُونَ مَهْلَكًا وَاحِدًا وَيَصْدُرُونَ مَصَادِرَ شَنَى)). قال
النووي: أي: يقع الهلاك على جميعهم ويبعثون مختلفين على قدر نياتهم،
فيجازون بحسبها. انتهى. وفي حديث أم سلمة عند مسلم: ((فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ
فَكَيْفَ بِمَنْ كَانَ كَارِهًا؟ قَالَ: ((يُخْسَفُ بِهِ مَعَهُمْ، وَلَكِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى
◌ِيَّتِهِ)). قال الحافظُ: أي: يخسف بالجميع؛ لشؤم الأشرار، ثم يعامل كل أحد عند
الحساب بحسب قصده .
وفي هَذَا الحديث من الفقه: التباعد من أهل الظلم والتحذير من مجالستهم؛
لئلا يناله ما يعاقبون به قال تعالى: ﴿وَأَثَّقُواْ فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ
خَاصَّةً﴾ [سورة الأنفال: الآية ٢٥]، وفيه: أنَّ من كثر سواد قوم جرى عليهم حكمهم في
ظاهر عقوبات الدنيا. قال الحافظ: في هَذَا الحديث أن الأعمال تعتبر بنية العامل
والتحذير من مصاحبة أهل الظلم ومجالستهم وتكثير سوادهم إلا لمن اضطر
لذلك، ويتردد النظر في مصاحبة التاجر لأهل الفتنة، هل هي إعانة لهم على ظلمهم
أو هي من ضرورات البشرية؟ ثم يعتبر عمل كل أحد بنيته وعلى الثاني يدل ظاهر
الحدیث. انتھی.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البُخَارِي في البيوع ومُسْلِم فِي الفتن واللفظ للبخاري،
والحديث أخْرَجَه أيضًا أَحْمَد (ج ٦: ص ١٠٥) وفي الباب عن أم سلمة عند أحمد
(ج٦: ص ٢٥٩، ٢٩٠) ومسلم وَابْن ماجه والْحَاكِم، وعن حفصة عند أحمد
(ج٦: ص ٢٨٦، ٢٨٧) ومسلم والنَّسَائِي وَابْن ماجه والْحَاكِم، وعن صفية أخرجه
أحمد (ج٦: ص ٣٣٦، ٣٣٧) والترمذي وَابْن ماجه في الفتن.

٩٣
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ حَرَم مَكَّةٌ حَرَسَهَا اللَّهِ تَعَالَى
DEsex Hees
!8:39
٢٧٤٦ - [٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((يُخَرِّبُ
الْكَعْبَةَ ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ مِنَ الْحَبَشَةِ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٧٤٦ - قوله: (يُخَرِّبُ الْكَعْبَةَ) بضمِّ الياء وفتح الخاء المعجمة وتشديد الراء
مكسورة من التخريبٍ، وبإسكان الخاء وتخفيف الراء مكسورة من الإخراب،
والجملة فعل ومفعول والفاعل. قوله: (ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ) بضمِّ السين وفتح الواو
تثنية سويقة مصغر الساق ألحق بها التاء للتصغيرِ؛ لأنَّ الساق مؤنثة والتصغير؛
للتحقير والإشارة إلى الدقة؛ لأنَّ الغالب على سيقان الحبشة الدقة والحموشة؛
فلذا صغرها. (مِنَ الْحَبَشَةِ) ((من)) للتبعيض، أي: يخربها ضعيف من هذه الطائفة.
وقال الطيبي: سِرُّ تصغير الإشارة إلى أن مثل هذه الكعبة المعظمة يهتك حرمتها
مثل هَذَا الحقير الذميم الخلقة، ويحتمل أنْ يَكُون الرجل اسمه ذلك، أو أنه وصف
له، أي: رجل من الحبشة دقيق الساقين رقيقهما جدًّا، والحبشة وإن كان شأنهم
دقة السوق لكن هَذَا يتميز بمزيد من ذلك. انتهى. والحبش والحبشة نوع من
السودانِ. قال في ((القاموس)): الحبش والحبشة محركتين والأحبش بضم الباء:
جنس من السودان الجمع حبشان وأحابش. انتهى. قال الرشاطي: وهم من ولد
كوش بن حام وهم أكثر السودان، وقد وقع هذا الحديث عند أحمد (ج٢ ص
٣٥١) من طريق سعيد بن سمعان عن أبي هريرة بأتمٍ من هَذَا السياق ولفظه: ((يَُابَعُ
لِرَجُلِ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ، وَلَمْ يَسْتَحِلَّ هَذَا الْبَيْتَ إِلَّا أَهْلُهُ، فَإِذَا اسْتَحَلُّوهُ فَلَا تَسْأَلْ
عَنْ هُّلَكَةِ الْعَرَبِ، ثُمَّ تَأْتِي الْحَبَشَةُ فَيُخَرِّبُونَهُ خَرَابًا لَا يَعْمُرُ بَعْدَهُ أَبَدًا، هُمْ الَّذِين
يَسْتَخْرِ جُونَ كَنْزَهُ))، وهذا التخريبُ يكون عند قرب الساعة حين لا يبقى في الأرض
أحدٌ يَقُولُ: اللَّه الله. قال القرطبي: قيل: إن خرابه يكون بعد رفع القُرْآن من
الصدورِ والمصاحفٍ، وذلك بعد موت عيسى - عليه الصلاة والسلام - وهو
الصحيح. انتهى.
(٢٧٤٦) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٥٩٦)، ومُسْلِم (٢٩٠٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً.

٩٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قلت: وقع عند أحمد (ج٢: ص ٣١٠) من طريق ابن المسيب عن أبي هريرة
قال: قال رسول اللَّه وَّه: ((فِي آخِرِ الزَّمَانِ يَظْهَرُ ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ عَلَى الْكَعْبَةِ))، قَالَ:
حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: (فَيَهْدِمُهَا)). قال الحافظ: قيل: حديث أبي هريرة يخالفُ قوله
تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمَا ءَامِنَا﴾ [العنكبوت: ٦٧] ولأنَّ اللَّه حبس عن مكة الفيل،
ولم يمكن أصحابه من تخريب الكعبةِ، ولم تكن إذ ذاك قبلة، فكيف يسلط عليها
الحبشة بعد أن صارت قبلة للمسلمين، وأجيب: بأن ذلك محمول على أنه يقع في
آخرِ الزمان قرب قيام الساعة حيث لا يبقى في الأرض أحد يقول: اللَّه الله، كما
ثبت في ((صحيح مسلمٍ)): (لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُقَالَ فِي الْأَرْضِ: اللَّهُ اللَّهُ)).
ولهذا وقع في رواية سعيد بن سمعان: ((لَا يَعْمُرُ بَعْدَهُ أَبَدًا))، وقد وقع قبل ذلك فيه
من القتال وغزو أهل الشام له في زمن يزيد بن معاوية ثم من بعده في وقائع كثيرة
من أعظمها وقعة القرامطة بعد الثلاثمائة، فقتلوا من المسلمين في المطاف من لا
يحصى كثرة وقلعوا الحجر الأسود فحولوه إلى بلادهم ثم أعادوه بعد مدة طويلة ثم
غُزِي مرارًا بعد ذلك وكل ذلك لا يعارض قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَوْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا
ءَامِنَا﴾؛ لأن ذلك إنما وقع بأيدي المسلمين فهو مطابق؛ لقوله وَله: ((وَلَنْ يَسْتَجِلَّ
هَذَا الْبَيْتَ إِلَّا أَهْلُهُ)). فوقع ما أخبرَ به ◌َّ، وهو من علامات نبوته وليس في الآية
ما يدلُّ على استمرار الأمر المذكور فيها انتهى كلام الحَافِظ.
وقال العَيْنِي: لا يلزم من قوله: ((حَرَمًا آمِنًا)) أنْ يَكُون ذلك دائمًا في كلِّ
الأوقاتِ، بل إذا حصلت له حرمة وأمن في وقت ما صدق عليه هَذَا اللفظ وصحَّ
المعنى، ولا يعارضُهُ ارتفاعُ ذلك المعني في وقت آخر. وقال عياض: ((حَرَمًا آمِنًا))
أي: إلى قرب القيامة. وقال ابن الجوزي: إن قيل: ما السر في حراسة الكعبة من
الفيل ولم تحرس في الإسلام مما صنع بها الحجاج والقرامطة وذو السويقتين؟
فالجواب: أن حبس الفيل كان من أعلام النبوة لسيدنا رسول اللّه وَل ودلائل
رسالته لتأكيد الحجة عليهم بالأدلة التي شوهدت بالبصر قبل الأدلة التي ترى
بالبصائر، وكان حكم الحبس أيضًا دلالة على وجود الناصر. انتهى.
هذا؛ وقد عقدَ البخاريُّ بابَ قولِ الله تعالي: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ
قِيَمًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَمَ وَاُلْهَدْىَ وَالْقَيِّدَ﴾ [المائدة: ٩٨] ثم أوردَ فيه حديث أبي هريرة هذا.
قال العَيْنِي: أشار به إلى أن قوام أمور الناس وانتعاش أمر دينهم ودنياهم بالكعبة.

٩٥
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ حَرَم مَكَّةٌ حَرَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى
يدل عليه قوله ﴿قِيَمًا لِلنَّاسِ﴾ فإذا زالتِ الكعبة على يد ذي السويقتين تختلُّ
أمورهم، فذلك أورد حديث أبي هريرة فيه. انتهى.
وقال الحافظُ: كأنه يشير إلى أنَّ الْمَرَاد بقوله ﴿قِيمًا﴾ أي: قوامًا وأنها ما دامت
موجودة، فالدين قائم؛ فلهذه النكتة أورد في الباب قصة هدم الكعبة في آخر
الزمان، ثم ترجم البُخَارِي؛ لحديث أبي هريرة هذا، وحديث ابن عباس الآتي :
باب هدم الكعبة. وذُكر فيه طرف حديث عائشة المتقدم بلفظ: قال النبيُّ نَّه:
((يَغْزُو جَيْشٌ الْكَعْبَةَ، فَيُخْسَفُ بِهِمْ))، قال الحافظ: فيه إشارة إلى أن غزو الكعبة
سيقع، فمرة يهلكهم الله قبل الوصول إليها وأخرى يمكنهم. والظاهر: أن غزو
الَّذِين يخربونه متأخر عن الأول. وقال العَيْنِي: غزو الكعبة المذكور في حديث
عائشة مقدمة لهدمها؛ لأن غزوها يقع مرتين، ففي الأولى هلاكهم وفي الثانية
هدمها .
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجَهُ البخاريُّ في الحجِّ ومسلمٍ في الفتنِ، وأخْرَجَه أيضًا أَحْمَد
كما تقدم والْحَاكِم والنَّسَائِي في الحج وفي التفسير، هَذَا وقد جاء في تخريب
الكعبة أحاديث، منها حديث ابن عباس الآتي، ومنها ما رِواه أبُو دَاوُد الطيالسي
بسندٍ صحيحٍ، ومنها ما رواه أحمد (ج٢: ص ٢٢٠) والطَّبَرَاني في ((الكبير)) من
حَدِيثٍ عَبْدَ اللهِ بنِ عمرو بن العاص مَرْفُوعًا: (يُخَرِّبُ الْكَعْبَةَ ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ مِنَ
الْحَبَشَةِ وَيَسْلُبُهَا حِلْيَتَهَا وَيُجَرِّدُهَا مِنْ كِسْوَتِهَا، وَلَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ أُصَيْلِعَ أُفَيْدِعَ يَضَّرِبُ
عَلَيْهَا بِمِسْحَاتِهِ وَمِعْوَلِه)) ومنها ما رواه ابنُ الجوزي من حديث حذيفة عن النَّبِي وَلِلّ
حديثًا طويلًا وفيه: ((وَخَرَابُ مَكَّةَ مِنَ الْحَبَشَةِ عَلَى يَدِ حَبَشِيٍّ، أَفْحَجُ السَّاقِينَ، أَزْرَقُ
الْعَيْنَيْنِ، أَفْطَسُ الْأَنْفِ، كَبِيرُ الْبَطْنِ، مَعَهَ أَصْحَابَهُ، يَنْقُضُونَهَا حَجَرًا حَجَرًّا،
وَيَتَنَاوَلَّونَهَا حَتَّى يَرْمُوا بِهَا - يعني: الكعبة - إِلَى الْبَحْرِ)). وفي كتاب ((الغريب))
لأبي عبيدٍ عن عليٍّ، قال: اِسْتَكْثِرُوا مِنَ الطَّوَافِ بِهَذَا الْبَيْتِ قَبْلَ أَنْ يُحَالَ بَيْنَكُمْ
وَبَيْنَهُ، فَكَأَنِّي بِرَجُلٍ مِنَ الْحَبَشَةِ، أَصْلَعِ وَأَصْمَعِ، حَمْشُ السَّاقَيْنِ، فَاعِدٌ عَلَيْهَا وَهِيَ
تُهْدَمُ. وخرَّجَهُ الحاكمُ مَرْفُوعًا، وفيه: ((أَصْمَع أَقْرَع، بَيِدِهِ مِعْوَلٌ، وَهُوَ يَهْدِمُهَا
حَجَرًّا حَجَرًا)) ذكره العَيْنِي.

٩٦
** * eeee
BENes
ees
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
#
٢٧٤٧ - [٨] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: عَنِ النَّبِيِّ نََّ قَالَ: ((كَأَنِّي بِهِ أَسْوَدُ
أَفْحَجَّ يَقْلَعُهَا حَجَرًا حَجَرًا)).
[رَوَاهُ البُخَارِيُّ]
الشرح
٢٧٤٧ - قوله: (کأَنّي بِهِ) قال الحافظُ: کذا في جمیع الروايات عن ابنِ عباسٍ
في هَذَا الحديثِ، والذي يظهر أن في الحديث شيئًا حذف، ويحتمل أنْ يَكُون هو
ما وقع في حديث عليٍّ عند أبي عبيد في ((غريب الحديث)) من طريق أبي العالية عن
عليٍّ، قال: اِسْتَكْثِرُوا مِنَ الطَّوَافِ بِهَذَا الْبَيْتِ قَبْلَ أَنْ يُحَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ، فَكَأَنِّي
بِرَجُلٍ مِنَ الْحَبَشَةِ، أَصْلَعِ، أَوْ قَالَ: أَصْمَعُ خَمْشُ السَّاقَيْنِ، قَاعِدٌ عَلَيْهَا وَهِيَ تُهْدَمُ.
ورواه الفاكهي من هَذَا الوجه، ولفظه: ((أَصْعل))، بدل: ((أصلع)). وقال: ((قَائمًا
عَلَيْهَا يَهْدِمُهَا بِمِسْحَاتِهِ))، ورواه يحيى الحماني في مسنده من وجه آخر عن عليٍّ
مَرْفُوعًا. انتهى. وتعقبَّه العَيْنِي بأنه لا يحتاج إلى تقدير حذف؛ لأنَّهُ إنما يقدر في
موضع يحتاج إليه للضرورة ولا ضرورة ها هنا. قال: ودعواه الظهور غير ظاهرة؛
لأنَّهُ لا وجه في تقدير محذوف لا حاجة إليه بما جاء في أثر عن صحابي ولا يقال:
الأحاديث يفسِّر بعضها بعضًا؛ لأنا نقول: هَذَا إنما يكون عند الاحتياج إليه ولا
احتياج ها هنا إلى ذلك. قال: والضمير في لفظ: (بِهِ)). يحتمل ثلاثة أوجه:
الأول: أن يعود إلى البيت والقرينة الحالية تدل عليه، أي: كأني متلبس به.
الثاني: أن يعود إلى القالع - الآتي ذكره - بالقرينة الحالية أيضًا. الثالث ما قاله
الطيبي وهو: أنه ضمير مبهم يفسره ما بعده على أنه تمييز، كقوله تعالى: ﴿فَقَضَئُهُنَّ
سَبْعَ سَمَوَاتٍ﴾ [سورة حم السجدة: ١٢]، فإن ضمير: ((هن))، هو المبهم المفسر بسبع
سموات وهو تمييز، وهذه الأوجه صحيحة ماشية على قاعدة العربية، فلا يحتاج
إلی تقدیر حذف.
(أَسْوَدُ) بالرفع على أنه مبتدأ خبره يقلعها والجملة حال بدون الواو والضمير في
((بِهِ)) للبيت، أي: كأني متلبس به وأنظر إليه أو يكون ارتفاعه على أنه خبر مبتدأ
(٢٧٤٧) البُخَارِي (١٥٩٥) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

٩٧
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ حَرَم مَكَّةٌ حَرَسَهَا اللَّهِ تَعَالَى
محذوف والضمير في: ((بِهِ)) للقالع، والتقدير: كأني بالقالع هو أسود، ويروى
أسود منصوبًا على الذم أو الاختصاص أو الحال. قال التوربشي والدماميني: يجوز
أنْ يَكُون ((أسود أفحج)) حالين متداخلتين أو مترادفتين من الضمير في ((به)). وقال
المظهري: هما بدلان من الضمير المجرور وَفُتِحا؛ لأنهما غير منصرفين، ويجوز
إبدال المظهر من المضمر الغائب نحو: ضربته زيدًا، وتقدم ما قال الطيبي: أن
الضمير في ((به)) مبهم يفسره ما بعده على أنه تمييز، فهما منصوبان على التمييز.
(أَفْحَجُ) بفتح الهمزة وسكون الفاء بعدها وفتح الحاء المهملة وبالجيم من الفحج
بفاء ثم حاء مهملة ثم جيم وهو بالنصب أو الرفع كسابقه، والفحج: تداني صدور
القدمين وتباعد العقبين من باب علم وفتح، وقيل: الفحج تباعد ما بين الساقين،
وقيل: هو تباعد ما بين الفخذين. قال في ((القاموس)): فحج كمنع؛ تكبر، وفي
مشيته؛ تداني صدور قدميه وتباعد عقباه كفحج، وهو أفحج بَيِّن الفَحَج محركة،
والتفحج: التفريج بين الرجلين. انتهى. والفجج: بجيمين فتح ما بين الرجلين،
وهو أقبح من الفحج.
(يَقْلَعُهَا) أي: يقلع الأسود الأفحج بناء الكعبة. (حَجَرًا حَجَرًا) نصب على
الحالٍ من الهاء نحو بوبته بابًا بابًا، أي: مبوبًا. وقال الكرماني: أو هو بدل من
الضمير أي: المنصوب في يقلعها .
(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) في الحج وأخْرَجَه أيضًا أَحْمَد (ج٢: ص ٢٢٨) بلفظ: ((كَأَنِّي
أَنْظُرُ إِلَيْهِ أَسْوَدَ أَفْحَجَّ، يَنْقُضُهَا حَجَرًا حَجَرًا)) يعني: الكعبة.

٩٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الثاني
٢٧٤٨ - [٩] عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللّهِ بِ قَالَ: ((احْتِكَارُ
الطَّعَامِ فِي الْحَرَمِ؛ إِلْحَادٌ فِيهِ».
[رَوَاهُ أَبُو دَاوِدَ]
الشرح
٢٧٤٨ - قوله: (عَنْ يَعْلَى) بفتح المثناة تحت واللام بينهما مهملة ساكنة.
(بْنِ أُمَيَّةَ) بضم الهمزة وفتح الميم وتشديد الياء. (احْتِكَارُ الطَّعَام) أي: احتباسه
لانتظار الغلاء به. قال المناوي: وليس عموم الطعام مرادًا، بل المراد: اشتراء ما
يقتات وحبسه؛ ليقل فيغلو، فيبيعه بكثير. قال العزيزي: وخصَّهُ الشافعيةُ بما اشتراه
في زمن الغلاء وأمسكه ليزيد السعر. (فِي الْحَرَم) أي: المكيِ بدلیل حَدِيث ابنٍ
عُمَر عند الطَّرَاني في ((الأوسط)) بلفظ: ((احْتِكَارُ الطَّعَام بِمَكَّةَ إِلْحَادٌ)) والمراد
بمكة: جميع الحرم بدليل حديث يعلي، فكل من الحديثين مبين للآخر. (إِلْحَادٌ
فِيهِ) الإلحاد: الميل عن الاستقامة والانحراف عن الحق إلى الباطل ومنه الملحد؛
لأنَّهُ أمال مذهبه عن الأديان كلها ولم يمله من دين إلى دين، ذكره الزمخشري. قال
اللَّه تعالى: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَامٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: الآية ٢٦] أي:
ومن يهم فيه بعمل من المعاصي؛ عذب عليه، لعظم حرمة المكان. قال العلقمي:
أصل الإلحاد: الميل، وهذا الإلحاد والظلم يعم جميع المعاصي الكبائر
والصغائر؛ لعظم حرمة المكان، فمن نوى سيئة ولم يعملها؛ لم يحاسب عليها إلا
في مكة. قال المناوي: احتكار الطعام حرام في سائر البلاد وبالحرم المكي أشد
تحريمًا، وإنما سماه ظلمًا؛ لأن الحرم واد غير ذي زرع، فالواجب على الناس
جلب الأقوات إليه؛ للتوسعة على أهله، فمن ضيق عليهم بالاحتكار، فقد ظلم؛
لأنَّهُ وضع الشيء في غير محله، فاستحق الوعيد الشديد. انتهى. وقال العزيزي:
احتكار الطعام: هو شراء ما يقتات وحبسه إلى الغلاء؛ فهو حرام، ولو في غير
(٢٧٤٨) أَبُو دَاوُد (٢٠٢٠) فِي الحَجِّ عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَّيَّةً.

٩٩
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
Ex **
بَابُ حَرَم مَكَّةٌ حَرَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى
الحرم وخص الحرم؛ لأن الإثم به أشد، وأما لو اشترى غير طعام أو طعامًا غير
مقتات بقصد ادخاره؛ إلى الغلاء لم يحرم، وخرج بالشراء ما لو كان عنده برٍّ مثلًا
يأكله، فادخره إلى الغلاء؛ فلا يحرم، وكذا لو اشتراه بقصد أن يبيعه حالًّا أو في
زمن الرخاء؛ فلا حرمة .
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) في الحجِّ من حدیث جعفر بن يحيى بن ثوبان عن عمه عمارة بن
ثوبان عن موسى بن باذان عن يعلى، وأخرجه البُخَارِي في ((التاريخ الكبير)) (ج٤ :
ص ٢٥٥) في ترجمة مسلم بن باذان، قال البخاري: قال أبو عاصم: عن جعفر بن
يحيى بن ثوبان قال: حدثني عمي عمارة بن ثوبانٍ عن مسلم بن باذان سمع يعلى،
قال: سمعتُ النبيَّ ◌َ ◌ّه يقول: ((اخْتِكَارُ الطَّعَام بِمَكَّةَ؛ إِلْحَادٌ)). قال البخاري: هكذا
وقع عندي. قال العنبري: ((؟)) موسى بن باذان. انتهى. قال ابن أبي حاتم في
ترجمة موسى بن باذان: سماه البخاريُّ مسلمَ بنَ باذان، فقال أبي وأبو زرعة
جميعًا: أخطا البخاريُّ في هذا، أخرجه في مسلم بن باذان وإنما هو موسى بن
باذان، وحكى الحافظ في ((تهذيب التهذيب)) (ج ١٠: ص ٣٣٨) قول ابن أبي حاتم
هَذَا ثم قال: قلت: قد حكى البُخَارِي القولين في ((تاريخه)) ويظهر من سياقه ترجيح
موسى. انتهى. والحَدِيث سَكَتَ عَنْه أبو داود. وقال المنذري: وأخرجه البُخَارِي
في ((التاريخ الكبير)) عن يعلى بن أمية أنه سمع عمر بن الخطاب يقول: احتكار
الطعام بمكة؛ إلحاد. انتهى.
وأنت تعلم أن هَذَا مما لا مجال للرأي فيه، فهو في حكم المرفوع، وسكوت
أبي داود على حديث أبي يعلى يدل على أنه حديث حسن عنده، لكن نقل المناوي
عن ابن القطان أنه قال: حديث لا يصح؛ لأنَّ موسى وعمارة وجعفرًا كل منهم لا
يعرف، فهم ثلاثة مجهولون. وفي ((الميزانٍ)) في ترجمةِ جعفر بن يحيى، قال ابنُ
المديني: إنه مجهول. وقال الذهبيُّ: وعمه. ((عمارة)) لين، فمن مناكير جعفر عن
عمه، ثم ساق هَذَا الحديث، ثم قال: هَذَا حديث واهي الإسناد.
قال ابن المديني: لم يرو عن جعفر غير أبي عاصم. وقال الحافظ في ((تهذيب
التهذيب)) بعد ذكر كلام ابن المديني: جعفر بن يحيى ذكره ابن حبان في الثقات.
وقال ابن القطان الفاسي: مجهول الحال. وقال في ((التقريب)): إنه مقبول، وقال