Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢٠
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
هَذَا ما وقع في حديث ابن عباس المتقدم أنه حلق رأسه وجامع نسائه ونحر هَدْیه؛
لأنَّ العطف بالواو إنما هو لمطلق الجمع، ولا يدل على الترتيب، فإن قدم الحلق
على النحرِ، فروى ابنُ أبي شَيبة عن علقمةَ أنَّ عَليه دمًّا، وعَنِ ابْن عَبَّاسٍ مثله،
والظاهر عدم وجوب الدم لعدم الدليل، انتهى.
قال الحافظ: وهذا الحديثُ طرفٌ من حديثٍ طويل أخرجَهُ الْبُخَارِيٍ في
الشروط ولفظه في أواخر الحديث: فلما فرغَ من قضية الكتابِ قال رسول اللّه وَيه
لأصحابهِ: ((قُومُوا فَانْحَرُوا ثُمَّ احْلِقُوا ... )) الحديث. وفيه قول أمِّ سلمة للنبي ◌َّ:
اخرج ثم لا تُكَلَّم أحدًا منهم كلمة حتى تنحر بدنك، فخرج فنحر بدنه ودعا حالقه
فحلقه. وعرف بهذا أنَّ البُخَارِي أوردَ القدرِ المذكور هنا بالمعنى وأشار بقولهِ في
الترجمةِ ((في الحصر)» إلى أنَّ هَذَا الترتيب يختصُّ بحال من أحصر. قال ابنُ
التيمي: ذهب مالك إلى أنَّه لا هدي على المحصرِ، والحجة عليه هَذَا الحديث؛
لأنَّهُ نقل فيه حكم وسبب فالسبب الحصر والحكم النحر، فاقتضى الظاهر تعلق
الحكم بذلك السبب، والله أعلم، وسيأتي مزيد الكلام في ذلك في شَرح حَدِيث
ابنِ عُمَر الَّذِي يليه .
(رَوَاهُ البُخَارِيُّ) في الحجِّ مختصرًا باللفظ المذكور، وفي الشروط مطولًا كما
تقدم، وأخْرَجَه أيضًا أَحْمَد (ج٤: ص ٣٢٧) والْبَيْهَقِي (ج٥: ص ٢٢٠) مطولًا.
٢٧٣٥ - [٤] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: أَيْسَ حَسْبُكُمْ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ
وَه؟ إِنْ حُبِسَ أَحَدُكُمْ عَنْ الْحَجِّ طَافَ بِالْبَيتِ وَبِالْصَفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمُّ حَلَّ مِنْ
كُلِّ شَيءٍ حَتَّى يَحُجَّ عَامًا قَابِلًا، فَيُهْدِيَ، أَو يَصُومَ، إِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا.
[رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ] {صحيح}
الشرح
٢٧٣٥ - قوله: (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: أَلَيْسَ حَسْبُكُمْ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ) كذا
(٢٧٣٥) البُخَارِي (١٨١٠)، وَالتِّرْ مِذِي (٩٤٢)، وَالنَّسَائِي (١٦٩/٥) فِي الحَجِّ عَنْ أَنَسٍ رَفْتَهُ.

٢١
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الْإِخضارِ، وفؤْتِ الْحُجِ
عند البُخَارِي ولأحمد والترمذي والنسائي: أنه كان ينكرُ الاشتراط في الحجّ
ويقول: (أَلَيْسَ حَسْبُكُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ؟). قال العَيْنِي: قوله: ((أَلَيْسَ حَسْبُكُمْ سُنَّةً
رَسُولِ اللهِ؟!)) يريدُ به عدم الاشتراط كما هو مبين عند النسائي: أنه كان ينكر
الاشتراط في الحج ويقول: ((أَمَا حَسْبُكُمْ سُنَّةُ نَبِيِّكُمْ؟ إِنَّه لمْ يشترطْ)) وهكذا رواه
الدار قطني، ومعنى قوله: ((أَلَيْسَ حَسْبُكُمْ سُنَّةَ رَسُولِ اللهِ؟)) أي: أليس يكفيكم سنة
رسول اللَّه وَّله؟ لأن معنى الحسب الكفاية، ومنه حسبنا الله أي: كافينا، وحسبكم
مرفوع؛ لأنَّهُ اسم ليس، و((سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ)) منصوب على أنه خبر ليسَ، والجملةُ
الشرطيةُ، وهي قوله: (إِنْ حُبِسَ ... ) إلخ تفسير للسنة فمحلها النصب أو الرفع خبر
مبتدأ محذوف، أي: هي. وقال عياض: ضبطنا ((سنة)) بالنصبِ على الاختصاصِ
أو على إضمارٍ فعلٍ، أي: تمسكوا ونحوه.
وقال السهيلي: من نصب ((سُنة)) فهو بإضمار الأمرِ كأنه قال: الزموا سنة
نبيكم، ويمكنُ أن يقال: أنْ يَكُون خبر ليس (طَافَ بِالْبَيْتِ) على قول عياضٍ
والسهيلي. قال العَيْنِي: خبر ليسَ على وجهِ نصب ((سنة)) على قول عياض والسهيلي
قوله: طَافَ بِالْبَيْتِ وهو أيضًا سد مسد جواب الشرط.
قال الطَّبَري: قوله: ((حَسْبُكُمْ سُنَّةَ نَبِّكُمْ)) فيه إشعار بالتسويةِ بين حصر العدو
والمرض، فإنَّ معنى قوله: ((حَسْبُكُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ)) أي: في جواز التحلَّل بهذا العذر
دون اشتراط، وأشار ابنُ عمر بإنكار الاشتراط إلى ما كان يفتي به ابن عباس من
جواز الاشتراط، قال البيهقي: لو بلغ ابنَ عُمر حديثُ ضباعه في الاشتراطِ لقال به،
وسيأتي الكلام في مسألة الاشتراط مفصلاً إن شاء الله.
(إِنْ حُبِسَ) بصيغة المجهول أي منع. (أَحَدُكُمْ عَنْ الْحَجِّ) أي: عن ركنه الأعظم
وهو الوقوف بعرفة. (طَافَ بِالْبَيْتِ) أي: إذا أمكنه ذلك، فقد وقعَ في روايةٍ
عبدِ الرزاق: ((إِنْ حَبَسَ أَحَدًا مِنْكُمْ حَابِرٌ عَنِ الْبَيْتِ فَإِذَا وَصَلَ إِلَيْهِ طَافَ بِهِ ... ))
الحديث .
(وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) أي: طاف بهما، أي: سعى بينهما. (ثُمَّ حَلّ) أي: بالحلقِ
والذبح. (مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) حرم عليه بالإحرام. (حَتَّى يَحُجَّ عَامًا قَابِلًا) عامًا ظرف
وقابلاً صفة. (فَيَهْدِي) أي: يذبح شاة؛ إذ التحلل لا يحصل إلا بنية التحلل والذبح

٢٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
والحلق، قاله الكرماني. (أَوْ يَصُومُ إِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا) حيثُ شاءً، واستدل بقوله :
((حَتَّى يَحُجَّ عَامًا قَابِلًا)) على وجوبٍ الحجِّ من القابلِ عَلى مَن أُحصر، وقد اختلف
العُلَمَاء في أنه: هل يجب على المحصر القضاء أم لا؟ فأوجب الحنفية القضاء ولم
يوجب الشافعية والمالكية، وعن أحمد روايتان، قالوا: فإن كان حج فرض بقي
وجوبه على حاله؛ قالَ ابنُ قُدَامَة في ((الشرح الكبير)): في وجوب القضاء على
المحصور روایتان، إحداهما: لا قضاء عليه إلا أنْ يَكُون واجبًا، فيفعله بالوجوب
السابقِ، هَذَا هو الصحيح من المذهب، وبه قال مالك والشافعي، والثانية: عليه
القضاء روي ذلك عن عِكْرِمَة ومجاهد والشعبي، وبه قال أبو حنيفة؛ لأنَّهَ وَلَه لما
تحلل زمن الحديبية قضى من قابل وسميت عمرة القضية، ولأنَّه حل من إحرامه
قبل إتمامهِ فلزمه القضاء كما لو فاتَّهُ، ووجهُ الروايةِ الأولى أنه تطوع جازَ التحلل
منه، وأما الخبر فإنَّ الَّذِين صدوا كانوا ألفًا وأربعمائة، والذين اعتمروا مع
النبيِّ وَّرَ كانوا يسيرًا، ولم ينقل إلينا أنَّ النبيَّ وَيّ أمر أحدًا بالقضاء وأما تسميتها
عمرة القضية، فإنما يعني بها القضية التي اصطلحوا عليها، ولو أرادوا غير ذلك
لقالوا: عمرة القضاء، انتهى.
ويشيرُ بذلك إلى أن تسميتها بعمرة القضاءِ إنما كانَ من بعضِ الصحابة، ومن
أصحاب المغازي والسير لا من عامة الصحابة، وأما ما ذكره بعض أصحاب
المغازي أنه وَليل أمر أصحابه حين رأوا هلال ذي القعدة أن يعتمروا قضاء لعمرتهم
التيٍ صدَّ عنها المشركون بالحديبية، وأن لا يتخلَّف أحد ممن شهد الحديبية، فلم
يتخلَّف أحدٌ منهم إلا من استشهد منهم بخيير، ومن مات وادعى تواتر الأَخْبَار
بذلك، فهو مجرد دعوى فلا يلتفت إليها .
قلت: واستدلَّ لوجوبِ القضاءِ أيضًا لقوله تعالى: ﴿وَأَنِقُواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ فإنه
يقتضي وجوب الإتمام من غير فرق بين حج الفرض والنفل ولا يخفى ما فيه،
وبحديث حجاج بن عمرو الأنصاري الآتي بدون التفريق بينهما، وبحديث عائشة
إذ أمرها ◌َّة برفض العمرة، ثم أعمرها من التنعيم وقال: ((هذه مكان عمرتك)). وقد
تقدَّم الجواب عن حديث الحجاج بن عمرو في كلام الشنقيطي المذكور في أول
الباب، وسيأتي أيضًا عند شرحه، وأما حديث عائشة فقد سبق الكلام فيه مفصلًا في
باب قصة حجة الوداع فراجعه، واستدل أيضًا بقوله: ((فيهدي)). عَلى وجوبٍ

كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الإخْصَارِ، وَفَوْتِ الحج
31
٢٣
الهدي على المحصرِ في الحجِّ.
قال الشوكاني: ولكن الإحصار الَّذِي وقع في عهد النَّبِيِّه إنما وقعَ في العمرةِ
فقاس العُلَمَاء الحج على ذلك، وهو مِن الإلحاقِ بنفي الفارق، وإلى وجوب
الهدي ذهب الجمهور، وهو ظاهر الأحاديث الثابتة عنه بَّ أنَّه فعل ذلك في
الحديبيةِ، ويدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمُ نَا أُسْتَيْسَرَ مِنَ اَلْهَدْيِّ﴾ وذكر الشافعي
أنه لا خلاف في ذلك في تفسير الآية، وخالف في ذلك مالك فقال: أنه لا يجب
الهدي على المحصر، وعول على قياس الإحصار على الخروج من الصوم للعذر
والتمسك بمثل هَذَا القياس في مقابل ما يخالفه من القُرْآن والسنةِ من الغرائبِ الَّتي
يتعجَّبُ من وقوع مثلها من أكابر العلماء، انتهى كلامُ الشَّوْكاني.
وقالَ ابنُ قُدَامَة (ج٣: ص ٣٥٦): وعلى من تحلل بالإحصار في الحج أو
العمرة الهدي في قول أكثر أهل العلم، وحكي عن مالك: ليسَ عليه هدي؛ لأنَّهُ
تحلل أبيح له من غير تفريط أشبه من أتم حجه، وليس بصحيح؛ لأن الله تعالى
قال: ﴿فَإِنْ أُخْصِرْتُمْ فَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدِّْ﴾ قال الشافعي: لا خلاف بين أهل التفسير أنَّ
هذه الآية نزلت في حصر الحديبية، ولأنَّه أبيح له التحلل قبل إتمام نسكه، فكان
عليه الهدي كالذي فاته الحجّ، وبهذا فارق من أتم حجَّهُ. قال: وإذا قدر المحصر
على الهدي فليس له الحل قبل ذبحه، فإن كان معه هدي قد ساقه أجزأه، وإن لم
یکن معه لزمه شراؤه إن أمکنه، انتھی.
وقال النووي في ((مناسكه)): يلزمُ المتحلل بالإِحصارِ ذبح شاة يفرقها حيث
أحصر، انتهى. وفي ((شرح المنهاج)): من أرادَ التحلّل بالإحصار ذبح وجوبًا شاة أو
سبع بدنة أو بقرة حيث أحصر ولو في الحل، انتهى. وقال في ((الهداية)): إذا أحصر
المحرم فمنعَهُ من المضي جازَ لَه التحلّل، ويقالُ له: ابعث شاة تذبح في الحرم
وواعد من تبعثه بیوم بعینه یذبح فيه ثم تحلل .
وفي ((شرح اللباب)): إذا أحصر المحرم بحجة أو عمرة وأراد التحلل أي
الخروج من إحرامه يجبُ عليه أن يبعث الهدي ... إلى آخر ما بسطه. وقال
الباجي: أما تحلَّله للحصر فلا يوجبُ هديًا عند مالك. وبه قال ابنُ القاسم. وقال
أشهب: عليه الهدي، وبه قال أبو حنيفة والشافعي. ودليلنا: أنه تحلل مأذون عار

٢٤
SOME
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
عن التفريط وإدخال النقص فلم يجب عليه الهدي، ودليل ثان يختصُّ بالشافعيّ: أن
هذه عبادة لها تحرم وتحلل، فإذا سقط قضاؤها بالفوات يجبُ أن يسقط جبرانها .
واحتجَّ أشهب ومن تابعه بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُ ... ) الآية، وقال: هَذَا ممن
احصر بعدو وقد خالفَ سائر أصحابنا أشهب في هَذا، وقالوا: الإحصار إنما هو
إحصار المرض، وأما العدوُّ فإنما يقالُ فيه حصر حصرًا فهو محصور إلى آخر ما
بسط الكلام في ذلك. وقال الدسوقي في شرح قول الدردير: إنْ منعَهُ عدوٍّ أو فتنةٌ
بحجّ أو عمرةٍ فله التحلل ولا دم عليه. أي: خلافًا لأشهب حيثُ قال بوجوبه
واستدلَّ بالآية، وأجيب: بأن الهدي في الآية لم يكن لأجل الحصرِ، وإنما ساقه
بعضهم تطوعًا فأمروا بذبحه فلا دليل فيها للوجوب، انتهى.
وقد ظهر بهذا كله أنه يلزم الهدي في الإحصار عند الحنابلة والشافعية والحنفية
خلافًا لمالك وأصحابه غير أشهب، لكنْ لا يخفى أنَّ وجوبَ الهدي عندَ الحنابلةِ
مقيَّد بعدم اشتراطِ التحلَّل عند الإحرام، فأما إذا اشترط التحلل فلا يلزمه الهدي
سواء كان الإِحصار بالعدو أو المرض كما يدلَّ عليه كلام ابن قدامة في ((المغني))
(ج٣: ص ٢٨٢، ٣٦٤) ويجبُ الهدي عند الشافعية في الإحصارِ بالعدوِّ مطلقًا،
أي: سواء اشترط أو لم يشترط، وأما في الإحصار بالمرضِ فلا يجبُ إلا إذا اشترط
التحلل بالهدي، وأما إذا لم يشترط ذلك بأن سكت في اشتراطه عن الهدي أو نفاه
فلا يلزم كما في ((شرح الإقناع)). والقول الراجح عندنا: هو ما ذهب إليه الحنابلة،
والله أعلم.
(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) وأخْرَجَه أيضًا أَحْمَد (ج٢: ص ٣٣) والتِّرْمِذي والنَّسَائِي
وعبد الرزاق والدار قطني والْبَيْهَقِي بعضَهُم مختصرًا وبعضَهُم مطوَّلًا .

٢٥
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الْإِخْصَارِ، وَفَوْتِ الْحَجِ
يدِ
٢٧٣٦ - [٥] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لَه عَلَى ضُبَاعَةَ
بِنتِ الْزُّبَيْرِ فَقَالَ لَهَا: ((لَعَلَكِ أَرَدْتِ الْحَجَّ؟)) قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا أَجِدُنِي إِلا
وَجِعَةً، فَقَالَّ لَهَا: ((حُجِّي وَاشْتَرِطِي، وَقُولِي: اللَّهُمَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي))
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٧٣٦ - قوله: (دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِوَلِّ عَلَى ضُبَاعَةً) بضمِّ الضاد المعجمة بعدها
باء موحدة مخففة وبعد الألف عين مهملة. (بِنتِ الْزُبَيْرِ) ابن عبد المطلب
الهاشمية بنت عم النَّبِي ◌َّةِ، تزوجها المقداد بن عمرو البهراني حليف بني زهرة،
يعرفُ بالمقداد بن الأسود لتبنيه له، فولدتُ له عبد اللَّه وكريمة، فقتل عبد الله يوم
الجمل مع عائشة، رَوَت ضباعة عن النَّبِي وَّ وعن زوجها المقداد، وعنها ابنتها
كريمة بنت المقداد وَابْن عباس وعائشة وَابْن المسيب وعروة بن الزبير وغَيْرهم،
قال ابن عبد البر: لضباعةَ عن النَّبِي ◌ِّ أحاديث منها الاشتراط في الحجِّ، قال
الزبير بن بكار: لم يكن للزبير بن عبد المطلبٍ عقب إلّا من ضباعة وأختها أم
الحكم، ودخوله ◌َّه على ضباعة عيادة أو زيارة وصلة فإنها قريبته كما تقدَّم، وفيه:
بيان تواضعه وصلته وتفقده وَّ، وهو محمول على أنَّ الخلوة هناك كانت منتفية،
فإنه عليه الصلاة والسلام لم يكن يخلو بالأجنبيات، وإن كان لو فعل ذلك لم يلزم
منه مفسدة لعصمته، لكنهم لم يعدوا ذلك من خصائصه، فهو في ذلك كغيره في
التحريم .
(فَقَالَ لَهَا) أي: وهي في المدينة. (لَعَلَّكِ أَرَدْتِ الْحَجَّ) أي: معنا، وهذا لفظ
البخاري، وفي رواية لمسلم: (أَرَدْتِ الْحَجَّ) أي: بدون لفظ (لَعَلَّكِ) وفي أخرى له
أيضًا (قَالَتْ: إِنِّي أَرِيدُ الْحُّجَّ) وقد يقتضي ظاهر هذه الرواية أنها قالت له ذلك
(٢٧٣٦) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: عَنْ عَائِشَةَ؛ البُخَارِي (٥٠٨٩) فِي النِّكَاحِ، مُسْلِم (١٠٤ / ١٢٠٧) فِي الحَجِّ،
وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ (١٢٠٧ / ١٠٦)، وأبو دَاوُد (١٧٧٦)، والترمذي (٩٤١)، والنَّسَائِي (١٦٧/٥)،
وابن ماجه (٢٩٣٨) نَحْوَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

٢٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ابتداء، ولا منافاة، فقد تكونُ إنما قالت: إني أريد الحجَّ، في جواب استفهامه
لها، وليس اللفظ صريحًا في أنها قالت ذلك ابتداء، وكذا قوله في رواية ابن ماجه
من حديث ضباعة أنه عليه الصلاة والسلام قال لها: ((أما تريدين الحج العام؟)) ومن
رواية أسماء أو سعدى عند ابن ماجه أيضًا: (مَا يَمْنَعُكِ مِنَ الْحَجِّ؟) كل ذلك يقتضي
أن كلامها كان جوابًا لسؤاله، لكن في حديث ابن عباس عند مسلمٍ وأصحاب
السنن الأربعة: أن ضباعة أَتَت رسولَ اللهِ وَلِّ فقالت. وهذا قد ينافَي قَوْلَهُ في
حديث عائشة: دخلَ على ضباعةً. وقد يجمعُ بينهما بأنها أَتت رسولَ اللَّه ◌ِ ل ولم
يكن إذ ذاك في منزله، ثم جاء فدخل عليها وهي في منزله، وفي حديث ابن عباس
عند أبي داود والترمذي أنها قالت له: إني أريد الحج فأشترط؟ فقال لها: ((نَعَمْ)).
وهذا يقتضي أن أمره بالاشتراط ما كان إلا بعد استئذانها .
(قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا أَجِدُنِي) أي: ما أجدُ نفسي، واتحاد الفاعل والمفعول مع
كونهما ضميرين لشيء واحد من خصائص أفعال القلوب. وفِي الحَدِيث: جواز
اليمين في درجِ الكلام بغير قصدٍ. (إِلَّا وَجِعَةً) بفتح الواو وكسر الجيم، وهو من
الصِّفَات المشبهة، أي: إني ذات وجع، أي: مرض، وفي رواية لمسلمٍ: وأنا
شاكية بالشين المعجمة أي مريضة، والشكوى والشكو والشكاية المرض، وفي
حديث ابن عباس عند مسلم: إِنِّي امرأةٌ ثقيلةٌ. أي: أثقلها المرض. (فَقَالَ لَهَا:
حُجّي) أي: أحرمي بالحجِّ. (وَاشْتَرِطِي وَقُولِي) عطف تفسيري. (اللَّهُمَّ مَحِلِّي)
بفتح الميم وكسر الحاء، أي: محل خروجي من الحجّ وموضع تحللي من الإحرام
أو وقت تحللي من الإحرام، والمحل يقع على المكان والزمان. (حَيْثُ حَبَسْتَنِي)
أي: منعتني من السير بسبب ثقل المرض. قال العَيْنِي: أي : إنَّك حيثُ عجزتُ عن
الإتيانِ بالمناسكِ وانحبست عنها بسبب قوة المرض تحللت، وقولي: اللهم مكان
تحللي عن الإحرام مكان حبستني فيه عن النسك لعلَّة المرض. وقال القاري: قال
بعض علمائنا: قوله: ((قَوْلِي: اللَّهُمَّ مَحِلِّي ... )) إلخ، تفسير الاشتراط، يعني:
اشترطي أن أخرج من الإِحرام حيث مرضت وعجزت عن إتمام الحجِّ، فمن لم ير
الإحصار بالمرض يستدلَّ بِهَذَا الحَدِيث بأن يقول: لو كان المرض ينتج التحلل لم
يأمرها بالاشتراطِ لعدم الإفادةِ، وإليه ذهبَ الشافعيُّ ومَن وافقه، ومن یری
الإحصار بالمرض، وهو مذهب أبي حنيفة يستدل بحديث الحجاج بن عمرو

كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الْإِخْصَارِ، وَفَوْتِ الْحُجِ
يِ
٢٧
EX03
الأنصاري الآتي، انتهى.
قلت: حديث عائشة يدلُّ على جوازِ الاشتراط في الحجِّ؛ خوفًا من حدوث
طارئ يطرأ عليه أثناء الحج من مرض أو نحوه، وأن من اشترط الاشتراط المذكور
في إحرامه ثم عرض له ما يحبسه من المرض ونحوه عن الحج جاز له أن يتحلَّل،
وأن من لم يشترط في إحرامِهِ فليس له التحلل، قال الولي العراقي: في الحديثِ
أنه وَله أمر ضباعة أن تشترط في إحرامها التحلل عند المرض.
وقد اختلف العُلَمَاء في هَذَا الأمر هل هو على سبيل الإباحة أو الاستحباب أو
الإيجاب؟ وهذه الأقوال متفقة على الاشتراط في الجملة، وَمِنْهُم من أنكره لعدم
صحة الحديث عنده أو لتأويله كما سيأتي، وحاصل هَذَا الخلاف أقوال: أحدها:
جوازه، وهو المشهور من مذهب الشافعي فإنه نص عليه في القديم، وعلق القول
به في الجديد على صحته، وقد صحَّ كما سيأتي، ولذلك قطع الشيخ أبو حامد
بصخَّته، وأجرى غيره فيه قولين في الجديد، أظهرهما الصحة، وروى ابن أبي
شيبة فعله عن علي وعلقمة والأسود وشريح وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث،
والأمر به عن عائشة وعبد الله بن مسعود، وعن عثمان أنه رأى رجلاً واقفًا بعرفة
فقال له: أشارطت؟ فقال: نعم. وعن الحسن وعطاء في المحرم قالا: له شرطه.
وروى البيهقي الأمر به عن أمِّ سلمة.
وقال ابنُ المُنْذِر: ممن روينا عنه أنه رأى الاشتراط عند الإحرام عمر بن
الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وعمار بن ياسر، وهو مذهب
عبيدة السلماني والأسود بن يزيد وشريح وسعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح
وعكرمة وعطاء بن يسار وأحمد وإسحاق وأبي ثور، وبه قال الشافعي إذ هو
بالعراق، ثم وقف عنه بمصر، وبالأول أقول - وهو المصحح عند الشافعية -،
وحكاه ابنُ حزم عن جمهور الصحابة، وحكاه والدي - يعني: الزين العراقي - في
((شرح الترمذيَ)) عن جمهور الصَّحَابَة والتابعين ومن بعدهم.
والثاني: استحبابُهُ وهو مذهبُ أحمد، فإنَّ ابنَ قُدامة جزم به في ((المغني))
(ج ٣: ص ٢٨٢) وهو المفهوم من قول الخرقي والمجد بن تيمية في ((مختصريهما))
عند ذكر الإحرام: ويشترط. أي: المحرمُ إن لم يفهم منه الوجوب.

٢٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الثالث: إيجابه، ذهب إليه ابنُ حزم الظاهري تمسكًا بالأمر.
الرابع: إنكاره، وهذا مذهب الحنفية والمالكية - ومعنى إنكار الاشتراط وعدم
صحّته وبُطلانه: أنه لا ينفعه الاشتراط ولا يفيدُهُ، وأنَّه لا تأثير لَه في جوازِ التحلل
ولا حاجة إليه ولا حكم له؛ فإن الإحصار عند الحنفية يتحقق بالمرض أيضًا ولو لم
يشترطْ فيصیرُ المریض عِنْدَهم محصرًا له حكم المحصر - وروى ابن أبي شيبة عن
هشام بن عروة قال: كان أبي لا يرى الاشتراط في الحجِّ شيئًا، وعن إبراهيم
النخعي: كانوا لا يشترطون ولا يرون الشرط شيئًا، وعن طاوس والحكم وحماد:
الاشتراط في الحجِّ ليسَ بشيءٍ، وعن سعيد بن جُبير: المستثنى وغير المستثنى
سواء، وعن إبراهيم التيمي: كان علقمة لا يرى الاشتراط شيئًا، وروى التر مذيُّ
وصحَّحه والنَّسَائِي عن ابن عمر أنه كان ينكر الاشتراط في الحجِّ ويقول: ((أَلَيْسَ
حَسْبُكُمْ سُنََّ نَبِيِّكُمْوَِّ؟)) زادَ النسائيُّ في روايتِهِ: إِنَّهُ لَمْ يَشْتَرِطْ. أي: الَّبِيِوَلِّ وهو
في ((صحيح البُخَارِي)) بدون أوله. وحكى ابنُ المنذر إنكاره عن الزهريِّ أيضًا،
وحكاه ابن عبد البر عن سفيان الثوري، وعن أبي حنيفة أن الاشتراط يفيد سقوط
الدم، فأما التحلل فهو ثابت عنده بكلِّ إحصارٍ .
ثم قال الولي العراقي: فمن قالَ بالجوازِ تمسك بهذا الحديثِ، ورأى أنَّ الأمر
به ترخيص وتوسعة وتخفيف ورفق، وأنه يتعلَّق بمصلحةٍ دنيويةٍ، وهي ما يحصل
لها من المشقة بمصابرة الإحرام مع المرض، ومن قال بالاستحباب: رأى
المصلحة فيه دينية، وهو الاحتياط للعبادة، فإنها بتقدیر عدمه قد یعرض لها مرض
يشعث العبادة ويوقع فيها الخلل، وهذا بعيد، ومن قال بالوجوبٍ: حمل الأمر
على حقيقته، وهو أبعد من الَّذِي قبله، ولو كان واجبًا لما أخل النَّبِي وَلَّ بفعله ولا
الصحابة، ولو فعلوا ذلك في حجة النبيِّ وَّ لنقل، وقد صرَّح ابنُ عُمر بأنه لم
يشترطْ كما تقدَّم ذكرُهُ، ولما لم يأمر به إلا هذه المرأة الواحدة بعد شکایتها له علمنا
أن ذلك ترخيص حرك ذكره هَذَا السبب وهو شكواها، ومن قال بالإنكار؛ منهم:
من ضعَّف الحديث كما سيأتي ذكره ورده. وَمِنْهُم: من أوله وفي تأويله أوجه؛
أحدها: أنه خاص بضباعة، حكاه الخطابي عن بعضِهِمْ. قال: وقال يشبه أنْ يَكُون
بها مرض أو حال كان غالب ظنها أنها تعوقها عن إتمام الحجِّ، فأَذِن لها النبيُّ وَلـ
في الاشتراطِ كما أذن لأصحابه في رفض الحج، وليس ذلك لغيرهم، وقال النووي

٢٩
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الْإِحْصَارِ، وَفؤْتِ الْحُجِ
في ((شرح مسلم)) بعد ذكره هَذَا المذهب: وحملوا الحديث على أنها قضية عين،
وأنه مخصوص بضباعة، وحكاه في ((شرح المهذب)) عن الرؤياني من أصحابنا
الشافعية، ثم قال: وهذا تأويل باطل ومخالف لنصِّ الشافعيِّ، فإنه إنما قال: لو
صحّ الحديث لم أعده ولم يتأوله ولم يخصه.
الثاني أن معناه: حيثُ حبستني بالموت، أي: إذا أدركتني الوفاة انقطع
إحرامي، حكاه النووي في ((شرح المهذب)) عن إمام الحرمين، ثم قال: وهذا
تأويل ظاهر الفساد، وعجبت من جلالة الإمام كيف قاله.
الثالث: أنَّ المرادَ التحلل بعمرةٍ لا مطلقًا حكاه المحب الطبري عن بعضِهم،
ويردُّهُ حديث ضباعة عند ابن خزيمة فِي ((صَحِيحِه)) والْبَيْهَقِي في ((سُننه)) من رواية
يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عنها قالت، قلت: يا رسول الله إِني أريدُ الحَّ
فكيفَ أهلُّ بالحجِّ، قال: ((قَوْلِي: اللَّهُمَّ إِنِّي أُهِلُّ بِالْحَجِّ إِنْ أَذِنْتَ لِي بِهِ وَأَعَنْتَنِي عَلَيْهِ
وَيَسَّرَتَهُ لِي، وَإِنْ حَبَسْتَنِي فَعُمْرَةٍ، وَإِنْ حَبَسْتَنِي عَنْهُمَا جَميعًا فَمَحَلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي)،
فإنَّ فيه التصريح بالتحلل المطلق عن الحجّ والعمرة معًا. وحكى ابنُ حزم عن
بعضِهِم: أن هَذَا الحديث مخالف لقوله تعالى: ﴿وَأَنِقُواْ الَّْ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وَلَّقوله
تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَا أُسْتَيْسَرَ مِنَ الْمَدْيِّ﴾ وعن بعضهم: أن هَذَا الخبر رواه عروة
وعطاء وسعيد بن جبير وطاوس، وروي عنهم خلافه، يعني: فهذا مما يوهن
الاشتراط، ثم قال ابنُ حزم: سمعناكم تعتلون بهذا في الصاحب فعديتموه إلى
التابع، وإن درجتموه بلغ إلَّينا وإلى من بعدنا، فصارَ كلَّ من بلغَهُ حديث فتركه
حجةً في ردِّه، ولئن خالف هؤلاء ما رووا فقد رواه غيرهم ولم يخالفه، وأطنب ابن
حزم في ردِّ هذه المقالات، وهي حقيقة بذلك، والظنُّ بمن يعتمَّد عليه ممن خالف
هَذَا الحديث أنه لم يبلغه.
قال البيهقي: عندي أن ابنَ عُمر لو بلغه حديث ضباعة في الاشتراط لم ينكره كما
لم ينكره أبوه، انتهى. واستدلَّ بالحديث على: أن المشترط لذلك يحل بمجرد
المرض والعجز ولا يحتاج إلى إحلال، وقد قال الشافعية: إن اشتراط التحلل
بذلك فلا يحل إلا بالتحلل، وإن قال: إذا مرضت فأنا حلال فهل يحتاجٍ في هذه
الصورة إلى تحلل أو يصير حلالاً بنفس المرض؟ فيه للشافعية وجهان، الذي نص

٣٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
عليه الشافعي أنه يصير حلالًا بنفس المرض، ودلالة الحديث محتملة، فإن قوله :
(فَإِنَّ مَحَلِّي)» يحتمل أنْ يَكُون موضع حلي، ويحتمل أنْ يَكُون معناه، موضع
إحلالي، قال الولي العراقي: والحديثُ وردَ في الحجِّ، والعمرة في معناه، فلو
أحرم بعمرة فشرط التحلل منها عند المرض كان كذلك. ولا خلاف في هَذَا بين
المجوزين للاشتراط فيما أعلم، ولعل العمرة داخلة في قَوْلِه في رواية النسائي من
حديث ابن عباس: ((فإنَّلك على ربِّك ما استثنيتٍ)). قال: والمراد بالتحلَّل أنْ يصير
نفسه حلالًا، فلو شرط أن يقلب حجه عمرة عند المرض فذكر أصحابنا: أنه أولى
بالصحة من شرط التحلل ونص عليه الشافعي، وإذا جازَ إبطال العبادة للعجز فنقلها
إلى عبادة أخرى أولى بالجواز، انتهى.
واعلم: أنَّ سببَ الحديثِ إنما هو في التحلّل بالمرض، لكن قوله: ((حَبَسْتَنِي))
يصدق بالحبس بالمرض وبغيره من الأعذار كذهاب النفقة وفراغها وضلال الطريق
والخطأ في العدد، وقد صرح الشافعية والحنابلة بأن هذه الأعذار كالمرض في
جواز شرط التحلل بها، وظاهرُ الحديثِ: أنه لا يجبُ عليه عند التحلل بالشرط دم،
إذ لو وجب لذكره، فإنه وقت الاحتياج إليه، وبهذا صرح الحنابلة والظاهرية، وهو
الأصح عند الشافعية، ومحل الخلاف عندهم في حالة الإطلاق، فلو شَرط التحلل
بالهدي لزمه قطعًا، وإن شرطه بلا هدي لم يلزمه قطعًا.
قالَ ابنُ قُدَامَة (ج٣: ص ٢٨٢): يستحب لمن أحرم بنسك أن يشترط عند
إحرامه فيقول: إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني، ويفيدُ هَذَا الشرط شيئين؛
أحدهما: أنه إذا عَاقه من عدوٍّ أو مرض أو ذهاب نفقة ونحوه أنَّ له التحلل.
والثاني: أنه متی حل بذلك فلا دم علیه ولا صوم، انتھی.
وفي ((شَرْحِ الإقناع)): لا يسقط عنه الدم إذا شرط عند الإحرام أنه يتحلل إذا
أحصر، بخلافَ ما إذًا شرط في المرض أنه يتحلل بلا هدي فإنه لا يلزمه؛ لأنَّ
حصر العدو لا يفتقر إلى شرط، أي: التحلل بالإحصار جائز بلا شرطٍ، فالشرطُ فيه
لاغ ولو أطلق في التحلل من المرض بأن لم يشترط هديًا لم يلزمه شيء بخلاف ما
إذا شرط التحلل بالهدي فإنه يلزمه، قال البجيرمي: حاصلُهُ أن المرض ونحوه لا
يبيح التحلل بدون شرطٍ، أما إذا شرطه جازَ التحلل به وأما الدم فإن شرط التحلل به

كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الْإِخْصَارِ، وَفَوْتِ الْحِجِ
بـ
٣١
5
فلا بد منه أيضًا، فإن سكت عنه أو نفاه فلا یجب، انتهى.
قال الولي العراقي: واستدلَّ بالحديث الجمهور على أنه لا يجوز التحلل
بالإحصار بالمرض من غير شرطٍ، إذ لو جاز التحلل به لم يكن لاشتراطه معنى
قال: وظاهر الحديث أنه لا قضاء عند التحلل بالمرض بالشرط وبه صرَّح أصحابنا
وغَيْرِهم، ويعودُ فيهِ قول مَن قال بوجوبِ القضاءِ عند الإطلاق على ما تقدم بيانه،
والمفهوم من لفظ الشرط أنه لا بد من مقارنته للإحرام، فإنه متى سبقه أو تأخر عنه
لم يكن شرطًا، وقد صرح بذلك في قَوْلِه في حديث ابن عباس: ((اشْتَرِطِ عِنْدَ
إِحْرَامِكِ))، وهو بهذا اللفظِ في ((مصنف ابن أبي شيبة))، وقد صرح بها الماوردي
وغيره كما نقله النووي في ((شرح المهذب))، وكذا قالَ ابنُ قُدَامَة في ((المغني)):
يستحبُّ أن يشترطَ عند إحرامه، انتهى. وهو واضح، قال: وظاهرُ الحديثِ أنَّه لا
بد من التلفظِ بهذا الاشتراط كغيرهٍ من الشروطِ، وهو ظاهرُ كلام أصحابنا
الشافعية، وذكر فيه ابنُ قدامة احتمالين: أحدهما هذا: قال: ويدلَّ عليه ظاهر
قوله ◌ََّ في حديث ابن عباس: ((قُولِي: مَحِلِّي مِنَ الْأَرْضِ حَيْثُ تَحْبِسُنِ)). قلتُ:
وكذا في حديثٍ عائشة في ((الصَّحِيحَيْن)): ((وَقُولِي: اللَّهُمَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي)).
والثاني: أنه تكفي فيه النية. ووجهه بأنه تابع لعقد الإحرام، والإحرام ينعقد
بالنية فكذلك تابعه، قال: وقد يفهم منه أنه يتعين في الاشتراط اللفظ المذكور في
الحديثِ، وليس كذلك، بل كل ما يؤدي معناه يقوم مقامه في ذلك. قال ابن
قدامة: وغير هَذَا اللفظ مما يؤدي معناه يقوم مقامه؛ لأن المقصود المعنى والعبارة
إنما تعتبر لتأدية المعنى. قال: وفي قَوْلِه: ((مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي)) أن المحصر يحل
حيث يحبس، وهناك ينحر هديه ولو كان في الحلِّ، وبه قال الشافعي وأحمد، وقال
أبو حنيفة: لا ينحره إلا في الحرم.
فائدة: قد يتشوف لحالٍ ضباعة؛ هل حبسها المرض أم لا؟ وقد جاء في رواية
لمسلم في حديث ابن عباس: فَأَدْرَكَتْ. ومعناه: أنها أدركت الحج ولم تتحلّل
حتى فرغت منه.
(مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) أخرجَهُ مسلمٌ في الحجِّ والبخاريُ في كتاب النكاح في باب:
الأكفاء في الدين؛ لقوله في رواية ((الصحيحين)) في آخر الحديثِ: وكانت تحت

٣٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ
المقداد بن الأسود. يشير إلى تزوجها بالمقدادِ، وليس كفؤًا لها من حيث النسب
فإنه كندي وليس كندة أكفاء لقريش فضلاً عن بني هاشمٍ، وإنما هو كفؤٌ لها في
الدينِ فقط، قال الحافظُ: قوله: وكانت تحتَ المقدادِ بَنِ الأسودِ.
هذا القدر هو المقصود من هَذَا الحديث في هَذَا الباب، فإن المقداد هو ابن
عمرو الكندي، نسب الأسود بن عبد يغوث لكونه تبنّاه، فكانَ من حُلفاء قُریش،
وتزوَّج ضباعة وهي هاشمية، فلولا أن الكفاءة لا تعتبر بالنسبٍ لما جاز له أن
يتزوَّجها؛ لأنَّهَا فوقه في النسب، والذي يعتبر الكفاءة في النسب أن يجيب. بأنها
رضيت هي وأولياؤها، فسقط حقُّهم من الكفاءة، وهو جواب صحيح إن ثبت أصل
اعتبار الكفاءة في النسبٍ، وقال في موضع آخر: لم يثبت في اعتبار الكفاءة بالنسب
حديث، وأما ما أخرجه البزار من حديث معاذ رفعه: العرب بعضهم أكفاء بعض،
والموالي بعضهم أكفاء بعض. فإسناده ضعيف، واحتج البيهقي بحديث واثلة
مَرْفُوعًا: ((إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى بني كِنَانَةَ مِنْ بني إِسْمَاعِيلَ ... )) الحديث. وهو صحيح
أخرجه مسلم لكن في الاحتجاج به لذلك نظر، لکن ضم بعضهم إلیه حدیث:
(قَدِّمُوا قُرَيْشًا وَلَا تَقَدَّمُوهَا))، انتهى.
والحديثُ أخرجَهُ أيضًا أحمد والترمذي وأبو دَاوُد والنَّسَائِي والْبَيْهَقِي وَابْن حِبَّان
والدار قطني وَابْن الجارود وغَيْرهم، وفي الباب عَنِ ابْن عَبَّاسٍ أخرجه أحمدُ و مسلمٌ
والأربعةُ والْبَيْهَقِي وَابْن الجارود والدارميُّ وغَيْرهم، وعن أنس عند البيهقي وعن
جابر عند الطَّبَرَاني والْبَيْهَقِي، وعن ابن مسعود وأم سليم عند البيهقيِّ أيضًا، وعن أم
سلمة عند أحمد والطّرَاني في ((الكبير))، وسنده جيد، وعن ابن عمر عند الطَّبَرَاني
في ((الكبير))، وفيه علي بن عاصم وهو ضعيف، وعن ضُباعة أخرجه أحمد وَابْن
ماجه وَابْن خُزيمة والْبَيْهَقِي، وعن أسماء بنت أبي بكر أو سعدى بنت عوف،
أخرجه ابن ماجه على الشكّ هَكَذا.
قال العقيلي: روی عَنِ ابْن عَبَّاسٍ قصة ضباعة بأسانيد ثابتة جیاد، وقال ابن حزم
في ((المحلى)) بعد ذكر هذه الأحاديث سوى حديث أسماء أو سعدى: فهذه آثار
متظاهرة متواترة لا يسع أحدًا الخروج عنها. وقال الشوكاني: وقد غلط الأصيلي
غلطًا فاحشًا فقال: إنه لا يثبت في الاشتراط حديث، وكأنه ذهل عما في

كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
**** ****** *** * aces **
بَابُ الإِخضارِ، وفؤْتِ الْحُجِ
١٤
٣٣
BASE
((الصَّحِیحیْن))، انتهى.
وقال الولي العراقي: قال النسائي: لا أعلمُ أحدًا أسنده عن الزهري غير معمر.
وقال في موضع آخر: لم يسنده عن معمر غير عبد الرزاق فيما أعلمُ، وأشارَ القاضي
عياض إلى تضَّعِيفِ الحديثِ، فإنه قال: قال الأصيلي: لا يثبتُ في الاشتراطِ إسنادٌ
صحيحٌ.
قال النووي في ((شرح مسلم)): وهذا الَّذِي عرض به القاضي وقاله الأصيلي من
تضعيف الحديثِ غلط فاحش جدًّا نبهت عليه لئلا يغترُّ به؛ لأن هَذَا الحديثَ
مشهور في ((صَحِيحِي البُخَارِي ومسلم) و((سنن أبي داود)) والترمذي والنَّسَائِي
وسائر كتب الحديث المعتمدة من طرق متعددة بأسانيد كثيرة عن جماعة من
الصحابة، وفيما ذكره مسلم من تنويع طرقه أبلغ كفاية .
وقال والدي في ((شرح الترمذي والنَّسَائِي)): لم يقل بانفراد معمر به مطلقًا بل
بانفراده به عن الزهري، ولا يلزم من الانفراد المقيد الانفراد المطلق، فقد أسندَهُ
معمر وأبو أسامة وسفيان بن عيينة عن هشام عن أبيه عن عائشة، وأسنده القاسم
عنها، ولو انفرد به معمر مطلقًا لم يضره، وكم في ((الصَّحِيحَيْن)) من الانفراد ولا
يضر إرسال الشافعي له، فالحكم لمن وصل، هَذَا معنی كلامه، انتهى كلام الولي
العراقي.
تنبيه:
قال الشيخُ محمد أنور الكشميري: وافقنا البُخَارِي في مسألةِ الاشتراط حيثُ لم
يخرج حديث ضباعة في كتاب الحج مع كونه صريحًا في الاشتراطِ، وإنما أخرجه
في كتاب النكاحِ، ومن آدابه وعاداته في التراجم والأبواب أنه لا يعقد ترجمة على
الحديث إذا لم يذهب إليهِ، وأنَّ الحديثَ إذا ورد في مسألةٍ ولم يخرجه في بابه مع
كونه صريحًا فيه بل حوله من مظنته، فكأن هَذَا تنبيه منه على أنه لا يأخذه ولا يذهب
إليه، ونظير ذلك: أنه روى حديث الركعتين بعد الوتر جالسًا، ولم يبوب عليه
الترجمة ولم يخرجه في أبواب الوتر بل أخرجه في السنة أي الركعتين قبل الفجر.
قال: وما نَّه أحد على هذه العادة، هَذَا معنى كلامه.
وفيه ما قال صاحب ((فتح الملهم)): أنه قد تنبَّهَ لها ابنُ المرابط وأشار إليها كما

٣٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
حكاه العَيْنِي عنه فقال: زعم ابن المرابط أن عدم ذكر البُخَارِي حديث ضباعة في
الحجِّ دلالة على أنَّ الاشتراط عنده لا يصح، ثم قال العَيْنِي: فيه نظر لا يخفى، ولم
يبين وجه النظر، وما ادعاه الشيخ الأنور من عادة البُخَارِي لیس بمطرد، فقد روى
البُخَارِي حديث الصلاة على النَّبِي ◌َّ في الدعوات، ولم يخرجه في أبواب
الصلاة أصلًا مع أنه لا شبهة في كونهِ أليق بها فيما بين باب التشهد وباب الدعاء قبل
السلام كما هو الظاهرُ.

كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الْإِخْصَارِ، وَفؤْتِ الْحجِ
٣٥
REXB
الفصل الثانى
٢٧٣٧ - [٦] عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ ظُّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ
يُبَدِّلُوا الْهَدْيَ الَّذِي نَحَرُوا عَامَ الْخُدَيْبِيَةِ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ.
[ رَوَاهُ ... ]
الشرح
٢٧٣٧ - قوله: (أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يُبَدِّلُوا) بالتشديدِ والتخفيفِ. (الْهَدْيَ الَّذِي
نَحَرُوا عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ) أي: يذبحوا مكان ما ذبحوه هديًا آخر. (فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ)
يعني: أمرهم بأن ينحروا الهدي في عمرة القضاء بدل ما نحروا عام الحديبية، أي:
في السنة المتقدِّمة، واستدلَّ بقوله: ((عُمْرَةِ الْقَضَاءِ)) من رأى القضاء على
المحصر، قالوا: كانت عمرة العام المقبل قضاء العمرة التي صدَّ عنها في العام
الماضي، وهذا الاسم تابع للحكم، ومن لم ير القضاء قال: القضاءُ هنا من
المقاضاة؛ لأنَّهُ قاضى أهل مكة عليها لا أنه من قضى يقضي قضاء، ولهذا سميت
عمرة القضية.
قال الطيبي: يستدلَّ بِهَذَا الحَدِيث من يوجب القضاء على المحصر إذا حل حيث
أحصر، ومن يذهب إلى أن دم الإحصار لا يذبح إلا في الحرم فإنه أمرهم
بالإِبدال؛ لأنَّهُم نحروا هداياهم في الحديبية خارج الحرم، انتهى. وقال
الخطابي: أما من لا يرى عليه القضاء في غير الفرض، فإنه لا يلزمه بدل الهدي،
ومن أوجبه فإنما يلزمه البدل لقوله ريات: ﴿هَدْيَا بَلِغَ الْكَعْبَةِ﴾ ومن نحر الهدي في
الموضع الَّذِي أحصر فيه، وكان خارجًا من الحرم، فإنَّ هديَهُ لم يبلغ الكعبة،
فيلزمه إبداله وإبلاغه الكعبة، وفِي الحَدِيث حجة لَهذا القول، انتهى.
وقال في ((اللمعات)): هَذَا - أي: الأمر بإبدال الهدي - يدل على أن هدي
الإحصار لا يذبح إلا في الحرم، كما هو مذهب أبي حنيفة، وهذا إن قلنا: إنهم
(٢٧٣٧) أَبُو دَاوُد (١٨٦٤) فِي الحَجِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَفِهِ قِصَّةٌ.

٣٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
نحروا في الحديبية في غير الحرم، وإن قلنا: إنهم ذبحوها في الحرم فإن الحديبية
أكثرها حرم، فالتبديل للاحتياط وإدراك الفضيلة ثانيًا، والأمر للاستحباب، والله
أعلم.
وقوله: (فِ عُمْرَةِ الْقَضَاءِ) تسميته عمرة القضاء ظاهر في مذهبنا، والشافعية
يقولون: إن المراد بالقضاء الصلح، والقضاء والمقاضاة يجيء بمعنى الصلح
والمصالحة، وقد ذكروا في الصلح أن يأتي رسول اللَّه ◌َّر في العام المقبل.
وقال البيهقي: لعله إن صح الحديث استحب الإبدال وإن لم يكن واجبًا كما
استحب الإتيان بالعمرة وإن لم يكن قضاء ما أحصروا عنه واجبًا بالتحلل، والله
أعلم، ذكره الْمُنْذِرِي في ((مختصر السنن)) والمحب الطبري في ((القرى)).
(رواه .... ) قال القاري: هنا بياضٌ في الأصلِ، وفي نسخةٍ ألحق به: ((أَبُو دَاوُدَ))
وزاد في نسخة: «وَفِیهِ قِصَّةٌ)) وفي سنده محمد بن إسحاق، انتهى.
قلت: الحديثُ رواه أبُو دَاوُد في باب الإحصار من طريق محمد بن إسحاق عن
عمرو بن ميمون عن أبي حاضر الحميري وهو عثمان بن حاضر، قال: خرجت
معتمرًا عام حاصر أهل الشام ابن الزبير بمكة، وبعث معي رجال من قومي بهدي،
فلما انتهينا إلى أهل الشام منعونا أن ندخل الحرم، فنحرت الهدي مكاني ثم
أحللت ثم رجعتُ، فلما كان من العام المقبل خرجت لأقضي عمرتي فأتيت ابن
عباس فسألته، فقال: أبدل الهدي فإن رسول اللّه وَل أمر أصحابه أن يبدلوا الهدي
... إلخ.
وقد سكت عنه أبو داود. قال المنذري: في سنده محمد بن إسحاق وقد تقدم
الكلام فيه، انتھی.
قلت: قد تقدم أنه مدلس ولم يصرح فِي رِوَايَتِه لهذا الحديث بالتحديث
والسماع، ففي كون الحديث حسنًا نظرٌ.

٣٧
بَابُ الإِخْصَارِ، وَفؤْتِ الْحجِ
جير
كِتَابَ الْمُنَاسِكِ
٢٧٣٨ - [٧] وَعَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ عَمْرِوِ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
وَهِ : ((مَنْ كُسِرَ أَوْ عَرَجَ فَقَدْ حَلََّ، وَعَلَيْهِ اَلْحَجُّ مِنْ قَابِلِ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالْنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجِهِ وَالْدَارِمِيُّ، وَزَادَ أَبُو دَاوُدُ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: ((أَوْ
مَرِضَ))، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَفِي الْمَصَابِيحَ: ضَعِيفٌ]
الشرح
٢٧٣٨ - قوله: (وَعَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ عَمْرِو الأَنْصَارِيِّ) هو الحجاج بن عمرو بن
غَزِيَّة - بفتح المعجمة وكسر الزاي وتشديد التحتانية - الأنصاري الخزرجي
المازني، نسبة إلى جده مازن بن النجار، قال البخاري: له صحبة، روى عن
النبيِّي ◌ََّ حديثين، هَذَا أحدهما، وقد صرح بسماعِهِ فيه من النَّبِي ◌َِّ، والآخر:
«کان النَّبِي ◌َآل﴾ یتهجدُ من اللیلِ بعد نومه)). روى عنه ابنُ أخيه حمزة بن سعيد و كثير
ابن العباس وعبد الله بن رافعٍ وعكرمة، وقيل: عن عِكْرِمَة عن عبد الله بن رافع،
والحجاج بن عمرو هَذَا هو الَّذِي ضرب مروان بن الحكم يوم الدار حتى أسقطه
وحمله أبو حفصة مولاه وهو لا يعقلُ، وقال أبو نعيم: شهد مع عليٍّ صفين.
(مِنَ كُسِرَ) بضم الكاف وكسر السين على بناء المجهول. (أَوْ عَرَج) بفتح
المهملة على بناء المعلوم من باب نصر وضرب، أي: أصابه شيء في رجلِّهِ ولیس
بخلقة، فإذا كان خلقة قيل: عرج بالكسر كفرح من بابٍ سمع، قال في
((الصحاح)): عرج في الدرجة والسلم يعرج عروجًا إذا ارتقى، وعرج أيضًا إذا
أصابه شيء في رجله فخمع ومشى مشية العرجان، وليس بخلقةٍ، فإذا كان ذلك
خلقة، قلت: عرج بالكسر فهو أعرج بين العرج، وفي ((القاموس)): عرج عروجًا
ارتقى وأصابه شيء في رجله، فخمع وليس بخلقةٍ، فإذا كان خلقة فعرج كفرح أو
يثلث في غير الخلقة، انتهى. وزاد أَبُو دَاوُد وَابْن ماجه في رواية: ((أَوْ مَرِضَ)) وقال
المجد في ((المنتقى)): وفي رواية ذكرها أحمد في رواية المروزي: ((مَنْ حُبِسَ
(٢٧٣٨) أَبُو دَاوُد (١٨٦٢)، والتِّرْمِذِي (٩٤٠)، وابنُ ماجه (٣٠٧٧)، والنَّسَائِي (١٩٨/٥) فِيهِ عَنِ
الحَجَّاجِ بْنِ عَمْرٍو، وَقال التِّرْمِذِي: حَسَنٌ، وَلَمْ يُصبِ المُصَنِّفُ في تَضْعِيفِهِ.

٣٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
بِكَسْرٍ أَوْ مَرَضٍ)) يعني: من حَدَث له بعد الإحرام مانع غير إحصار العدو.
(فَقَدْ حَلَّ) أي: يجوز له أن يترك الإحرام ويرجع إلى وطنه، قاله القاري. وقال
السندي: قوله: ((مَنْ كُسِرَ أَوْ عَرِجَ ... )) إلخ. أي: من أحرم ثم حدث له بعد الإحرام
مانع من المضي على مقتضى الإحرام غير إحصار العدو بأن كان أحد كسر رجله أو
صار أعرج من غير صنيع من أحد يجوز له أن يترك الإحرام وإن لم يشترط التحلل،
وقيده بعضهم - الشافعية والحنابلة - بالاشتراطِ، ومن يرى أنه من باب الإحصار
- وهم الحنفية - لعله يقول: معنى ((حَلَّ)) كاد أن يحل قبل أن يصل إلى نسكه بأن
يبعث الهدي مع أحد ويواعده يومًا بعينه يذبحها فيه في الحرم فيتحلل بعد الذبح،
انتھی .
وقال التُّورْبَشْتِي: إنْ قيلَ: ما وجهُ قوله: ((فَقَدْ حَلَّ)) والمتمسُكُ بِهَذَا الحَدِيث
يرَى أن المحصر ليس له أن يحل حتى يبلغ الهدي محله، وعنده أن محله مكانه
الَّذِي يجب أن ينحر به وهو الحرم فكيف يقول: ((فَقَدْ حَلَّ)) ولم يبلغ الهدي محله؟
قلنا: قد قيل: إن وجه قوله: ((فَقَدْ حَلَّ)) له أن يحل من غير أن يصل إلى البيت،
ومثله قولك للمرأة إذا انقضت عدتها قلت: قد حلت للرجل. يعني: أن يخطبها
ويعقد عليها، ويجوز أنْ يَكُون بمعنى المقاربة، أي: قرب له ذلك وحان فكان
کقولك: من بلغ ذات عرق فقد حج، انتهى.
(وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِل) وفي رواية: ((وَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى))، وللْحَدِيث تتمة من
قول ◌ِكْرِمَة وهو أحد الرواة عن الحجاج بن عمرو وذلك قوله: فذكرتُ ذلك لأبي
هريرة وَابْن عباس فقالا: صدق. وفي رواية: فحدثت بذاك ابن عباس وأبا هريرة
فقالا : صدق.
قال الخطابي: في الحديث حجة لمن رأى الإحصار بالمرض والعذر يعرض
للمحرم من غير حبس العدو، وهو مذهب الثوري وأصحاب الرأي، وقال مالك
والشافعي وأحمد وإسحاق: لا حصر إلا حصر العدو، وقد روي ذلك عن ابن
عباس، وعلَّل بعضهم حديث الحجاج بن عمرو بأنه قد ثبت عَنِ ابْن عَبَّاسٍ خلافه
وهو أنه قال: لا حصر إلا حصر العدو.
وتأوَّلَهُ بعضُهم على أنه إنما يحل بالكسر والعرج إذا كان قد اشترط ذلك في عقد

٣٩
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الْإِخضارِ، وَفَوْتِ الْحَجِ
DATE
الإحرام على معنى حديث ضباعة، قالوا: ولو كان الكسر عذرًا لم يكن لاشتراطها
معنى، ولا كانت بها إلى ذلك حاجة، وأما قوله: ((وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلِ)) فإنما هَذَا
فيمن كان حجه عن فرضٍ، فأما المتطوع بالحجِّ إذا أحصر فلا شيء عليه غير هدي
الإِحصار، وهذا على مذهب مالك والشافعي، وقال أصحاب الرأي: عليه حجة
وعمرة وهو قول النخعي، وعن مجاهد والشعبي وعكرمة عليه حجة من قابل،
انتھی باختصار یسیر .
وقال ابن القيم في (مختصر السنن)): إن صحَّ حديث الحجاج بن عمرو فقد حمله
بعضُ أهل العلم على أنه يحل بعد فواته بما يحل به من يفوته الحج بغیر مرض،
فقد روينا عَنِ ابْن عَبَّاسٍ ثابتًا عنه أنه قال: لا حصر إلا حصر عدو، وقال غيره: معنى
حديث الحجاج بن عمرو أن تحلله بالكسر والعرج إذا كان قد اشترط ذلك في عقد
الإحرام على معنى حديث ضباعة، قالوا: ولو كان الكسر مبيحًا للحل لم يكن
للاشتراط معنى، قالوا: وأيضًا فلا يقول أحد بظاهر الحديث فإنه لا يحل بمجرد
الكسر والعرج فلا بد من تأويله فنحمله على ما ذكرناه، قالوا: وأيضًا فإنه لا يستفيد
بالحلِّ زوال عذره، أي: التخلص من الأذى الَّذِي به ولا الانتقال من حاله بخلاف
المحصر بالعدو. وقوله: ((وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ)) هَذَا إذا لم يكن حج الفرض، فأما
إذا كان متطوعًا فلا شيء عليه غير هدي الإحصار. وقال البيهقي: وحديث الحجاج
ابن عمرو قد اختلف في إسناده، والثابت عَنِ ابْن عَبَّاسٍ خلافه وأنه لا حصر إلا
حصر العدو، انتهى. وبنحو ذلك قرَّر ابن قدامة مذهب الجمهور، من شاء
الوقوف عليه رجع إلى ((المغني)) (ج ٣: ص ٣٦٣).
ثم قال ابن القيم: اختلف العُلَمَاء من الصَّحَابَة فمن بعدهم فيمن منع الوصول
إلى البيت بمرض أو كسر أو عرج، هل حكمه حكم المحصر في جواز التحلل؟
فروي عَنِ ابْن عَبَّاسٍ وَابْن عمر ومروان بن الحكم: أنه لا يحلله إلا الطواف
بالبيت، وهو قول مالك والشافعي وإسحاق وأحمد في المشهور من مذهبه، وروي
عن ابن مسعود أنه كالمحصر بالعدو، وهو قول عطاء والثوري وأبي حنيفة
وأصحابه وإبراهيم النخعي وأبي ثور وأحمد في الرواية الأخرى عنه، ومن حجة
هؤلاء حديث الحجاج وأبي هريرة وَابْن عباس، قالوا: وهو حديث حسن يحتجُ
بمثله، قالوا: وأيضًا ظاهر القُرْآن بل صريحه يدل على أن الحصر یکون بالمرض،