Indexed OCR Text
Pages 441-460
منها، وأنها أمرت به، فقطعت يده، وقال: ((القطع في ربع دينار
فصاعداً)، فروت قضاها وفتواها دون روايتها، وفي غيره دون
روايتها(١). فلا تعلل حديث الحفاظ بمثل هذا.
وقد روي من حديث يونس بن يزيد عن الزهري عن عمرة،
وعمرة عن عائشة رضي الله عنها عن النبي، وَليت/.
[نهاية ١٧٥/ب]
وروى همام عن قتادة عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله
عنها قالت: ((قال رسول الله وَتر: السارق يقطع في ربع دينار))(٢)،
رواه عنه أبو عمر الحوضي، وتابعه على رفعه عن همام
عبد الصمد بن عبد الوارث، وإسحاق بن إدريس، وهدبة بن خالد في
بعض الروايات عنه.
وروي موقوفاً، وهذا لا يخالف رواية هشام بن عروبة عن أبيه
عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ((لم يقطع سارق في عهد
رسول الله ﴿ في أقل من ثمن المجن(٣) جحفة، أو ترس، وكلاهما
ذو ثمن» (٤).
فهشام إنما رواه في رجل سرق قدحاً(٥)، فأتى به عمر بن
عبد العزيز، فقال: ((قال أبي: إنه لا تقطع اليد في الشيء التافه»،
(١) أخرجه مالك في الموطأ ص ٥٩٨، رقم ١٥١٨، ينظر التمهيد لابن عبد البر
١٤/ ٣٧٥، وشرح الزرقاني ٤/ ١٥٣، و١٥٦.
(٢) رواه البيهقي بهذا النص في السنن الكبرى ٨/ ٢٥٤ - ٢٥٥، وعند الطحاوي عن
عمرة عن عائشة بنحوه شرح معاني الآثار ١٦٧/٣، وأسنده إلى ابن خزيمة.
(٣) المجن: هو الترس، تفسير غريب الحديث ص ٢٢٢.
(٤) البخاري ك/ الحدود، ب/ قول الله تعالى: ﴿والسارق ... ﴾ ٢٤٩٢/٦، رقم
٦٤٠٨، ومسلم ك/ الحدود، ب/ حد السرقة ونصابها ١٣١٣/٣، رقم
١٦٨٥، واللفظ له.
(٥) القدح: هو السهم الذي لا ريش له فيه كانوا يتفاءلون به، تفسير غريب الحديث
ص ١٩٢.
٤٤١
وقال: ((أخبرتني عائشة رضي الله عنها أنه لم يكن تقطع اليد في عهد
رسول الله (18 في أدنى من ثمن مجن جحفة، أو ترس)). رواه مسلم
في الصحيح(١)، ثم قيمة المجن غير مذكورة في هذه الرواية، وقد
ذكرتها عمرة عن عائشة في رواية ابن إسحاق عن يزيد بن حبيب عن
بكير الأشج عن ابن يسار عن عمرة قالت: ((قيل لعائشة رضي الله عنها
ما ثمن المجن؟ قالت: ربع دينار))(٢).
وفي صحيح البخاري من حديث مالك عن نافع عن ابن عمر
رضي الله عنهما أن رسول الله وَ﴿ قطع سارقاً في مجن قيمته ثلاثة
دراهم))(٣) .
وفي صحيح مسلم من حديث ابن جريج عن إسماعيل بن أمية
أن نافعاً حدثه أن ابن عمر رضي الله عنهما حدثهم أن النبي وَيّ قطع
رجلاً سرق ترساً من صفة النساء ثمنه ثلاثة دراهم(٤) .
قال الشافعي رحمه الله: ((حديث ابن عمر موافق لحديث عائشة،
رضي الله عنهم؛ لأن ثلاثة دراهم في عهد النبي، ومَثّر، ومن بعده ربع
دینار))(٥) .
واحتج بما تقدم عن عمر، رضي الله عنه، وغيره في تقويم
الإِبل في الديات بألف دينار، أو اثني عشر ألف درهم.
(١) مسلم ك/ الحدود، ب/ حد السرقة ونصابها ١٣١٣/٣، رقم ١٦٨٥.
(٢) البيهقي في السنن الكبرى ٢٥٦/٨، وفي معرفة السنن والآثار ٣٧٥/١٢، رقم
١٧٠٧٥.
(٣) البخاري ك/ الحدود، ب/ قول الله تعالى: ﴿والسارق ... ﴾ ٢٤٩٣/٦، رقم
٦٤١١ - ٦٤١٣.
(٤) مسلم ك/ الحدود، ب/ حد السرقة ونصابها ١٣١٣/٣، و١٣١٤، رقم
١٦٨٦.
(٥) الأم للشافعي ٦/ ١٣٠.
٤٤٢
وبقصة الأترجة (١) رواها عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن
حزم عن أبيه عن عمرة أن سارقاً سرق أترجة في عهد عثمان، رضي
الله عنه، فأمر بها عثمان، رضي الله عنه، فقومت ثلاثة دراهم من
صرف اثني عشر درهماً بدينار، فقطع يده، قال مالك: ((وهي الأترجة
التي يأكلها الناس))(٢).
وروي عن أنس رضي الله عنه قطع أبو بكر رضي الله عنه في
شيء لا يسرني أنه لي بثلاثة دراهم(٣).
وروي أن علياً رضي الله عنه قطع في بيضة من حديد ثمن ربع
دينار (٤) .
وروى فتواه به الشافعي عن غير واحد عن جعفر بن محمد عن
أبيه عنه.
وروي عن أبي هريرة، وأبي سعيد رضي الله عنهما القطع في
أربعة دراهم فصاعداً(٥).
(١) الأترجة: الشجرة المعروفة، ثمرها كالليمون الكبير، وماؤها حامض، وقد قال
النبي - وَل ـ: ((مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن، كمثل الأترجة، طعمها طيب،
وريحها طيب)»، البخاري مع فتح الباري ٦٥/٩، وأحمد ٣٩٧/٤.
(٢) الموطأ ص ٥٩٨، رقم ١٥١٦، والأم ١٣٠/٦، عبد الرزاق ٢٣٧/١٠، رقم
١٨٩٧٢، و٢٦٠/٨، وقال: ((الأترجة خرزة من ذهب تكون في عنق الصبي))،
وابن أبي شيبة ٩/ ٤٧٣، رقم ٨١٥٢، ورواه البيهقي في السنن الكبرى ٨/
٢٦٠.
(٣) رواه عبد الرزاق ٢٣٦/١٠، رقم ١٨٩٧٠، وابن أبي شيبة ٩/ ٤٧٠، والبيهقي
في السنن الكبرى ٢٥٩/٨، وينظر: ص ١٠٠٦ من هذه الرسالة.
(٤) عبد الرزاق ٢٣٧/١٠، رقم ١٨٩٧٥، وابن أبي شيبة ٤٧٠/٩، رقم ٨١٣٨،
ورواه الدارقطني ١٩٥/٣، رقم ٣٣٤ عنه أن رسول الله - * - قطع في بيضة
من حديد قيمتها إحدى وعشرون درهماً، وقال في التعليق المغني: ((الحديث
فيه مختار بن نافع التيمي، قال البخاري: منكر الحديث)) ١ هـ، ورواه الحاكم
في المستدرك ٣٧٨/٤، والبيهقي في السنن الكبرى ٢٦٠/٨.
(٥) رواه ابن أبي شيبة ٩/ ٤٧١، رقم ٨١٤، والبيهقي في السنن الكبرى ٢٦٢/٨.
٤٤٣
وروى أبو الزناد عن الفقهاء السبعة من التابعين أنهم كانوا
يقولون: ((لا قطع إلا فيما بلغت قيمته ربع دينار فصاعداً)(١).
استدلوا بما في الصحيحين عن هشام عن أبيه عن عائشة رضي
الله عنها أن يد السارق لم تقطع في عهد رسول الله وليه(٢) (في أدنى
من ثمن جحفة، أو ترس، وكل واحد منهما يومئذٍ ذو ثمن.
زاد مسلم وأن يد السارق لم تقطع في عهد رسول)(٣) ضَلة في
الشيء التافه.
وروي عن أحمد بن خالد الوهبي عن محمد بن إسحاق عن
أيوب بن موسى عن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ((كان
ثمن المجن في عهد رسول الله (وَّر يقوم عشرة دراهم)) (٤).
ورواه أبو داود من حديث ابن نمير عن ابن إسحاق فقال: ((قطع
رسول الله (َ﴿ يد رجل في مجن قيمته دينار، أو عشرة دراهم))(٥).
وهذه حكاية فعل لا يدل على ترك القطع فيما دون ذلك، ثم قد
خولف في هذا الإِسناد، فرواه الناس عن عطاء عن أيمن (قال علي بن
عمر: ((خالفه منصور، فرواه عن عطاء عن أيمن)(٦)، وأيمن لا صحبة
له)).
روي عن سفيان عن منصور عن مجاهد، وعطاء، أو عن عطاء
(١) المغني مع الشرح الكبير ٣٨/١٠.
(٢) البخاري ك/ الحدود، ب/ قول الله تعالى: ﴿والسارق ... ﴾ ٢٤٩٢/٦، رقم
٦٤٠٩، ومسلم ك/ الحدود، ب/ حد السرقة ونصابها ١٣١٣/٣، رقم ١٦٨٥.
(٣) ساقطة من الأصل.
(٤) رواه ابن أبي شيبة ٤٧٤/٩، رقم ٨١٥٣، والبيهقي في السنن الكبرى ٢٥٧/٨.
(٥) أبو داود ١٣٦/٤، رقم ٤٣٨٧، وقال المنذري في مختصر سنن أبي داود ٦/
٢٢٠،، رقم ٤٢٢٢: ((في إسناده محمد بن إسحاق بن يسار)).
(٦) ساقطة من الأصل.
٤٤٤
عن أيمن الحبشي(١) قال: ((لم يقطع رسول الله وي طير إلا في ثمن
المجن، وكان ثمن(٢) المجن يومئذٍ ديناراً)(٣).
قال الشافعي رحمه الله: ((أخبرنا ابن عيينة عن حميد الطويل،
قال: سمعت قتادة يسأل أنس بن مالك عن القطع، فقال: حضرت أبا
بكر الصديق رضي الله عنه قطع سارقاً في شيء ما يسوى ثلاثة دراهم،
أو ما يسرني أنه لي بثلاثة دراهم»(٤) .
قال الشافعي رحمه الله: ((قلت لبعض الناس هذه سنّة
رسول الله (88﴿ أن يقطع في ربع دينار فصاعداً))، قلتَ: ((لا يقطع
اليد إلا في عشرة دراهم، وما حجتك في ذلك؟)) قال: ((قد روينا
عن شريك عن منصور عن مجاهد عن أيمن عن النبي وَلقر شبيهاً
بقولنا)»، قلت: ((أتعرف أيمن، أما أيمن الذي روى عنه عطاء
فرجل حدث، لعله أصغر من عطاء، روى عنه عطاء حديثاً عن
ربيع ابن امرأة كعب عن كعب يعني في الوضوء»، قال الشافعي:
(فهذا/ منقطع)»(٥) .
[نهاية ١٧٦/أ)
قال: ((فقد روينا عن شريك عن مجاهد عن أيمن ابن أم أيمن
(١) الأم ٦/ ١٣٠، وقال الدارقطني ١٩٢/٣: ((وأيمن لا صحبة له)).
(٢) في (ب): ((قيمته)).
(٣) رواه النسائي في الكبرى ٣٤١/٤، رقم ٧٤٢٩ - ٧٤٣٢، والطحاوي في شرح
معاني الآثار ١٦٣/٣، والحاكم في المستدرك ٣٧٩/٤، وسكت عنه، والبيهقي
في السنن الكبرى ٢٥٧/٨، وقال: ((قال البخاري: أيمن الحبشي من أهل مكة،
مولى ابن أبي عمرة المكي، سمع عائشة، وروى عنه ابنه عبد الواحد بن
أيمن، وقال البيهقي: وروايته عن النبي - * - منقطعة، وأورد الحاكم قول
الشافعي: إن أيمن هذا لم يدرك النبي، {َ })).
(٤) مسند الشافعي ٨٣/٢، والأم ١٣٠/٦ - ١٣١، ومعرفة السنن والآثار ٣٨٨/١٢
- ٣٩١، وسبق تخريجه عند غيره.
(٥) الطبقات الكبرى ١٦٢/٨، والتاريخ الكبير ٤٠/١، والعلل لأبي حاتم ٤٥٧/١.
٤٤٥
أخي أسامة لأمه)»، قلت: ((لا علم لك بأصحابنا، أيمن أخو أسامة،
قتل مع رسول الله (18َّ يوم حنين قبل مولد مجاهد)).
قال: ((فقد روينا عن عمرو بن شعيب عن عبد الله بن عمرو
رضي الله عنهما أن النبي بَ لّ قطع في ثمن المجن، قال عبد الله:
((وكان ثمن المجن على عهد رسول الله ﴿ ﴿ دينارا))(١). قلت: ((هذا
رأي من عبد الله بن عمرو في رواية عمرو بن شعيب، والمجان قديماً
وحديثاً تبلغ ثماني عشرة ومائة(٢) ودرهمين، فإذا قطع رسول الله وَل
في ربع دينار قطع في أكثر منه، وأنت تزعم أن عمرو بن شعيب ليس
ممن تقبل روايته وتقول غلط، فكيف ترد روايته مرة، ثم تحتج به
على أهل الحفظ والصدق؟))(٣).
قال: ((فقد روينا قولنا عن علي))، قلت: ((رواه الزعافري عن
الشعبي عن علي، رضي الله عنه، وقد أخبرنا أصحاب جعفر بن
محمد عن أبيه أن علياً رضي الله عنه قال: ((القطع في ربع دينار
فصاعداً))(٤)، وحديث جعفر عن علي أولى أن يثبت من حديث
الزعافري، فقال: ((فقد روينا عن ابن مسعود أنه قال: ((لا تقطع
اليد إلا في عشرة دراهم))(٥)، قلنا: ((فقد روى الثوري عن
(١) ذكره الشافعي في الأم ٦/ ١٣٠، وابن أبي شيبة ٩/ ١٤٧٠، رقم ٨١٣٩، وينظر
الجوهر النقي ٢٥٧/٨، ونصب الراية للزيلعي ٦٦/٣.
(٢) في الأصل: ((وثمانية)).
(٣) في الكلام اختصار، ليس في النسخ، وهو في الأم، وصحته - والله أعلم - كما
في الأم ٦/ ١٣٠ - ١٣١: ((وأنت تزعم أن عمرو بن شعيب ليس ممن تقبل
روايته، وتترك علينا سنناً رواها توافق أقاويلنا، وتقول غلط، فكيف ترد روايته
مرة، ثم تحتج به على أهل الحفظ والصدق مع أنه لم يروٍ شيئاً يخالف
قولنا؟)).
(٤) مسند الشافعي ٨٣/٢، والأم ١٣١/٦.
(٥) رواه عبد الرزاق ٢٣٣/١٠، رقم ١٨٩٥٠، وابن أبي شيبة ٤٧٤/٩، رقم
٨١٥٥، والبيهقي في السنن الكبرى ٢٦٠/٨.
٤٤٦
عيسى بن أبي عزة عن الشعبي عن ابن مسعود رضي الله عنه أن
رسول الله ◌َي قطع سارقاً في خمسة دراهم)) (١)، وهذا أقرب أن
يكون صحيحاً عن عبد الله في حديث المسعودي عن القاسم عن
عبد الله))، قال: ((وكيف لم يأخذ بهذا؟)) قلنا: ((هذا حديث
لا يخالف حديثنا، إذا قطع في ثلاثة دراهم، قطع في خمسة))،
قال: ((فقد روينا عن عمر رضي الله عنه أنه لم يقطع في
ثمانية))(٢)، قال الشافعي رحمه الله: ((روايته عن عمر غير
صحيحة، وقد روى معمر عن عطاء الخراساني عن عمر رضي الله
عنه قال: ((القطع في ربع دينار فصاعداً)(٣)، فلم نرَ أن نحتج به؛
لأنه ليس بثابت، وليس لأحد مع رسول الله وَ ل حجة، وعلى
المسلمين اتباع أمره، فلا إلى حديث صحيح ذهب من خالفنا،
ولا إلى ما ذهب إليه من ترك الحديث، واستعمل ظاهر
القرآن»(٤).
قال البيهقي رحمه الله: ((أما حديث عمر(٥) الذي احتج به محمد
إنما رواه الثوري عن عطية الثقفي عن القاسم بن عبد الرحمن عن
عمر، وهو مرسل)).
(١) رواه ابن أبي شيبة ٤٦٩/٩، رقم ٨١٣٦، والدارقطني ١٩٤/٣، رقم ٣٣١،
والبيهقي في السنن الكبرى ٢٦١/٨، وقوى ابن التركماني هذه الرواية عن
ابن مسعود، وينظر كنز العمال ٣٢٢/٥.
(٢) ذكره البيهقي في معرفة السنن والآثار ١٢/ ٣٩١، رقم ١٧١٣٠.
(٣) رواه عبد الرزاق ٢٣٥/١٠، رقم ١٨٩٦٢، والبيهقي في السنن الكبرى ٢٦٠/٨
- ٢٦١.
(٤) الأم للشافعي ١٣١/٦.
(٥) في الأخريين: ((عبد الله))، والصواب حذفها بدلالة ما قاله البيهقي: ((حديثهم
عن عمر إنما رواه القاسم بن عبد الرحمن، وهو منقطع))، معرفة السنن والآثار
٣٩٢/١٢، ومصنف عبد الرزاق ٢٣٣/١٠، والسنن الكبرى للبيهقي ٢٦٠/٨،
ولأن الحديث المتكلم عنه عن عمر، رضي الله عنه.
٤٤٧
وقد روى قتادة عن سعيد بن المسيب عن عمر رضي الله عنه لا
يقطع الخمس إلا في خمس))(١).
وأما حديث علي فقد ذكرنا بإسناد أطم مما ذكره الشافعي رحمه
الله، وأوهى عن محمد بن مروان عن عاصم عن إسماعيل بن اليسع
عن جويبر عن الضحاك عن النزال عن علي رضي الله عنه لا يقطع
اليد إلا في عشرة دراهم، ولا يكون المهر أقل من عشرة دراهم))(٢)،
جويبر، وإسماعيل، وابن مروان ليسوا بأقوياء، وليس هذا بشيء.
وأما حديث ابن مسعود رضي الله عنه فرواه أبو حنيفة عن
القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن ابن مسعود، وخالفه المسعودي
فرواه عن القاسم عن ابن مسعود))(٣).
قال البيهقي رحمه الله: ((والأصل في نصاب السرقة عندنا ربع
دينار، فكل من قومه بأكثر من ثلاثة دراهم يحتمل أن يكون قومه
بذلك حين تغير صرف الدينار، فكانت قيمته ربع دينار أكثر من ثلاثة
دراهم، وعلى هذا يحمل ما روي إن صح حتى لا يتناقض))، والله
أعلم.
مسألة (٢٩٩):
ولا فرق بين الطعام الرطب واليابس في وجوب القطع إذا
أواه الجرين، وبلغ قيمته ربع دينار(٤). وقال أبو حنيفة رحمه الله:
(١) رواه عبد الرزاق ٢٣٦/١٠، رقم ١٨٩٦٥، وقال: ((إلا في الخمس الدنانير))،
وابن أبي شيبة بهذا اللفظ ٩/ ٤٧٢، رقم ٨١٤٨، والبيهقي في السنن الكبرى
٨/ ٢٦٢.
(٢) رواه البيهقي في السنن الكبرى ٢٦١/٨، وقال: ((هذا إسناد يجمع مجهولين
وضعفاء».
(٣) ذكره في معرفة السنن والآثار ٣٩١/١٢، رقم ١٧١٢٦ - ١٧١٢٧.
(٤) الأم ٦/ ١٣٣، والمنهاج ص ١٣٣.
٤٤٨
((لا تقطع في الأشياء الرطبة))(١).
في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((قال
رسول الله وَير لعن الله السارق يسرق الحبل فتقطع يده، ويسرق البيضة
فتقطع يده))(٢).
وروي عن عمرو بن شعيب عن عبد الله بن عمرو أن رجلاً من
مزينة أتى رسول الله وَ ط# فقال: ((يا رسول الله، كيف ترى في التمر
المعلق؟ قال: ((هو ومثله معه، والنكال، وليس في شيء من التمر
المعلق قطع إلا ما آواه الجرين(٣)، فما أخذ من الجرين، فبلغ ثمن
المجن، ففيه القطع، وما لم يبلغ ثمن المجن ففيه غرامة مثليه،
وجلدات نكال))(٤).
وروي عن إسحاق بن سعيد عن أبيه قال: ((سئل ابن عمر رضي
الله عنه عن سارق الثمار، قال: القطع من الثمار فيما أحرز الجرين،
والقطع من الماشية فيما آوى المراح)»(٥).
استدلوا بما روي عن رافع بن خديج عن النبي بَّر ((لا قطع في
ثمر، ولا كثر)) (٦).
(١) المبسوط ١٣٩/٩، والهداية مع البناية ٥٤٤/٥.
(٢) البخاري ك/ الحدود، ب/ لعن السارق إذا لم يسم ٢٤٨٩/٦ - ٢٤٩٠، رقم
٦٤٠١، ومسلم ك/ الحدود، ب/ حد السرقة ونصابها ١٣١٤/٣، رقم
١٦٨٧، بتقديم وتأخير في الحديث.
(٣) الجرين: هو البيدر، ولعل اشتقاقه من ((جرين)) الرحى، وهو ما دقته وطحنته،
المجموع المغيث ٣٢٣/١.
(٤) هذا بعض حديث رواه النسائي ٣٤٣/٤، رقم ٧٤٤٥ - ٧٤٤٧، والدارقطني ٤/
٢٣٦، رقم ١١٤، والحاكم في المستدرك ٣٨١/٤، وسكت عنه هو والذهبي.
(٥) هذا المعنى وارد نصاً في الحديث السابق مرفوعاً إلى النبي - اَلر - وهو صحيح، رواه
مالك في الموطأ ٨٣٩/٢، وأحمد ١٤٠/٤، و١٤٣، والدارمي ٢/ ١٧٤.
(٦) رواه أبو داود ٥٤٩/٤، رقم ٤٣٨٨، والترمذي ٥٢/٤، رقم ١٤٤٩، والنسائي
٣٤٤/٤، رقم ١/٧٤٤٨ وما بعدها، وابن ماجه ٨٦٥/٢.
٤٤٩
[نهاية ١٧٦/ ب]
قال الشافعي رحمه الله: ((واحتج بهذا الحديث/ بعض الناس،
وقال: فمن ههنا لا يقطع في التمر الرطب».
قال الشافعي رحمه الله: ((التمر اسم جامع (للرطب من التمر) (١)
الزبيب وغيره، أفسقط القطع عمن سرق تمراً في بيت؟ وإنما أجاب
النبي وَ ر حين قال(٢): ((لا قطع(٣) في تمر، ولا كثر))، على مثل ما
سئل عنه، وكان حيطان المدينة ليس عليها حيطان، ولأنه يقول: ((فإذا
آواه الجرين والمراح ففيه القطع»، واحتج بحديث عثمان في الأترجة،
وقد مضى(٤)، والله أعلم.
مسألة (٣٠٠):
ولو وهبت منه السرقة لم يدرء عنه بذلك الحد(٥). وقال أبو
حنيفة رحمه الله: ((سقط القطع))(٦).
في الصحيحين حديث عائشة رضي الله عنها أن قريشاً أهمهم
شأن المخزومية التي سرقت، فقالوا: ((من يكلم فيها رسول الله، وَ ل،
فقالوا: ((ومن يجتري عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله، وَ الچ ،
فكلمه، فقال رسول الله وَله: ((إنما أهلك الذين من قبلكم، أنهم كانوا
إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه
(١) مكررة في الأصل.
(٢) في الأخريين: ((إلا في ثمر، ولا كثر ... )).
(٣) الثمر: يعني الثمر المعلق في النخل الذي لم يجذ، ولم يحرز.
والكثر: الجمار، وهو معروف، ينظر المغرب ص ٦٨.
وقال ابن فارس: ((هو شيء يتولد عن شيء متجمعاً، ثم يحمل على غيره
استعارة»، ينظر معجم مقاييس اللغة ٣٨٨/١، المجموع المغيث ٢٧٢/١.
(٤) ص ٤٤٣.
(٥) مختصر المزني ص ٢٦٤، وروضة الطالبين ١١٤/١٠.
(٦) المبسوط ١٨٦/٩، وتحفة الفقهاء ٢٤٦/١٣.
٤٥٠
الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها، ثم أمر
بتلك المرأة التي سرقت، فقطعت يدها))(١).
قد كان طلبهم من المسروق منه، وإرضاه بعوض أيسر لو كان
القطع يسقط بالهبة إن شاء الله، فلما لم يفعلوا، وتشفعوا دل على أنه
لا يسقط بعد رفعه إلى الإِمام.
وروى أبو داود من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: ((قال
رسول الله وَلجر: أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود))(٢).
وروى مالك عن ابن شهاب عن صفوان بن عبد الله بن صفوان
أن صفوان بن أمية رضي الله عنه قيل له: ((من لم يهاجر هلك، فقدم
المدينة، فنام في المسجد، وتوسد رداءه، فجاء سارق، فأخذ رداءه،
فأخذ صفوان السارق، فجاء به إلى رسول الله، وَله، فأمره
رسول الله القر أن تقطع يده، فقال صفوان: إني لم أرد هذا، هو عليه
صدقة، فقال رسول الله وَ ﴿ فهلّاً قبل أن تأتيني به))(٣).
ورواه أبو داود من حديث سماك بن حرب عن حميد ابن أخت
صفوان عن صفوان قال: ((كنت نائماً في المسجد على خميصة لي
(ثمن ثلاثين درهماً)(٤)، فجاء رجل، فاختلسها مني، فأخذ الرجل،
(١) البخاري ك/ الحدود، ب/ كراهية الشفاعة في الحد إذا رفع إلى السلطان ٦/
٢٤٩١، رقم ٦٤٠٦، ومسلم ك/ الحدود، ب/ قطع السارق الشريف وغيره،
والنهي عن الشفاعة في الحدود ١٣١٥/٣، رقم ١٦٨٨.
(٢) أبو داود ١٣٣/٤، رقم ٤٣٧٥، والنسائي في الكبرى ٣١٠/٤، رقم ٧٢٩٣ -
٧٢٩٨، وقال المنذري في مختصر سنن أبي داود ٢١٣/٦، رقم ٤٢٠٩: ((وفي
إسناده عبد الملك بن زيد العدوي، وهو ضعيف الحديث، وذكر ابن عدي أن
هذا الحديث منكر بهذا الإسناد لم يروه غير عبد الملك بن زيد، قلت: وقد
روي هذا الحديث من أوجه أخر، ليس منها شيء يثبت)).
(٣) رواه مالك في الموطأ ص ٦٠٠، رقم ١٥٢٢، والشافعي في الأم ١٣١/٦،
والدارمي ١٧٢/٢، والنسائي ١٣٨/٤، رقم ٤٣٩٤.
(٤) زيادة من السنن، وليست في النسخ.
٤٥١
فأتى به النبي، وَلغيره، فأمر به ليقطع، فأتيته، فقلت: (أتقطعه من أجل
ثلاثين درهماً)(١)، أنا أبيعه، وأنسئه ثمنها، قال: فهلا كان هذا قبل أن
تأتیني به))(٢).
وروى أبو داود من حديث عمرو بن شعيب عن عبد الله بن
عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله وَ لقر قال: ((تعافوا الحدود فيما
بينكم، فما بلغني من حد، فقد وجب))(٣)، والله أعلم.
مسألة (٣٠١):
ويقطع النباش إذا أخرج من الكفن، وبلغت قيمته نصاباً(٤).
(١) زيادة من السنن، وليست في النسخ.
(٢) رواه أبو داود ١٣٨/٤، رقم ٤٣٩٤، والنسائي ٦٩/٨، وابن ماجه ٢/
٨٦٥، رقم ٢٥٩٥، وأحمد ٤٠١/٣، والشافعي في مسنده ٨٤/٢، رقم
٢٧٨، وابن الجارود في المنتقى ص ٢١١، رقم ٨٢٨، والحاكم في
المستدرك ٤/ ٣٨٠، وصححه ووافقه الذهبي، والبيهقي في السنن الكبرى
٨/ ٢٦٥، وقال الغماري في الهداية تخريج بداية المجتهد ٦١٩/٨ :
(((وصححه الحفاظ)).
(٣) رواه أبو داود ١٣٣/٤، رقم ٤٣٧٦، والنسائي ٧٠/٨، والحاكم في المستدرك
٣٨٣/٤، وصححه ووافقه الذهبي، والبيهقي في السنن الكبرى ٣٣١/٨.
(٤) ولبعض الشافعية تفصيل: فإن كان القبر في برية، فلا قطع؛ لأنه ليس بحرز
للكفن، وإن كان في مقبرة تلي العمران قطع.
المهذب ٢٧٩/٢، والمنهاج ص ١٣٣، وروضة الطالبين ١٢٩/١٠ - ١٣٣، و
حاشية ابن عابدين ٢١٩/٣، والقوانين الفقهية ص ٣٥٩، وبداية المجتهد ٢/
٤٤٠، وحاشية الدسوقي ٤/ ٣٤٠، وقد وافق الشافعي مالك، وأحمد، وأبو
يوسف من الأحناف.
ومن حجة الجمهور أن النبي - 18 - لعن المختفي والمختفية، رواه البيهقي في
السنن الكبرى ٢٧٠/٨، وقال: ((الصحيح مرسل))، وقال الشافعي في الأم ٦/
١٤٩: ((المختفي: النباش)).
وسبب الخلاف هل القبر حرز أو لا؟ أما أدلة الجمهور فليس هنا ما يعارضها،
والله أعلم.
٤٥٢
وقال الشافعي رحمه الله: ((لأنه حرز مثله))(١). وقال أبو حنيفة
رحمه الله: ((لا يقطع))(٢).
روى أبو داود عن أبي ذر رضي الله عنه قال: ((قال لي
رسول الله : يا أبا ذر، قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك، قال:
كيف أنت إذا أصاب الناس موت يكون البيت فيه بالوصيف(٣)، يعني
القبر؟ قلت: الله ورسوله أعلم، أو ما خار الله لي ورسوله، قال:
عليك بالصبر، أو قال: تصبر))(٤)، قال أبو داود: ((قال حماد بن أبي
سليمان يقطع النباش؛ لأنه دخل على الميت بيته))(٥) وروي عن البراء
رضي الله عنه في حديث أن النبي بَّر قال: ((ومن نبش قطعناه))(٦).
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: ((سارق أمواتنا كسارق
أحيائنا)»(٧).
وقال محمد بن إسماعيل: ((قال هشام: حدثنا سهيل قال:
شهدت الزبير قطع نباشا))(٨).
(١) الأم ١٤٩/٦، ومختصر المزني ص ٢٦٤، وروضة الطالبين ١٢٩/١٠، و
١٣٣، والوجيز ١٧٤/٢.
(٢) مختصر الطحاوي ص ٢٧٣، والمبسوط ١٥٩/٩، والهداية مع البناية ٥٥٧/٥،
والقدوري ص ٦٧.
(٣) يعني يقوم البيت بالقبر، كما هو واضح من نصه عند ابن ماجه.
(٤) رواه أبو داود ١٤١/٤، رقم ٤٤٠٩، وابن ماجه ١٣٠٨/٢، رقم ٣٩٥٨، وهو
أطول منه عند أبي داود.
(٥) أبو داود ٤/ ١٤٢.
(٦) سبق تخريجه.
(٧) رواه البيهقي في معرفة السنن والآثار ٤٠٩/١٢، رقم ١٧١٨٣، ومالك في
الموطأ ٢٣٧/١، ينظر نصب الراية ٣٦٧/٣، المغني لابن قدامة ٢٧١/٨، و
٢٧٢.
(٨) التاريخ الكبير ١٠٤/٤، رقم ٢١١٩، والسنن الكبرى للبيهقي ٢٧٠/٨، وينظر
شرح الزركشي تحقيق ابن جبرين ٣٤٩/٦، و ٣٥٠.
٤٥٣
وروى عن الشعبي قال: ((النباش سارق))(١). وعن الحسن،
وإبراهيم مثله(٢).
وعن عمر بن عبد العزيز: «لعمري بحسب سارق الأموات أن
يعاقب بما يعاقب به سارق الأحياء))(٣).
وعن ابن المسيب في أن النباش يقطع(٤)، والله أعلم(٥).
*مسألة (٣٠٢):
(١) أخرجه عبد الرزاق ٢١٤/١٠، رقم ١٨٨٨١، والبيهقي في السنن الكبرى ٢٦٩/٨.
(٢) أخرجه عبد الرزاق ٢١٤/١٠، رقم ١٨٨٨٣.
(٣) عبد الرزاق ٢١٣/١٠، رقم ١٨٨٨٨، والسنن الكبرى للبيهقي ٢٦٩/٨.
(٤) السنن الكبرى للبيهقي ٢٧٠/٨.
(٥) واستدل الأحناف بقوله - صفر -: ((لا قطع على المختفي))، أي: النباش، وأن
القطع يسقط بالشبهة، فلا يجب القطع؛ لأن الكفن إنما وضع للبلى والتلف،
والقبر ليس بحرز للكفن، ولأن الميت لا يصلح أن يكون حافظاً، ويجاب بأن
العيني قال: ((هذا حديث غريب، لا أصل له))، وأن حرز كل شيء بحسبه،
وللميت حرمته ومكانته، ولأن الآثار قوية في الدلالة على قطع النباش، وسالمة
من المعارضة، ولأن الميت يملك كفنه، وله ما أوصى به من ماله من الثلث
فما دونه، وبهذا يترجح قول الشافعي، رحمه الله، والله أعلم.
مختصر الطحاوي ص ٢٧٣، والمبسوط ١٥٩/٩ - ١٦٠، وبدائع الصنائع ٧/
٦٩ ط ١ - ٢، والمهذب ٢٧٩/٢، ورؤوس المسائل للزمخشري ص ٤٩٤
مسألة ٣٥٧، والسنن الكبرى للبيهقي ٢٦٩/٨.
(*) * تحرير محل النزاع:
* إذا قطعت يد السارق حرم إعادتها طبعاً لمخالفة ذلك لمقاصد الشريعة، وهو
قول المحققين من علماء الأمة المعاصرين(١).
* وإذا كانت اليمنى مقطوعة بآفة، ثم سرق، فهل تقطع اليسرى، خلاف بين
العلماء، والصحيح عدم القطع لفوات محله (٢).
٠٠
=
(١) مجلة المجمع الفقهي الإسلامي العدد الرابع ص ٥٣، ١٤١٠هـ.
(٢) المغني ٤٤٤/١٢، والسيل الجرار ٣٦٤/٤.
٤٥٤
* إذا كرر السرقة فقطعت يده في المرة الأولى، ثم قطعت رجله اليسرى في
=
الثانية فماذا يصنع في الثالثة، والرابعة، والخامسة (١) ... ؟.
اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
القول الأول: لا يقطع في الثالثة والرابعة، بل يعزر بالحبس والجلد، وبه قال
أبو حنيفة، رحمه الله، وهو قول علي رضي الله عنه، والحسن، والشعبي،
والنخعي، والزهري، وحماد، ورواية عن الإمام أحمد(٢).
القول الثاني: أنه تقطع في الثالثة يده اليسرى، وفي الرابعة رجله اليمنى، وفي
الخامسة يعزر ويحبس حتى يحدث توبة (٣)، وبه قال مالك، والشافعي، وأبو
ثور، وابن المنذر، وروي عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعمرو بن العاص،
وعمر بن عبد العزيز(٤)، رضي الله عنهم أجمعين.
القول الثالث: أنه إن سرق في الثالثة والرابعة فكالقول الثاني، وفي الخامسة
يقتل، وبه قال عثمان، وعمرو بن العاص، رضي الله عنهما، وعمر بن
عبد العزيز، رحمه الله(٥).
الأدلة:
١ - ذكر المصنف أدلة القول الثاني من السنة، ومن العقل؛ لأن اليسار تقطع
قوداً، فجاز قطعها في السرقة كاليمنى، ولأنه فعل أبي بكر، وعمر، رضي الله
عنهما(٦)، وقد قال النبي - 8 1 -: ((اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر))(٧).
ويجاب عليها بأن القياس في الحدود لا يجري، وفعل أبي بكر وعمر مخالف
بفعل علي وغيره، وقول الصحابة إذا ظهر له مخالف فليس بحجة، كما هر
معلوم.
٢ - وأما أدلة القول الأول فقد أشار المصنف لشيء منها، ومنها: قصة التي =
(١) شرح معاني الآثار ٣/ ١٦١، و١٦٢.
المبسوط ١٤٠/٩، وشرح الزركشي بتحقيق الجبرين ٣٤١/٦.
(٢)
(٣)
شرح الزركشي ٣٤٥/٦.
مختصر المزني ص ٢٦٤، والمجموع شرح المهذب مع المهذب ٦٤/١٩، وتنوير الحوالك
(٤)
ومعه الموطأ ٣/ ٥٠.
(٥)
المغني ٤٤٦/١٢.
(٦) أورده المصنف مسنداً.
(٧) أخرجه الترمذي ٤/ ٥٠، رقم ١٤٤٥ - ١٤٤٦، وينظر عارضة الأحوذي ١٢٩/٣، وابن ماجه
٣٧/١، وأحمد ٣٨٢/٥.
٤٥٥
وإذا سرق قطعت يده، وإذا سرق الثانية قطعت رجله اليسرى،
فإذا سرق الثالثة قطعت يده اليسرى، فإذا سرق الرابعة قطعت رجله
[نهاية ١٧٧/أ] اليمنى (١)/. وقال أبو حنيفة رحمه الله: ((لا يقطع في الثالثة والرابعة،
بل يعزر))(٢).
قال الشافعي رحمه الله: ((أخبرني الثقة من أصحابنا عن
محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب عن الحارث بن عبد الرحمن عن
ذكرها المؤلف، وفي بعض رواياتها، ثم أخرجه فاستشار أصحابه، فقالوا مثل
=
قولهم الأول، وقال لهم مثل ما قال أول مرة، فجلده جدداً شديداً، ثم
أرسله(٨).
ولأن في قطع اليدين تفويت منفعة الجنس، فلم تشرع في حد، ولأنه لو جاز
قطع اليدين لقطعت اليسرى في المرة الثانية لأنها آلة البطش كاليمنى، وإنما لم
تقطع للمفسدة في قطعها؛ لأن ذلك بمنزلة الإهلاك، فإنه لا يمكنه أن يتوضأ،
ولا يغتسل، ولا يستنجي، ولا يحترز من نجاسة، ولا يزيلها عنه، ولا يدفع
عن نفسه، ولا يأكل، ولا يبطش، وهذه المفسدة حاصلة بقطعها في المرة
الثالثة(١١).
واستدل أصحاب القول الثالث بحديث الأمر بالقتل، وليس هو بمنسوخ، كما
قال ابن القيم، وقال في المغني: ((وأما حديث جابر ففي حق شخص استحق
القتل بدليل أن النبي - ويلي - أمر به في أول مرة، وفي كل مرة، وفعل ذلك في
الخامسة، ورواه النسائي، وقال: ((حديث منكر)).
وأما عمر فثبت عنه الرجوع إلى قول علي، رضي الله عنه. وبهذا يترجح القول
الأول، وهو أنه إنما تقطع يد واحدة، ورجل واحدة من خلاف فقط، ولا أعلم
في السوابق القضائية بمحكمة الرياض أنه حصل قطع اليد اليسرى في الثالثة بعد
معاينتي السجلات الجنائية في المحكمة منذ إنشائها تقريباً عام ١٣٦٥هـ إلى عام
١٤١٢ هـ، وبالله التوفيق.
(١) الأم ٦/ ١٥٠، والمهذب ٢٨٤/٢، والمنهاج ص ١٣٤.
(٢) ولبعض الأحناف أنه في المرة الثالثة يخلد في السجن حتى يتوب، المبسوط
٩/ ١٤٠، و١٦٦، والهداية مع البناية ٥٨٦/٥، والقدوري ص ٩٧.
(١) عبد الرزاق ١٨٦/١٠، وابن أبي شيبة ٥١٢/٩، والبيهقي في السنن الكبرى ٢٧٥/٨.
(٢) المغني ١٢/ ٤٤٨.
٤٥٦
أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي وَّه قال في السارق:
إن سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله، ثم إن سرق
فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله))(١).
وفي رواية حرملة، والمزني عنه قال: ((أخبرني عبد الله بن نافع
عن محمد بن أبي حميد عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله
رضي الله عنه عن النبي وَ لِّر مثله))(٢).
وروى أبو داود في حديث ابن المنكدر عن جابر رضي الله عنه
جيء بسارق إلى النبي وَ لّر فقال: ((اقتلوه، فقالوا: يا رسول الله، إنما
سرق، فقال: اقطعوه، فقطع، وذكر مثل ذلك إلى الرابعة، فأتي به
الخامسة، فقال: اقتلوه، فقتلناه))(٣). والقتل منسوخ، كهو في حد
الشرب، والقطع ثابت(٤).
وروى أبو داود أيضاً عن الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة،
قال: ((أتي بالسارق، وقالوا: يا رسول الله، هذا غلام لأيتام، والله ما
نعلم لهم مالاً غيره، فتركه، وذكر تركه إلى الرابعة، ثم أتي به
(١) ذكره في مختصر المزني ص ٢٦٤، ب/ قطع اليد والرجل في السرقة، ولم
أجده في الأم، ورواه الدارقطني ١٨١/٣، رقم ٢٩٢.
(٢) مختصر المزني ص ٢٦٤.
(٣) أبو داود ١٤٢/٤، رقم ٤٤١٠، والنسائي ٩٠/٨، والكبرى للنسائي ٣٤٨/٤،
رقم ٧٤٧٠ - ٧٤٧١، وقال: ((هذا منكر))، والدارقطني ١٨٠/٣، والطبراني في
الأوسط، رقم ١٧٢٧، والكبير ٨٢/١٧، رقم ٤٨٣ نحوه، والبيهقي ٢٧٢/٨،
قال المنذري في مختصر سنن أبي داود ٢٣٨/٦: ((وأخرجه النسائي، وقال:
هذا منكر، ومصعب بن ثابت ليس بالقوي في الحديث. هذا آخر كلامه،
ومصعب هو أبو عبد الله مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام،
القرشي، العدوي، المدني، وقد ضعفه غير واحد من الأئمة)).
(٤) شرح معاني الآثار ١٦١/٣، و١٦٢، وقال ابن القيم في تهذيب السنن مع
مختصر سنن أبي داود ٢٣٦/٦: ((القتل ليس منسوخاً، ولكنه حسب
المصلحة))، وينظر السيل الجرار ٣٦٤/٤.
٤٥٧
الخامسة، فقطع يده، ثم أتي به السادسة، فقطع رجله، ثم أتي به
السابعة، فقطع يده، ثم أتي به الثامنة، فقطع رجله))، وهو مرسل
حسن، بإسناد صحيح، أخرجه أبو داود في المراسيل(١)، وكأنه وَلّ لم
يرَ بلوغه في المرات الأربع، أو لم يرَ سرقته بلغت ما يوجب القطع،
ثم رأى ذلك في المرات الأخر، فقطع، وهذا مرسل يقوي المرسل
قبله، ويقوي قول من وافقه من الصحابة، رضي الله عنهم.
وروي عن معاذ بن عبد الله الجهني رضي الله عنه صاحب
رسول الله ﴿ قال: ((قال رسول الله وَله: من سرق فاقطعوا يده))
الحديث، بنحو حديث أبي هريرة (٢).
وروى الشافعي رحمه الله عن مالك عن عبد الرحمن بن القاسم
عن أبيه أن رجلاً من أهل اليمن أقطع اليد والرجل قدم على أبي بكر
رضي الله عنه فشكا إليه أن عامل اليمن ظلمه، وكان يصلي من الليل،
فيقول أبو بكر: (وأبيك(٣) ما ليلك، ليل سارق، ثم إنهم افتقدوا حلياً
(١) مراسيل أبي داود ص ٢٧، وعبد الرزاق ٢٣٩/١٠، رقم ١٨٩٨٠، وابن أبي
شيبة ٥١١/٩، رقم ٨٣١٨، والبيهقي في السنن الكبرى ٢٧٣/٨، وصحح
البيهقي - كما ترى - إسناد الحديث، وقال ابن التركماني في الجوهر النقي ٨/
٢٧٣: ((إسناد مضطرب))، ورده الحسيني في الهداية تخريج أحاديث بداية
المجتهد ٦١٣/٨ فقال: ((أما الاضطراب فمدفوع؛ لأن الصواب في اسم ابن
أبي أخيه عبد ربه، كما ذكره البخاري، وذكر ابن حجر قال في إسناده عند أبي
داود: ((رجاله ثقات)).
(٢) الحلية لأبي نعيم ٦/٢.
(٣) المعروف أن الحلف بغير الله كالآباء ونحوهم محرم في الشريعة الإسلامية،
روى الشيخان عن عمر - رضي الله عنه - قال: ((قال رسول الله: إن الله ينهاكم
أن تحلفوا بآبائكم))، متفق عليه، البخاري ٢٢٦٥/٥، رقم ٥٧٥٧، ومسلم ٣/
١٢٦٦، رقم ١٦٤٦، وذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب في باب قول الله
تعالى: ﴿فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون﴾ أن الحلف بغير الله من الشرك،
كتاب التوحيد مع حاشية ابن قاسم ص ٣٠٠ - ٣٠٥، والمعروف أن أبا بكر
الصديق لم يقصد اليمين بهذه العبارة، كما ورد عن النبي - ثير - ((أفلح وأبيه =
٤٥٨
لأسماء بنت عميس امرأة أبي بكر، فجعل الرجل يطوف معهم،
ويقول: اللهم عليك بمن بيت أهل هذا البيت الصالح، فوجدوا الحلي
عند صائغ، وأن(١) الأقطع جاء به، واعترف الأقطع، أو شهد عليه،
فأمر به أبو بكر فقطعت يده اليسرى، وقال أبو بكر: والله لدعاؤه على
نفسه أشد علي من سرقته))(٢).
وعن القاسم أن أبا بكر أراد أن يقطع رجلاً بعد اليد والرجل،
فقال عمر رضي الله عنه ((السنة اليد))، يشبه أن يكون أراد سنّة
رسول الله ◌َلِيٍ(٣).
وعن صفية بنت أبي عبيد أن رجلاً سرق مقطوعة يده ورجله،
فأراد أبو بكر أن يقطع رجله، ويدع يده، ينتفع بها، فقال عمر: ((لا
والذي نفسي بيده، فأمر به أبو بكر، فقطعت يده)) (٤).
وعن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما شهدت عمر قطع
يداً بعد يد ورجل(٥).
استدلوا بما روي عن عبد الرحمن بن عائذ قال: ((أتي برجل
إن صدق))، متفق عليه، وليس المراد هنا اليمين، والله أعلم، ينظر: موسوعة
=
أطراف الحديث ٧٤/٢، وقال ابن حجر في فتح الباري ١٠٧/١: ((فإن قيل:
ما الجامع بين هذا وبين النهي عن الحلف بالآباء؟ أجيب بأنها كلمة جارية على
اللسان، لا يقصد بها الحلف، أو فيه إضمار الرب، كأنه قال: ورب أبيه)).
(١) في بعض النسخ: ((زعم أن الأقطع)).
(٢) الموطأ ٨٣٥/٢، والأم ٦/ ١٥٠، ومسند الشافعي ٨٥/٢، وعبد الرزاق ١٠/
١٨٧، و ١٨٨، رقم ١٨٧٦٩، و١٨٧٧٤ عن القاسم بن محمد ابن أبي بكر
عن عمته عائشة، والقاسم أحد الفقهاء لم يدرك جده أبا بكر.
(٣) رواه ابن أبي شيبة ٩/ ٥١٠، رقم ٨٣١٤، ابن حزم في المحلى ٤٣١/١١،
والبيهقي في السنن الكبرى ٢٧٣/٨، وينظر كنز العمال ٣١١/٥.
(٤) رواه البيهقي في السنن الكبرى ٢٧٤/٨.
(٥) رواه عبد الرزاق ١٨٧/١٠، رقم ١٨٧٦٧، وابن أبي شيبة ٥١١/٩، رقم
٨٣١٥، والبيهقي في السنن الكبرى ٢٧٤/٨.
٤٥٩
أقطع اليد والرجل، قد سرق فأمر به عمر أن يقطع رجله، فقال علي:
إنما قال الله عزّ وجلّ: ﴿إِنَّمَا جَزَّقُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾(١)
الآية، فقد قطعت يد هذا ورجله، فلا ينبغي أن يقطع رجله، فتدعه
ليس له قائمة يمشي عليها، إما أن تعزره، وإما أن تستودعه السجن،
قال: فاستودعه السجن))(٢).
قال البيهقي رحمه الله: ((الرواية الأولى عن عمر أولى أن تكون
صحيحة، وكيف يصح هذا؟ وقد أنكر في الرواية الأولى قطع الرجل
بعد اليد والرجل، وأشار باليد. ورواية ابن عباس رضي الله عنه
موصولة تشهد، وكذلك رواية صفية.
وأما ما رواه في ذلك عن عبد الله بن سلمة عن علي في غير
هذه الرواية من تضمينه السجن في الثالثة فقد قال الشافعي رحمه الله:
((قد رويتم في القطع أشياء مستنكرة تركتموها عليه: منها أنه قطع
[نهاية ١٧٧/ب] بطون/ أنامل صبي ومنها أنه قطع القدم من نصف القدم، وكلما رويتم
عن علي في القطع غير ثابت عندنا عنه))، وبسط الكلام فيه، قال:
((وقد روينا ما قلنا عن النبي ◌َّه وأبي بكر في دار الهجرة، وعمر يراه
ويشير به))(٣).
وروي عنه أنه قطع أيضاً، وهو كما قال الشافعي، رحمه الله
تعالى، فإن عبد الله بن سلمة غير محتج به (٤)، والله أعلم.
(١) سورة المائدة: من الآية ٣٣.
(٢) رواه عبد الرزاق ٢٧٤/١٠، رقم ١٨٧٦٦، والبيهقي في السنن الكبرى ٨/
٢٧٤، وسمي الرجل سلوماً، قلت: ((روى عنه ابن أبي شيبة ٥١٠/٩، رقم
٨٣١٢ خلاف هذا بنحو قول علي رضي الله عنه)).
(٣) الأم للشافعي ٦/ ١٥٠.
(٤) عبد الرزاق ١٨٥/١٠، ومعرفة السنن والآثار ٤١٤/١٢، و٤١٥، والسنن
الكبرى للبيهقي ٢٧٣/٨ - ٢٧٥. والجوهر النقي ٢٧٣/٨.
٤٦٠