Indexed OCR Text

Pages 381-400

الحكم إنما وقع، إنما بالحاكم))(١).
قال البيهقي (رحمه الله): ((رواياته عن عمر وعثمان رضي الله
عنهما منقطعة، والرواية التي ذكرها الشافعي رحمه الله تعالى منقطعة،
إلا أن أهل الحجاز أعرف بمذهب عمر من غيرهم، وقد رويناها
موصولة في المسألة السابقة))(٢)، والله أعلم.
" مسألة (٢٧٩):
(١) الأم (الرد على محمد بن الحسن) ٣٢٤/٧. ومعرفة السنن والآثار ١١٠/١٢،
رقم ١٦٠٧٣.
(٢) ص ٣٧٤.
(*) دية الذمي الكتابي:
اختلف العلماء - رحمهم الله تعالى - في دية الذمي إذا كان كتابياً، والقتل خطأ
أو عمد على ثلاثة أقوال:
القول الأول: إنها نصف دية المسلم، وبه قال مالك في العمد والخطأ، وأحمد
في الخطأ، وبه قال عمر بن عبد العزيز في رواية عنه(١).
القول الثاني: أنها ثلث دية المسلم في العمد والخطأ، وبه قال الشافعي، وروي
عن عمر وعثمان، وعكرمة والحسن وعطاء، رضي الله عنهم (٢).
القول الثالث: أنها مثل دية المسلم في العمد والخطأ، وبه قال أبو حنيفة،
ووافقه أحمد في العمد فقط. أما أحمد فيروى أنه في العمد كدية المسلم.
وروي عن علي وابن مسعود، وبه قال علقمة ومجاهد والشعبي والنخعي
(٣)
والثوري(٣) .
الأدلة :
استدل أصحاب القول الأول بما يلي : .
١ - حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله - * - قال : =
(١) عبد الرزاق ٩٣/١٠، وابن أبي شيبة ٢٨٨/٩، وشرح الزركشي ١٣٨/٦، وأحكام القرآن لابن
العربي ٤٧٩/١، والمدونة الكبرى ٣٤٥/٦.
(٢) عبد الرزاق ٩٣/١٠، وابن أبي شيبة ٢٨٩/٩، والمهذب ١٩٨/٢، والمجموع شرح المهذب
٤١٤/١٧، ونهاية المحتاج ٣٠٣/٧.
(٣) المبسوط ٨٥/٢٦، وبدائع الصنائع ٤٦٦٤/١٠، وفتح القدير ٢٧٨/١٠.
٣٨١

((عقل أهل الذمة نصف عقل المسلمين))، رواه أبو داود والنسائي والترمذي.
=
وقال الخطابي: ((ليس في دية أهل الكتاب شيء أبين من هذا))(١)، وحسنه
الألباني، وصححته اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء(٢).
٢ - روى الطبراني في الأوسط عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن
رسول الله - 18 - قال: ((إن دية المعاهد نصف دية المسلم))، وقال الهيثمي:
(فيه جماعة لم أعرفهم))(٣).
واستدل أصحاب القول الثاني بما أورده المصنف، رحمه الله تعالى، وعمدته
فيما قضى به عمر، رضي الله عنه ذكره في المغني مرفوعاً ((دية اليهودي
والنصراني أربعة آلاف أربعة آلاف)»(٤).
واستدل أصحاب القول الثالث بما يلي:
١ - عموم دلالة آية الدين ﴿وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة
إلى أهله﴾(٥)، أي: فإن كان القتيل وأولياؤه أهل عهد وذمة أو هدنة فلهم دية
قتیلهم كاملة كالمؤمن(٦).
٢ - روى أبو حنيفة بسنده عن أبي بكر وعمر أن دية اليهودي والنصراني مثل
دية المسلم، وهذه رواية مرسلة؛ فإن الزهري لم يدرك الخليفتين، ولكن
مراسيل الثقات مقبولة عند الأحناف، والزهري ثقة مشهور (٧).
واحتج أحمد في العمد بحديثين ضعيفين لا يثبتان عن ابن عباس - رضي الله عنهما
- جعل رسول الله - * - دية العامرين دية الحر المسلم بأنه حر مسلم وكان لهما
عهد، وعن ابن عمر - رضي الله عنه - أن النبي - 18 - ودى ذمياً دية مسلم(٨):
المناقشة: عند التأمل في حديث عمرو بن شعيب نجده صحيحاً مع الخلاف
المعروف في سنده. أما ما رواه أبو حنيفة - رحمه الله - فإنه معارض بما رواه =
. -
معالم السنن بحاشية مختصر أبي داود ٦/ ٣٧٤، رقم ٤٤١٦.
(١)
مجلة البحوث العلمية ص ٦٣، عدد ٣٦، عام ١٤١٣هـ.
(٢)
المعجم الأوسط للطبراني ١٨٨/١، ومجمع الزوائد للهيثمي ٢٩٩/٦.
(٣)
المغني ٥١/١٢، وتلخيص الحبير ٢٥/٤، وقال: ((رواه أبو إسحاق السفراييني))، وينظر
(٤)
المصنف لعبد الرزاق ١٠/ ٩٥ - ٩٧.
(٥)
سورة النساء: الآية ٩٢.
تفسير ابن جرير ٤١/٩ - ٥٤، وأحكام القرآن للجصاص ٢٣٨/٢، وتفسير القرطبي ٣٢٦/٣.
(٦)
(٧)
جامع المسانيد ١٨٢/٢.
تهذيب السنن لابن القيم مختصر سنن أبي داود ٣٧٧/٦.
(٨)
٣٨٢

الشافعي عن عمر بخلافه، ومعارض بأنه مرسل، والمرسل يفيد الضعف في
=
الحديث كما هو معلوم، وقال ابن القيم: ((فالروايتان صريحتان في أن تصنيفها
توقيت وسنّة من رسول الله، وَلقر، فكيف يترك ذلك باجتهاد عمر، ثم إن عمر
لم يرفع الدية في القدر، وإنما رفع قيمة الإِبل لما غلت))(١).
وبهذا يترجح صحة القول الأول، ولأن في رواية أبي داود عن عمرو بن شعيب
توضيح الإشكال، حيث قال: ((ودية أهل الكتاب يومئذٍ النصف)). وأما حديث
عبادة فليس بصحيح؛ لأنه لم يروه أهل السنن جميعاً.
دية الوثني المعاهد ونحوه:
أما دية المعاهد إذا كان مجوسياً فمحل خلاف أيضاً على أقوال ثلاثة:
القول الأول: أن ديته ثمان مائة درهم، ثلثي عشر دية المسلم، وبه قال
الشافعي وأحمد، وهو قول أكثر أهل العلم (٢).
القول الثاني: أن ديته نصف دية المسلم، وبه قال عمر بن عبد العزيز، رحمه
الله .
القول الثالث: إن ديته كدية المسلم، وبه قال النخعي والشعبي والأحناف،
وروي عن علي وابن مسعود والزهري والنخعي (٣).
الأدلة :
١ - استدل الشافعي وأحمد بما ذكره المصنف.
٢ - واستدل أصحاب القول الثاني بعموم قوله - ◌َ -: ((دية عقل الكافر نصف
عقل المؤمن))، رواه الترمذي، وسبق ذكره.
ويجاب عنه بأنه مقيد بأهل الكتاب كما تفيده الطرق الأخرى له.
واستدلوا بالحديث الصحيح: ((سنوا بهم سنّة أهل الكتاب))، وهذا عام.
وأجيب عنه بأنه لا عموم فيه وأن المراد به - والله أعلم - سنوا بهم في أخذ
الجزية منهم(٤)، ولكن يشكل عليه أن تتمته: ((غير آكلي لحومهم وناكحي
نسائهم))، فيبقى غير المستثنى على عمومه.
٣ - واستدل أصحاب القول الثالث بالآية الكريمة: ﴿وإن كان من قوم بينكم =
تهذيب السنن مع مختصر السنن لأبي داود ٣٧٦/٦، ونصب الراية ٣٦٩/٤.
(١)
(٢) المغني ٥٣/١٢ وكشاف القناع ١٩/١.
(٣) عبد الرزاق ٩٤/١٠ - ٩٨، والدارقطني ١٢٩/٣، وينظر أحكام أهل الذمة ٦١/٢، وبداية
المجتهد ٤٧٨/٢، وشرح منتهى الإرادات ٣٠٨/٣.
(٤) شرح الزركشي ١٤١/٦، والمغني ٥٥/١٢ المحقق.
٣٨٣

ودية الذمي ثلث دية المسلم(١). وقال أبو حنيفة رحمه الله:
((مثل دية المسلم))(٢).
روى الشافعي رحمه الله عن فضيل بن عياض عن منصور بن
المعتمر عن ثابت بن الحداد(٣) عن ابن المسيب أن عمر رضي الله عنه
قضى في دية اليهودي والنصراني بأربعة آلاف، وفي دية المجوس
وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله﴾(١)، وهو ممن له ميثاق وعهد(٢).
=
كما استدلوا بالقياس، فهو آدمي حر معصوم أشبه المسلم. ويجاب عنه بأنه
قياس مع الفارق، وقد تثبت النصوص بخلافه، فهو فاسد الاعتبار، كما أن
القياس لا يدخل في المقدرات على الراجح عند الأصوليين، وإن كان الشافعي
يرى جواز ذلك (٣). وبهذا يترجح القول الأول، والله أعلم.
قال العلماء: ((ويقاس على المجوس سائر الكفار من عبدة الأوثان))(٤).
وورد عن عمر - رضي الله عنه - أن المجوسي ونحوه يقوم قيمة عبد، وأنه
قومه بثمان مائة درهم(٥) .
الترجيح :
بعد دراسة وتمعن، وقراءة بحث اللجنة الدائمة للبحوث العلمية ترجح أن دية
الكافر مطلقاً نصف دية المسلم؛ لأن الدية توقيفية، المرجع فيها للنص، وهو
الثابت عن النبي، وَ﴾: وأما لفظ الآية الكريمة فالمراد به جنس الدية، للإِجماع
على التفريق بين دية الذكر والأنثى، وبالله التوفيق(٦).
(١) الأم ٦/ ٩٢، والمهذب ١٩٨/٢، والوجيز ١٤١/٢.
(٢) مختصر الطحاوي ص ٢٤٠، والمبسوط ٨٤/٢٦، وتحفة الفقهاء ١٥٥/٣.
(٣) ساقطة من (ب).
(١) سورة النساء: الآية ٩٢.
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ٤٧٧/١، وتفسير القرطبي ٣٢٦/٣.
(٣) المحصول في علم الأصول للرازي ٢/٢/ ٤٧١ - ٤٧٧، ونهاية السول على مرتقى الأصول ص
٢٩٥. وكشف الأسرار للبخاري ٣/ ٢٦٧.
المغني ٥٥/١٢، والإنصاف ٦٥/١٠، ومطالب أولى النهى ٦/ ٩٧.
(٤)
(٥)
عبد الرزاق ٩٤/١٠ - ٩٥، رقم ١٨٤٨٤.
(٦) مجلة البحوث العلمية، عدد ٣٦، عام ١٤١٣ هـ، ص ٢١.
٣٨٤

بثمان مائة درهم، تابعه قتادة عن ابن المسيب(١).
وروى عن ابن عيينة عن صدقة بن يسار قال: ((أرسلنا إلى
سعيد/ بن المسيب نسأله عن دية المعاهد، فقال: قضى فيه عثمان [نهاية ١٦٩/أ]
رضي الله عنه بأربعة آلاف(٢)، قال: قلنا: فمن قبله فحصبنا)) قال
الشافعي رحمه الله هم الذين سألوه آخراً)) وإنما عنى الشافعي بقوله هذا
أنه روي عنه بخلافه، وهذا آخر ما قضى به، فالأخذ به أولى(٣).
وروي عن علي وابن مسعود رضي الله عنهما في دية المجوس
ثمانمائة درهم(٤).
وروي عن أبي صالح كاتب الليث عن ابن لهيعة عن يزيد بن
أبي حبيب عن أبي الخير عن عقبة بن عامر رضي الله عنه مرفوعاً دية
المجوس ثمانمائة درهم، تفرد به أبو صالح(٥).
(١) الأم ١٠٥/٦، و١٠٦، ومسند الشافعي ١٠٧/٢، وعبد الرزاق ٩٣/١٠، رقم
٨٤٧٩، وابن أبي شيبة ٢٨٨/٩، ورواه البيهقي عن الشافعي في السنن الكبرى
٨/ ١٠٠، والدارقطني ١٣٠/٣، و١٤٦، رقم ١٩٤ - ١٩٦.
(٢) السنن الكبرى للبيهقي ١٠٠/٨.
(٣) السنن الكبرى للبيهقي ١٠٠/٨، ومعرفة السنن والآثار ١٤٣/١٢.
انتقد ابن التركماني في الجوهر النقي ١٠٠/٨ قوله هذا، وقال: ((كلامه في
الخلافيات ظاهره يدل على أنه فهم من كلام الشافعي أن مراده بالمسؤول هو
عثمان؛ لأنه قال: ((وهذا آخر ما قضى به، وابن المسيب فيما علمنا ما كان
متولياً، وعثمان لم يسأل في تلك القضية، بل المسؤول هو ابن المسيب، فظهر
أن كلام البيهقي في الخلافيات ليس بجید».
قلت: ((لكلام البيهقي محمل آخر يكون به جيداً، ألا وهو انقطاع في الكلام
يقتضي محذوفاً، هو أن ابن المسيب أخذ من الروايتين عن عثمان ما ترجح
لديه، والله أعلم.
(٤) السنن الكبرى للبيهقي ١٠١/٨، وعند عبد الرزاق في المصنف ١٠/ ٩٧ عن
علي وابن مسعود بخلاف ما ذكره المصنف.
(٥) السنن الكبرى للبيهقي ١٠١/٨.
قال ابن التركماني في الجوهر النقي ١٠١/٨: ((وقال الطحاوي: ((لا يعلم في =
٣٨٥

وروينا عن أيوب بن موسى عن ابن شهاب، ومكحول عن عطاء
قالوا: ((أدركنا الناس على أن دية الرجل المسلم الحر على عهد
النبي ( مائة من الإبل)) (١). وفي هذا دلالة على أن الدية كانت
تختلف حيث قيدوه بالرجل المسلم الحر، ولو كانت دية غيره كديته
لم يكن لتقييدهم فائدة، والله أعلم.
وروى أبو داود عن ابن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه
عن جده عن النبي وَّةٍ قال: ((دية المعاهد نصف دية الحر))(٢).
قال البيهقي رحمه الله: ((يحتمل أن يكون هذا إخباراً عن دية
المعاهد حين كانت قيمة دية المسلم (ثمانية آلاف درهم، فلما غلت
الإِبل رفع أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه قيمة دية المسلم))(٣)، ولم
يرفع دية المعاهد فيما رفع علماً منه بأنها في أهل الذمة توقيت(٤).
والذي يدل على هذا ما روي عن عمرو بن شعيب أن
رسول الله ﴿ فرض على كل مسلم حر(٥) قتل رجلاً من أهل الكتاب
أربعة آلاف (٦).
دية المجوس عن النبي - * - غير هذا الحديث الذي لا يثبته أهل الحديث؛
=
لأجل ابن لهيعة، ولا سيما من رواية عبد الله بن صالح عنه)».
(١) سبق تخريجه ص ٣٧٤، وينظر معرفة السنن والآثار ١٠٦/١٢، رقم ١٦٠٤٨.
(٢) أبو داود ١٩٤/٤، رقم ٤٥٨٣، والترمذي ٦٧١/٤، رقم ١٤٤١، والنسائي
٢٤٨/٢، وابن ماجه ٨٨٣/٢، رقم ٢٦٤٤، وابن أبي شيبة ٢٨٧/٩، وأحمد
١٨٠/٢، رقم ٦٦٩٢، والطيالسي ص ٢٩٩، رقم ٢٢٦٨، وحسنه الألباني في
إرواء الغليل ٧/ ٣٠٧.
(٣) ساقطة من الأصل.
(٤) معرفة السنن والآثار ١٢/ ١٤١، ١٤٧.
(٥) ساقطة من الأصل.
(٦) عبد الرزاق ٩٢/١٠، رقم ١٨٤٧٤، والدارقطني ١٤٥/٣، رقم ١٩١، والبيهقي
في السنن الكبرى ١٠١/٨.
٣٨٦

ثم قال الشافعي في القديم رحمه الله أحكاماً رواها عمرو بن
شعيب هم - يعني العراقيين - لا يقولون بها، ونحن نقول بها، فذكر
منها ما رواه في عقل أهل الكتاب أنه نصف عقل المسلم، ففيه إشارة
أنه كان يقول بذلك، ثم رغب عنه، والله أعلم، لما ذكرنا من
الاحتمال، والله أعلم.
استدلوا بما روي عن عثمان بن عبد الرحمن عن الزهري عن
علي بن حسين عن عمرو بن عثمان عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما
((أن رسول الله وَ ◌ّر جعل دية المعاهد كدية المسلم)) (١)، قال علي(بن
عمر)(٢): ((عثمان هو الوقاصي متروك الحديث))(٣).
وروي عن أبي سعد عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما
قال: ((جعل رسول الله وَلقولهدية العامريين دية الحر المسلم، وكان لهما
عهد))(٤). أبو سعد هذا هو سعيد بن المرزبان البقال ضعيف الحديث،
وليس هذا بثابت.
وروى أبو كرز عبد الله بن عبد الملك الفهري عن نافع عن
ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي ◌َ ◌ّر ((أنه ودى ذمياً دية مسلم))(٥).
(١) الدارقطني ١٤٥/٣، رقم ١٩٢.
(٢) من الأخريين.
(٣) الدارقطني ١٤٥/٣، والتعليق المغني بهامشه.
(٤) رواه البيهقي في السنن الكبرى ١٠٢/٨، والترمذي ٢٠/٤، رقم ١٤٠٤، ولفظه
أصرح مما نقله المصنف؛ لأن البيهقي في السنن ألمح إلى أنه يفهم منه أن
الرسول ودى الاثنين بدية مسلم واحد، ونص الحديث في الترمذي يرده،
وعقب ابن التركماني بنحو هذا في ذلك الجوهر النقي ١٠٢/٨.
وقال البيهقي: ((في سنده أبو سعد سعيد بن المرزبان البقال لايحتج به))، وقال
الترمذي: ((حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه)).
(٥) رواه الدارقطني ١٢٩/٣، رقم ١٤٩، و٤٥/٣، رقم ١٩١، وقال الهيثمي في
مجمع الزوائد ٢٩٩/٦: ((رواه الطبراني في الأوسط، وفيه أبو كرز وهو
ضعيف، وهذا أنكر حديث رواه)».
٣٨٧

قال علي: ((أبو كرز هذا متروك الحديث، ولم يروه عن نافع غيره))(١).
وروى بركة بن محمد الحلبي بسندٍ عن أبي هريرة رضي الله عنه
أن الدية كانت على عهد رسول الله وَ لجر وأبي بكر، وعمر، وعثمان،
وعلي رضي الله عنهم دية المسلم واليهودي والنصراني سواء، فلما
استخلف معاوية صار دية اليهودي والنصراني على النصف من دية
المسلم، فلما استخلف عمر بن عبد العزيز رد الأمر إلى القضاء
الأول(٢). هذا باطل بهذا الإسناد، فبركة بن محمد كذاب.
وروى الحسن بن عمارة عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس
رضي الله عنهما قال: ((ودى رسول الله مَ له رجلين من المشركين وكانا
منه في عهد دية الحرين المسلمين))(٣). وابن عمارة متروك الحديث
لا يحتج به.
وروي عن القاسم بن عبد الرحمن عن عبد الله بن مسعود رضي
الله عنهما قال: ((من كان له عهد أو ذمة فديته دية مسلم)) (٤)، قلنا:
((هذا منقطع)).
وروي عن الزهري بقريب من معنى ما روى بركة بن محمد،
(١) الدارقطني ١٢٩/٣، وأبو كرز اسمه عبد الله بن عبد الملك الفهري، ينظر
التعليق المغني ١٣٠/٣، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى ١٠٢/٨.
(٢) الكامل لابن عدي ٢/ ٤٨٠ ترجمة بركة بن محمد.
(٣) أخرجه المصنف البيهقي في السنن الكبرى ١٠٢/٨، وإسناده منقطع كما قال،
رحمه الله .
(٤) رواه الدارقطني ١٤٩/٣، رقم ٢٠٣، والبيهقي في السنن الكبرى ١٠٣/٨،
وقال: ((هذا منقطع وموقوف))، وأخرجه عبد الرزاق في المصنف ١٠/ ٩٧، رقم
١٨٤٩٦ - ١٨٤٩٧ هذا عن ابن مسعود. وقال ابن التركماني في الجوهر النقي
٨/ ١٠٣: ((كلاهما منقطع، لكن يعضد أحدهما الآخر ويقويه)).
ورواه ابن أبي شيبة ٢٨٦/٩، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٩٩/٦ :
((ورجاله رجال الصحيح إلا أن مجاهداً لم يسمع من ابن مسعود)).
٣٨٨

ورده الشافعي (رحمه الله) بكونه مرسلاً(١)، وبأن الزهري قبيح
المراسيل، وأنا روينا عن عمر وعثمان رضي الله عنهما ما هو أصح
منه (٢)، والله أعلم.
قيل للشافعي (رحمه الله): ((سعيد بن المسيب عن عمر رضي الله
عنه منقطع)) قال: ((إنه يزعم أنه حفظ عنه، ثم تزعمونه أنتم خاصة
وهو عن عثمان رضي الله عنه غير منقطع)).
قال البيهقي رضي الله عنه: أظنه أراد ما أخبرنا، وذكر إسناداً عن
إياس بن معاوية قال: ((قال سعيد بن المسيب ممن أنت؟ قلت: من
مزينة قال: إني لأذكر يوم نعى/ عمر بن الخطاب رضي الله عنه [نهاية ١٦٩/ب]
النعمان بن المقرن المزني على المنبر)»(٣). روينا عن يحيى بن سعيد
الأنصاري أن ابن المسيب كان يسمى راوية عمر؛ لأنه كان أحفظ
الناس لأحكامه(٤).
وقال مالك: ((بلغني أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما كان
يرسل إلى ابن المسيب يسأله عن بعض شأن عمر وأمره، رضي الله
عنه)»(٥) والله أعلم.
مسألة (٢٨٠):
وقيمة العبد على القاتل، لا تحملها العاقلة(٦) في أحد
(١) الآثار لأبي يوسف ص ٢٢٠، والسنن الكبرى للبيهقي ١٠٢/٨.
(٢) السنن الكبرى للبيهقي ١٠٠/٨، ومعرفة السنن والآثار ١٤٤/١٢.
(٣) معرفة السنن والآثار ١٤٤/١٢، رقم ١٦٢٣٥.
(٤) معرفة السنن والآثار ١٤٥/١٢، رقم ١٦٢٣٦.
(٥) التمهيد لابن عبد البر ٣٠٣/٦.
(٦) العاقلة هم: قرابة القاتل من قبل الأب، عصبة بالنسب الذكور، وهذا عند
الجمهور، وعند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - إن كان مدوناً في الديوان فعاقلته
من سجلت أسماؤهم معه، وإن لم يكن فعاقلته قبيلته ومن ينتصر بهم.
المهذب ١٩٨/٢، وتحفة الفقهاء ١٨٦/٣، وبداية المجتهد ٤٠٧/٢ وشرح
منتهى الإرادات ٣٢٧/٣.
٣٨٩

القولين(١). وقال أبو حنيفة رحمه الله: ((تحملها العاقلة))(٢).
روي عن عمر رضي الله عنه العمد والعبد والصلح والاعتراف لا
تعقله العاقلة(٣).
وروى الشافعي رحمه الله عن سفيان عن الزهري عن
ابن المسيب أنه قال: ((عقل العبد في ثمنه كجراح الحر في ديته)) (٤).
قال ابن شهاب: ((وكان رجال سواه. يقولون: يقوم سلعة(٥) (إذا
قوم سلعة كان كغيره من السلع، لا شيء على العاقلة، وإذا كان كالحر
في جراحه لا يكون مثله في تحمل العاقلة، وإذن لا يقاسُ على الدية
ما يكون قيمة كسائر المتقومات)(٦)، والله أعلم.
مسألة (٢٨١):
وأبو القاتل وجدّه وابنه وابن ابنه ليسوا من جملة العاقلة الذين
يتحملون الدية، وكذلك القاتل لا يحمل شيئاً من دية قتيله خطأً(٧).
وقال أبو حنيفة رحمه الله: ((إنهم من جملتهم، وعليهم ما على الإِخوة
وغيرهم))(٨).
في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: ((قضى
رسول الله وَّر في جنين امرأة من بني لحيان سقط ميتاً بغرة عبد أو
(١) الأم ١٠٤/٦، و١١٦، ومغني المحتاج ٩٨/٤.
(٢) تحفة الفقهاء ١٧٤/٣، وبدائع الصنائع ١٠ /٤٦٦٥، و ٤٦٦٦.
(٣) رواه الدارقطني ١٧٧/٣، رقم ٢٧٦، والبيهقي في السنن الكبرى ١٠٤/٨،
ومعرفة السنن والآثار ١٤٩/١، وفي سنده عبد الملك بن حسين أبي مالك
النخعي ضعيف، ينظر التعليق المغني ١٧٧/٣، و ١٧٨.
(٤) مسند الشافعي ١١٢/٢، والسنن الكبرى للبيهقي ١٠٤/٨.
(٥) السنن الكبرى للبيهقي ١٠٤/٨.
(٦) ساقط من الأخريين.
(٧) مختصر المزني ص ٢٤٨، ومغني المحتاج ٤/ ٩٥.
(٨) تحفة الفقهاء ٣/ ١٨٦، وبدائع الصنائع ٤٦٦٦/١٠، و٤٦٦٧.
٣٩٠

وليدة. ثم إن المرأة التي قضى عليها بالغرة توفيت، فقضى رسول الله
أن ميراثها لبنيها وزوجها، وأن العقل على عصبتها))(١).
وعند أبي داود عن جابر رضي الله عنه أن امرأتين من هذيل قتلت
إحداهما الأخرى، ولكل واحدة منهما زوج وولد، قال: ((فجعل
النبي وَ لهدية المقتول على عاقلة القاتلة، وبرّأ زوجها، قال: فقال عاقلة
المقتول ميراثها لنا. قال رسول الله (مَلقر لا ميراثها لزوجها وولدها))(٢).
وعند مسلم عن المغيرة أن امرأة قتلت ضرتها بعمود فسطاط،
فأتي فيه إلى رسول الله وَّر فقضى فيه على عاقلتها بالدية، وكانت
حاملاً فقضى في الجنين بغرة، فقال بعض عصبتها: أندي من
لا طعم))(٣) الحديث.
قال الشافعي رحمه الله: ((ولم أعلم مخالفاً في أن العاقلة
العصبة، وهم القرابة من قبل الأب))(٤).
قال رحمه الله: ((وقد قضى عمر على علي رضي الله عنهما بأن
يعقل عن(٥) موالي صفية، وقضى للزبير بميراثهم؛ لأنه ابنها))(٦).
وروى أبو الزناد عن فقهاء التابعين من أهل المدينة ابن المسيب
وغيره كانوا يقولون: ((إذا ولدت المرأة في غير قومها فبنوها يرثونها،
(١) البخاري ك/ الديات، ب/ جنين المرأة وأن العقل على الوالد ... ٦/ ٢٥٣٢،
رقم ٦٥١١، و٦٥١٢، ومسلم ك/ القسامة، ب/ دية الجنين ووجوب الدية
في قتل الخطأ ... ١٣٠٩/٣، رقم ٣٥/١٦٨١.
(٢) أبو داود ١٩٢/٤، رقم ٤٥٧٥، قال المنذري في مختصر سنن أبي داود
٣٦٨/٦، رقم ٤٤٠٨: ((في إسناده مجالد بن سعيد، وقد تكلم فيه غير
واحد)). وابن ماجه ٨٨٤/٢، رقم ٢٦٤٨ ..
(٣) مسلم ك/ القسامة، ب/ دية الجنين ووجوب الدية في قتل الخطأ ...
١٣١١/٣، رقم ٣٨/١٦٨٢ تقدم تخريجه في ألفاظ أخر.
(٤) ينظر الأم ١١٦/٦.
(٥) في (ب): ((على)).
(٦) رواه البيهقي في السنن الصغرى ٢٥١/٣، رقم ٣٠٨٧، وفي الكبرى ١٠٧/٨.
٣٩١

وقومها يعقلون عنها، ومولاها بتلك المنزلة))(١)، والله أعلم.
مسألة (٢٨٢):
ومن في الديوان ومن ليس فيه من العاقلة سواء في تحمل
العقل(٢). وقال أبو حنيفة رحمه الله: ((يختص بحملها من في الديوان
من العاقلة)(٣)) (٤).
قال الشافعي رحمه الله: ((قضى رسول الله وَلقر على العاقلة، ولا
ديوان حتى كان الديوان في زمان عمر رضي الله عنه حين كثر المال،
وقد مضى(٥) الحديث في قضاء رسول الله، وَلا))(٦).
وروي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أول من دون
الدواوين عمر، رضي الله عنه (٧).
مسألة (٢٨٣):
والبداية في القسامة (٨) مع اللوث بأيمان المدعين(٩). وقال أبو
(١) رواه عبد الرزاق ٣٩٧/٩ - ٤٠٠، البيهقي في السنن الكبرى ١٠٧/٨، ومعرفة
السنن والآثار ١٥٥/١٢.
(٢) الأم ١١٦/٦، ومختصر المزني ص ٢٤٨، والمهذب ١٩٨/٢.
(٣) ساقط من الأصل.
(٤) تحفة الفقهاء ١٨٦/٣، وبدائع الصنائع ١٠ / ٤٦٦٧.
(٥) في (ب): ((مر).
(٦) الأم ١١٦/٦، والسنن الكبرى للبيهقي ١٠٨/٨.
(٧) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ١٠٨/٨.
(٨) القسامة: هي الأيمان المكررة في دعوى القتل يحلفها أولياء القتيل لإثبات
القتل، فإن نكلوا ردت على المدعى عليه؛ ليحلف أولياؤه خمسين يميناً، فإن
لم يكن له أولياء حلف وبرىء. وعند الأحناف يحلفها أهل المحلة التي وجد
فيها القتيل، ويتخيرهم ولي الدم، فإذا حلفوا غرموا الدية.
ينظر: المهذب ٣١٨/٢، وبداية المجتهد ٤٢١/٢، وتبيين الحقائق ١٦٩/٦،
ومواهب الجليل من أدلة خليل ٣٠٤/٤ - ٣١١، ومغني المحتاج ١٠٩/٤،
والشرح الكبير ٢٩٣/٤، وكشاف القناع ٦٦/٦، واللباب ١٧٢/٣.
(٩) الأم ٦/ ٩١، ومختصر المزني ص ٢٥١، ونهاية المحتاج ٣٩٣/٧ - ٣٩٤.
٣٩٢

حنيفة رحمه الله: ((من قبل المدعى عليهم، لا من قبل المدعين)) (١).
لنا ما في الصحيحين عن سهل بن أبي حثمة رضي الله عنه في
حديث حويصة ومحيصة، وفيه: ((أن رسول الله وَّير قال لهم حين
أنكرت يهود قتل عبد الله بن سهل: تحلفون وتستحقون دم صاحبكم؟
قالوا: لا، قال: فيحلف يهود، قالوا: ليسوا بمسلمين، فوداه
رسول الله ◌َ﴾ من عنده))(٢).
وفي رواية عندهما عنه، وعن رافع بن خديج رضي الله عنه
القصة في قتله، قال: ((فتكلما في أمر صاحبهما، فقال رسول الله اليه
استحقوا صاحبكم، أو قال: قتيلكم بأيمان خمسين منكم، قالوا: أمر
لم نشهده، فقال: فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم، قالوا: قوم
كفار، فوداه(٣) رسول الله وَالقتل من قبله))(٤).
وفي رواية(٥) أخرى عندهما أيضاً عن سهل رضي الله عنه قال
يحيى: ((وحسبته/ قال: وعن رافع أنهما قالا))، فذكر قصة في قتله [نهاية ١/١٧٠]
إلى أن قال: ((فذكروا لرسول الله وَ ل﴿ مقتل عبد الله، فقال لهم:
تحلفون خمسين يميناً فتستحقون صاحبكم أو قاتلكم؟ قالوا: كيف
نحلف ولم نشهد؟ قال: فتبرئكم اليهود بخمسين يميناً، قالوا: وكيف
نقبل أيمان قوم كفار؟ فلما رأى ذلك رسول الله وسلّ أعطى عقله))(٦).
(١) تحفة الفقهاء ٢٠١/٣، وبدائع الصنائع ٤٧٣٥/١٠، و٤٧٣٦، ومجمع الأنهر
شرح ملتقى الأبحر ٦٧٨/٢.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) البخاري: ((فوداهم))، وعند مسلم: ((فوداه)).
(٤) البخاري ك/ الأدب. ب/ أكرم الكبير ويبدأ الأكبر الكلام والسؤال ٢٢٧٥/٥،
رقم ٥٧٩١، ومسلم ك/ القسامة. ب/ القسامة ١٢٩٢/٣، رقم ٢/١٦٦٩.
(٥) ليست في الأصل.
(٦) البخاري ك/ الجزية، ب/ الموادعة والمصالحة مع المشركين بالمال ....
١١٥٨/٣، رقم ٣٠٠٢، ومسلم ك/ القسامة. ب/ القسامة ١٢٩٢/٣، رقم
١/١٦٦٩، واللفظ له.
٣٩٣

وفي هذا دلالة على أن ذكر الخمسين يرجع إلى الأيمان، لا إلى عدد
الذين يحلفون. وهكذا رواية الجماعة عن يحيى بن سعيد.
كذلك رواه بشر بن المفضل وسليمان بن بلال وعبد الوهاب
الثقفي عن يحيى بن سعيد زاد بعضهم عن عبد الوهاب:
((وتستحقون دم قاتلكم)) (١). وكذلك روي عن مالك عن يحيى بن
سعيد(٢).
ورواه سفيان بن عيينة عن يحيى فلم يتقن إتقان هؤلاء في البداءة
بأيمان الأنصار، والجماعة بالحفظ أولى؛ ولذلك أحال مسلم رواية
سفيان على رواية الجماعة ولم يسق متنه(٣)، وكذلك لم يسق متن
رواية سعيد بن عبيد الطائي (٤)؛ لمخالفته رواية يحيى، وقال: ((إنها
غلط، ويحيى أحفظ منه))(٥) .
وساقها البخاري، وفيها أن رسول الله وَ الر قال لهم: ((تأتوني
بالبينة على من قتل؟ قالوا: ما لنا بينة، قال: فيحلفون(٦) لكم))(٧)،
ولم يسم أحداً منهم.
قال البيهقي رحمه الله: ((وهذا يحتمل أن لا يخالف رواية
يحيى، وكأنه أراد بالبينة أيمان المدعين مع اللوث، كما (٨) فسره
(١) أبو داود ١٧٧/٤، رقم ٤٥٢٠، والترمذي ٦٨٢/٦، رقم ١٤٥١، والنسائي ١٨
٥، وابن ماجه ٨٩٢/٢ - ٨٩٣، رقم ٢٦٧٧، و٢٦٧٨. وأحمد ٢/٤ - ٣.
(٢) موطأ مالك ٧٧/٣، وينظر: تنوير الحوالك ٧٧/٣، وشرح الزرقاني على
الموطأ ٢٠٧/٤، مصنف ابن أبي شيبة ٣٨٣/٩، وشرح مشكل الآثار ١٩٧/٣.
(٣) في مسلم ١٢٩٣/٣.
(٤) في مسلم ١٢٩٤/٣.
(٥) معرفة السنن والآثار ١٧٣/١٢.
(٦) البخاري ك/ الديات، ب/ القسامة ٢٥٢٨/٦، رقم ٦٥٠٢.
(٧) ((ولكم)) ليست في هذه الرواية عند البخاري.
(٨) ساقطة من (ب).
٣٩٤

يحيى بن سعيد، أو طالبهم بالبينة كما في هذه الرواية، فلما لم يكن
عندهم بينة عرض عليهم الأيمان كما في رواية يحيى بن سعيد، فلما
لم يحلفوا ردها على اليهود كما في الروايتين جميعاً والله أعلم يؤكد
كذلك ما أخبرنا))(١).
وذكر خبراً مرسلاً عن سليمان بن يسار فيه: ((أن رسول الله وَله
طالبهم بالبينة، فلم يكن لهم بينة، فقال: استحقوا بخمسين قسامة))(٢)،
وعن عمرو بن شعيب أيضاً بمعنى ذلك(٣).
وروى ابن إسحاق عن محمد بن إبراهيم عن عبد الرحمن بن
بجيد قال: ((والله ما هكذا كان الشأن، ولكن سهلاً أوهم ما قال
رسول الله وَر: ((احلفوا على ما لا علم لكم به))(٤). وليس هذا القول
بمقبول من قائله؛ فإن سهلاً قص القصة من أولها إلى آخرها، وتابعه
(١) السنن الكبرى للبيهقي ١١٧/٨ -١٢٦، وينظر مصنف عبد الرزاق ٢٧/١٠ - ٤٤.
(٢) رواه البيهقي في معرفة السنن والآثار ١٧٧/١٢، رقم ١٦٣٧١، وعنه عند أبي
داود في السنن ١٧٨/٤ - ١٧٩ بنحوه، وعنده برقم ٤٥٢٣ عن بشير بن يسار
بمثل ما ذكره المصنف.
(٣) أورده البيهقي في السنن الكبرى ١٢٣/٨، ونصفه مرفوعاً: ((البينة على من
ادعى، واليمين على من أنكر إلا في القسامة))، وقال ابن التركماني: ((في إسناده
لين، وذلك أن الزنجي ضعيف، قال أبو زرعة والبخاري: ((منكر الحديث))،
ورواه الدارقطني ١١١/٣، رقم ٩٩، و١٠٠.
(٤) ذكره في السنن الكبرى ١٢١/٨، وأعقبه برد الشافعي عليه، حيث قال
الشافعي: ((لا أعلم ابن بجيد سمع من النبي - ﴾ - وإن لم يكن سمع من
النبي - ◌َّيه9 - فهو مرسل، وتعقبه ابن التركماني بأن ابن بجيد أدرك النبي - صل *.
وذكره ابن حبان وغيره من الصحابة. وقال العسكري: ((أثبت له صحبة))،
وصحح الترمذي من روايته حديث: ((ردوا السائل ولو بظلف محرق)). ومسلم
اكتفى في اشتراط الاتصال إمكان اللقاء، فعلى هذا لا يكون الحديث مرسلاً.
وقد حكى ابن جرير الطبري أن مذهب السلف قبول المرسل، وأن رده لم
يحدث إلا بعد المائتين))، الجوهر النقي بذيل السنن الكبرى ١٢١/٨، وهكذا
رواه عنه أبو داود بلفظ نحوه في سننه ١٧٩/٤، رقم ٤٥٢٥.
٣٩٥

على ذلك رافع ابن خديج(١). قال الشافعي رحمه الله: ((لا أعلم ابن
بجيد سمع من النبي (مَێ».
وروى أبو داود خبراً منقطعاً عن الزهري عن أبي سلمة
وسليمان بن يسار، ورجال من الأنصار أن رسول الله وَله قال لليهود
وبدأ بهم: ((يحلف منكم خمسون رجلاً، فأبوا))(٢) وخولف فيه.
فرواه مسلم في الصحيح عنه عنهما عن رجل من أصحاب
النبي ◌ّ من الأنصار (٣) أن النبي ◌َلتر أقر القسامة على ما كانت عليه
في الجاهلية، وقضى بها رسول الله وَّل بين ناس من الأنصار في قتيل
ادعوه على اليهود(٤). وروي بألفاظ أخر، فالرواية عنه مختلفة منها
المنقطع، والمجمل، والمفسر، وحديث سهل صحيح متصل مفسر،
(١) حديث رافع قال وجد من الأنصار مقتولاً بخيبر، فانطلق أولياؤه إلى
النبي - 18 - فذكروا ذلك له. فقال: ((لكم شهدان یشهدان على قتل صاحبکم،
قالوا: يا رسول الله، لم يكن ثم أحد من المسلمين، وإنما هم يهود، وقد
يجترون على أعظم من هذا، قال: فاختاروا منهم خمسين، فاستحلفهم، فوداه
رسول الله - 18 - من عنده))، رواه أبو داود برقم ٤٥٢٤، وسكت عنه هو
والمنذري في تهذيب السنن برقم ٤٣٥٩، ولم يعزه ابن الأثير لغيره، ينظر
جامع الأصول لابن الأثير ٢٨٦/١٠، رقم ٧٨١٣، وقال المحققان: ((إسناده
صحیح).
(٢) أبو داود ١٧٩/٤، وينظر أيضاً ١٧٨/٤، رقم ٤٥٢٦، و٤٥٢٢، وفي
المراسيل ص ٢١٧، و ٢١٨، رقم ٢٦٩، و ٢٧٠ بتحقيق شعيب الأرناؤوط،
وقال البيهقي في السنن الكبرى ١٢٧/٨: ((إنه منقطع الإِسناد)» (وعني ما في
السنن والمراسيل)، وينظر بذل المجهود ٣٨/١٨، ومختصر سنن أبي داود ٦/
٣٢٢، رقم ٤٣٦٠، ورواه ابن أبي شيبة بنحوه عن الزهري عن ابن المسيب
٣٧٦/٩، وأشار النووي في تهذيبه بذيل السنن: ((الرجال من الأنصار لا يمتنع
أن یکونوا صحابة)».
(٣) زيادة من ((مسلم)).
(٤) مسلم ك/ القسامة. ب/ القسامة ١٢٩٥/٣، رقم ٨/١٦٧٠، ورواه البيهقي في
السنن الكبرى ١٢٢/٨.
٣٩٦

فالأخذ به أولى(١)، وبالله التوفيق.
وروي عن الشعبي رحمه الله أن قتيلاً بين وادعة(٢) وشاكر(٣)،
فقاسوا ما بين القريتين، فوجدوه أقرب إلى وادعة، فحلفهم عمر
خمسين يميناً ما قتلناه ولا علمنا له قاتلاً، وغرمهم الدية.
وفي رواية أن الحارث بن الأزمع قال: ((لا أموالنا دفعت عن
أيماننا، ولا أيماننا دفعت عن أموالنا»، فقال عمر رضي الله عنه:
((كذلك الحق))(٤). وهذا مرسل، وهو المحفوظ.
وروي عن مجالد عن الشعبي عن مسروق: ((أن قتيلاً وجد بين
قریتین ... ))، ومجالد غير محتج به(٥).
(١) السنن الكبرى للبيهقي والجوهر النقي بذيله ١١٩/٨، ومعرفة السنن والآثار
١٨١/١٢، و١٨٢.
(٢) هكذا في كل النسخ والمعرفة، ولعله يريد ((وداعة))، وسيأتي ذكرها في الصفحة
التالية .
(٣) لم أجد (شاكر)). وإنما في معجم البلدان ٣٥٧/٣ ن دار الفكر: ((شكر جبل
باليمن قريب)). وقد ذكر ابن هشام في السيرة ٣٣٤/٤: ((أن رسول الله - وَالخير -
قال: بأي بلاد الله شكر؟ فقام إليه الخرشيان فقالا: ببلادنا جبل يقال له كشر،
وكذلك يسميه أهل خرش. فقال إنه ليس بكشر، ولكنه شكر، قالا: فما شأنه
يا رسول الله؟ قال: إن بدن الله لتنحر عنده الآن. قال فجلس الرجلان إلى أبي
بكر، أو إلى عثمان، فقال لهما: ويحكما إن رسول الله - وَلـ ـ لينعى لكما
قومكما، فقوما إلى رسول الله، فاسألاه أن يدعو الله أن يرفع عن قومكما،
فقاما إليه فسألاه ذلك فقال: اللهم ارفع عنهم، فخرجا من عند
رسول الله - * - راجعين إلى قومهما، فوجدا قومهما قد أصيبوا يوم أصابهم
حرد من عبد الله في اليوم الذي قال فيه رسول الله - وَطير - ما قال، وفي الساعة
التي ذكر فيها ما ذكره.
(٤) رواه وكيع في أخبار القضاة ١٩٣/٢، وأبو يوسف الآثار ص ١٨١،
وعبد الرزاق ٣٥/١٠، رقم ١٨٢٦٦، والبيهقي في السنن الكبرى ١٢٣/٨ -
١٢٤.
(٥) السنن الكبرى للبيهقي ١٢٥/٨.
٣٩٧

وروي عن أبي إسحاق عن الحارث بن الأزمع قال: ((قتل قتيل
باليمن فذكروه))، ولم يسنده(١).
وعنه أن قتيلاً وجد بين وادعة وخيوان، قال شعبة: قلت لأبي
[نهاية ١٧٠/ب] إسحاق: من حدثك؟)) قال: ((مجالد/ عن الشعبي عن الحارث))، فعاد
الحديث إلى مجالد))(٢).
قال الشافعي رحمه الله: ((سافرت إلى خيوان(٣) ووادعة(٤) كذا
وكذا سفرة أسألهم عن حكم عمر في القتيل، وأحكي لهم ما روي
عنه، فقالوا: إن هذا الشيء ما كان ببلدنا)»، قال: ((والعرب أحفظ
شيء لأمر كان)).
وروي عن عمر بن صبيح من حديث ابن المسيب أن عمر رضي
الله عنه لما حج غودر رجل من المسلمين قتيلاً ببني وادعة، فذكر
القصة بمعناه وزيادة، وفيه: ((أنه أخذ ديته دنانير دية وثلث دية))(٥).
قال علي: ((عمر ابن صبيح متروك الحديث))(٦).
وروى أبو إسرائيل الملائي عن عطية العوفي عن أبي سعيد أن
قتيلاً وجد بين حيين، فذكر الحديث مرفوعاً معناه أن ديته ألقيت إلى
أقربهما إليه بشبر، وعطية والملائي غير محتج بهما (٧).
(١) السنن الكبرى للبيهقي ١٣٥/٨.
(٢) السنن الكبرى للبيهقي ١٢٥/٨.
(٣) خيوان: قبيلة ومدينة باليمن وقال ابن الكلبي: ((كان يعوق الصنم بقرية يقال
لها: خيوان من صنعاء على ليلتين مما يلي مكة))، معجم البلدان ٢/ ٤١٥.
(٤) وداعة: مخلاف باليمن عن يمين صنعاء، ينظر معجم البلدان، ٤٢٠/٥.
(٥) السنن الكبرى للبيهقي ١٢٥/٨، ولعبد الرزاق نحوه في المصنف ٣٥/١٠، رقم
١٨٢٦٦، وسبق ذكره، وقال: ((إن رفعه للنبي - {﴿ ـ منكر)).
(٦) الدارقطني ٣/ ١٧٠، والسنن الكبرى للبيهقي ١٢٥/٨.
(٧) السنن الكبرى للبيهقي ١٢٦/٨، وقال: ((لا يصح.
٣٩٨

وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما
قال: ((وجد رجل من الأنصار قتيلاً في دالية(١) ناس من اليهود))، فذكر
الحديث مرفوعاً معناه أن الدية جعلت عليهم بعد يمين خمسين منهم،
والكلبي متروك(٢)، والله أعلم.
مسألة (٢٨٤):
قتل العمد يوجب الكفارة(٣). وقال أبو حنيفة رحمه الله: ((لا
یوجب»(٤).
روي عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال: ((أتى النبي وال
نفر من بني سليم، فقالوا: إن صاحباً لنا أوجب، قال: فليعتق رقبة
يقد(٥) الله بكل عضو منه عضواً منه من النار)).
وفي رواية: ((في صاحب لنا قد أوجب النار بالقتل))، رواه أبو
داود(٦)، والله أعلم(٧).
مسألة (٢٨٥):
ونفس السحر ليس بكفر، ولا يقتل ما لم يقتل سحره عمداً (٨).
(١) الدالية: جذع طويل يركب تركيب مداق الأرز، في رأسه مغرفة كبيرة يستقى
بها، ينظر المغرب ص ١٦٧.
(٢) السنن الكبرى للبيهقي ١٢٣/٨.
(٣) المهذب ٢١٨/٢، والوجيز ١٥٨/٢، والمنهاج ص ١٢٩.
(٤) المبسوط ٦٧/٢٦، وبدائع الصنائع ٤٦٥٧/١٠، والاختيار ١٥٧/٣.
(٥) في (أ): ((يعتق)).
(٦) أبو داود ٢٩/٤ رقم ٢٩٦٤، والبيهقي في السنن الكبرى ١٣٣/٨.
(٧) واستدل أبو حنيفة - رحمه الله - بما رواه أحمد في مسنده ٢/ ٣٦٢ عن أبي هريرة - رضي
الله عنه - عن النبي - ﴿ - أنه قال: ((خمسة لا كفارة فيهن: الإشراك بالله، والفرار من
الزحف، وقتل نفس بغير حق، واليمين الفاجرة التي يقتطع بها مال امرىء مسلم،
وعقوق الوالدين)) قالوا: هذا نصه، ينظر فيض القدير ٤٥٨/٣.
(٨) الأم ٢٥٦/١، ومختصر المزني ص ٢٥٥، ومغني المحتاج ٤/ ٤٥.
٣٩٩

وقال أبو حنيفة رحمه الله: ((نفس السحر كفر يقتل به، وإن لم يقتل))(١).
ولنا حديث: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا
الله))(٢) الحديث.
عن أبي هريرة رضي الله عنه في الصحيحين، وفيهما عن
عبد الله رضي الله عنه قال: ((قال رسول الله وَ لقول: لا يحل دم امرىء
مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب
الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة))(٣).
وفيهما حديث أسامة رضي الله عنه بعثنا رسول الله وَلقر سرية إلى
الحرقات، (فغدروا بنا)(٤)، فهربوا، فأدركنا رجلاً منهم، فلما غشيناه
قال: ((لا إله إلا الله، فضربناه حتى قتلناه، فعرض في نفسي شيء(٥)
من ذلك، فذكرته لرسول الله، وَ ل9، فقال: من لك بـ ((لا إله إلا الله))
يوم القيامة؟! فقلت: يا رسول الله، إنما قالها مخافة السلاح والقتل،
قال: أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم قالها من أجل ذلك أم لا؟ من
لك بـ ((لا إله إلا الله)) يوم القيامة؟ قال: فما زال يقول، حتى وددت
أني لم أسلم إلا يومئذٍ))(٦).
(١) تبيين الحقائق ٣٩٣/٣، وفتح القدير ٩٩/٦.
(٢) البخاري ك/ الزكاة، ب/ وجوب الزكاة ٥٠٧/٢، رقم ١٣٣٥، ومسلم ك/
الإِيمان، ب/ الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ٥١/١، رقم ٢٠.
(٣) البخاري ك/ الديات، ب/ قوله تعالى: ﴿النفس بالنفس ... ﴾ ٢٥٢١/٦،
ومسلم ك/ القسامة، ب/ ما يباح دم المسلم ١٣٠٢/٣، رقم ١٦٧٦، ((وعن
عبد الله بن مسعود)).
(٤) ليست في الصحيحين.
(٥) ساقطة من الأخريين.
(٦) البخاري ك/ الديات، ب/ قول الله تعالى: ﴿ومن أصابها ... ﴾ ٢٥١٩/٦،
رقم ٦٤٧٨، وينظر رقم ٤٠٢١، ومسلم ك/ الإيمان، ب/ تحريم قتل الكافر
بعد أن قال: لا إله إلا الله ٩٦/١، رقم ٩٦، واللفظ مقارب لمسلم، ويظهر
أن المصنف ساقه من حفظه، أو من نسخ للصحيحين لم أرها.
=
٤٠٠