Indexed OCR Text

Pages 341-360

رسول الله وَ﴿ قال: ((ألا إن في قتيل العمد الخطأ بالسوط والعصا مائة
من الإبل مغلظة، منها أربعون خلفة في بطونها أولادها))(١).
وليس في هذا الخبر أن كل قتيل حصل بالسوط والعصا (يكون
قتل عمد خطأ، وإنما فيه أن القتل بالسوط والعصا إذا)(٢) كان عمد
خطأ تكون فيه الدية التي ذكرها. وقد يكون القتل بالسوط والعصا
عمداً محضاً بإن يوالي عليه بالسوط والعصا حتى يموت، فهذا عمد
محض، ليس فيه خطأ بحال.
وروى جابر الجعفري عن النعمان بن بشير رضي الله عنه مرفوعاً:
(كل شيء خطأ إلا السيف، ولكل خطأ أرش))(٣). وعن أبي سعيد(٤)
رضي الله عنه أيضاً مرفوعاً: ((القود بالسيف، والخطأ على العاقلة))(٥)،
وروي من طريق ومداره عليه، وهو ممن لا يحتج به، وقد سبق ذكره.
وعبد الرحمن بن عوف، وعقبة بن أوس، وغيرهم. وحدث عنه قتادة، وخالد
=
الحذاء، وعلي بن زيد بن جدعان، وغيرهم. قال علي بن المديني. وأبو داود:
ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات. روى له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
تهذيب التهذيب ٣١٢/٨ - ٣١٣، والثقات لابن حبان ٣٠٣/٥.
(١) رواه أبو داود ١٨٥/٤ - ١٨٦، رقم ٤٥٤٧، و٤٥٨٨، والنسائي ٤١/٨، وابن
ماجه ٨٧٧/٢ - ٨٧٩، رقم ٢٦٢٧، و٢٦٢٨، وأحمد ٤١١/٥، وعبد الرزاق
٢٨١/٩ - ٢٨٢، رقم ١٧٢١٢، والحميدي ٣٠٧/٢، رقم ٧٠٢، وابن أبي
شيبة ١٢٩/٩، والدارمي ١٩٧/٢، وابن الجارود ص ١٩٥، رقم ٧٧٣،
والدارقطني ١٠٥/٣، وابن حزم في المحلى ٧١/١٢، والبيهقي في السنن
الكبرى ٤٤/٨، وقد ورد هذا الحديث بعدة طرق عندهم، وعند غيرهم.
(٢) ساقطة من الأخريين.
(٣) أخرجه عبد الرزاق ٢٧٣/٩، رقم ١٧١٨٢، والدارقطني ١٠٧/٣، رقم ٨٥،
والبيهقي في السنن الكبرى ٤٢/٨.
(٤) في الأخريين: ((حميد)).
(٥) رواه الدارقطني ١٠٧/٣، رقم ٨٩، ورواه البزار بلفظ آخر بنحوه، ينظر: كشف
الأستار عن زوائد البزار ٢٠٥/٢، رقم ١٥٢٧، ومجمع الزوائد للهيثمي ٦/
٢٩١، وقال: وفيه جابر الجعفي، وهو ضعيف)).
٣٤١

وروي عن قيس بن الربيع عن النعمان رضي الله عنه مرفوعاً:
((كل شيء سوى الحديد خطأ)) (١)، وقيس ضعيف في الحديث، ليس
بحجة .
وربما استدلوا بما لا حجة لهم فيه: في الصحيحين عن أبي
هريرة رضي الله عنه قال: ((اقتتلت امرأتان من هذيل، فرمت إحداهما
الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى رسول الله وَل
فقضى رسول الله* أن دية جنينها غرة عبداً أو وليدة، وقضى بدية
المرأة على عاقلتها))(٢). وذكر بقيته في قول حمل ابن النابغة(٣)،
رضي الله عنه، فقال رسول الله وَ له: ((إنما هذا من إخوان الكهان))(٤)؛
من أجل سجعه.
قلنا: هذا القتل كان خطأ، ألا ترى أنه جعل الدية على العاقلة.
ثم قد روى أبو داود عن ابن عباس عن عمر رضي الله عنهم أنه
سأل عن قضية النبي ◌ّ في ذلك، فقام حمل بن النابغة رضي الله عنه
فقال: ((كنت بين امرأتين فضربت إحداهما الأخرى بمسطح(٥) فقتلتها
(١) أخرجه الدارقطني ١٠٧/٣، رقم ٨٦، والبيهقي في السنن الكبرى ٤٢/٨،
وروى عبد الرزاق ٢٧٢/٩ - ٢٧٣ عن جماعة من التابعين نحوه.
(٢) البخاري ك/ الديات، ب/ جنين المرأة وأن العقل على الوالد وعصبة الوالد لا
على الولد ٢٥٣٢/٦، رقم ٦٥١٢، واللفظ له، ومسلم ك/ القسامة، ب/ دية
الجنين ووجوب الدية في قتل الخطأ وشبه العمد على عاقلة الجاني ١٣٠٩/٣،
و ١٣١٠، رقم ٣٦/١٦٨١.
(٣) هو حمل بن مالك بن النابغة بن جابر الهذلي أبو نضلة، له صحبة. نزل
البصرة، وله بها دار. عاش إلى خلافة عمر بن الخطاب على الصحيح. ويروى
أن النبي ـ ــ ــ استعمله على صدقات هذيل.
الثقات لابن حبان ٩٤/٤، والكاشف ١٩١/١، رقم ١٢٥٤، والإصابة ٣٨/٢ -٣٩.
(٤) البخاري ك/ الطب، ب/ الكهانة ٢١٧٢/٥، رقم ٥٤٢٦، ومسلم ك/ القاسم،
ب/ دية الجنين ... ١٣٠٩/٣، و١٣١٠، رقم ٣٦/١٦٨١.
(٥) هو عمود الخيمة وعود من عيدان الخباء: المجموع المغيث ٢٠٨/٣.
٣٤٢

وجنينها، فقضى رسول الله ﴿﴿ بغرة وأن تقتل))(١).
والله أعلم.
مسألة (٢٦٨):
والواجب بقتل العمد القصاص أو الدية، فيخير بينهما ولي الدم
في أحد القولين(٢). وقال أبو حنيفة رحمه الله: ((القصاص وحده،
والدية تجب بالصلح بتراضيهما))(٣).
قال الله تعالى: ﴿كُلِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَلْلِ﴾ .. إلى قوله:
﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِهِ شَىْءٌ فَانِبَاعٌ بِلْمَعْرُوفِ وَأَدَاءُ إِلَيْهِ بِإِحْسَنَّ﴾(٤).
وفي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما: ((كان في
بني إسرائيل القصاص، ولم يكن فيهم الدية/ فقال الله عزّ وجلّ لهذه [نهاية ١٦٥/أ]
الأمة: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِىِ الْقَتْلِ الْحُرُّ بِالْخُّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَى
بَلْأُنْقَّ فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ﴾: قال العفو أن يقبل الدية في العمد
﴿فَتْبَاعٌ﴾، ﴿وَدَاءٍ﴾ ﴿يِإِخْسَنٍّ﴾، ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّيَّكُمْ﴾ مما كتب
على من كان قبلكم، ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِمٌ﴾(٥) .. ))(٦).
وفي صحيح مسلم والبخاري واللفظ لمسلم عن أبي هريرة
(١) أبو داود ك/ الديات، ب/ دية الجنين ١٩١/٤، رقم ٤٥٧٢. قال أبو داود:
((قال النضر بن شميل: المسطح هو الصويح، قال أبو داود: وقال أبو عبيد:
المسطح عود من أعواد الخباء)). وقال المحقق محمد محيي الدين عبد الحميد:
الصويح: العود الذي يخبز به.
(٢) الأم ١٠/٦، والمهذب ١٨٩/٢، وروضة الطالبين ٢٣٩/٩.
(٣) المبسوط ٥٩/٢٦، وبدائع الصنائع ٤٦٣٣/١٠، والهداية مع البناية ٢٠/١٠.
(٤) سورة البقرة: الآية ١٧٨.
(٥) سورة البقرة: الآية ١٧٨.
(٦) البخاري ك/ التفسير، ب/ قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم
القصاص في القتلى) الآية، من تفسير سورة البقرة ١٦٣٦/٤، رقم ٤٢٢٨،
وهو عنده بأتم من هذا تفسيراً.
٣٤٣

رضي الله عنه خطبة لرسول الله وير عام الفتح فيها: ((ومن قتل له قتيل
فهو بخير النظرين إما أن يعطى الدية، وإما أن يقاد أهل القتيل))(١).
وعند البخاري: ((إما أن يؤدي، وإما أن يقاد))(٢).
وروي عن علقمة بن وائل الحضرمي عن أبيه قال: ((جيء بالقاتل
إلى رسول الله* جاء به ولي المقتول فقال له رسول الله وعليه :
أتعفو؟ قال: لا، قال: أتأخذ الدية؟ قال: لا، قال: أتقتل؟ قال:
نعم، قال: فاذهب، فلما ذهب دعاه فقال: أما إنك إن عفوت عنه
فإنه يبوء بإثمك وإثمه وإثم صاحبك، فعفا عنه، فأرسله، فرأيته وهو
يجر نسعه(٣) ... )) (٤).
استدلوا بحديث أنس رضي الله عنه في صحيح البخاري قال:
((لَطَمَتْ الربيع بنت النضر(٥) رضي الله عنها جاريةً فكسرت ثنيتها،
فطلبوا إليهم العفو (فأبوا)(٦) وعرضوا الأرش عليهم فأبوا، فأتوا
(١) البخاري ك/ الديات، ب/ من قتل له قتيل فهو بخير النظرين ٢٥٢٢/٧، رقم
٦٤٨٦، ومسلم ك/ الحج، ب/ تحريم مكة وصيدها وخلاها وشجرها .. الخ
٩٨٨/٢، رقم ١٣٥٥.
(٢) البخاري ك/ الديات، ب/ من قتل له قتيل .. الخ ٣٥٢٢/٧٦، رقم ٦٤٨٦.
(٣) قال ابن الأثير: ((النسعة بالكسر: هو سير مضفور يجعل زماماً للبعير وغيره،
وقد تنسج عريضة تجعل على صدر البعير والجمع نسع، وأنساع ... ))، النهاية
في غريب الحديث ٤٨/٥، ولسان العرب مادة ((نسع)) ٧/ ٤٤١٠.
(٤) رواه مسلم بغير هذا اللفظ في صحيحه ١٣٠٧/٣ - ١٣٠٨، رقم ١٦٨٠،
وينظر: السنن الكبرى للبيهقي ٤٥/٨، فقد أورده بتمامه، وهذا لفظه.
(٥) هي الربيع بنت النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام الأنصارية، أخت أنس بن
النضر، وعمة أنس بن مالك، وهي من بني عبد بن النجار، وهي والدة
حارثة بن سراقة الذي استشهد، وأخبرها النبي - 19 - أنه أصاب الفردوس.
روى عنها أنس بن مالك.
تهذيب التهذيب ٤١٨/١٢، والإصابة ٨٠/٨، و٣١١/١.
(٦) هامش ١٦٥/ ب.
٣٤٤

النبي ◌َ﴿ فأمر بالقصاص فقال أنس بن النضر رضي الله عنه: يا
رسول الله، أتكسر ثنية الربيع؟ والذي بعثك بالحق، لا تكسر ثنيتها،
فقال النبي وَلهو: يا أنس، كتاب الله القصاص، فرضي القوم فعفوا،
فقال النبي ◌َّله: إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره))(١).
وهذا لا يخالف ما رواه الشافعي رحمه الله عن ابن أبي فديك(٢) عن
ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي شريح الكعبي (٣) رضي الله عنه
أن رسول الله وَلقر قال: ((إن الله حرم مكة ... )) فذكر الحديث، إلى أن
قال: ((من قتل قتيلاً فأهله بين خيرتين، إن أحبوا اقتادوا، وإن أحبوا
أخذوا العقل))، تابعه يحيى القطان وجماعة عن ابن أبي ذئب (٤).
(١) البخاري ك/ التفسير، ب/ قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم
القصاص في القتلى ... ﴾ ١٦٣٦/٤، و١٦٣٧، رقم ٤٢٣٠، وعند مسلم ٣/
١٣٠٢، رقم ١٦٧٥ نحوه.
(٢) هو أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي فديك، واسمه دينار،
الديلي، مولاهم، المدني. حدث عنه الضحاك بن عثمان، وابن أبي ذئب،
وإبراهيم بن الفضل المخزومي، وغيرهم من أهل المدينة. ولم يرحل في
الحديث، وكان صدوقاً صاحب معرفة وطلب. وحدث عنه الشافعي،
وسلمة بن شبيب، وأحمد بن الأزهر، وعبد بن حميد، وخلق كثير. مات سنة
٢٠٠ هـ. قال النسائي: ليس به بأس. وقال ابن سعد: كان كثير الحديث وليس
بحجة. وذكره ابن حبان في الثقات. روى له الجماعة.
طبقات ابن سعد ٤٣٧/٥، وتاريخ بن معين ص ٥٠٥، والجرح والتعديل ٧/
١٨٨، وسير أعلام النبلاء ٤٨٦/٩، وتهذيب التهذيب ٦١/٩، وشذرات الذهب
٣٥٩/١.
(٣) هو أبو شريح الخزاعي، ثم الكعبي، خويلد بن عمرو، وقيل: عمرو بن
خويلد، وقيل في اسمه غير ذلك. أسلم قبل الفتح، وكان معه لواء خزاعة يوم
الفتح. روى عن النبي، ◌َ*، وعن ابن مسعود. وروى عنه نافع بن جبير بن
مطعم، وأبو سعيد المقبري، وسفيان بن أبي العوجاء، وغيرهم. مات بالمدينة
سنة ثمان وستين.
الإصابة ٩٨/٧، وتهذيب التهذيب ١٣٨/١٢.
(٤) مسند الشافعي ٢٩٥/١، والسنن الكبرى للبيهقي ٥٢/٨، ورواه أبو داود بلفظ
آخر ١٧٢/٤، رقم ٤٥٠٤.
٣٤٥

وروي عن أبي شريح الخزاعي(١) رضي الله عنه قال: ((سمعت
رسول الله وَ﴿ يقول: من أصيب بدم أو خبل (٢) فهو بالخيار بين
إحدى ثلاث، فإن أراد الرابعة فخذوا على يديه، بين أن يقتص أو
يعفو أو يأخذ العقل. فإن قبل من ذلك شيئاً ثم عدا(٣) بعد ذلك فله النار)) (٤).
وذاك لأن كتاب الله القصاص (إلا أن يعفو عنه ولي الدم، وليس
إذا لم ينقل في هذا الحديث التخيير بين الدية والقصاص)»(٥) يدل على
أنه لا يخير.
وقد بين الشافعي رحمه الله ثبوت الخيار بقوله عزّ وجلّ: ﴿فَمَنْ
عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِهِ شَىْءٌ فَانْبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ... الآية(٦)؛ لأنه لو لم يجب
بالعفو عن القصاص مال لم يكن للعافي شيء يتبعه بالمعروف، ولا
على القاتل شيء يؤديه بإحسان(٧).
فإن قال المحتج بهذا الخبر: ((لم يقض لهم بالدية حين عفا
القوم)» قلنا: هذا منك غفلة؛ ففي الحديث أنهم عرضوا الأرش عليهم
فأبوا، ثم قال في الحديث: ورضي القوم فعفوا، فالظاهر منهم أنهم
رضوا بأخذ الأرش وعفوا عن القصاص. ثم هو بين في حديث المعتمر عن
حمد عن أنس رضي الله عنه قال: ((فرضوا بأرش أخذوه))(٨).
(١) هو أبو شريح الكعبي المذكور آنفاً.
(٢) قال الدارقطني: الخبل العرج، وقال غيره: هو فساد الأعضاء، ينظر: لسان
العرب ١٠٩٦/٢.
(٣) في النسخ: ((عاد))، والصواب ما أثبت من البيهقي.
(٤) أخرجه ابن ماجه ٨٧٦/٢، رقم ٢٦٢٣، وفي آخر روايته: ((فله نار جهنم خالداً
مخلداً فيها أبداً)، والدارقطني ٩٦/٣، والبيهقي في السنن الكبرى ٥٢/٨.
(٥) ساقطة من (أ).
(٦) سورة البقرة: الآية ١٧٨.
(٧) الأم للشافعي ٩/٦، ومعرفة السنن والآثار ٦٣/١٢.
(٨) ينظر: الهامش السابق، وعند البخاري: ((أخبرنا الفزاري عن حميد عن أنس -
رضي الله عنه - قال: ((فرضي القوم وقبلوا الأرش» ٤/ ١٦٨٥، و١٦٨٦، رقم ٤٣٣٥.
٣٤٦

وفي الحديث الثابت عن ثابت عن أنس رضي الله عنه أن أخت
الربيع أم حارثة رضي الله عنهما جرحت إنساناً فقال رسول الله الخطة:
((القصاص))، وفيه قال: ((فما زالت حتى قبلوا الدية))(١).
وروى إسماعيل بن مسلم وهو ضعيف عن عمرو بن دينار عن
طاووس عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً قال: ((العمد قود إلا
أن يعفو ولي المقتول)»(٢).
والله أعلم.
مسألة (٢٦٩):
وعلى شريك الأب القصاص في قتل الولد عمداً(٣). وقال أبو
حنيفة رحمه الله: ((إنه لا قصاص عليه))(٤).
روى الشافعي عن مالك عن (يحيى عن ابن المسيب)(٥) أن
عمر بن الخطاب رضي الله عنه قتل نفراً خمسة، أو سبعة برجل قتلوه
قتل غيلة/ وقال: ((لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعاً)(٦).
[نهاية ١٦٥/ب]
(١) مسلم ك/ القسامة، ب/ إثبات القصاص في الأسنان ... ١٣٠٢/٣، رقم
١٦٧٥، وقد سبق ذكره فيما مضى قريباً.
(٢) رواه الدارقطني ٩٤/٣، رقم ٤٥، ويلفظ آخر عند البيهقي في السنن ٥٣/٨.
(٣) مختصر المزني ص ٢٣٧، والمهذب ١٧٥/٢، والمنهاج ص ١٢٣.
(٤) مختصر الطحاوي ص ٢٣١، والمبسوط ٩٤/٢٦، وتحفة الفقهاء ١٤٤/٣.
(٥) في النسخ: ((يحيى بن المسيب))، والصواب: ((يحيى عن ابن المسيب))، وفي
الموطأ: ((يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب)).
(٦) أورده البخاري معلقاً ك/ الديات، ب/ إذا أصاب قوم رجلاً هل يعاقب ...
٢٥٢٧/٦. وصله مالك في الموطأ مع تنوير الحوالك ٧٣/٣، ومسند الشافعي
١٠١/٢، وعبد الرزاق ٤٧٦/٩، والدارقطني ٢٠٢/٣، والبيهقي في السنن
الكبرى ٤٠/٨. ورواه بسند آخر عبد الرزاق رقم ١٨٠٧٥، و ١٨٠٧٦، و
١٨٠٧٩، وابن أبي شيبة ٩/ ٣٤٧.
٣٤٧

فبهذا وما يشبهه وجب القصاص في قتل العمد على القاتلين من
كانوا، فورد الدليل بتخصيص الأب بسقوط القصاص عنه(١) وبقي
وجوبه على سائرهم(٢). والله أعلم.
مسألة (٢٧٠):
ولولي الدم القصاص بمثل ما قتل به والعدول عنه إلى ضرب
الرقبة إن شاء (٣). وقال أبو حنيفة رحمه الله: ((لا يقتص منه إلا بضرب
الرقبة»(٤).
في الصحيحين أن رسول الله وَ ل# أمر برض رأس اليهودي الذي
رض رأس الجارية(٥).
وفي صحيح مسلم عن أنس رضي الله عنه حديث العكليين الذين
(١) لم يذكر الدليل بنصه، وقد أشار بعض الشافعية كالشيرازي في المهذب ٢/
١٧٥، والشربيني في مغني المحتاج ٢٠/٤ إلى أن القصاص سقط عن الأب
بشبهة الأبوة. وفي المسألة نص عن عمر قال: ((سمعت رسول الله - رَّةٍ -
يقول: لا يقاد الوالد بالولد))، رواه أحمد، وابن ماجه، والترمذي، والبيهقي
بنحوه، وقال ابن عبد البر: ((هو حديث مشهور عند أهل العلم بالحجاز
والعراق، يستغنى بشهرته وقبوله والعمل به عن الإسناد فيه)).
ينظر: الترمذي ٦٥٦/٤، رقم ١٤٢٨، وابن ماجه ٨٨٨/٢، رقم ٢٦٦٢، وابن
أبي شيبة ٩/ ٤١٠، والدارقطني ٣/ ١٤٠، وروضة الطالبين ١٥١/٩، وشرح
الزركشي ٦/ ٧٢ - ٧٣.
(٢) واستدل الأحناف على سقوطه بأن القتل حصل بفعلين أحدهما موجب فلا يجب
القصاص، كالخاطىء مع العامد إذا اشتركا في القتل، ويرد عليه بأنه قياس مع
الفارق، ثم القياس في الحدود والجنايات محل خلاف في أصله بين
الأصوليين، رحمهم الله تعالى.
تحفة الفقهاء ١٤٤/٣، والتمهيد لأبي الخطاب ٢٢٠/٤.
(٣) مختصر المزني ص ٢٤١، والوجيز ١٣٦/٢.
(٤) المبسوط ١٢٢/٢٦، والاختيار ١٦٠/٣.
(٥) سبق تخريجه.
٣٤٨

سمل(١) رسول الله وَلخر أعينهم(٢).
وفي صحيح مسلم عنه أن رسول الله وَل﴿ إنما سمل أعين أولئك
لأنهم سملوا أعين الرعاة(٣).
وروى الثوري عن أشعث عن الشعبي قال: ((إذا مثل به ثم قتله
مُثْلَ به ثم قُتِل)).
استدلوا بما روي عن مبارك بن فضالة عن الحسن عن أبي بكرة
رضي الله عنه مرفوعاً قال: ((لا قود إلا بالسيف))(٤). وفي رواية عن
الحسن عن النعمان بن بشير، رضي الله عنه.
وهذا الحديث ليس بالقوي، ومبارك بن فضالة غير محتج به،
ترکه ابن سعد، وابن مهدي فمن بعدهما (٥).
وروي عن جابر الجعفي من حديث النعمان، رضي الله عنه،
وقال: ((إلا بحديدة))(٦).
وروي عن سليمان بن أرقم(٧) من حديث أبي هريرة رضي الله
(١) سمل أعينهم: فقأها بالشوك، قيل: بحديدة محماة تدنى من العين حتى يذهب
ضوؤها، وقيل: كحلهم بحديدة. تفسير غريب الحديث لابن حجر ص ١٢٥.
(٢) مسلم ك/ القسامة، ب/ حكم المحاربين والمرتدين ١٢٩٦/٣، رقم ١٦٧١/
٩، ١٠، وهو قطعة من حديث طويل سبق تخريجه.
(٣) مسلم ك/ القسامة، ب/ حكم المحاربين والمرتدين ١٢٩٨/٣، رقم ١٤/١٦٧١.
(٤) سبق تخريجه، وينظر: العلل لابن أبي حاتم ١/ ٤٦١.
(٥) مسند أبي داود الطياليسي ص ١٠٨، رقم ٨٠٢، وشرح معاني الآثار للطحاوي
١٠٥/٢، ومعرفة السنن والآثار ١٢/ ٨٠.
(٦) معرفة السنن والآثار ٥٢/١٢، و٨٠، وينظر: مجمع الزوائد ٢٦١/٦، وإرواء
الغليل ٢٨٥/٧ - ٢٨٩، رقم ٢٢٢٩.
(٧) هو سليمان بن أرقم، أبو معاذ البصري، عن الحسن، واهي الحديث، ضعفه
أبو حاتم وغيره، قال يحيى: ليس بشيء، وقال: تركوه.
المغني في الضعفاء ٣٩٨/١.
٣٤٩

عنه: ((لا قود إلا بالسيف))(١)، ومن حديث عبد الله رضي الله عنه:
((لا قود إلا بسلاح))(٢).
قال يحيى بن معين: ((سليمان بن أرقم أبو معاذ ليس يساوي فلساً».
ورواه معلى بن هلال الطحان(٣) من حديث علي رضي الله عنه:
((لا قود إلا بحديدة))(٤).
ومعلى كذبه ابن عيينة وغيره، فلا يجوز الاحتجاج بخبره.
وفي صحيح البخاري عن عكرمة أن علياً رضي الله عنه أتي بقوم
(من الزنادقة)(٥) فحرقهم، فبلغ ذلك ابن عباس رضي الله عنهما فقال:
((أما أنا لو كنت لقتلتهم؛ لقول رسول الله وَل قر من بدل دينه فاقتلوه،
ولا تعذبوا بعذاب الله))(٦). ورواه أبو داود بمعناه، وزاد: ((فبلغ ذلك
علياً، فقال: ((ويح أم ابن عباس))(٧).
(١) سبق في الصفحة السابقة.
(٢) أخرجه الدارقطني ٨٨/٣.
(٣) هو معلى بن هلال بن مؤيد الحضرمي، ويقال: الجعفي، أبو عبد الله الطحان،
الكوفي. روى عن أبي إسحاق السبيعي، وسليمان الأعمش، وعبد الله بن أبي
نجيح، وغيرهم. وعنه عبد السلام بن حرب، وقتيبة بن سعيد، وسهل بن
عثمان العسكري، وغيرهم. قال أبو طالب عن أحمد: متروك الحديث حديثه
موضوع كذب. وقال أحمد بن أبي مريم عن ابن معين: هو من المعروفين
بالكذب ووضع الحديث. وقال عباس الدوري عن ابن معين: ليس بثقة، كذاب.
تهذيب التهذيب ٢١٦/١٠.
(٤) أخرجه الدارقطني ٨٨/٣، والبيهقي في السنن الكبرى ٦٢/٨، وينظر: تلخيص
الحبير ١٩/٤.
(٥) من الأخريين.
(٦) البخاري ك/ استتابة المرتدين والمعاندين ك/ حكم المرتد والمرتدة واستتابتهم
٢٥٣٦/٦، رقم ٦٥٢٤.
(٧) سنن أبي داود ١٢٦/٤، رقم ٤٣٥١، وفي هذه النسخة سقطة كلمة ((أم))، وذكر
المحقق أنها موجودة في نسخة أخرى، وهي في مختصر السنن ١٩٣/٦ -
١٩٤، رقم ٤١٨٥، والنسائي ٧/ ١٠٤، رقم ٤٠٦٠.
٣٥٠

ونحن نقول بهذا الحديث في قتل المرتدين، فأما ما اختلفنا فيه
فإن كتاب الله القصاص، والقصاص هو أن يفعل بالفاعل مثل ما فعل،
ولم تقم دلالة على المنع بعينه. والله أعلم.
مسألة (٢٧١):
وأما قطع ما فيه القصاص فللمقطوع طلب القصاص فيه قبل
الاندمال(١). وقال أبو حنيفة رحمه الله: ((ليس له ذلك(((٢).
ودليلنا قول الله تعالى: ﴿وَالْحُرُمَتُ قِصَاصَُّ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَأَعْتَدُواْ
عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾(٣) .
روي عن يعقوب بن حميد(٤) عن عبد الله عن يعقوب بن عطاء،
وابن جريج، وعثمان بن الأسود عن أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه
أن رجلاً جرح رجلاً فأراد أن يستفيد منه، فنهى النبي ◌َّ أن يُمتَثَل(٥)
من الجارح حتى يبرأ المجروح(٦).
(١) مختصر المزني ص ٢٤٢، وروضة الطالبين ٢٠٩/٩.
(٢) بدائع الصنائع ٤٧٧٥/١٠، وحاشية ابن عابدين ٦/ ٥٥٤.
(٣) من الآية (١٩٤) من سورة البقرة.
(٤) هو يعقوب بن حميد بن محاسب المدني. حدث عن إبراهيم بن سعد،
وعبد الله بن وهب، وابن عيينة، وخلق. وعنه ابن ماجه، وإسماعيل القاضي،
والبخاري خارج الصحيح، وغيرهم. قال البخاري: لم نرَ إلا خيراً، وقال أبو
حاتم: ضعيف الحديث. وقال النسائي: ليس بشيء. وعن يحيى بن معين:
ثقة. وقال ابن عدي: لا بأس به، هو كثير الحديث كثير الغرائب. مات سنة
إحدى وأربعين ومائتين.
الجرح والتعديل ٢٠٦/٩، وميزان الاعتدال ٤/ ٤٥٠، وسير أعلام النبلاء ١٥٨/١١،
وتذكرة الحفاظ ٤٦٦/٢، وتهذيب التهذيب ٣٨٣/١١، وشذرات الذهب ٩٩/٢.
(٥) يريد: أن يعاقب الجارح ويقتص منه، ينظر: تفسير غريب الحديث ص ٢٢١.
(٦) رواه الدارقطني ٨٨/٣، رقم ٢٥، والبيهقي في السنن الكبرى ٦٧/٨، وفي
التعليق المغني ٨٨/٣: ((وأخرجه أبو بكر بن أبي شيبة، وعثمان بن أبي شيبة =
٣٥١

تفرد به هكذا عبد الله بن عبد الله الأموي هذا، ويعقوب.
وروي عن ابن لهيعة عن أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه
مرفوعاً ((تقاس الجراحات ثم يستأنى بها سنة، ثم يقضى فيها بقدر ما
انتهت إليه))(١)، وابن لهيعة ضعيف.
ورواه يزيد بن عياض(٢) عن أبي الزبير في هذا الحديث قال:
(يستأنى بالجراحات سنة))(٣)، ويزيد بن عياض ضعيف متروك.
ورواه يحيى بن أبي أنيسة عن أبي الزبير نحوه: ((سنة))(٤)، وقد
قال أخوه زيد: ((لا تكتبوا عن أخي؛ فإنه كذاب))، وقال ابن حنبل:
((إنه متروك الحديث))(٥).
وروى ابنا أبي شيبة عن ابن علية عن أيوب عن عمرو بن دينار
بإسناد آخر، وذكره)). وقال ابن التركماني في الجوهر النقي ٦٦/٨: ((ابنا أبي
=
شيبة إمامان حافظان، وقد زادا الرفع، فوجب قبوله ... ))، وينظر: ص ٩٠٨
الآتية.
(١) السنن الكبرى للبيهقي ٦٧/٨، ومعرفة السنن والآثار ٨٥/١٢ - ٨٧.
(٢) هو يزيد بن عياض بن جعدية الليثي، أبو الحكم، المدني، روى عن الأعرج،
وابن المنكدر، وسعيد المقبري، وغيرهم. وعنه ابن الحكم، وهشام بن سعد،
وابن وهب، وغيرهم. قال الدوري عن ابن معين: ليس بشيء. وقال ابن أبي
حاتم عن أبيه: ضعيف الحديث منكر الحديث. وعن أبي زرعة: ضعيف
الحديث. وقال البخاري ومسلم: منكر الحديث. وقال النسائي: متروك
الحديث. وقال العجلي والدارقطني وغيره: ضعيف. مات بالبصرة في خلافة
المهدي.
تهذيب التهذيب ٣٠٨/١١.
(٣) أخرجه الدارقطني ٩٠/٣، رقم ٣٢، والسنن الكبرى ٨/ ٦٧.
(٤) السنن الكبرى ٦٧/٨.
(٥) تاريخ ابن معين ٤١٥/٤، والمجروحين لابن حبان ١١٠/٣، والضعفاء الكبير
للعقيلي ٣٩٢/٤، ونيل الأوطار للشوكاني ١٩٨/٨ حيث بين أن هذين الحديثين
لا يصحان، والتعليق المغني على الدارقطني ٩٠/٣.
٣٥٢

عن جابر رضي الله عنه أن رجلاً طعن رجلاً بقرن في ركبته، فأتى
النبي وَلهير يستقيد، فقيل له: ((حتى تبرأ)»، فأبى وعجل، فاستقاد، قال:
((فَعَنِتَتْ(١) رجلُه، وبرئت رجل المستقاد منه، فأتى النبي ◌َّ﴿﴿ قال:
ليس لك شيء؛ أنت أبيت))(٢).
قال أبو أحمد بن عبدوس/: ((ما جاء بهذا إلا أبو بكر، [نهاية ١٦٦/أ]
وعثمان))، قال الدارقطني: ((أخطأ فيه ابنا أبي شيبة، وخالفهما
أحمد بن حنبل(٣)، وغيره فرووه عن ابن علية مرسلاً، وكذلك قال
أصحاب عمرو (عنه، وهو المحفوظ مرسلاً))(٤).
وروي عن عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن عمرو بن
دينار))(٥) عن محمد بن طلحة عن النبي وَلقر مثله(٦).
وعن معتمر عن أيوب عم عمرو بن شعيب قال: ((قال
رسول الله﴿ أبعدك الله! أنت عجلت))(٧).
وروى مسلم بن خالد عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب عن
(١) أي عرجت، وسمي عنتاً لأنه ضرر وفساد، والعنت: المشقة والفساد والهلاك،
ينظر: النهاية في غريب الحديث ٣٠٦/٣ - ٣٠٧.
(٢) لم أجده في المصنف لابن أبي شيبة، ورواه الدارقطني ٨٩/٣، رقم ٢٧،
والبيهقي في السنن الكبرى ٦٦/٨ - ٦٧، وينظر: نصب الراية ٣٧٧/٤، ونيل
الأوطار ١٩٩/٨.
(٣) مسند أحمد ٢١٧/٢.
(٤) سنن الدارقطني ٨٩/٣، رقم ٢٧، وتعقبه ابن التركماني في الجوهر النقي
٦٦/٨ - ٦٧ كما سبق أن ذكرت.
(٥) ما بين القوسين من قوله: ((عنه، وهو ... )) إلى قوله: ((دينار)) ساقط من
الأخریین.
(٦) أخرجه الدارقطني ٨٩/٣، رقم ٢٨.
(٧) أخرجه الدارقطني ٣/ ٩٠، رقم ٣٠، وذكره في مجمع الزوائد ٢٩٦/٦ بلفظ
مقارب، وقال: ((رواه أحمد، ورجاله ثقات))، وينظر الهامش الثاني من هذه
الصفحة.
٣٥٣

أبيه عن جده قال: ((نهى النبي ◌َلّ أن يقص من المجروح حتى
ينتهي))(١)، كذا رواه محمد بن حمدان عن ابن جريج، ذكرناه في
السنن الكبير (٢).
وروي من وجه آخر عن ابن عباس رضي الله عنهما: ((وَجَأَ رجل فخذ
رجل فجاء إلى النبي (وَ ل# فقال: ((يا رسول الله، أقدني منه))، قال: ((حتى
تبرأ))، ثم جاء فقال: ((أقدني، يا رسول الله))، فأقاده، فجاء بعد إلى النبي وَل
فقال: ((شُلَّت رجلي))، قال: ((أخذت حقك))(٣).
والله أعلم.
مسألة (٢٧٢):
*
(١) الدارقطني ٩٠/٣، رقم ٣١.
(٢) السنن الكبرى ٦٧/٨، و٦٨، وينظر: مجمع الزوائد ٢٩٦/٦.
(٣) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٦٧/٨ - ٦٨.
(*) تحرير محل النزاع أن مرتكب الجناية له ثلاث حالات:
الأولى: أن يرتكبها في الحرم ويقبض عليه فيه، فقد حكى ابن هبيرة اتفاق
الأئمة الأربعة أن من قتل في الحرم يقتل فيه، وحكاه ابن حجر عن
ابن الجوزي، وأنه نقل الإجماع عليه(١)؛ وذلك لأن العاصي هتك حرمة نفسه
فأبطل ما جعل الله له من الأمن فيها، والجزاء من جنس العمل، وقتل مثل هذا
توفیر للأمن(٢).
الثانية: أن يرتكبها في الحرم، ثم يخرج عنه فلا يشترط إعادته للحرم لقيام
الحد عليه، وإنما يقام الحد عليه حيث قبض عليه.
الثالثة: أن يرتكب الجناية خارج الحرم ثم يلتجىء إلى الحرم فقد اختلف
العلماء على قولين:
الأول: أنه يؤمن ولا يقام عليه القتل، وللسلطان إخراجه بالقوة، وبهذا قال ابن
عباس، وابن عمر، وعطاء، وطاووس، والشعبي، ومجاهد، والحسن، =
.
(١) الإفصاح لابن هبيرة ١٩٩/٢، وفتح الباري ٤٦/٤.
(٢) أحكام القرآن للجصاص ٢٠/٢، والمحلى ٤٩٣/١٠، والفتاوى لابن تيمية ٣٤٣/١٨، والفروع
٣٥٧/٣.
٣٥٤

وسعيد بن جبير (١)، وهو مذهب أبي حنيفة(٢)، وأحمد (٣)، وابن حزم(٤)،
=
واختيار ابن تيمية(٥) .
الثاني: أن من جنى خارج الحرم ثم لجأ إليه فإنه يقام عليه القتل والحد وما
وجب عليه كغيره، وهذا مذهب المالكية(٦)، وبه قال الشافعي(٧)، وهو رواية
عن الإمام أحمد فيما دون القتل(٨) .
الأدلة :
استدل أصحاب القول الأول بما يلي:
١ - عموم الآيات الكريمة الدالة على توفر الأمن في الحرم، ومنها قوله تعالى:
﴿ومن دخله كان آمناً﴾(٩)، وقوله تعالى: ﴿وإذ جعلنا البيت مثابة للناس
وأمناً﴾(١٠)، ووجه الدلالة أن الأمن حكم من الله وليس خبراً؛ لأنه قد حصلت
اعتداءات معروفة، فلما كان حكماً لزم التقيد به وإنفاذه.
٢ - ما جاء في السنة من تحريم مكة، وأنها لم تحل للنبي - وَليزر - إلا ساعة
من نهار، ولم تحل لأحد بعده(١١)، فهذا يدل على وجوب توفير الأمن لمن
التجأ إلى الحرم وإن كان مجرماً.
٣ - ما رواه ابن عباس مرفوعاً: ((أبغض الناس إلى الله ثلاثة: ملحد في الحرم ... ))
الحديث. رواه البخاري(١٢). وعن ابن عمر أن رسول الله - * - قال: ((أعدى
الناس على الله - عزّ وجلّ - من قتل في الحرم، أو من قتل غير قاتله)). رواه أحمد (١٣) . =
(١) أحكام القرآن للقرطبي ١٤٠/٤/٢.
(٢) حاشية ابن عابدين ٦/ ٥٤٧.
(٣) الفروع لابن مفلح ٣٥٧/٣ - ٤٤١.
(٤)
المحلى ٤٩٣/١٠.
مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٠١/١٤.
(٥)
(٦) أحكام القرآن لابن العربي ٢٨٤/١، وجواهر الإكليل ٢٦٣/٢.
(٧)
الأم للشافعي ٤/ ٢٩٠.
زاد المعاد ٧/١، والإنصاف ١٦٧/١٠.
(٨)
(٩) سورة آل عمران: الآية ٩٧.
(١٠) سورة البقرة: الآية ١٢٥.
(١١) فتح الباري ٤٦/٤.
(١٢) البخاري ك/ الديات، من طلب دم امرىء بغير حق، فتح الباري ٢١٠/١٢، رقم ٦٨٨٢.
(١٣) الفتح الرباني بترتيب مسند أحمد ٤٣/١٦، رقم ١٢١، وإسناده حسن، ونيل الأوطار ٢١٦/٨.
٣٥٥

لم يذكرها: وقاتل العمد إذا التجأ إلى الحرم جاز أن يستوفى منه
وقال ابن عمر: ((لو وجدت قاتل عمر في الحرم ما هيجته))(١). والفائدة إنما
=
تظهر بإعطاء المجرم الأمان بالحرم زيادة على المعهود في غير الحرم.
واستدل أصحاب القول الثاني بما يلي:
أ - عموم النصوص الشرعية الموجبة لإقامة الحدود، والتي لم تفرق بين مكان
وآخر، كقوله سبحانه: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالاً
من الله والله عزيز حكيم﴾(٢).
ب - قال الشافعي: ((أمر النبي - ◌َّليه - بقتل أبي سفيان بداره بمكة غيلة إن قدر
عليه عندما قتل عاصم بن ثابت وخبيب، فهذا نص في أن مكة مثل غيرها من
البلدان تقام فيها الحدود مطلقاً)(٣).
ج - عن أنس أن النبي - ◌َالز - أمر بقتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة،
متفق عليه(٤)، فهذا فعل بأمر النبي - وَ ليزر - يدل على جواز القتل لمن استحقه
في مكة (٥).
المناقشة والترجيح:
يرى الفريق الثاني أن الآيات الدالة على الأمن في الحرم إنما هي إخبار من الله
- عزّ وجلّ - عن الماضي، ويشهد لهذا قصة أصحاب الفيل، ولقد رفع ذلك
الأمن، ووقع القتال بعد (٦). وأجيب عنه بأن وقوع القتال دليل على أنه حكم،
وليس خبراً. وأما تخصيصه بالماضي فلا دليل عليه. وأمر النبي - رَّة - بقتل
أبي سفيان لكونه جنى في الحرم، وأمره بقتل ابن خطل إنما كان في الساعة
التي أحلت له. وأما عموم آيات الحدود فيجمع بينها وبين عموم أدلة تحريم
مكة بإعمال كل منهما فيما لا يتعارضان فيه. وهذا ممكن، فيتحصل أن الأمن
حكم من الله يجب على المسلمين تنفيذه، فإن أخلوا به فقد عصوا الله
ورسوله، وَ﴾. وبهذا يترجح القول الأول.
(١)
نيل الأوطار للشوكاني ٢١٦/٨.
(٢) سورة المائدة: الآية ٣٧.
(٣) الأم للشافعي ٤/ ٢٩٠.
البخاري ك/ جزاء الصيد، ب/ دخول الحرم بغير إحرام، البخاري المطبوع مع فتح الباري ٤/
(٤)
٥٩، رقم ١٨٤٦، ومسلم ٩٨٩/٢، رقم ١٣٥٧.
(٥) أقضية رسول الله، ﴿﴿ ص ٢٢٤، تحقيق الأعظمي ط/٢، الكتاب اللبناني.
(٦) أحكام القرآن للجصاص ٢٢/٢، والتمهيد لابن عبد البر ١٦٥/٦، وأحكام القرآن لابن العربي
٢٨٤/١، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٤٠/٤/٢.
٣٥٦

القصاص في الحرم(١). وقال أبو حنيفة رحمه الله: ((يضطر إلى
الخروج منه، ولا يستوفى في الحرم»(٢).
روى الشافعي رحمه الله: ((حدثنا أبو حنيفة عن سماك بن الفضل
حدثني ابن أبي ذئب عن المقبري عن أبي شريح الكعبي رضي الله عنه
أن رسول الله ◌َ﴾ قال عام الفتح: ((من قتل له قتيل فهو بخير النظرين
إن أحب أخذ العقل، وإن أحب فله القود))(٣).
استدلوا بما في الصحيحين من حديث أبي شريح العدوي أنه قال
لعمرو بن أسيد(٤) وهو يبعث البعوث إلى مكة: ((ائذن لي أيها الأمير
(أحدثك)(٥) قولاً قام به رسول الله وَّ﴿ الغد من يوم الفتح، سمعَتْه
أذناي، ووعاه قلبي، وأبصرته عيناي حين تكلم به، إنه حمد الله وأثنى
عليه، ثم قال: إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس، فلا يحل
لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دماً، ولا يعضد بها
شجرة ... )) الحديث، وفيه أن عمراً قال له: «أنا أعلم بذلك منك، یا
أبا شريح، إن الحرم لا يعيذ عاصياً، ولا فاراً بدم، ولا فاراً
بِخَزْبة)»(٦).
وروي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده حديثاً فيها: ((فبلغ
ذلك النبي * فقام خطيباً وهو مسند ظهره إلى الكعبة فقال: ((إن
(١) المهذب ١٨٩/٢، والوجيز ١٣٦/٢.
(٢) أحكام القرآن للجصاص ٢١/٢، وحاشية ابن عابدين ٦٢٥/٣.
(٣) سبق تخريجه.
(٤) في الصحيحين: ((سعيد)).
(٥) من الأخريين.
(٦) البخاري ك/ الإحصار وجزاء الصيد، ب/ لا يعضد شجر الحرم ٢/ ٦٥١، رقم
١٧٣٥، ومسلم ك/ الحج، ب/ تحريم مكة وصيدها ... ٩٨٧/٢ - ٩٨٨،
رقم ١٣٥٤.
٣٥٧

أعدى الناس على الله تعالى من عدا في الحرم، ومن قتل غير قاتله،
ومن قتل بدحول(١) الجاهلية))(٢).
أجاب الشافعي رحمه الله عما أوردوا فقال: ((معنى ذلك والله
أعلم أنه لم يحلل أن ينصب عليها الحرب حتى تكون كغيرها، فإن
قيل ما دل على ما وصفت؟ قيل: أمر النبي وَ﴿ عندما قُتِلَ عاصم بن
ثابت، وخبيب رضي الله عنهما بقتل أبي سفيان في داره بمكة غيلة إن
قُدِر عليه، وهذا في الوقت الذي كانت محرمة، فدل على أنها لا تمنع
أحداً من شيء وجب عليه، وإنما يمنع من أن ينصب عليها الحرب
کما ینصب على غيرها))(٣).
وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ((إذا دخل الحرم لم
يؤوَ، ولم يبايع، ولم يسق، ولم يجالس حتى يخرج))(٤)، يعني
القاتل.
قال البيهقي رحمه الله: ((هكذا ورد عن ابن عباس، رضي الله
عنهما، وهو محجوج بما ورد من الظواهر في إقامة الحدود من غير
استثناء ولا تخصيص. والله أعلم.
(١) ((بدحول الجاهلية)): يعني بأحقاد الجاهلية، لسان العرب، مادة (دحل)) ٣/
١٣٣٧.
(٢) رواه أحمد ٢٠٧/٢، وينظر: المسند بتحقيق أحمد شاكر ١٥٨/١٠، رقم
٦٦٨١، وقال المحقق: ((إسناده صحيح))، وينظر أيضاً رقم ٦٩٣٣، و٦٩٩٢
وابن حبان في صحيحه كما في الإِحسان رقم ٥٩٩، والفتح الرباني ٤٣/١٦،
رقم ١٢١، وقال في مختصر الشرح بذيله: ((أخرجه ابن حبان في صحيحه بسند
جيد)»، والطبراني في المعجم الكبير ١٩٠/٢٢ - ١٩١، رقم ٤٩٨ - ٤٩٩،
وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٧٧/٦ - ١٧٨: ((رواه الطبراني ورجاله
ثقات)). وينظر: نيل الأوطار ٢١٦/٨.
(٣) الأم للشافعي ٤/ ٢٩٠.
(٤) أحكام القرآن للجصاص ٧٣/١، والمحلى ٤٩٣/١٠، والجامع لأحكام القرآن
للقرطبي ١٤٠/٤/٢، ونيل الأوطار ٢١٦/٨.
٣٥٨

مسألة (٢٧٣):
وفي السن السوداء من أصل الخلقة ما في البيضاء(١). وقال (أبو
حنيفة)(٢) رحمه الله: ((إن فيها حكومة))(٣).
واستدلوا بما روي أن (٤) عمر رضي الله عنه قضى في العين
العوراء القائمة إذا خسفت، وفي السن السوداء (إذا انكسرت)(٥)، وفي
اليد الشلاء إذا قطعت ثلث ديتها))(٦).
يحتمل أن تكون إذا اسودت وضعفت من جناية وقعت عليها،
أما إذا كانت سوداء من أصل خلقتها ففيها ما حكم به رسول الله اله
بقوله: ((في كل سن خمس من/ الإِبل(٧)، ولم يفرق بين سوداء [نهاية ١٦٦/ب]
وبيضاء. والله أعلم.
(١) الأم ١٢٥/٦ - ١٢٧، وروضة الطالبين ٢٨١/٩.
(٢) ساقطة من الأخريين.
(٣) تحفة الفقهاء ١٦٣/٣، وبدائع الصنائع ٤٩٠١/١٠ - ٤٨٠٤.
(٤) في الأصل: ((عن).
(٥) هذه اللفظة ليست في كل الروايات، وهي في جميع النسخ، وفي معرفة السنن
والآثار ١٢٨/١٢: ((سقطت))، ولعل هذا هو المراد.
(٦) رواه عبد الرزاق ٩/ ٣٣٤، رقم ١٧٤٤١، وابن أبي شيبة ٢٠٥/٩ - ٢٠٧،
والمحلى ٤٢١/١٠، والبيهقي في السنن الكبرى ٩٨/٨، واللفظ له.
(٧) هذا طرف من حديث رواه عمرو بن حزم أخرجه النسائي ٥٧/٨، ومالك في
الموطأ (مع تنوير الحوالك) ٥٨/٣، والدارمي ١٩٢/٢، وابن الجارود ص
١٩٨، رقم ٧٨٤ - ٧٨٦، والدارقطني ٢٠٩/٣، رقم ٣٧٧، وابن حزم في
المحلى ١٢٣/١٢، والبيهقي في السنن الكبرى ٨٠/٨ - ٨٥.
وهو أيضاً طرف من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده الذي رواه أبو
داود ١٨٩/٤، رقم ٤٥٦٤، والنسائي ٥٥/٨، و٥٧، وابن ماجه ٨٨٦/٢،
رقم ٢٦٥٣، وأحمد ١٧٩/٢.
٣٥٩