Indexed OCR Text

Pages 141-160

مرة إذا ذهب الميت بالبلى، فقل ههنا (١) أيضاً: ((الحرام لا يمنع
الحلال»(٢)
.
وروى جابر الجعفي عن الشعبي عن ابن مسعود رضي الله عنه:
((ما اجتمع الحرام(٣) والحلال إلا غلب الحرام الحلال)) (٤). وجابر
ضعيف، لا يحتج به، ثم هو معارض بحديث الزهري عن علي
رضي الله عنه أنه قال: ((لا يحرم الحرام الحلال)»(٥) .
وروي عن الحجاج بن أرطأة عن ابن هانىء(٦) قال: ((قال
رسول الله ◌َو: إذا نظر الرجل إلى فرج المرأة حرمت عليه أمها
وابنتها))(٧) .
وروايته في موضع آخر عن أم هانىء، وهذا منقطع بين الحجاج
وأم هانىء، أو بين (ابن هاني)(٨)، والنبي وَلّر، والحجاج لا يقبل منه
ما يتفرد به مما يسنده، فكيف يقبل منه ما يرسله! والله أعلم.
(١) في الأم بعده ((قال: أجل، قلت: فكيف لم تقل: لا يمنع الحرام الحلال، كم
قلت في الذي أربى واختنى)»، ينظر الأم ١٥٦/٥.
(٢) الأم للشافعي ١٥٣/٥، ومعرفة السنن والآثار ١١٦/١٠.
(٣) ساقطة من (ب).
(٤) معرفة السنن والآثار ١١٦/١٠، والسنن الكبرى ١٦٩/٧.
(٥) ابن أبي شيبة ١٨٤/٤، والبيهقي في السنن الكبرى ١٦٨/٧.
(٦) ابن هانىء قال عنه الحافظ في تهذيب التهذيب ٣١٥/١٢: ((ابن هانىء عن أبي
أمامة في تفسير الكنود، وعنه حريز بن عثمان الرحبي))، ورمز بأن البخاري
روى له في الأدب المفرد. وقال في تقريب التهذيب ٥٣٠/٢: ((ابن هانىء:
شيخ لحريز، لا يعرف، من الخامسة)).
(٧) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٧/ ١٧٠، وفي معرفة السنن والآثار ١١٧/١٠.
(٨) في النسخ: ((أم هانىء))، والتصويب من سياق الكلام حيث إن المؤلف يبين
ضعف الحديث من وجهي روايته، فإذا كان عن أم هانىء فالحجاج بن أرطأة
لم يدركها، وإذا كان عن ابن هانىء فهو لم يدرك النبي ◌َّر، فالحديث منقطع
من الوجهين.
١٤١

مسألة (٢٠٢):
ومن وجد طول حرة لم يجز له نكاح أمة (١). وقال أبو حنيفة
رحمه الله: ((يجوز))(٢)
وهذا خلاف ظاهر القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ
طَوْلًّا أَن يَنْكِحَ الْمُحْصَنَتِ الْمُؤْمِنَتِ فَمِن ◌َّا مَلَكَتْ أَيْمَنْكُم مِّن فَيَلِّكُمُ
اُلْمُؤْمِنَتِ) إلى قوله سبحانه وتعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ أَلْعَنَتَ مِنْكُمْ
وَأَنْ تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾(٣)، فأباح نكاح الأمة
بشرطين: بعدم الطول، وخشية العنت، فلا يباح حتى يوجد الشرطان
جميعاً.
وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير هذه الآية (٤)
قال: ((يقول: من لم يكن له سعة أن ينكح الحرائر فلينكح من إماء
[نهاية ١/١٤٥] المؤمنين، وذلك لمن خشي العنت، وهو الفجور، فليس / لأحد من
الأحرار أن ينكح إلا أن لا يقدر على حرة، وهو يخشى العنت، وأن
تصبروا عن نكاح الإماء فهو خير لكم)) (٥).
وعن سعيد بن جبير قال: ((الطول الغنى إذا لم يجد ما ينكح به
الحرة تزوج أمة، وأن تصبروا خير لكم))(٦)، قال عن نكاح الإماء.
(١) الأم للشافعي ٩/٥، ومختصر المزني ص ١٧٠، والمهذب ٤٥/٢ - ٤٦.
(٢) المبسوط ١٩٧/٤، وتحفة الفقهاء ٢/ ١٩٠.
(٣) سورة النساء: الآية ٢٥.
الطول: كناية عما يصرف إلى المهر والنفقة، ويخص به الفضل والمن ﴿ذي
الطول لا إله إلا هو﴾ المفردات في غريب القرآن ص ٣١٢.
(٤) من الأخريين.
(٥) رواه البيهقي في السنن الكبرى ١٧٣/٧، ومعرفة السنن والآثار ١٢٥/١٠،
وينظر تفسير ابن كثير ٣٣٢/٢ - ٣٣٣.
(٦) السنن الكبرى للبيهقي ١٧٤/٧، وينظر تفسير ابن كثير ٣٢٧/٢.
١٤٢

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ((من ملك ثلاثمائة درهم
وجب عليه الحج، وحرم عليه نكاح الإماء))(١).
وعن جابر بن عبد الله، رضي الله عنه قال: ((من وجد صداق
حرة فلا ينكح أمة))(٢) .
وروي عن الشافعي رحمه الله عن ابن عيينة عن عمرو عن أبي
الشعثاء قال: ((لا يصلح نكاح الإماء اليوم؛ لأنه يجد طولاً إلى
حرة)»(٣).
وروي عن الشعبي قال: ((هي بمنزلة الميتة يضطر إليها، فإذا
أغناك الله عنها فاستغنه)) (٤)
.
وعن طاووس قال: ((لا يحل للحر أن ينكح الأمة، وهو يجد
طولاً لحرة))(٥).
وقد روينا أيضاً عن الحسن نحو مذهبنا في كتاب السنن(٦).
قال البيهقي رحمه الله تعالى: ((ولا يجوز عندنا للمسلم نكاح أمة
كتابية بحال؛ لأن الله تعالى شرط في إباحة نكاح الإماء أن يكن
مؤمنات، والإيمان شرط ثالث، فأما نساء أهل الكتاب فداخلات في
عموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنٌ﴾(٧) غير خارجات
(١) رواه عبد الرزاق في المصنف ٢٦٤/٧، رقم ١٣٠٨٥، وينظر المحلى لابن
حزم ٧/ ٥٤.
(٢) الأم للشافعي ١٠/٥، والسنن الكبرى للبيهقي ٧/ ١٧٤.
(٣) روى الشافعي نحوه في الأم ١٠/٥، والبيهقي في السنن الكبرى ١٧٤/٧،
ومعرفة السنن والآثار ١٢٥/١٠.
(٤) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ١٧٦/٧ عن الشعبي عن مسروق.
(٥) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ١٧٤/٧.
(٦) السنن الكبرى للبيهقي ١٧٤/٧ - ١٧٥.
(٧) سورة البقرة: الآية ٢٢١.
١٤٣

منه بقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَالْحُصَنَكُّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ﴾(١)،
فالمحصنات ههنا الحرائر، وبه قال مجاهد، فقال: ((لا يصلح نكاح
إماء أهل الكتاب، لأن الله تعالى يقول: ﴿مِّن فَيَئِكُمُ الْمُؤْمِنَتِ﴾(٢)،
وكذا قال الحسن. ورواه أبو الزناد عن فقهاء التابعين من أهل
المدينة(٣)، وعند أبي حنيفة يجوز ذلك(٤)، والله أعلم.
مسألة (٢٠٣):
وإذا أسلم، وتحته أكثر من أربع، نكحهن في عقد واحد فله أن
يختار منهن أربعاً (٥). وقال أبو حنيفة رحمه الله: ((بطل نكاحهن
جميعاً))(٦).
وإذا تزوج بهن في عقود متفرقة فعندنا يختار منهن أربعاً(٧).
وعند أبي حنيفة رحمه الله ثبت نكاح أربع من الأوائل، وبطل نكاح
من نكحهن بعدهن(٨).
ودليلنا ما روي عن معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه أن
غيلان بن سلمة الثقفي(٩) أسلم، وعنده عشر نسوة، فقال له
(١) سورة المائدة: الآية ٥.
(٢) سورة النساء: الآية ٢٥.
(٣) الأم للشافعي ٩/٥، ومعرفة السنن والآثار ١٢٦/١٠ - ١٢٧، والسنن الكبرى
للبيهقي ١٧٧/٧، وينظر الجوهر النقي ١٧٧/٧، وفيه رد على هذا القول.
(٤) فتح القدير ١٣٥/٣ - ١٣٦.
(٥) مختصر المزني ص ١٧١، وروضة الطالبين ١٥٦/٧ - ١٧٢.
(٦) المبسوط ١١٧/٥، وحاشية ابن عابدين ٢٠٠/٣ - ٢٠١.
(٧) نهاية المحتاج ٣٠٢/٦ - ٣٠٣.
(٨)
حاشية ابن عابدين ٣/ ٢٠٠.
(٩) هو غيلان بن سلمة بن معتب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن
عوف بن ثقيف الثقفي، أسلم يوم الفتح، وتحته عشر نسوة، مات في آخر
ولاية عمر، رضي الله عنه، وأمه من بني جشم، سبيعة بنت عبد شمس، وكان =
١٤٤

النبي وَالتر: ((أمسك أربعاً، وفارق سائرهن))، رواه الشافعي رحمه الله،
عن الثقة، قال الربيع: ((أحسبه إسماعيل بن إبراهيم عنه)) (١).
وروي عن سعيد بن أبي عروبة عنه، وتابعهما(٢) على
روايته عن معمر من البصريين يزيد بن زريع، ومحمد بن جعفر
غندر(٣)، وهؤلاء الأربعة من الأئمة الحفاظ (من أهل
البصرة)(٤))(٥). وقد حكم الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله
تعالى أن هذا الحديث مما رواه معمر بالبصرة هكذا، وقال:
((فإن رواه عنه ثقة خارج البصريين حكمنا له بالصحة))، أو قال:
(صار الحديث حديثاً، وإلا فالإرسال أولى، فوجدنا سفيان بن
سعيد الثوري، وعبد الرحمن بن محمد المحاربي(٦)، وعيسى بن
ذا بلاغة وفصاحة، شاعراً، قاد قومه في الجاهلية في حرب بينهم وبين بني عامر.
=
الثقات لابن حبان ٣//٣٢٨، والإصابة ١٨٩/٣.
(١) الأم للشافعي ١٦٣/٥، ومختصر المزني ٢٧٢/٨، قال الترمذي: ٤٢٦/٣ :
((حديث غيلان بن سلمة عند أصحابنا، ومنهم الشافعي، وأحمد، وإسحاق))،
ورواه ابن عبد البر في التمهيد ٥٥/١٢ من طريق آخر.
(٢) في (أ): ((تابعة)) بالإفراد.
(٣) هو محمد بن جعفر المدني، البصري، المعروف بغندر، ثقة، صحيح الكتاب
إلا أن فيه غفلة، من التاسعة، مات سنة ثلاث، أو أربع وتسعين ومائة، روى
له السنة.
سير أعلام النبلاء ٩٨/٩، وتهذيب التهذيب ٩٦/٩ -٩٨، وتقريب التهذيب ١٥١/٢.
(٤) من الأخريين.
(٥) الترمذي ٤٢٦/٣، رقم ١١٢٨، وابن ماجه ٦٢٨/١، رقم ١٩٥٣، والموطأ
٥٨٦/٢، وأحمد ٤٤/٢، وعبد الرزاق ١٦٢/٧، رقم ١٢٦٢١، وسعيد بن
منصور ٤٦/٢/٣، رقم ١٨٦٢، و١٨٦٣، وابن سعد ٥٠٦/٥، وابن أبي شيبة
٣١٧/٤، والطبراني في الأوسط ٤٠٦/٢، رقم ١٧٠١، والبيهقي في السنن
الكبرى ١٨٣/٧.
(٦) هو عبد الرحمن بن محمد بن زياد المحاربي، أبو محمد الكوفي، لا بأس به، وكان
يدلس قاله أحمد، من التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومائة، روى له الستة .
ينظر تهذيب التهذيب ٢٦٥/٦، وتقريب التهذيب ١/ ٤٩٧.
١٤٥

يونس، وثلاثتهم كوفيون حدثونا به عن معمر متصلاً)) (١).
وهكذا روي عن يحيى بن أبي كثير، وهو يماني، عن الفضل بن
موسى، وهو خراساني عن معمر متصلاً عن النبي وَلِ فصح الحديث
بذلك».
وقد روي عن أيوب بن أبي تميمة السختياني عن نافع وسالم
عن ابن عمر رضي الله عنهما متصلاً، رواه عنه سرار(٢) بن مجَشِّر،
قال أبو علي الحافظ: ((تفرد به سرار(٣)، وهو بصري ثقة))(٤)، قال
أبو عبد الله: ((رواة هذا الحديث كلهم ثقات، تقوم الحجة
بروايتهم(٥)) (٦).
وعند أبي داود عن فيروز الديلمي(٧) قال: ((قلت: يا رسول الله
إني أسلمت، وتحتي أختان، قال: طلق أيتهما شئت))(٨).
(١) المستدرك ١٩٢/٢، والسنن الكبرى للبيهقي ٧/ ١٨٢.
(٢) هو في النسخ ((سوار))، والصواب: ((سرار بن مجشِّر)، تقريب التهذيب ٢٨٤/١.
(٣) في كل النسخ: ((سوار) بالواو.
(٤) سنن الدارقطني ٢٦٩/٣.
(٥) المستدرك ٢/ ١٩٢.
(٦) ذكر البيهقي رحمه الله كل هذه الروايات في السنن الكبرى ١٨١/٧ - ١٨٣،
ومعرفة السنن والآثار ١٣٥/١٠ - ١٣٩، وذكر بعضها الطحاوي في شرح
مشکل الآثار ٣/ ٢٥٢ - ٢٥٦.
(٧) هو فيروز الديلمي، ويقال: ابن الديلمي، أبو عبد الله، ويقال: أبو
عبد الرحمن، ويقال: أبو الضحاك، اليماني. قال ابن سعد: هو من أبناء فارس
الذين بعثهم كسرى إلى الحبشة، وفيروز هو الذي قتل الأسود العنسي، وقد
وفد على النبي و 98، وروى عنه. وعنه بنوه الضحاك، وعبد الله، وسعيد،
وغيرهم. قيل: مات في زمن عثمان بن عفان. وقيل: مات باليمن في إمارة
معاوية سنة ثلاث وخمسين.
الإصابة ٢١٤/٥، وتهذيب التهذيب ٣٠٥/٨.
(٨) أبو داود ٢٧٢/٢، رقم ٢٢٤٣، والترمذي ٤٢٧/٣، رقم ١١٢٩ - ١١٣٠،
وابن ماجه ١/ ٦٢٧، رقم ١٩٥٠ - ١٩٥١ بأسانيد أخرى.
١٤٦

وذهب الطحاوي إلى أن التخيير إنما كان؛ لأن عقودهم كانت
في الوقت الذي يجوز الجمع من أكثر من أربعة نسوة، قال: ((وعقود
المشركين الآن كلها بعد ورود الشرع بالتحريم)»(١)، قلنا: هذا فرار من
الحديث، وقولكم ينتقض بالولي، والشهود، والخلو من العدة؛ فإن
جميع ذلك وجب بالشرع، وعقود المشركين قد تخلو من هذه الأشياء
الآن (٢) بعد وجوبها، ولا يحكم ببطلانها إذا أسلموا، ثم نقول لم
يبلغنا إباحة الجمع بين أكثر من أربع نسوة ثابتة في ابتداء شرعنا، ثم
لو كانت فلم يبلغنا أن/ رسول الله وَلفي استفسر واستفصل حال عقودهم [نهاية ١٤٥/ب]
كانت قبل التحريم أو بعده))(٣)، والله أعلم.
مسألة (٢٠٤):
وإذا أسلم أحدهما بعد الدخول توقف النكاح على انقضاء
العدة(٤). وقال العراقيون: ((إذا اختلف بينهما الدين والدار انقطع
النكاح بينهما)»(٥) .
قال الشافعي رحمه الله: ((فإن قال قائل ما دل على ذلك؟ قيل
له: أسلم أبو سفيان بن حرب (٦) رضي الله عنه بمر الظهران، وهي دار
(١) شرح معاني الآثار ٢٥٢/٣ - ٢٥٣.
(٢) من الأخريين.
(٣) شرح معاني الآثار ٢٥٢/٣ وما بعدها، والسنن الكبرى للبيهقي ١٨١/٧ وما
بعدها.
(٤) الأم للشافعي ٤٤/٥، ومغني المحتاج ١٩٦/٣ - ٣٠١.
(٥) المبسوط ٥١/٥ - ٥٢، وحاشية ابن عابدين ١٩١/٣.
(٦) هو أبو سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، رأس
قريش وقائدهم يوم أحد ويوم الخندق، وله هنات وأمور صعبة، لكن
تداركه الله بالإسلام يوم الفتح فأسلم شبه مكره خائف، ثم بعد أيام صلح
إسلامه، وكان من دهاة العرب ومن أهل الرأي والشرف فيهم. شهد حنيناً
وقتال الطائف، واليرموك. توفي بالمدينة سنة ٣١هـ، وقيل ٣٤هـ، وقيل غير
ذلك، وله نحو التسعين.
=
١٤٧

خزاعة، وخزاعة مسلمون قبل الفتح في دار الإسلام، ورجع إلى مكة،
وهند بنت عتبة (١) مقيمة (على غير الإسلام، وأخذت بلحيته، وقالت:
اقتلوا الشيخ الضال، ثم أسلمت هند بعد إسلام أبي سفيان بأيام كثيرة،
وقد كانت كافرة مقيمة)(٢) بدار ليست(٣) بدار الإسلام يومئذ، وزوجها
مسلم في دار الإسلام، وهي في دار الحرب(٤)، ثم صارت مكة دار
الإسلام، وأبو سفيان بها مسلم، وهند كافرة، ثم أسلمت قبل انقضاء
العدة، واستقر على النكاح؛ لأن عدتها لم تنقض حتى أسلمت(٥).
وكان كذلك حكيم بن حزام وإسلامه، وأسلمت امرأة صفوان بن
أمية (٦)، وامرأة عكرمة بن أبي جهل(٧) بمكة، وصارت دارهما دار
الإسلام، وظهر حكم رسول الله وَّلقر بمكة، وهرب عكرمة إلى اليمن،
وهي دار حرب، وصفوان يريد اليمن، وهي دار حرب، ثم رجع
طبقات خليفة ١٠، التاريخ الكبير ٣١٠/٤، وأسد الغابة ١٠/٣، و١٤٨/٦،
=
و١٤٩، وسير أعلام النبلاء ١٠٥/٢، والإصابة ١٢٧/٥، وتهذيب التهذيب ٤/
٤١١ - ٤١٢.
(١) هي هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف، صحابية، قرشية،
زوجة أبي سفيان، وأم الخليفة الأموي معاوية، كانت فصيحة جريئة صاحبة رأي
وحزم، تقول الشعر. مثلت بقتلى المسلمين يوم أحد، وكانت ممن أهدر
النبي ◌َّ* دماءهم وأمر بقتلهم ولو وجدوا تحت أستار الكعبة، فجاءته مع بعض
النسوة في الأبطح فأعلنت إسلامها. شهدت اليرموك وحرضت على قتال الروم.
ماتت سنة ١٤هـ.
طبقات ابن سعد ٨/ ١٧٠، وأسد الغابة ٥٦٢/٥، والإصابة ٢٠٥/٨.
(٢) زيادة من النسختين.
(٣) في الأخريين: ((غير دار الإسلام)).
(٤) رواه الشافعي في الأم ٣٩/٥، والبيهقي في السنن الكبرى ١٨٦/٧.
(٥) ينظر الموطأ ٥٤٤/٢ - ٥٤٥، ومعرفة السنن والآثار ١٠/ ١٤٠ - ١٤٣.
(٦) هي بنت الوليد بن المغيرة، الموطأ ٥٤٣/٢.
(٧) هي أم حكيم بنت الحارث بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن
مخزوم.
طبقات ابن سعد ٨/ ٢٦١.
١٤٨

صفوان إلى مكة، وهي دار الإسلام، وشهد حنيناً، وهو كافر، ثم
أسلم، فاستقرت عنده امرأته بالنكاح الأول، وذلك أنه لم تنقض،
يعني عدتهما، فقلت له: ((ما وصفت لك أمر معروف عند أهل العلم
بالمغازي من أمر صفوان، وحكيم، وابن صفوان، وعكرمة))(١).
وقد حفظ أهل المغازي أن امرأة من الأنصار كانت عند رجل
بمكة، فأسلمت، ثم هاجرت إلى المدينة، فقدم زوجها، وهي في
العدة، فاستقرا على النكاح.
جميع ما ذكره رحمه الله من أمر خزاعة وأمر أبي سفيان،
وحكيم مذكور في المغازي عن محمد بن إسحاق(٢).
وروى الشافعي رحمه الله عن مالك عن ابن شهاب أن
صفوان بن أمية هرب من الإسلام، ثم جاء النبي صل18 وشهد حنيناً،
والطائف مشركاً، وامرأته مسلمة، واستقرا على النكاح، يعني(٣) حين
أسلم صفوان. (قال ابن شهاب: ((وكان بين إسلام صفوان) (٤) وامرأته
نحواً من شهر))(٥).
وروى مالك رحمه الله عنه أن أم حكيم بنت الحارث بن هشام،
وكانت تحت عكرمة بن أبي جهل، فأسلمت يوم الفتح بمكة، وهرب
زوجها عكرمة من الإسلام حتى قدم اليمن، فارتحلت أم حكيم حتى
قدمت عليه باليمن، ودعته إلى الإسلام، فأسلم، وقدم على
رسول الله ﴿ عام الفتح، فلما رآه رسول الله وَ له، وثب إليه فرحاً،
وما عليه رداؤه حتى بايعه، فثبتا على نكاحهما ذلك(٦).
(١) ينظر الأم ٥/ ٤٤.
(٢) سيرة ابن هشام مع الروض الأنف ٤/ ١٠٥.
(٣) ساقطة من (أ).
(٤) ساقطة من (أ).
(٥) رواه مالك في الموطأ ٥٤٣/٢ - ٥٤٤، والشافعي في الأم ٤٤/٥، والبيهقي في
السنن الكبرى ١٨٦/٧ - ١٨٧.
(٦) الموطأ لمالك ٢ /٥٤٣ - ٥٤٤.
١٤٩

وعنه قال: ((لم يبلغني أن امرأة هاجرت إلى الله ورسوله،
وزوجها كافر مقيم بدار الكفر(١)، إلا فرقت هجرتها بينها وبين زوجها
إلا أن يقدم زوجها مهاجراً قبل أن تنقضي عدتها، وأنه لم يبلغنا أن
امرأة فرق بينها وبين زوجها إذا قدم، وهي في عدتها))(٢).
وفي صحيح البخاري رحمه الله عن ابن عباس رضي الله عنهما
قال: ((كان المشركون على منزلتين من النبي وَط# والمؤمنين، (كانوا
مشركي)(٣) أهل حرب يقاتلهم، ويقاتلونه، ومشركي أهل عهد لا
يقاتلهم، ولا يقاتلونه، فكان إذا هاجرت امرأة من الحرب لم تخطب
حتى تحيض وتطهر، فإذا طهرت حل لها النكاح، فإن هاجر زوجها
قبل أن تنكح ردت(٤) إليه))(٥)، وهذا يدل على أن الدار لم يمكن أن
تفرق بينهما.
وعند أبي داود عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ((رد
رسول الله وَل﴿ زينب ابنته على أبي العاص بن الربيع(٦) بالنكاح الأول،
ولم يحدث شيئاً بعد ست سنين))(٧).
(١) في الأخريين: ((الحرب)).
(٢) الموطأ لمالك ٥٤٤/٢.
(٣) في النسخ: ((كان مشركي)) وهو خطأ، والتصويب من صحيح البخاري.
(٤) في الأخريين: ((تكن تفرق)).
(٥) البخاري ك/ الطلاق، ب/ نكاح من أسلم من المشركات وعدتهن ٢٠٢٤/٥،
رقم ٤٩٨٢.
(٦) هو أبو العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف بن
قصي بن كلاب القرشي، العبشمي، واسمه لقيط، وقيل: اسم أبيه ربيعة، أسلم
قبل الحديبية بخمسة أشهر.
تاريخ خليفة ١١٩، الاستيعاب ٢٤/١٢، وأسد الغابة ١٨٥/٦، وسير أعلام
النبلاء ٣٣٠/١، والعبر ١٥/١، والإصابة ١١/ ٢٣١، والعقد الثمين ١١٠/٧
و ٨/ ٦١.
(٧) أبو داود ٢٧٢/٢، رقم ٢٢٤٠، والترمذي ٤٣٩/٣، رقم ١١٤٣، وقال: ((هذا
حديث ليس بإسناده بأس))، وابن ماجه ٢٠٠٩/١.
١٥٠

فدل هذا على أن اختلاف الدار لا يضر قبل انقضاء العدة، ولا
معنى لقول من أنكره، واستبعد بقاء العدة ست سنين، وذلك لأن
ابتداء مدة عدتها لم يكن من وقت إسلامها وهجرتها، ولكن من
وقت/ نزول آية التحريم المسلمات على المشركين، وهو بعد صلح [نهاية ١٤٦/أ]
الحديبية، ثم (لم يلبث)(١) أبو العاص بعد ذلك إلا يسيراً حتى أخذه
أبو بصير، أو غيره، وأجارته زينب، ثم رجع إلى مكة، ورد ما كان
عنده من الودائع، وأظهر إسلامه، فلم يكن بين توقف نكاحها على
انقضاء العدة وبين إسلامه إلا اليسير.
وأما ما روى حجاج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن
النبي ◌ّ﴿ رد ابنته إلى أبي العاص بمهر جديد، ونكاح جديد(٢)، فقد
قال الدارقطني رحمه الله: ((هذا لا يثبت، وحجاج لا يحتج به،
والصواب حديث ابن عباس، وبلغني عن أبي عيسى الترمذي أنه قال:
سألت عنه البخاري فقال: حديث ابن عباس في هذا الباب أصح من حديث
عمرو بن شعيب عن أبيه(٣)، وبيان هذا كله مروي في كتاب المعرفة)) (٤).
وحكى أبو عبيد عن يحيى بن سعيد القطان أن حجاج يعني ابن
أرطأة - لم يسمع من عمرو بن شعيب، وأنه من حديث محمد بن
عبد الله العورني عن عمرو، فهذا وجه لا يعبأ به أحد يدري ما
الحديث(٥) .
(١) في الأخريين: ((ما لبث)).
(٢) أخرجه الترمذي ٤٣٨/٣ - ٤٣٩، رقم ١١٤٢، وابن ماجه ١/ ٦٤٧، رقم
٢٠١٠، والبيهقي في السنن الكبرى ١٨٨/٧، وأشار ابن التركماني في الجوهر
النقي ١٨٨/٧ إلى صحة هذا الحديث، وإلى ضعف حديث ابن عباس الذي
صوبه المؤلف.
(٣) ساقطة من الأخريين.
(٤) معرفة السنن والآثار ١٠/ ١٤٠ - ١٤٦.
(٥) السنن الكبرى للبيهقي ٧/ ١٨٨.
١٥١

والذي ذكره بعض أكابرهم في الجمع بين حديث
عبد الله بن عمرو، وحديث ابن عباس في رد ابنته بَّر على أبي
العاص بأن قال علم عبد الله بن عمرو بتحريم الله - جل جلاله -
رجوع المؤمنات إلى الكفار، فلم يكن ذلك عنده إلا بنكاح
جدید .
أما ابن عباس فلم يعلم بتحريم الله المؤمنات إلى الكفار
حين علم برد زينب على أبي العاص، رضوان الله عليهما،
فقال: ردها بالنكاح الأول؛ لأنه لم يكن عنده بينهما فسخ
نكاح، فإنه ليس بجمع صحيح، وما هو إلا سوء ظن
بالصحابة، رضي الله عنهم، حيث نسبهم إلى أنهم يتجاوزون
في رواية الحديث على ما وقع لهم من غير سماع.
ثم يقول أما حديث عبد الله بن عمرو فلم يثبته الحفاظ
على ما قدمنا ذكره، ولو كان ثبت فالظن به رضي الله عنه أنه
لا يروي عن النبي ◌َّ عقد نكاح لم يحضره، ولم يثبته بشهود
من يثق به، وابن عباس رضي الله عنهما لا يقول ردها عليه
بالنكاح الأول، ولم يحدث شيئاً إلا بعد إحاطة العلم به
بنفسه، أو عن من يثق به بكيفية الرد، وكيف يشتبه على مثله
نزول الآية قبل رد النبي ◌َ لل ابنته(١) على أبي العاص. وإن
اشتبه ذلك عليه في وقت نزولها، أفيشتبه ذلك عليه حيث روى
هذا الخبر بعد وفاة رسول الله وَ ﴿، وقد علم منازل القرآن
وتأويله؟ هذا بعيد، لا يجوز حمله عليه(٢)، والله أعلم.
(١) ساقطة من الأخريين.
(٢) معرفة السنن والآثار ١٤٣/١٠.
١٥٢

مسألة (٢٠٥)(*):
(*) نكاح الشغار:
اتفق العلماء على معنى الشغار الذي جاء بيانه في الحديث المرفوع عن ابن
عمر رضي الله عنه الذي أورده المصنف وجاء فيه: ((والشغار أن يزوج الرجل
ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته وليس بينهما صداق)»، أخرجه البخاري،
ومسلم، وغيرهما، كما سيأتي. وقد اختلف في هذا الشرح أهو من النبي ◌َّل
أم من ابن عمر رضي الله عنهما أم من نافع(١).
وذكر النووي في روضة الطالبين ٧/ ٤١ أن بطلانه إذا شرط البضع صداقاً، وإن
سكت فوجهان أحدهما يصحٍ، والثاني لا يصح لمعنى التعليق والتوقف. وقال
بعض الحنابلة: إن سموا مهراً بينهما صح النكاح وإلا فهو باطل(٢).
اختلف العلماء رحمهم الله في نكاح الشغار على قولين:
القول الأول: أن نكاح الشغار باطل، وبه قال مالك، والشافعي، وأحمد بن
حنبل، وإسحاق، وروي عن عمر، وابنه، وزيد بن ثابت، وجابر، وأبي
هريرة، وجمع من الصحابة، رضي الله عنهم، قال في المغني: ٤٢/١٠: ((ولا
تختلف الرواية عن أحمد في أن نكاح الشغار فاسد، رواه عنه جماعة».
القول الثاني: أن نكاح الشغار صحيح، ويفرض لها صداق المثل، وبه قال
أبو حنيفة، رحمه الله، وقال الزركشي في شرحه على الخرقي ٢٢٠/٥ :
((وخرج أبو الخطاب في هدايته، ومن تبعه رواية بطلان الشرط، وصحة
العقد من نصه في رواية الأثرم. أما إذا سمي صداقاً فالنكاح صحيح عند
الجمهور، وقال الخرقي: لا يصح، لحديث أبي داود، وقياساً على ما لو
لم يسميا صداقاً».
الأدلة:
أ - استدل الجمهور بعدة أدلة:
١ - قال أبو العباس: ((لا يعقل له علة مستقبحة إلا إشغاره عن المهر))(٣)، يريد
أنه لا يوجد بينهم مھر.
٢ - أن نكاح الشغار منهي عنه، فكل ما نهى عنه رسول الله﴾ من نكاح لا =
٠٠
(١) ينظر: فتح الباري ١٦٢/٩ - ١٦٣، وتنوير الحوالك ٦٩/٢.
(٢) ينظر: الهداية لأبي الخطاب ١/ ٢٥٤، والكافي لابن قدامة ٢/ ٦٨١، والمحرر ٤٦/٣، والفروع ٤/ ٢١٥.
(٣) ينظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٢٨٢/٢٩ - ٣٤٣، و١٥٧/٣٢، و١٣٢، وزاد
المعاد ١٠٧/٥.
١٥٣

نكاح الشغار باطل(١). وقال أبو حنيفة رحمه الله: ((إنه جائز))(٢).
دليلنا حديث ابن عمر رضي الله عنهما في الصحيحين ((أن
رسول الله وط نهى عن الشغار، والشغار أن يزوج الرجل ابنته على أن
يزوجه ابنته، وليس بينهما صداق(٣)) (٤).
وأخرجه مسلم أيضاً عن جابر، وعن أبي هريرة، رضي الله
عنهما(٥).
يحل به المحرم(١)، لأن النهي إذا كان للتحريم دل على البطلان في ذات
=
المنهي عنه.
ب - استدل الأحناف بأن الفساد من قبل المهر لا يوجب فساد العقد، كما لو
تزوج على خمر، أو خنزير، وهذا كذلك(٢).
ويجاب عنه بأن النص واضح في تحريمه وبطلانه، فهذا القياس غير صحيح،
لأنه فاسد الاعتبار المعارضة النص(٣).
ثمرة الخلاف :
عند الجمهور إذا وقع الشغار فسخ قبول الدخول بعده، ويدفع الرجل لمن دخل
بها مهر المثل. أما الأحناف فيصححونه بمهر المثل، ولا يفسخ(٤).
(١) الأم للشافعي ١٧٤/٥، وروضة الطالبيين ١٠٦/٧.
(٢) المبسوط ١٠٥/٥، وحاشية ابن عابدين ١٠٦/٣.
(٣) قال الشافعي: ((لا أدري تفسير الشغار في الحديث عن النبي ◌َّلغير أو من ابن
عمر، أو من نافع، أو من مالك)) ينظر الأم ٧٦/٥، وينظر: فتح الباري ٩/
١٦٢ - ١٦٣، وتنوير الحوالك ٦٩/٢.
(٤) البخاري ك/ النكاح، ب/ الشغار ١٩٦٦/٥، رقم ٤٨٢٢، ومسلم ك/ النكاح،
ب/ تحريم نكاح الشغار وبطلانه ١٠٣٤/٢، رقم ١٤١٥/ ٥٧.
(٥) مسلم ك/ النكاح، ب/ تحريم نكاح الشغار وبطلانه ١٠٣٥/٢، رقم ١٤١٦/ ٦١.
. -
(١) ينظر الأم ١٧٤/٥ - ١٧٧، ومعرفة السنن والآثار ١٦٩/١٠، والموطأ ٥٣٥/٢، والشرح الكبير
للدردير ٢٣٩/٢، والمهذب ٤٦/٢، وبداية المجتهد ٥٧/٢، ومغني المحتاج ١٤٢/٣،
والقوانين الفقهية ص ٢٠٤، واللباب ٥٣٥/٢.
(٢) ينظر: مختصر الطحاوي ص ١٨١، وحاشية ابن عابدين ٢٤٥٧.
(٣) ينظر: روضة الطالبين للنووي ٤١/٧.
(٤) شرح الزركشي على مختصر الخرقي ٢١٩/٥.
١٥٤

وعند أبي داود عن عبد الرحمن بن هرمز أن العباس بن
عبد الله بن العباس أنكح عبد الرحمن بن الحكم ابنته، وأنكحه
عبد الرحمن ابنته، وكانا جعلا صداقاً، فكتب معاوية رضي الله عنه
إلى مروان يأمره بالتفريق بينهما، وقال في كتابه: ((هذا الشغار الذي
نهى عنه رسول الله (وَل﴾))(١).
وروي بإسناد رواته ثقات، عن أنس، رضي الله عنه عن
النبي ◌َّلجر: ((لا شغار في الإسلام))(٢)، وهو غريب بهذا الإسناد.
وروي في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن
النبي بَّر، في حديث وائل بن حجر (٣)، والله أعلم.
مسألة (٢٠٦):
والمنكوحة ترد بالعيوب(٤) الخمسة(٥). وقال أبو حنيفة
(١) أخرجه أبو داود ٢٢٧/٢، رقم ٢٠٧٥، وأحمد ٩٤/٤، والبيهقي في السنن
الکبری ٧/ ٢٠٠.
(٢) أخرجه مسلم عن ابن عمر ك/ النكاح، ب/ تحريم نكاح الشغار، وهذا رواه
الشافعي في الأم مرسلاً عن مجاهد عن النبي مير ٧٦/٥، والبيهقي في السنن
الکبری ٧/ ٢٠٠.
(٣) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٧/ ٢٠٠.
(٤) العيوب التي ذكرها المصنف هي: الجنون، والجذام، والبرص، والعفل،
والقرن، وهذه العيوب منها ما هو خاص بالمرأة، ومنها ما يشترك فيه الرجل،
فالذي يخص النساء: العفل، والقرن، وذكر بعض الفقهاء أن مما تختص به
المرأة أيضاً الرتق: وهو أن يكون فرجها مسدوداً بأصل الخلقة، لا يسلكه ذكر،
والفتق: وهو انخراق ما بين سبيليها، واستحاضة دائمة. الرسالة لأبي زيد
القيرواني ص ٨٦، والهداية لأبي الخطاب ٢٥٦/١، وروضة الطالبين للنووي
١٧٧/٧، واللباب ٢٤/٣، وينظر: حاشية الروض المربع ٣٣٨/٦ - ٣٣٩.
(٥) مختصر المزني ص ١٧٦، وروضة الطالبين ١٧٦/٧ - ١٨١، ومغني المحتاج
٢٠٢/٣ - ٢٠٣.
١٥٥

رحمه الله: ((لا ترد))(١) .
ودليلنا ما روى مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب
قال: ((قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أيما رجل نكح امرأة،
وبها جنون، أو جذام، أو برص، فمسها، فلها صداقها، وذلك
لزوجها غرم على وليها)»(٢).
[نهاية ١٤٦/ ب] وروي عن جابر بن زيد عن ابن عباس/ رضي الله عنهما أنه
قال: ((أربع لا يجزن في بيع، ولا نكاح: المجنونة، والمجذومة،
والبرصاء، والعفلاء(٣)) (٤)، رواته ثقات، والشافعي رحمه الله إنما ذكره
من قول أبي الشعثاء جابر بن زيد، وهو صحيح عن ابن عباس، ولا
يصح عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم خلاف ذلك.
فإن تعلقوا بما روي عن مسلم(٥) بن جنادة عن وكيع عن ابن
أبي خالد عن عامر قال: ((قال علي رضي الله عنه: أيما رجل تزوج
امرأة مجنونة، أو جذماء، أو بها برص، أو بها قرن(٦) فهي امرأته إن
(١) الجامع الكبير لمحمد بن الحسن ص ٩٢ - ٩٤، والمبسوط ٩٥/٥ - ١٠٠،
واللباب ٢٤/٣ - ٢٥.
(٢) الموطأ ٥٢٦/٢، والأم ٨٤/٥، وعبد الرزاق ٢٤٤/٦، وسعيد بن منصور
ص ٢٤٦، رقم ٨١٨، ورواه البيهقي في السنن الكبرى ٢١٥/٧، وقال ابن
حجر في بلوغ المرام ص ٢١٢: ((رجاله ثقات)).
(٣) العفلاء: المصابة بالعفل، وهو شيء مدور يخرج بالفرج، ولا يكون في
الأبكار، وإنما يصيب المرأة بعد ما تلد: المغرب للمطرزي ص ٣٢٠، والفروع
٢٣١/٥، ومنتهى الإرادات ١٨٨/٢، والشرح الكبير على مختصر خليل ٢/
٢٧٨.
(٤) رواه سعيد بن منصور عن جابر بن زيد، ولم يذكر ابن عباس ص ٢٤٦، رقم
٨٢٥، والبيهقي في السنن الكبرى ٢١٥/٧.
(٥) في ب: ((سالم)).
(٦) القرن: لحم زائد ينبت في الفرج فيسده، وقيل: شيء يبرز في الفرج كقرن الشاة.
ينظر: الفواكه الدواني ٦٦/٢، وحاشية الروض المربع لابن القاسم ٣٣٨/٦.
١٥٦

شاء أمسك، وإن شاء طلق))، قلنا: هذا مختصر، ورواه غيره عن
وكيع إذا لم يدخل بها فرق بينهما))(١).
ورواه سفيان الثوري في الجامع عن إسماعيل بن أبي خالد عن
الشعبي عن علي رضي الله عنه قال: ((إذا تزوج المرأة فوجد بها جنوناً
أو برصاً، أو جذاماً، أو قرناً فدخل بها فهي امرأته إن شاء أمسك،
وإن شاء طلق))(٢)، فكأنه أبطل خياره بالدخول بعد العلم بعيبها، وفيه
دليل على أنه إن لم يدخل بها واختار الفسخ كان له ذلك؛ لشرطه في
امتناع خيار الفسخ وجود ما يدل على رضاه بذلك من دخول، أو
غيره، والله أعلم.
والذي يدل على صحة ما ذكرنا من حديث علي رضي الله عنه
ما روى أبو حامد الشاركي عن محمد بن إسحاق عن الزيادي عن
عفان عن همام عن قتادة عن خلاس أن علياً رضي الله عنه كان لا
يجيز جنوناً، ولا برصاء، ولا جذاماً، ولا عفلاء، قال: ((وأخبرنا
يحيى بن أبي طالب(٣) عن معلى عن حماد عن أبي إسحاق عن
الحارث عن علي رضي الله عنه قال: ((إذا تزوج الرجل المجنونة،
والمجذومة، والعفلاء فإن لم يكن دخل بها، فرق بينهما، وإن دخل
بها حازت عليه)) (٤).
(١) الأم ٨٤/٥، وسعيد بن منصور ص ٢٤٥، رقم ٨٢٠، والبيهقي في السنن
الکبری ٢١٥/٧.
(٢) الأم ٥/ ٨٤، وسعيد بن منصور ص ٢٤٥ - ٢٤٦، و٨٢١، وأخرجه البيهقي في
السنن الكبرى ٢١٥/٧.
(٣) هو يحيى بن أبي طالب جعفر بن الزبرقان، محدث مشهور، روى عن يزيد بن
هارون وطبقته، وروى عنه ابن السماك، وابن البختري، ووثقه الدارقطني وغيره
وقال أبو عبيد الآجري: ((خط أبو داود على حديث يحيى بن أبي طالب، مات
سنة خمس وسبعين ومائتين عن خمس وتسعين سنة)).
ينظر سير أعلام النبلاء ٦١٩/١٢، وميزان الاعتدال ٣٨٦/٤.
(٤) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٢١٥/٧.
١٥٧

وروي عن عمرو بن الزبير(١) عن أبيه، قال: ((كان في وفد
ثقيف مجزوم، فأرسل إليه النبي ◌َ ل ﴿ أنا قد بايعناك فارجع))، أخرجه
مسلم في الصحيح(٢).
وأخرجه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((قال
رسول الله ◌َ له: لا عدوى، ولا هامة، ولا صفر (٣)، وفر من المجذوم
فرارك من الأسد))، أو قال: ((من الأسود))(٤).
فأمر في هذين الحديثين بالتباعد من المجذوم.
وقال في الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن
النبي ◌َّطار: ((لا يورد ممرض على مصح)) (٥).
وفي ذلك دلالة على أن قوله: ((لا عدوى)) أراد به على الوجه
(١) في الأخريين: ((الشريد)).
(٢) مسلم ك/ السلام، ب/ اجتناب المجذوم ونحوه ٤/ ١٧٥٢، رقم ٢٢٣١.
(٣) ((لا عدوى)): أي أن العلة لا تؤثر إلا بإذن الله تعالى، وحدثني بعض الأطباء
المعاصرين أن المريض إذا كان في فترة النقاهة فإنه لا يعدي أحداً بإذن الله.
((ولا طيرة)): يعني ولا تطيروا، فهو نهي عن التطير.
(((ولا هامة)): الهامة طير لعله البومة كانوا في الجاهلية إذا وقعت على دار
أحدهم قال: نعت إلى نفسي، وهذا باطل.
(((ولا صفر): قيل هي حية تكون في البطن تصيب الماشية والناس. وقيل المراد
به شهر صفر كانوا يتشاءمون به في الجاهلية.
ينظر: فتح المجيد بشرح كتاب التوحيد للشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ
ص ٣٠٤ - ٣٠٧.
(٤) البخاري ك/ الطب، ب/ الجذام ٢١٥٨/٥ - ٢١٥٩، رقم ٥٣٨٠، وليس فيه:
((أو قال من الأسود))، ومسلم ك/ السلام، ب/ الطيرة والفأل، وما يكون من
الشؤم ١٧٤٦/٤، رقم ٢٢٢٤، وليس فيه: ((وفر من المجذوم ... ))، وشرح
النووي ١٤٥/٧، و١٤٨.
(٥) البخاري ك/ الطب، ب/ لا هامة ٢١٧٧/٥، رقم ٥٤٣٧ أوله بالتوكيد ((لا
يوردنَّ) ومسلم ك/ السلام، ب/ لا عدوى ولا طيرة، ولا هامة ولا صفر، ٤/
١٧٤٣، رقم ٢٢٢١.
١٥٨

الذي كانوا يعتقدون في الجاهلية من إضافة الفعل إلى غير الله تعالى،
ألا تراه حين عورض بالمخالطة قال: ((فمن أعدى الأول؟)»(١)، ثم قد
تكون المخالطة سبباً للعدوى بإذن الله عز وجل.
وإذا كان الأمر على هذا ففي نكاح من به أحد هذه العيوب
ضرر كبير، ولا يكون مع الجنون تأدية حق، والنكاح للألفة،
والعشرة، وهذه العيوب مانعة من المقصود بالنكاح، فثبت الخيار
بوجودها، أو وجود بعضها(٢).
وروي عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله وال أخذ بيد
مجزوم، فوضعها في قصعة(٣)، فقال: ((كل بسم الله، وتوكلا
عليه(٤))(٥). ففيه بيان توهم لحوق ضرر بمخالطته، لكنه احتمله ثقة
بالله، وتوكلاً عليه، والله أعلم.
مسألة (٢٠٧):
وإذا أعتقت الأمة تحت حر فلا خيار لها في فسخ النكاح(٦).
وقال أبو حنيفة رحمه الله: ((لها خيار الفسخ))(٧).
في صحيح مسلم عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة
رضي الله عنها أنها اشترت بريرة من أناس من الأنصار، واشترطوا
الولاء، فقال رسول الله وَلجر: الولاء لمن ولي النعمة، وخيرها
رسول الله صَ ل﴿، وكان زوجها عبداً)(٨).
(١) هو جزء من حديث الصحيحين المخرج آنفاً.
(٢) ينظر الأم للشافعي ٨٤/٥.
(٣) ساقطة من (ب).
(٤) في الأخريين: ((على الله).
(٥) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٢١٩/٧.
(٦) الأم للشافعي ١٢٢/٥، ومختصر المزني ص ١٧٧، ومغني المحتاج ٢٠٨/٣.
(٧) الجامع الكبير ص ١٠٣، والمبسوط ١١٤/٥، واللباب ٢٤/٣.
(٨) مسلم ك/ العتق، ب/إنما الولاء لمن أعتق ١١٤٣/٢ - ١١٤٤، رقم ١١.
١٥٩

وعنده أيضاً عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله
عنها أن زوج بريرة كان عبداً، فخيرها رسول الله وَاليَ(١). ولو كان
[نهاية ١/١٤٧] حراً، ما / خيرها (٢).
وعند أبي داود عنها أن بريرة عتقت، وهي عند مغيث عبد لآل
أبي أحمد، فخيرها رسول الله وَّل﴿ ولو كان حراً ما خيرها(٣)، وقال:
((إن قربك فلا خيار لك)»(٤).
وروي حديث بريرة عن الأسود عن عائشة، رضي الله عنها،
وفيه: ((وخيرت من زوجها))، قال: ((وكان زوجها حراً))(٥).
أخرجه البخاري في الصحيح(٦) دون هذه اللفظة: ((وكان زوجها
حراً)).
ويقال: إن هذه اللفظة ليست من قول عائشة، رضي الله عنها،
إنما من قول الأسود بن يزيد، فقد صح عنها، وثبت من حديث عروة
وهو ابن أختها - ومن حديث القاسم - هو ابن أخيها - وغيرهما أن
زوج بريرة كان عبداً حين عتقت، وروايتهما(٧) مع غيرهما أولى
لقربهما منها وسماعهما شفاهاً داخل الستر، ولأن أبا عوانة، وجرير بن
عبد الحميد - وهما ثقتان - رويا هذا الحديث عن منصور عن إبراهيم
عن الأسود عن عائشة، رضي الله عنها، وبينا أن هذه اللفظة من قول
(١) مسلم ك/ العتق، ب/ إنما الولاء لمن أعتق ١١٤٣/٢، رقم ٩ - ١٠.
(٢) سبق تخريجه في التعليق السابق.
(٣) في الأخريين زيادة: ((وعند أبي داود: عتقت ... )).
(٤) أبو داود ٢/ ٢٧١، رقم ٢٢٣٦.
(٥) أبو داود ٢/ ٢٧٠، رقم ٢٢٣٥.
(٦) البخاري ك/ الطلاق، ب/ شفاعة النبي 18 في زوج بريرة ٢٠٢٣/٥ - ٢٠٢٤،
رقم ٤٩٨٠، نص البخاري أنه عبد في عدة روايات ٤٩٧٦ - ٤٩٨٠.
(٧) في (ب) بالضمير المفرد.
١٦٠