Indexed OCR Text

Pages 141-160

وروي عن إبراهيم عن عبد الله موقوفاً، وهو منقطع بين إبراهيم
وعبد الله - رضي الله عنه(١) .. والله أعلم (٢).
مسألة (٣٠):
والإفراد أفضل من القِران والتمتع، ثم التمتع أفضل من
(١) ينظر: المحلى ٧/ ٣٧ - ٣٨، ونيل الأوطار ٦/ ٥ - ٦.
(٢) قال في تحفة الفقهاء ٥٩٦/١: ولنا ما روى أبو هريرة أن أعرابياً سأل
رسول الله - * - عن الإيمان والشرائع فبين، إلى أن قال: ((وأن تقيم الصلاة
المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وأن تحج البيت»، فقال الأعرابي: ((هل
علي شيء سوى هذا؟)) فقال: ((لا إلا أن تتطوع))، ولم يذكر العمرة وأما الآية
ففيها قراءتان، فبعضهم قرأ ﴿والعمرةُ لله﴾، بالرفع، ووقف على قوله: ﴿وأتموا
الحج﴾، ولأن الآية نزلت في أهل الحديبية، وهم خرجوا محرمين بالعمرة،
وأنها تصير واجبة بالشروع، ثم حصروا، فأوجب عليهم إتمام العمرة بطريق
القضاء، والحج بطريق الابتداء. قالوا: ولم نجد أحداً من السلف أوجب قضاء
العمرة عن الميت.
وقال ابن تيمية في مجموع الفتاوى ٢٦/ ٥- ٦: ((والعمرة في وجوبها قولان
للعلماء، وهما قولان في مذهب الشافعي، وأحمد، والمشهور عنهما وجوبها،
والقول الآخر: لا تجب، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك، وهذا القول أرجح؛
فإن الله إنما أوجب الحج بقوله: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه
سبيلاً﴾، ولم يوجب العمرة، وإنما أوجب إتمامها، وهكذا سائر الأحاديث
الصحيحة ليس فيها إلا إيجاب الحج، ولأن العمرة ليس فيها جنس غير ما في
الحج، ولأن الصحابة المقيمين بمكة لم يكونوا يعتمرون بمكة لا على عهد
النبي - * - ولا عهد خلفائه إلا عائشة: ((نعم، عليهن جهاد لا قتال فيه:
الحج والعمرة)) رواه أحمد ١٦٥/٦، وابن ماجه ٩٦٨/١ رقم ٢٩٠١،
والدارقطني ٢٨٤/٢، والبيهقي في السنن الكبرى ٣٥١/٤، ولحديث أبي
رزين: ((إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظعن، فقال: حج
عن أبيك واعتمر))، وقد سبق ذكره. قال الإمام أحمد في مسنده ٤/ ١٠: ((لا
أعلم في وجوب العمرة حديثاً أجود من هذا ولا أصح))، وقال فيه الترمذي ٣/
٦٧٧، رقم ٩٣٣: ((حسن صحيح))، وقال الحاكم في المستدرك ١/ ٤٨١ :
((صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه)، ووافقه الذهبي. ولما في حديث
عمر قصة جبريل: ((وتحج البيت وتعتمر))، رواه الدارقطني ٢/ ٢٨٢، وقال: ((هذا
إسناد صحيح ثابت))، ولقول ابن عباس، وعمل الصحابة والسلف، والله أعلم.
١٤١

القران(١). وقال أبو حنيفة - رحمه الله -: ((القِران أفضل))(٢).
قال الشافعي - رحمه الله -: ((اختلفوا في إهلال
رسول الله - *- ، وأصح ذلك حديث عمرة عن عائشة - رضي الله
عنها -، قالت: ((خرجنا لخمس ليال بقين من ذي القعدة، ولا نرى إلا
الحج، وإنما أحرم رسول الله - وَل9 - ينتظر القضاء، أي أن يؤمر
به))(٣).
وفي الصحيحين عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة - رضي الله
عنها - قالت: ((خرجنا مع رسول الله - وَلقوله - لا يذكر حجاً ولا
عمرة، فلما قدمنا - يعني مكة - أمرنا أن نحل))، وذكر باق
الحديث(٤). ورواه طاووس عن النبي - وَل9 - (من المدينة)(٥) لا
يسمي حجاً، ولا عمرة، ينتظر القضاء (٦)، فنزل عليه القضاء وهو بين
الصفا والمروة فأمر أصحابه من كان منهم أهل ولم يكن معه هدي
أن يجعلها عمرة، وقال: لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما
سقت الهدي، ولكن لبدت رأسي(٧)، وسقت الهدي، فليس لي محل
(١) الأم للشافعي ١٣٣/٢، والمهذب ٢٠٧/١، ومغني المحتاج ٥١٤/١، ونهاية
المحتاج ٢٦٤/٣، وحواشي الشرواني وابن قاسم على تحفة المحتاج ١٤٨/٤.
(٢) تحفة الفقهاء ١/ ٦٠٩ - ٦١٤، ومراقي الفلاح ص ١٤٨ - ١٤٩، وحاشية ابن
عابدين ٢/ ٥٢٩ - ٥٣٠، واللباب ١٩٦/١.
(٣) مسند الشافعي ٣٦٨/١، وينظر: كتاب تنقيح التنقيح في أحاديث التعليق لابن
الجوزي، اختصار الذهبي مخطوط، ق ١٩٢ - ١٩٩.
(٤) البخاري ك/ الحج ب/ التمتع والقران والإفراد ٢٧٩/٢، رقم ١٥٤، ومسلم
ك/ الحج، ب/ بيان وجوب الإحرام ٨٧٨/٢، رقم ١٢٩.
(٥) هامش ٩٩/أ.
(٦) أي الوحي.
(٧) قال الخطابي في إعلام الحديث ٨٦٣/٢: ((قوله: لبدت رأسي: فإن التلبيد إنما
هو علاج الشعر بالصمغ ونحوه حتى يجتمع ويتلبد، فلا يتخلله الغبار، ولا يقع
فيه الدبيب، وإنما يفعله من يطول مكثه، وتتطاول الأيام به في قضاء أعمال
الحج ومناسكه».
١٤٢

دون محل هديي ... ))، وذكر باقي الحديث(١).
وفي صحيح مسلم عن عائشة - رضي الله عنها - أن
رسول الله - * - أفرد الحج، وكأنه - ◌َلتر - أُمِر بإفراد الحج حين نزل
عليه القضاء (٢)، والله تعالى لا يختار لرسوله - وَل قوله - إلا ما هو أفضل.
وعنده عنها - رضي الله عنها - أيضاً، قالت: ((خرجنا مع
رسول الله - وَ﴿ - فقال: من أراد منكم أن يهل بحج(٣) وعمرة
فليفعل، ومن أراد أن يهل بحج فليهل. قالت عائشة - رضي الله
عنها -: وأهل رسول الله - وَليل - بحج، وأهل به ناس معه))(٤).
وفي الصحيحين عنها - رضي الله عنها -: ((خرجنا مع
رسول الله - * - عام حجة الوداع، فمنا من أهل بعمرة، ومنا من
أهل بحج وعمرة، ومنا من أهل بالحج، وأهل رسول الله - وَالقر -
بالحج. فأما من أهل بالحج أو جمع بين الحج والعمرة فلم يحلوا
حتى كان يوم النحر))(٥).
(١) رواه الشافعي في مسنده ص ١١١، ورواه المحب الطبري في القرى لقاصد أم
القرى ص ١٣٠. وقال ابن القيم في زاد المعاد ٢/ ١٥٦ - ١٥٧،: ((إن كان
محفوظاً وجب حمله على ما قبل الإحرام، وإلا ناقض سائر الروايات
الصحيحة))، وقال: ((فأما حديث طاووس فمرسل لا يعارض به الأساطين
المسندات، ولا يعرف اتصاله بوجه صحيح، ولا حسن))، وذكره القاضي في
كتابه التعليق (مخطوط) ق ٣٦، وأشار إلى أنه مرسل لا يحتج به، وأورده ابن
تيمية في شرح العمدة ١/ ٥١٣.
(٢) مسلم ك/ الحج، ب/ بيان وجوه الإحرام ٢/ ٨٧٥، رقم ١٢٢، وأبو داود ٢/
١٥٢، رقم ١٧٧٧ والترمذي ١٦٦/٣، رقم ٨٢٠، والنسائي ١٤٥/٥.
(٣) في النسخ: ((بالحج)، والتصويب من مسلم.
(٤) صحيح مسلم ك/ الحج، ب/ بيان وجوه الإحرام ٨٧١/٢، رقم ١١٤،
وللحديث تتمة ذكرها مسلم، وهي: ((وأهل ناس بالعمرة والحج، وأهل ناس
بعمرة، وكنت فيمن أهل بعمرة)). شرح صحيح مسلم ٨/ ٣٩٠، رقم ١٢١١/ ١١٤.
(٥) البخاري ك/ الحج، ب/ التمتع والإقران والإفراد ٢٧٩/٢، رقم ١٥٥،
وصحيح مسلم، ك/ الحج، ب/ بيان وجوه الإحرام ٢/ ٨٧٣، رقم ١١٨.
١٤٣

وعند مسلم عن جابر - رضي الله عنه - ما معناه: أقام
رسول الله - رَّ * - بالمدينة تسع سنين لم يحج، ثمّ أُذْنَ للناس بالحج،
فقدم الناس المدينة ليخرجوا معه، فانطلق رسول الله - روضالفر - وانطلقنا،
لا نعرف إلا الحج)»(١).
وله: ((خرجنا ورسول الله - * - بين أظهرنا، ينزل عليه القرآن،
وهو يعرف تأويله، وإنما يفعل ما أُمر به، فقدمنا مكة، فلما طاف
رسول الله - * - بالبيت، وبالصفا والمروة قال: من لم يكن معه
هدي فليجعلها عمرة، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت
الهدي، ولجعلتها عمرة))(٢).
وفي الصحيحين عن أبي شهاب موسى بن نافع الأسدي(٣) قال:
((قدمت مكة وأنا متمتع بعمرة، فدخلت قبل التروية بثلاثة أيام، فقال
أناس من أهل مكة: تصير الآن حجتك مكية، فدخلت على عطاء بن
أبي رباح أستفتيه، فقال: حدثني جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما -
أنه حج مع رسول الله - 143ه ـ يوم ساق البدن، وقد أهلوا بالحج
مفرداً، فقال رسول الله - وَلجر - أحلوا من إحرامكم بطواف البيت،
وبين الصفا والمروة، ثم أقيموا حلالاً، حتى إذا كان يوم التروية فأهلوا
بالحج، واجعلوا التي قدمتم بها متعة. فقالوا: كيف نجعلها متعة، وقد
(١) سبق تخريجه.
(٢) مسلم ك/ الحج، ب/ حجة النبي - ◌َ﴾ - ٨٨٧/٢، رقم ١٢١٨/ ١٤٧.
(٣) هو أبو شهاب موسى بن نافع الأسدي، ويقال: المدني، الحناط الكوفي،
ويقال: البصري. روى عن مجاهد، وعطاء، وسعيد بن جبير، وأبي علي
النعمان بن علي الوالبي. وحدث عنه الثوري، وعيسى بن يونس، ووكيع،
والقطان، والمحاربي، وأبو أسامة، ومحمد بن عبيد الطنافسي، وأبو نعيم،
وغيرهم.
قال أحمد بن حنبل: منكر الحديث، وقال أسامة بن منصور عن ابن معين:
ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات. وقال القطان: أفسدوه علينا.
ينظر: الثقات ٤٥٧/٧، وسير أعلام النبلاء ٢٢٧/٨، والتهذيب ٣٣٤/١٠.
١٤٤

سمينا الحج؟ فقال: افعلوا ما أمرتكم به، فلولا أني سقت الهدي
لفعلت مثل الذي أمرتكم به، / ولكن لا يحل مني حرام حتى يبلغ [نهاية ١/٩٩]
الهدي محل))(١).
ورواه ابن جريج عن عطاء عن جابر - رضي الله عنه - قال:
((أهللنا مع رسول الله - وَ ل﴿ ـ بالحج خالصاً وحده))، وذكر باقي
الحديث بمعناه(٢).
وفيه البيان الواضح أن النبي - وَ ل * - كان مفرداً (٣).
وعند مسلم عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: ((أهللنا مع
رسول الله - * - بالحج مفرداً)(٤).
وروي بإسناد صحيح عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه قال:
((حججت مع أبي بكر - رضي الله عنه - فجرد، ومع عمر - رضي الله
عنه - فجرد، ومع عثمان - رضي الله عنه - فجرد)) (٥) .
وعن عمر - رضي الله عنه - قال: ((افصلوا بين حجكم
وعمرتكم؛ فإنه أتم لحج أحدكم، وأتم لعمرته أن يعتمر في غير
(١) البخاري ك/ الحج، ب/ التمتع والإفراد والإقران ٢/ ٢٨١، رقم ١٦١، ومسلم
ك/ الحج، ب/ بيان وجوه الإحرام ٢/ ٨٨٤- ٨٨٥، رقم ١٤٣.
(٢) مسلم ك/ الحج ب/ بيان وجوه الإحرام ٨٨٣/٢، رقم ١٢١٦/ ١٤١.
(٣) قال ابن القيم في زاد المعاد ١٢٩/٢: ((فأرباب هذا القول عذرهم ظاهر، كما
ترى، ولكن ما عذرهم في حكمه وخبره الذي حكم به على نفسه، وأخبر عنها
بقوله: ((سقت الهدي وقرنت))، وخبر من هو تحت بطن ناقته، وأقرب إليه
حينئذ من غيره، فهو أصدق الناس، يسمعه يقول: لبيك بحجة وعمرة، وخبر
من هو أعلم الناس عنه - 1 - علي بن أبي طالب حين أخبر أنه أهل بهما
جميعاً، ولبي بهما جميعاً ... )).
(٤) مسلم ك/ الحج، ب/ الإفراد والقِران والتمتع ٢ / ٩٠٤ - ٩٠٥، رقم ١٢٣١/
١٨٤. ورواه أحمد في المسند ٨/ ٧٢، رقم ٥٧١٩، (تحقيق أحمد شاكر).
(٥) رواه الدارقطني ٢٣٩/٢، والبيهقي في السنن الكبرى ٥/٥.
١٤٥

أشهر الحج))(١).
وروي عن محمد بن علي بن حسين بن علي عن أبيه عن جده
علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أنه كان يأمر بنيه، وغيرهم بإفراد
الحج، يقول: ((إنه أفضل))(٢).
وروى الشافعي - رحمه الله - بسنده عن عبد الله أنه أمر
بإفراد الحج، قال: ((أحب أن يكون لكل واحد منهما شعث
وسفر)) (٣).
قال الشافعي - رحمه الله -: ((وهم يزعمون أن القِران أفضل، وبه
يفتون من استفتاهم، وعبد الله يكره القِران)»(٤).
ذكر حجج من اختار التمتع ورآه أفضل:
قال الشافعي - رحمه الله -: ((اخترت الإفراد، والتمتع حسن لا
نکرهە»(٥).
وعند البخاري ومسلم - واللفظ له - عن نصر بن عمران أبي
(١) بعضه في صحيح مسلم ٢/ ٨٨٥- ٨٨٦، رقم ١٢١٧، ورواه مالك ٣٤٧/١،
رقم ٦٧ وأوله عند ابن أبي شيبة ٤/أ ١٣٤، رقم ٨٩٤ سيأتي لاحقاً برواية
أخرى.
(٢) رواه البيهقي في السنن الكبرى ٥/٥. وقد نص ابن تيمية أنه كان قارناً، مجموع
الفتاوى ٣٣/٢٦، والاختيارات ص ١١٧. وقد ذكر ابن القيم ما ورد في
الصحيحين من اعتراض علي على عثمان حين نهى عن المتعة، وأن علياً لبى
بهما، وقال: ((ما كنت لأدع سنة رسول الله - 19 - لقول أحد))، فهذا خلاف
هذا الأثر، زاد المعاد ١١٣/٢.
(٣) مسند الشافعي ٣٧٦/١، والأم ١٤٣/٢.
(٤) مسند الشافعي ٣٧٦/١، والأم ١٤٣/٣.
(٥) الأم للشافعي ١٣٤/٢.
ورجح الإمام أحمد التمتع لمن لم يسق الهدي، ثم القِران إذا ساق الهدي،
وقال ابن القيم: إنه أفضل لمن ساق الهدي. الاختيارت ص ١١٧، ومجموع
الفتاوى ٤٩/٢٦، والفروع ٣٠٠/٣، والإنصاف ٤٣٤/٣.
١٤٦

جمرة الضبعي(١) قال: ((تمتعت فنهاني ناس عن ذلك، فأتيت ابن
عباس - رضي الله عنهما - فسألته فأمرني بها، فانطلقت إلى البيت،
فنمت، فأتاني آت في منامي فقال: عمرة متقبلة وحج مبرور. فأتيت
ابن عباس - رضي الله عنهما - فأخبرته بالذي رأيت، فقال: الله أكبر،
سنة أبي القاسم - ◌َ﴿ - وقال في الهدي: جزور، أو بقرة، أو شاة،
أوشركا في دم))(٢).
وعند مسلم عن ابن عباس - رضي الله عنهما - عن النبي - أمير:
(هذه عمرة استمتعنا بها، فمن لم يكن معه هدي فليحل الحل كله،
وقد دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة))(٣).
كأن النبي - * - أراد أصحابه الذين حلوا واستمتعوا، إذ ثبت
أنه - * - تلهف، حيث ساق الهدي فلم يحل، ولو كان متمتعاً لم
يتلهف عليها .
(١) أبو جمرة نصر بن عمران الضبعي البصري، أحد الأئمة الثقات. حدث عن ابن
عباس، وابن عمر، وعائذ بن عمرو المزني، وطائفة. وحدث عنه أيوب
السختياني، ومعمر، وشعبة، والحمادان، وإبراهيم بن طهمان، وعباد بن عباد
المهلبي، وآخرون.
قال ابن سعد: أبو جمرة ثقة. ووثقه يحيى بن معين.
قال ابن سعد: مات في ولاية يوسف بن عمر على العراق، وقال غيره: مات
سنة سبع وعشرين ومائة، ويقال: سنة ثمان وعشرين.
ينظر: طبقات ابن سعد ٢٣٥/٧، وطبقات خليفة ٢١٤، والتاريخ الكبير
٨/ ١٠٤، والجرح والتعديل ٤٦٥/٨، وسير أعلام النبلاء ٢٤٣/٥، وتهذيب
التهذيب ٤٣١/١٠، وشذرات الذهب ١٧٥/١.
(٢) البخاري ك/ الحج، ب/ التمتع والإفراد والإقران ٢/ ٢٨١، رقم ١٦٠، ومسلم
ك/ الحج، ب/ جواز العمرة في أشهر الحج ٢/ ٩١٠ - ٩١١، رقم ١٩٩ -
٢٠٤ (١٢٤٢).
(٣) مسلم ك/ الحج، ب/ جواز العمرة في أشهر الحج ٩١١/٢، رقم
٢٠٣/١٢٤١. وأبو داود ١٥٦/٢، رقم ١٧٩، وقال: ((وهذا ينكر، إنما هو
قول ابن عباس))، وأحمد ٢٣٦/١، و٣٤١، والدارمي ٢/ ٥٠ - ٥١، والبغوي
في شرح السنة ٧٩/٧، رقم ١٨٨٦.
١٤٧

وعنده عن غنيم بن قيس(١) قال: ((سألت سعد بن أبي وقاص -
رضي الله عنه - عن متعة الحج، فقال: قد فعلناها مع
رسول الله - وَلـ ـ، وهذا يومئذ كافر - يعني معاوية - بالعُرُش، يعني
بیوت مكة)»(٢).
وروى الشافعي - رحمه الله - عن مالك عن ابن شهاب عن
محمد بن عبد الله بن الحارث بن نوفل(٣) أنه سمع سعد بن أبي
وقاص والضحاك بن قيس(٤) - رضي الله عنهما - عام حج معاوية بن
أبي سفيان - رضي الله عنهما -، وهما يتذاكران التمتع بالعمرة إلى
الحج، فقال الضحاك: لا يصنع ذلك إلا من جهل أمر الله، فقال
(١) غنيم بن قيس المازني، أبو العنبري، البصري، مخضرم، ثقة، من الثانية، مات
سنة تسعين. روى له مسلم والأربعة.
ينظر: تقريب التهذيب ١٠٦/٢، وتهذيب التهذيب ٢٥١/٨.
(٢) مسلم ك/ الحج، ب/ جواز التمتع ٨٩٨/٢، رقم ١٢٢٥/ ١٦٤.
(٣) محمد بن عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي،
النوفلي، المدني، روى عن سعد بن أبي وقاص، واسامة بن زيد، ومعاوية،
والضحاك، وسفيان، وغيرهم. وحدث عنه عمر بن عبد العزيز، والزهري،
وغيرهما.
ذكره ابن حبان في الثقات.
ينظر: الثقات ٣٥٥/٥، والتهذيب ٢٢٣/٩.
(٤) هو الضحاك بن قيس بن خالد، الأمير أبو أمية، وقيل: أبو أنيس، وقيل: أبو
عبد الرحمن، وقيل: أبو سعيد، الفهري، القرشي. عداده في صغار الصحابة،
وله أحاديث. خرج له النسائي، وقد روى عن حبيب بن مسلمة أيضاً.
وحدث عنه معاوية بن أبي سفيان، ووصفه بالعدالة، وسعيد بن جبير،
والشعبي، ومحمد ابن سويد الفهري، وعمير بن سعد، وسماك بن حرب، وأبو
إسحاق السبيعي.
قتل الضحاك بمرج راهط سنة أربع وستين.
ينظر: طبقات ابن سعد ٧/ ٤١٠، والجرح والتعديل ٤٥٧/٤، وأسد الغابة ٣/
٣٧، وسير أعلام النبلاء ٢٤١/٣، وتهذيب التهذيب ٤٤٨/٤، والإصابة ٢/
٢٠٧.
١٤٨

سعد: بئس ما قلت، يا ابن أخي، فقال الضحاك: فإن عمر -
رضي الله عنه - قد نهى عن ذلك، فقال سعد: قد صنعها
رسول الله - مَ﴾ ـ، وصنعناها معه))(١).
وعندهما عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: ((تمتع
رسول الله - سير في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج (فأهدى وساق معه
الهدي من ذي الحليفة، وبدأ رسول الله - وَ لجر - فأهل بالعمرة، ثم أهل
بالحج، وتمتع الناس مع رسول الله - ﴿ ﴿ - بالعمرة إلى الحج)(٢)،
فلما قدم رسول الله - 3 98 - مكة قال للناس: من كان منكم أهدى فإنه
لا يحل له شيء حرم منه حتى يقضي حجة، ومن لم يكن منكم
أهدى فليطف بالبيت، وبالصفا والمروة، وليقصر، وليحلل، ثم ليهل
بالحج ... )) وذكر الحديث في طواف رسول الله - بَّر - وقال: ((ثم لم
يحلل من شيء حرم منه حتى قضى حجه، ونحر هديه (يوم
النحر)(٣)، وأفاض، فطاف بالبيت، ثم حل من كل شيء حرم
منه» (٤).
قلنا: حيث لم يتحلل حتى فرغ من حجه في هذه الرواية،
وغيرها، ففيه دليل على أنه لم يكن متمتعاً، والله أعلم. ثم في أخبار
الإفراد ما يعارضه(٥).
(١) مسند الشافعي ٣٧٤/١، وينظر: صحيح البخاري ك/ الحج، ب/ ﴿فمن تمتع
... ﴾، ٣٢٢/٢ رقم ٢٧١. والترمذي ١٧٦/٣، رقم ٨٢٣،
بالعمرة إلى الحج.
وصححه، والنسائي ٥/ ١٥٢ - ١٥٣، رقم ٢٧٣٤، والموطأ المطبوع مع تنوير
الحوالك ٣١٧/١.
(٢) هامش ص ٩٩/ ب.
(٣) ساقطة في الأخريين.
(٤) البخاري ك/ الحج، ب/ من ساق الهدي ٣٢٤/٢، رقم ٢٧٤، واللفظ
لمسلم، ك/ الحج ب/ وجوب الدم على المتمتع ٩٠١/٢، رقم ١٧٤/١٢٢٧.
(٥) ناقش ابن القيم هذا، ورد عليه مفصلاً في زاد المعاد ٢/ ١٣١ - ١٥٧.
١٤٩

وفي الصحيحين عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت
للنبي - ولو -: ((ما شأن الناس حلوا، ولم تحلل أنت من عمرتك؟))
فقال: ((إني لبدت رأسي، وقلدت هديي، فلا أحل حتى أنحر))(١).
وعند مسلم عن إبراهيم بن أبي موسى الأشعري(٢) عن أبي
موسى(٣) - رضي الله عنه - أنه كان يفتي بالمتعة، فقال له رجل:
[نهاية ٩٩/ب] ((رويدك ببعض فتياك، فإنك لا تدري ما أحدث / أمير المؤمنين في
النسك بعدك))، حتى لقيه فسأله، فقال عمر - رضي الله عنه: ((قد
علمنا أن النبي - وَل﴿ل ـ فعله، ولكن كرهت أن يظلوا معرضين
بالأراك (٤)، ثم يروحوا بالحج تقطر رؤوسهم))(٥).
(١) البخاري ك/ الحج، ب/ التمتع والإفراد ٢٨١/٢، رقم ١٥٩، ومسلم ك/
الحج، ب/ بيان أن القارن لا يتحلل إلا في وقت تحلل الحاج المفرد ٢/
٩٠٢، رقم ١٢٢٩.
(٢) إبراهيم بن أبي موسى الأشعري، له رؤية، ولم يثبت له سماع إلا من بعض
الصحابة. وثقه العجلي. مات في حدود السبعين.
ينظر: تقريب التهذيب ٣٧/١.
(٣) أبو موسى الأشعري التميمي، عبدالله بن قيس بن حضار بن حرب، صاحب
رسول الله -* - الفقيه المقرىء.
حدث عنه بريدة بن الحصيب، وأبو أمامة الباهلي، وأبو سعيد الخدري،
وأنس بن مالك، وطارق بن شهاب، وسعيد بن المسيب، والأسود بن يزيد،
وأبو وائل شقيق بن سلمة، وزيد بن وهب، وأبو عثمان النهدي، وخلق
سواهم. قيل إنه مات سنة أربع وأربعين، وقيل: اثنتين وخمسين، وقيل: ثلاث
وخمسين. وذكر صاحب السير أن الصحيح أنه توفي سنة أربع وأربعين.
ينظر: طبقات ابن سعد ٣٤٤/٢، و١٠٥/٤، والجرح والتعديل ١٣٨/٥، وأسد
الغابة ٣٦٧/٣، وسير أعلام النبلاء ٣٨٠/٢، وتهذيب التهذيب ٢٤٩/٥،
والإصابة ٦/ ١٩٤، وشذرات الذهب ٢٩/١.
(٤) الأراك: هو موضع من نمرة، وقيل: هو موضع من الموقف بعرفة، بعضه من
جهة الشام، وبعضه من جهة اليمن. وقال الأصمعي: أراك جبل لهذيل، ويقال
للسواك: الأراك. معجم البلدان ١٣٥/١، ولسان العرب ٦٤/١، وينظر: أخبار
مكة ١/ ١٨١.
(٥) مسلم ك/ الحج، ب/ في فسخ التحلل من الإحرام، والأمر بالتمام ٨٩٦/٢، =
١٥٠

وعند البخاري ومسلم عن طارق بن شهاب(١) عن أبي موسى -
رضي الله عنه - قال: ((قدمت على رسول الله - بَير - فقال لي: بم
أهللت؟ قال: قلت: لبيك إهلالاً كإهلال النبي - وَ لجر - قال: سقت
الهدي؟ قلت: لا، قال: فأمرني فطفت بالبيت وبين الصفا والمروة،
ثم أحللت فأتيت امرأة من قومي فغسلت ثيابي وغسلت رأسي، فكنت
أفتي الناس، إذ أتاني رجل فقال: إنك ما تدري ما أحدث أمير
المؤمنين في شأن النسك، قلت: أيها الناس، هذا أمير المؤمنين قادم
عليكم، فبه فأتموا، فلما قدم قلت: ما الذي أحدثت في شأن النسك؟
فقال: إن نأخذ بكتاب الله تعالى فإنه يأمرنا بالإتمام، قال الله - عز
وجل -: ﴿وَنِقُوْ لَلَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾(٢)، وإن نأخذ بسنة نبينا - وَ له- فإنه
لم يحل حتى نحر الهدي))(٣).
وعند مسلم عن أبي نضرة قال: (كان)(٤) ابن عباس - رضي الله
= رقم ١٥٧/١٢٢٢، وفيه: ((ولكن كرهت أن يظلوا معرسين بالأراك ... )). ورواه
النسائي ١٥٣/٥، وأحمد ١ / ٤٩- ٥٠.
(١) هو طارق بن شهاب بن عبد شمس بن سلمة الأحمسي البجلي، الكوفي، رأى
النبي - * - وغزا في خلافة أبي بكر غير مرة، وأرسل عن النبي - وَير. روى
عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وبلال، وخالد بن الوليد، وابن مسعود، وعلي
ابن أبي طالب، وغيرهم. وحدث عنه قيس بن سالم، وسماك بن حرب،
وعلقمة بن مرثد وسليمان بن ميسرة، وإسماعيل بن أبي خالد، ومخارق بن
عبدالله، وطائفة. ومع كثرة جهاده كان معدوداً من العلماء. مات سنة ثلاث
وثمانین، وقيل: اثنتين وثمانين.
ينظر: طبقات خليفة ٧٣٥، و٩٥٨، والجرح والتعديل ٤٨٥/٤، والاستيعاب
٧٥٥، وأسد الغابة ٧٠/٣، وسير أعلام النبلاء ٤٨٦/٣، والإصابة ٢٢٠/٢،
وتهذيب التهذيب ٣/٥.
(٢) سورة البقرة: الآية ١٩٦.
(٣) البخاري ك/ الحج، ب/ من أهل في زمن النبي - 18 - كإهلال النبي ٢/
٢٧٧، رقم ١٥٢، ومسلم ك/ الحج، ب/ في نسخ التحلل من الأحرام،
والأمر بالتمام ٨٩٤/٢، رقم ١٥٤/١٢٢١، واللفظ له.
(٤) زيادة من صحيح مسلم بها تستقيم العبارة.
١٥١

عنهما - يأمرهم بالمتعة، وابن عمر (١) - رضي الله عنهما - ينهى عنها،
فذكرت ذلك لجابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - فقال: ((على يدي
دار الحديث))، فقال: ((تمتعنا مع رسول الله - رَّر ـ فلما قام عمر بن
الخطاب - رضي الله عنه - قال: إن الله - عز وجل - كان يحل
لنبيه - وَالله - ما شاء بما شاء، وإن القرآن قد نزل منازله، فأتموا الحج
والعمرة لله كما أمركم، وأبتوا نكاح هذه النساء، فلن أَوتَى برجل تزوج
امرأة إلى أجل إلا رجمته بالحجارة))(٢).
وفي رواية: ((افصلوا حجكم من عمرتكم؛ فإنه أتم لحجکم،
وأتم لعمرتكم»(٣).
وعنده أيضاً عن عبد الله بن شقيق(٤) أن علياً - رضي الله عنه -
جعل يأمر بالمتعة، وعثمان - رضي الله عنه - ينهى عنها، فقال عثمان
كلمة، فقال علي - رضي الله عنه -: لقد علمت أنا تمتعنا مع
رسول الله - وَلقولهـ، فقال عثمان - رضي الله عنه -: ((أجل، ولكنا كنا
خائفین»(٥) .
وعنده أيضاً عن أبي ذر - رضي الله عنه - قال: ((لا يصلح
المتعتان إلا لنا خاصة، يعني متعة النساء، ومتعة الحج))(٦).
(١) في صحيح مسلم: ((ابن الزبير).
(٢) مسلم ك/ الحج، ب/ في المتعة بالحج والعمرة ٨٨٥/٢، رقم ١٤٥/١٢١٧،
ولأحمد نحوه ١/ ٥٢.
(٣) مسلم ك/ الحج، ب/ في المتعة بالحج ٨٨٦/٢، رقم ١٢١٧، ومالك ١/
٣٤٧، رقم ٦٧، والبيهقي في السنن الكبرى ٥/ ٢٠ - ٢١.
(٤) عبد الله بن شقيق العقيلي، ثقة، ناصبي، كان سليمان التيمي سيء الرأي فيه.
ينظر: الثقات ١٠/٥، والمغني في الضعفاء ٤٨٧/١.
(٥) مسلم ك/ الحج، ب/ جواز التمتع ٨٩٦/٢، رقم ١٥٨/١٢٢٣، ورواه أحمد
٦١/١.
(٦) مسلم ك/ الحج، ب/ جواز التمتع ٨٩٧/٢، رقم ١٦٢، وينظر: جامع =
١٥٢

عندي أن المراد - والله أعلم - فسخه الحج على من لم يكن معه
هدي بالعمرة، ثم حجهم بعد ذلك، والفسخ كان لهم خاصة دون
غيرهم(١)، ويحتمل أن يكون أراد تخصيصهم بجواز متعة الحج.
وكل من قال في هذه الأحاديث: ((تمتع رسول الله، وَلات)
يحتمل(٢) أن يكون مراده بذلك إذنه فيه وأمره من لم يكن معه هدي؛
بدليل ما مضى من الأحاديث في الإفراد، والله أعلم.
وعند أبي داود عن سعيد بن المسيب أن رجلاً من أصحاب
النبي - * - أتى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فشهد عنده أنه سمع
رسول الله - 18 - في مرضه الذي قبض فيه ينهى عن العمرة قبل الحج(٣).
إنما أخرجت هذه الأحاديث لتعلم اختلاف الناس في حج
الأصول ١٢٣/٣. والمراد بمتعة النساء: نكاح المتعة، وهو محرم، كما هو
=
معلوم. ينظر: المبسوط ١٥٢/٥، والإيضاح لابن هبيرة ١٣١/٢.
(١) قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى ٤٩/٢٦: ((والفسخ فيه ثلاثة
أقوال: قيل واجب، كقول ابن عباس وأتباعه، وقيل: هو محرم، كقول معاوية
وابن الزبير ومن تبعهما، كأبي حنيفة ومالك والشافعي، وقيل: هو جائز
مستحب، وهو مذهب فقهاء الحديث، أحمد وغيره)). قلت: وبهذا يتضح أنه
ليس خاصاً بالصحابة، رضي الله عنهم. وإنما ذكرت هذا لأن المصنف مال إلى
عدم جوازه، كما سترى لاحقاً.
(٢) ساقطة من الأخريين.
(٣) سنن أبي داود ك/ الحج، ب/ في إفراد الحج ١٥٧/٢، رقم ١٧٩٣. قال
الخطابي في معالم السنن ٣١٦/٢: ((قلت: في إسناد هذا الحديث مقال)). وقال
المنذري: ((سعيد لم يصح سماعه من عمر".
وقال ابن القيم في تهذيب السنن مع المختصر ٣١٦/٢: ((وهذا الحديث باطل،
ولا يحتاج تعليله إلى عدم سماع ابن المسيب من عمر؛ فإن ابن المسيب إذا
قال: ((قال رسول الله،(﴿) فهو حجة، وقال الإمام أحمد: إذا لم يقبل
سعيد بن المسيب عن عمر فمن يقبل؟ وقال أبو محمد بن حزم: هذا الحديث
في غاية الوهى والسقوط؛ لأنه مرسل عمن لم يسمع، وفيه ثلاثة مجهولين: أبو
عيسى الخراساني، وعبدالله بن القاسم، وأبوه. وقال عبد الحق: هذا منقطع
ضعيف الإسنادا.
١٥٣

التمتع، ولا نعرف أحداً من الصحابة كره الإفراد، وليس المختلف فيه
كالمتفق عليه(١) .
وعند مسلم عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: ((قدم
النبي - * - لأربع أو خمس مضين من ذي الحجة، فدخل عليّ،
وهو غضبان، فقلت: من أغضبك؟ أدخله الله النار، فقال: وما شعرت
أني أمرت الناس بأمر فهم يترددون، ولو أني كنت استقبلت من أمري
ما استدبرت ما سقت الهدي معي، حتى أشتريه، وأحل كما حلوا))(٢).
وقد رويناه من حديث جابر - رضي الله عنه -، وفيه البيان
(١) قصده بهذا ترجيح الإفراد. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى
٢٦/ ١٠١: ((والتحقيق أن ذلك يتنوع باختلاف حال الحاج، فإن كان يسافر
للعمرة، وللحج سفرة أخرى، أو يسافر قبل أشهر الحج ويقيم فهذا الإفراد له
أفضل باتفاق الأئمة الأربعة. وإن سافر للحج والعمرة في أشهر الحج وساق
الهدي فالقران أفضل. وإن لم يسق الهدي فالتحلل من إحرامه بعمرة أفضل))
مختصراً.
ورجح الإمام أحمد التمتع لمن لم يسق الهدي. أما من ساق الهدي فالقِران
أفضل له، وتبعه في ذلك ابن تيمية وابن القيم، والمحققون من علمائنا
المعاصرين.
ينظر: مجموع الفتاوى ٢٦/ ٣٣ - ٤٩، و٨٦، و٨٩، وزاد المعاد ١٣٥/٢،
ومفيد الأنام ونور الظلام في تحرير الأحكام لحج بيت الله الحرام لعبد الله بن
عبد الرحمن الجاسر ص/ ٨٠، وحاشية الروض المربع لابن قاسم ٥٥٦/٣،
وأوضح المسالك إلى أحكام المناسك لابن سلمان، ط/ العاشرة ص ٥١،
وفتاوي مهمة تتعلق بالحج والعمر لابن باز، ص ٩، ط / ١٤١١ هـ، ط/
العاشرة ص ٥١، وفتاوى مهمة تتعلق بالحج والعمرة لابن باز، ص ٩، ط/
١٤١١ هـ الإفتاء، والتحقيق والإيضاح لابن باز ص ٢٠ - ٢١، دون بيانات
الطبع وكتب على الغلاف ((الحج والعمرة والزيارة))، ونيل المآرب في تهذيب
شرح عمدة الطالب ٣٩٩/٢، والاختيارات الجلية في المسائل الخلافية لعبد الله
ابن عبد الرحمن البسام ٢/ ٣٨٨- ٣٨٩ ط. مكتبة ومطبعة النهضة الحديثة،
مكة، شارع الحرم، باب العمرة.
(٢) مسلم ك/ الحج، ب/ بيان وجوه الإحرام ٨٧٩/٢، رقم ١٣٠، وقد تفرد
بلفظه هذا.
١٥٤

الواضح أن النبي - 18 - لم يكن متمتعاً بالعمرة إلى الحج؛ إذ لو كان
كذلك لما قال هذا؛ لكنه أمر أصحابه بفسخ الإحرام بالعمرة؛ قطعاً
العادة الناس في كراهة الإحرام بالعمرة في أشهر الحج، ثم لما رآهم
يكرهون ذلك قال: ((لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت
الهدي، ولجعلتها عمرة)) (١)، تطبيباً لقلوبهم؛ لا أن التمتع بالعمرة إلى
الحج أفضل مما كان فيه.
ويدل على صحة ذلك ما ثبت عن ابن عباس - رضي الله
عنهما - قال: ((كانوا يرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور
في الأرض، يقولون: إذا برأ الدبر(٢)، وعفا الأثر، وانسلخ صفر حلت
العمرة لمن اعتمر، وكانوا يسمون المحرم صفراً. قدم النبي - الهرم -
لصبح رابعة، مهلين بالحج، فأمرهم النبي - وَالفر - أن يجعلوها عمرة،
فتعاظم ذلك عندهم، فقالوا: يا رسول الله، أي الحل؟ قال: الحل
كله)) - يعني: يحلون من كل شيء - أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح(٣).
ذكر حجج من اختار القِران ورآه أفضل:
عند أبي داود / عن ابن حنبل عن هشيم(٤) عن يحيى بن أبي [نهاية ١/١٠٠]
إسحاق(٥)، وعبدالعزيز بن صهيب، وحميد (عن)(٦) أنس - رضي الله
(١) ينظر: جامع الأصول ٣/ ١٢٧ - ١٣٤، رقم ١٤١٣.
(٢) قال ابن حجر: ((برأ الدبر: بفتح الباء، هو الجرح الذي يكون على ظهر
البعير))، تفسير غريب الحديث ص ٨٩.
(٣) البخاري ك/ الحج، ب/ الإفراد والتمتع والقِران ٢/ ٢٨٠، رقم ١٥٧، ومسلم ك/
الحج، ب/ جواز العمرة في أشهر الحج ٩٠٩/٢، رقم ١٢٤٠/ ١٩٨ - ١٩٩.
(٤) في (ب): ((هشام)).
(٥) هو يحيى بن أبي إسحاق الحضرمي، مولى للحضارة، يروى عن أنس بن
مالك، وهو أخو عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي المقرىء النحوي. روى
عنه شعبة، والثوري. مات سنة ١٣٦ هـ. وقيل: إنه مات سنة ١٣٢ هـ.
الثقات ٥٢٤/٥.
(٦) في النسخ ((بن))، والتصحيح من سنن أبي داود.
١٥٥

عنه -: (سمعت رسول الله - وَل قوله - يلبي بالحج والعمرة جميعاً، يقول:
لبيك عمرة وحجاً، لبيك عمرة وحجاً). وفي رواية يحيى بن يحيى
عن هشيم بمثله، إلا أنه قال: ((سمعت رسول الله - وَ لّ - أهل بهما
جمیعاً))(١).
أخرجه مسلم في الصحيح عنه (٢).
وبهذا المعنى رواه وهيب عن أيوب عن أبي قلابة(٣) عن أنس،
وخالفه حماد بن زيد عن أيوب (٤) وهو أحفظ - فرواه عن أيوب عن
أبي قلابة في هذا الحديث قال: ((سمعهم يصرخون بهما جميعاً: الحج
والعمرة)) .
قال سليمان بن حرب: ((سمع أبو قلابة هذا من أنس - رضي الله
عنه - وهو فقيه، في روايته أن أنساً إنما سمع أصحاب النبي - وَلتر -
يصرخون بذلك، وهم كل من جمع منهم بين الحج والعمرة)). وقد
ذكرنا هذا في كتاب السنن مشروحاً (٥).
حديث معاذ بن معاذ عن شعبة عن مسلم القري، سمع ابن
عباس - رضي الله عنهما - يقول: ((أهل النبي - وَ ال ــ بعمرة، وأهل
الصحابة بحج، فلم يحج النبي - وَّر، ولا من ساق الهدي من
(١) أبو داود ١٥٧/٢، رقم ١٧٩٥، ورواه النسائي ١٤٨/٥، رقم ٢٧٢٢، وابن
ماجه ٩٨٩/٢، رقم ٢٩٦٨، و٢٩٦٩، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن
ماجه ١٦٤/٢، رقم ٢٤٠٢، و٢٤٠٣.
(٢) مسلم ك/ الحج، ب/ إهلال النبي - ◌َ﴾ - ٩١٥/٢، رقم ٢١٤ (١٢٥١)،
وفي ك/ الحج ب/ في الإفراد والقِران بالحج والعمرة ٩٠٥/٢، رقم ١٨٥
(١٢٣٢).
(٣) هو أبو قلابة عبد الله بن زيد الجرمي، ثقة، كثير الإرسال، لم يسمع من
النعمان بن بشير.
ينظر: تاريخ ابن معين ١٥٩/٤، وتهذيب التهذيب ٢٢٤/٥.
(٤) السنن الكبرى للبيهقي ٥/ ٩ - ١٦.
١٥٦

أصحابه، وحل بقيتهم، وكان طلحة بن عبيدالله ممن ساق الهدي،
فلم يحل)). رواه مسلم في الصحيح عن عبيد الله بن معاذ(١)،
وعن بُندار(٢) عن غندر(٣) عن شعبة، إلا أن فيه: ((وكان ممن لم
يكن معه الهدي طلحة بن عبيدالله - رضي الله عنه - ورجل آخر
فأحلا))(٤).
وخالفهما روح بن عبادة، وأبو داود الطيالسي فروياه عن شعبة
بهذا الإسناد يقول: ((أهل رسول الله - (98 - بالحج))، وذكر الحديث
(١) عبيدالله بن معاذ، عم عبد الرحمن بن خبيب الجهني، سماه ابن مندة في
روايته. تهذيب التهذيب ٦٨/٧.
(٢) هو محمد بن بشار بن عثمان بن داود بن كيسان، أبو بكر العبدي، البصري،
بندار. ولد سنة سبع وستين ومائة. حدث عن يزيد بن زريع، ومعتمر بن
سليمان، ومرحوم بن عبد العزيز العطار، وغندر، وخلق سواهم.
وروى عنه الستة، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وإبراهيم المزي، وخلق.
قال العجلي: ثقة كثير الحديث. وقال أبو حاتم الرازي: صدوق. وقال
النسائي: بندار صالح لا بأس به.
مات سنة ٢٥٢ هـ
الجرح والتعديل ٢١٤/٧، وتذكرة الحفاظ ٢/ ٥١١، وميزان الاعتدال ٤٩٠/٣،
وسير أعلام النبلاء ١٢/ ١٤٤، وشذرات الذهب ١٢٦/٢.
(٣) هو محمد بن جعفر، أبو عبد الله الهذلي، مولاهم، البصري، الكرابيسي، أحد
المتقنين. ولد سنة بضع عشرة ومائة. روى عن حسين المعلم، وابن جريج،
وغيرهم، وعن شعبة فأكثر عنه، وجود وحرر. وروى عنه علي بن المديني،
ويحيى بن معين، وابن راهويه، وأبو بكر ابن أبي شيبة، ومحمد بن بشار
بندار، وخلق كثير.
قال يحيى بن معين: كان أصح الناس كتاباً، وأراد بعض الناس أن يخطىء
غندرا فلم يقدر. قال الذهبي: اتفق أرباب الصحاح على الاحتجاج بغندر.
وكانت وفاته سنة ثلاث وتسعين ومائة، وهو في عشر الثمانين.
طبقات ابن سعد ٢٩٦/٧، والتاريخ لابن معين ٥٠٨، والتاريخ الكبير ١/ ٥٧،
وسير أعلام النبلاء ٩٨/٩، وتهذيب التهذيب ٩٦/٩.
(٤) مسلم ك/ الحج، ب/ في متعة الحج ٩٠٩/٢، رقم ١٢٣٩/ ١٩٦، وأبو داود
١٦٠/٢، والنسائي ١٨١/٥، والبيهقي في السنن الكبرى ١٨/٥.
١٥٧

بمثله، ولم يقولا: ((أهل بعمرة))(١).
وفي حديث روح أن طلحة لم يسق الهدي فحل. وفي حديث
أبي داود: وكان طلحة ممن معه الهدي(٢).
ورواية من قال: ((أهل بالحج)) أشبه؛ لموافقة رواية أبي العالية
البراء (٣)، وابن حسان عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في
إهلاله - ﴾ - بالحج.
وعن حميد عن بكر عن أنس - رضي الله عنه - قال: ((سمعت
النبي - وَل ﴿ ــ يلبي بالحج والعمرة جميعاً)). قال حميد: قال بكر:
فحدثت بذلك ابن عمر - رضي الله عنهما - فقال: لبى بالحج وحده،
فلقيت أنساً فحدثته بقول ابن عمر، فقال أنس: ما تعدوننا إلا صبياناً!
سمعت رسول الله - * - يقول: ((لبيك حجاً وعمرة)). أخرجه
البخاري ومسلم في الصحيح (٤).
وروى الثقات عن زيد بن أسلم وغيره أن رجلاً أتى ابن عمر -
(١) مسند أبي داود الطيالسي ص ٣٦١، رقم ٢٧٦٣، وينظر: السنن الكبرى
للبيهقي ١٨/٥.
(٢) مسند أبي داود الطيالسي ص ٣٦١، رقم ٢٧٦٣.
(٣) هو أبو العالية البراء البصري، مولى قريش، قيل: اسمه زياد بن فيروز، وقيل:
ابن أذنيه، وقيل: أذينة، وقيل: إن أذينة لقب، اسمه كلثوم. روى عن ابن
عباس، وابن عمر، وابن الزبير، وأنس، وطلق بن حبيب، وعبد الله بن
الصامت، وغيرهم. وعنه أيوب، وبديل بن ميسرة، ومطر الوراق، والحسن بن
أبي الحسناء، وغيرهم.
قال أبو زرعة: ثقة، وقال العجلي: بصري تابعي ثقة، وذكره ابن حبان في
الثقات.
مات سنة ٩٠ هـ.
ينظر: الثقات ٦٠/٤، وتهذيب التهذيب ١٦٠/١٢.
(٤) البخاري ك/ الحج، ب/ رفع الصوت بالإهلال ٢٧٣/٢، رقم ١٤١، ومسلم
ك/ الحج، ب/ إهلال النبي - 98، ٩١٥/٢، رقم ١٢٥١ (٢١٤ - ٢١٥).
١٥٨

رضي الله عنهما - فقال: ((بم أهل رسول الله - وَ لـ؟)) قال: ((ألم
تأت(١) العام الأول؟)) قال: ((بلى، ولكن أنس بن مالك - رضي الله
عنه - زعم أنه قرن)). قال ابن عمر: ((إن أنس بن مالك كان يدخل
على النساء وهن مكشفات الرؤوس، وإني كنت تحت ناقة
رسول الله - رَّ﴾ - يمسني لعابها، أسمعه يلبي بالحج))(٢).
وعن قتادة قال: ((سألت أنساً - رضي الله عنه - (كم حجة)(٣)
حجها النبي، بَ﴿؟ قال: حجة واحدة، واعتمر عمرته التي صده
المشركون عن البيت، وعمرته حين صالحوه، فدخل من (٤) العام
المقبل، وعمرته في ذي القعدة حين قسم غنيمة حنين، وعمرته في
حجته)). أخرجه البخاري في الصحيح، ومسلم، قال: ((مع حجته))(٥).
وروي ذلك في حديث عائشة، وابن عباس - رضي الله عنهم -
ولم يخرج في الصحيح. أما حديث عائشة - رضي الله عنها - فذكره(٦)
عنها مجاهد، وقد اختلف في سماعه منها، فشعبة ينكره، والبخاري
ومسلم يثبتانه(٧)، والله أعلم.
(١) في النسخ: ((تأتي)) بالياء، والتصحيح وفق ما تقتضيه قواعد اللغة.
(٢) السنن الكبرى للبيهقي ٩/٥، وبذيله الجوهر النقي، قال فيه: ((إن ابن عمر
روى القِران، وبين ابن عمر وأنس سنة واحدة، وعمر أنس في حجة الوداع
تسعة عشر عاماً).
(٣) في النسخ: (كم من حجة))، وظاهر العبارة أن ((كم)) هنا للاستفهام، و((من)) إنما
تدخل على ((كم) الخبرية، وعليه تم التصويب.
(٤) في الأخريين: ((إلى)).
(٥) البخاري ك/ الحج، ب/ كم اعتمر النبي - * - ١٦/٣، رقم ٣٥٥ - ٣٥٦،
ومسلم ك/ الحج، ك/ بيان عدد عمر النبي - * - وزمانهن ٩١٦/٢، رقم
٢١٧/١٢٥٣.
(٦) في الأخريين: ((فرواه)).
(٧) ينظر: السنن الكبرى للبيهقي ١٣/٥، وزاد المعاد لابن القيم، تحقيق الأرناؤوط
٢ / ٩٠ - ١٠١.
١٥٩

وروى زيد بن الحُباب(١) عن الثوري عن جعفر بن محمد عن
أبيه عن جابر - رضي الله عنه - قال: ((حج النبي - رَّ - حجتين قبل
أن يهاجر، وحج بعد ما هاجر حجة قرن معها عمرة)»(٢).
وكذا رواه غير واحد عن زيد بن الحباب، وكأنه أراد بذلك -
والله أعلم، إن صح - الجمع بينهما في سنة واحدة، لا في عقد
واحد؛ فقد روينا عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر - رضي الله
عنهما - الحديث الطويل المشهور في إخباره عن حجة
رسول الله - رَ ال ـ وأنه كان مفرداً.
وقد قال أبو عيسى الترمذي: ((سألت البخاري عن هذا الحديث
فقال: هذا حديث خطأ، وإنما روي هذا عن الثوري مرسلاً(٣))(٤).
وقال البخاري: ((وكان زيد بن الخطاب إذا روى حفظاً ربما غلط في
الشيء)).
وعن داود بن عبد الرحمن(٥) عن عمرو عن عكرمة عن ابن
(١) هو زيد بن الحُباب - بضم المهملة وموحدتين - أبو الحسين العُكري - بضم
المهملة وسكون الكاف ـ أصله من خراسان. ولد في حدود الثلاثين ومائة،
وكان بالكوفة، ورحل في الحديث فأكثر، وهو صدوق يخطىء في حديث
الثوري، وثقه علي بن المديني وغيره، من التاسعة. مات سنة ثلاث ومائتين.
روى له مسلم والأربعة.
ينظر: سير أعلام النبلاء ٣٩٣/٩، وتذكرة الحفاظ ١/ ٣٥٠، وتقريب التهذيب
٢٧٣/١، وتهذيب التهذيب ٤٠٢/٣.
(٢) رواه الترمذي ١٦٩/٣، رقم ٨١٥، وابن ماجه ١٠٢٧/٢، رقم ٣٠٧٦، وأحمد
٤٤/٤، رقم ٢٢١١ (تحقيق شاكر)، والدارقطني ٢٧٨/٢، رقم ١٩٥.
(٣) في النسخ: ((مرسل))، وهي خطأ.
(٤) سنن الترمذي ٣/ ١٦٩ - ١٧٠.
(٥) هو داود بن عبد الرحمن العطار، المكي، ثقة مشهور، وقال الحاكم: قال ابن
معين: ضعيف الحديث. قال الأزدي: يتكلمون فيه. وذكره ابن حبان في
الثقات.
الثقات ٢٨٦/٦، والمغني في الضعفاء ٣١٩/١.
١٦٠