Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
فنون العجائب
= مجموعة أجزاء حديثية
سليمان بن عبدالرحمن ابن بنت شرحبيل، حدثنا إسماعيل بن
عيّاش، عن يحيى بن أبي عمرو السَّيباني، عن عبدالله بن الديلمي
قال: أتى رجلٌ ابنَ عباس، فقال:
بلغنا أنك تذكر سطيحاً، تزعم أن الله عز وجل خلقه ولم يخلق
من ولد آدم شيئاً يشبهه؟!
قال: نعم! إن الله عزَّ وجل خلق سطيحاً الغساني لحماً على
وضم - والوضم: شراح من جريد - وكان يحمل على وضمه،
فيؤتى به حيث يشاء، ولم يكن فيه عظم ولا عصب إلا الجمجمة
والكفين، وكان يُطوى من رجليه إلى ترقوته، كمايُطوى الثوب، ولم
يكن فيه شيء يتحرك إلا لسانه، فلما أراد الخروج إلى مكة، حُمل
على وضمه، فأتي به مكة، فخرج إليه أربعة من قريش :
عبد شمس، عبد مناف ابنا قُصيّ، والأحوص بن فهر، وعقيل
ابن أبي وقاص انتموا إلى غير نسبهم.
وقالوا: نحن أناس من حج أتيناك لما بلغنا قدومك، ورأينا أَنّ
إتياننا إياك حقّ لك، واجب علينا، وأهدى إليه عقيل صفيحة هندية
وصعدة ردينيّةً، فوُضعت على باب البيت الحرام لينظروا؟ هل يراهما
سطيح أم لا .
وروايته هنا عن يحيى بن أبي عمرو السَّيباني، وهو حمصي، ثقة، روايته عن الصحابة
=
مرسلة، كما في ((التقريب)) (٧٦١٦) وابن الديلمي هو عبدالله بن فيروز الديلمي، ثقة من كبار
التابعين، ومنهم من ذكره في الصحابة، كذا في ((التقريب)) (٣٥٣٤).
أخرجه ابن العديم في ((بغية الطلب)) (١/ ٥٢٠) من طريق المصنف به. وعلقه ابن
عبدربه في ((العقد الفريد)» (٢٨/٢-٣٠) عن جرير بن حازم عن عكرمة عن ابن عباس بنحوه.

١٤٢=
:فنون العجائب
مجموعة أجزاء حديثية =
فقال: يا عقيل ناولني يدك، فناوله يده.
فقال: يا عقيلُ: والعالم الخفية! والغافر الخطيّة! والذمة الوفية!
والكعبة المبنية! إنك الجاي بالهدية، الصَّفيحة الهندية، والصَّعدة
الردينيّة .
فقالوا: صدقت يا سطيح.
فقال: والآتِ الآت بالفرح! وقوس قزح! وسائر الفرح!
والحطيم المنبطح! والنخل والرطب والبلح! إن الغراب حيث مرّ
سلح، فأخبر أن القوم ليسوا من جمح، وإن نسبهم في قريش ذي
البطح.
قالوا: صدقت يا سطيح، نحن أهل البلد الحرام أتيناك لنزورك
لما بلغنا من علمك، فأخبرنا عما يكون في زماننا، وما يكون بعد أن
يكن عندك في ذلك علم.
قال: الآن صدقتم، خذوا مني من إلهام الله عز وجل إياي،
أنتم يا معشر العرب في زمان الهرم، سواء بصائركم وبصيرة العجم،
لا علم عندكم ولا فهم، وينشىء من عقبكم ذو فهم، يطلبون أنواع
العلم، يكسرون الصَّنم، يبلغون الرَّدم، يقتلون العجم، يطلبون
الغنم .
قالوا: يا سطيح، مَمنْ يكون أولئك؟
فقال لهم: والبيت ذي الأركان! والأمن والسكان! لينشأن من
عقبكم ولدان، يكسرون الأوثان، وينكرون عبادة الشيطان،
ويوحُدون الرحمن، وينشرون دين الدِّيَّان، يشرفون البنيان،

١٤٣
فنون العجائب =
= مجموعة أجزاء حديثية
ويستفتون العُميان.
قالوا: يا سطيحُ!، من نشوْءٌ مَن يكون أولئك؟
قال: وأشرف الأشراف! والمحصي الإسراف! والمزعزع
الأحقاف! والمضعف الأضعاف! لينشأن آلاف من عبدشمس ومناف،
نشوء يكون فيهم اختلاف.
قالوا: يا سوأتاه! يا سطيحُ! مما تخبر من العلم بأمرهم، ومن
أي بلد يخرج أولئك؟ .
فقال: والباقي الأبد! والبالغ الأمد! ليخرجن من ذي البلد نبيّ
يهدي إلى الرَّشد، يرفض يغوث والفند، يبرأ من عبادة الصَّدد، يعبد
رباً انفرد، ثم يتوفيه الله محموداً، من الأرض مفقوداً، وفي السماء
مشهوداً، ثم يلي أمره الصِّديق، إذا قضى صدق، في ردِّ الحقوق لا
خرق ولا ترق، ثم يلي أمره الحنيف مُحربٌ غطريف، يترك قول
العنيف، قد صاف المصيف وأحكم التجنيف.
ثم يلي أمره وازع لأمره مُجرّبٌ، فيجتمع له جموع وعُصبُ،
فيقتلونه نقمة عليه، وغضباً، فيؤخذ الشيخ، فيذبح إرباً، فيقوم به
رجال خطباً - يعني: عثمان رضي الله عنه - .
ثم يلي أمره الناصر، يخلط الرأي برأي باكر، يظهر في الأرض
العساكر - يعني: معاوية رضي الله عنه - .
ثم يأتي بعده ابنه يأخد جمعه، ويقل حمده، ويأخذ المال،
ويأكل وحده، ويكثر المال لعقبه من بعده.
ثم يلي بعده عدة ملوك، الدَّم لا شك فيهم مسفوك.

١٤٤ = فنون العجائب
مجموعة أجزاء حديثية =
ثم يلي من بعده الصّعلوك، يطأهم كطية الدرنوك - يعني: أبا
العباس - .
ثم يلي من بعده عصفور يقصي الخلق ويدني نفراً يفتح الأرض
افتتاحاً منكراً - يعني: أباجعفر -.
ثم يلي قصير القامة، بظهره علامة، يموت موتاً وسلامة -
يعني : المهدي -.
ثم يلي أمره قليل ماکر، يترك الملك باکر.
ثم يلي أخوه بسنته سائر، يختصّ بالأموال والمنابر.
ثم يلي أمره من بعده أهوج، صاحب دنيا ونعيم محتلج،
شاوره تنادره ومعاشره ودودة ينهضون إليه يخلعونه، يأخذون الملك
ويقتلونه .
ثم يلي أمره من بعده السابع، يترك الملك مخلاً ضائع، يثور في
ملكه كل مشوه جائع، عند ذلك يطمع في الملك كل عرثان.
ويلي أمره الصبيان، يرضي نزاراً بجمع قحطان، إذا التقى
بدمشق جمعان، بين بيسان ولبنان، تصنف اليمن يومئذٍ صنفان :
صنف المشوه، وصنف المحذول، لا يرى إلا خباء محلولاً، وأسيراً
مغلولاً، بين الفرات والجبّول، عند ذلك تخرب المنازل، وتسلب
الأرامل، وتسقط الحوامل، وتظهر الزلازل، وتطلب الخلافة وائل،
فيغضب نزار، ويدني العبيد والأشرار، ويقصي النساك والأخيار،
وتغلوا الأسعار في صفر الأسفار بقتل كل جبَّار، ثم يسيرون إلى
خنادق وأنهار، ذات أسفالٍ وأشجار، يصمد لهم الأغمار، يُهزمهُم

١٤٥
فنون العجائب
مجموعة أجزاء حديثية
=
أوَّل النهار، فيظهر الأخيار، فلا ينفعهم نوم ولا قرار، حتى يدخُل
مصراً من الأمصار، فيدركه القضاء والأقدار.
ثم يجيء الرَّماة تَلُفُّ مُشاة بقتل الكماة، وأسر الحماة، ومهلك
الغواة، هناك يدرك في أعلى المياه.
ثم يثور الدين، وتتقلب الأمور، ويكفر الزّبُور، ويقطعُ
الجسور، فلا يُفْلِتُ إلا من كان في جزائر البحور.
ثم يثور الجريب، ويظهر الأعاريب، ليس فيهم صعيب على
أهل الفسق والمريب، في زمان عصيب، لو كان للقوم حياً، وما
يغني المنا.
قالوا: ثم ماذا يا سطيح؟
قال: يظهر رجل من أهل اليمن أبيض كالشطن، يذهب الله عز
وجل على رأسه الفتن.
ذكر رؤيا كسرى وعبارة سطيح من قيلة العجيب
[٦٩] - أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمود بن عبدالله الفقيه
المروزي بها، حدثنا أبو بكر عبدالله بن سليمان بن الأشعث، حدثنا
علي بن حرب، حدثنا يعلى بن النعمان البجلي، حدثنا مخزوم بن
(٦٩) أخرجه ابن جرير في ((تاريخه)) (١٦٦/٢-١٦٨) والخرائطي في «هواتف الجِنَان))
(١٦) قالا: حدثنا علي بن حرب حدثنا أبو أيوب يعلى بن عمران البَجَلي به، وفي إسناده
مخزوم، لم أظفر به.
وتابعهما جمع، فرووه عن علي بن حرب.

=فنون العجائب
١٤٦
= مجموعة أجزاء حديثية =
هاني المخزومي، عن أبيه - وكانت له عشرون ومئة سنة - قال:
لَا وُلُد رسول الله وَخَلّ أرتَجَسَ إيوانُ كِسرى، وسقطت منه
أربعَ عَشْرة شُرْفةً.
وخمدت نارُ فَارسَ، ولم تخمد قبل ذلك بألف سنة.
أخرجه الأزهري في ((تهذيب اللغة)» (٢٧٦/٤-٢٧٨) والخطابي في ((الغريب))
=
(٦٢٢/١-٦٢٤) والبيهقي في ((الدلائل)) (١٢٦/١-١٢٩) وأبو نعيم في (الدلائل)) (١/ ١٧٣)
رقم (٨٢) وأبو القاسم الحنَّائي في ((الجزء السابع)) من ((فوائده)) (ق١١٠/أ) رقم (١٧) وابن
أبي الدنيا - ومن طريقه: ابن الجوزي في ((المنتظم)) (٢٤٩/٢ -٢٥٠) - وابن السُّن في ((معرفة
الصحابة)) - كما في ((الإصابة)) (٥٢٤/٦) وفتح الباري (٦/ ٥٨٤) - وابن عساكر في ((تاريخ
دمشق)) (١٠/ ق٣٠٩/ ب) أو (٣٧/ ٣٦١ - ٣٦٣ / ط دار الفكر) من طرق عن علي بن
حرب.
قال أبو القاسم الحنائي عقبه:
((هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث مخزوم بن هانيء المخزومي عن
أبيه، تفرّد به أبو أيوب يعلى بن عمران البجلي، ماكتبناه إلا من هذا الوجه، وهو يدخل في
دلائل نبوَّةٌ نبينا ◌َّهِ)).
وقال الأزهري أيضاً: ((وهو حديث حسن غريب»!
(تنبيه) وقع عند المصنف: ((يعلى بن النعمان، وعند غيره ((يعلى بن عمران)) و((ابن
النعمان)) مترجم في ((الجرح والتعديل)) (٣٠٤/٢/٤) و ((التاريخ الكبير)) (٤١٨/٢/٤) ووثقه
ابن معين في ((تاريخه)) (رقم ١٤٦٨ - رواية الدُّوري)، فلعله المذكور هنا.
لعل من حكم بحُسنه؛ فلشواهده! وإلا فقد أورده الذهبي في ((السيرة النبوية))
(ص١١-١٤ - ط القدسي) وقال: ((هذا حديث منكر غريب)).
وقال ابن خلدون في ((مقدمته)) (ص ١٠٨): ((ومن مشهور الحكايات عن سطيح وشق
تأويل رؤيا ربيعة بن نصر وما أخبرا به من ملك الحبشة لليمن، وملك مضر من بعدهم،
وظهور النبوة المحمدية في قريش، ورؤيا الموبذان التي أوّلهاسطيح لما بعث إليه بها كسرى
عبدالمسيح، فأخبره بشأن النبوة، وخراب ملك فارس، وهذه كلها مشهورة)).
قلت: والقصة مشهورة في كتب اللغة والأدب، انظر - على سبيل المثال - : ((الأزمنة
والأمكنة)) (١٩٦/٢ - ١٩٨) و((التذكرة الحمدونية)) (١٠/٨ - ١٢) و((نهاية الأرب)) (١٢٨/٣
- ١٣٠) و((لسان العرب)) مادة (كهن) و((العقد الفريد)) (٢٩٤/١).

١٤٧
فنون العجائب
= مجموعة أجزاء حديثية
ورأى المُوْبَذَان(١) كأنَّ إبلاً صِعَاباً، تقود خَيلاً عِراباً، حتَّى
عَبَرَتْ دِجْلَة، وانتشرت في بلاد فارس ولم تخمد قبل ذلك.
فلما أصبح كسرى أفزعه ما رأى، فتصبر عليه تشجعاً، ثم رأى
أنه لا يستر ذلك عن وزرائه ومرازبته، فتجلد(٢) کسری، وجلس
على سرير ملكه، ولبس تاجه، وأرسل إلى الموبذان.
فقال: يا موْبذان! إنه سقط من إيواني أربَعَ عشرة شُرْفةً،
وخمدت نار فارس، ولم تخمد قبل اليوم بألف عام.
فقال: وأنا أيها الملك قد رأيت كأن إبلاً صعاباً تقودُ خيلاً عِراباً
حتى عبرت دجلة وانتشرت في بلاد فارس.
فقال: فما ترى ذلك يا مُوْبَذَان - وكان رأسهم في العلم -؟
يعني: أي شيء یکون هذا.
قال: حَدَث يكون من قبل العرب
فکتب حينئذ کسری :
((من كسرى ملك الملوك إلى النعمان بن المنذر أن ابعث إليّ
رجلاً من العرب یخبرني بما أسأله عنه)).
فبعث إليه عبدالمسيح بن حيَّان بن بقيلة، فقال له: يا عبد
المسيح، هل عندك علم بما أريد أن أسألك عنه؟
قال: يسألني الملك، فإن كان منه علم أعلمته، وإلا فأعلمته بمن
(١) قاضي المجوس، كما في ((النهاية)) (٤ / ٣٦٩).
(٢) أي: تصبّر، وأظهر الجَلاَدَةَ من نفسه.

١٤٨ = فنون العجائب:
مجموعة أجزاء حديثية =
عِلْمُهُ عنده. فأخبره به.
فقال: علمه عند خال لي يسكُنُ مَشَارِفَ الشام، يقال له:
سطیح.
قال: فاذهب إليه، وَسَلْه، فأخبرني بما يخبرك به.
فخرج عبدالمسيح حتى قدم على سطيح، وهو مشرف على
الموت.
قال: فسلم عليه وحيَّاهُ بتحيّةِ الملك، فلم يجبه سطيح.
فأقبل يقول :
أَم فاز(٢) فازلمَّ(٣) به شَأْوُ العَنَنْ(٤)
أَصَمّ أم یَسْمعُ غِطْرِيف(١) اليمن
النَّابِ صَرَّارُ الأُذُنْ
٥٠ . (٥)
أزْرَق بَهْمْ"
وأمُّه من آل ذئبِ بن حَجَنْ
رسولُ قَيْل(٧) العُجمِ يَسْرِي لِلوَسَنْ(٨)
أبيضُ فَضْفَاضُ(٦) الرِّدَاءِ والبَدَنْ
(١) الغطريف: السيد.
(٢) أي: مات.
(٣) أي: قبض.
(٤) الشَّأَوَ: السِّباق، والعنن: الموت، يريد: عرض له الموت فقبضه.
(٥) صوابه ((مُمْهِي النَّاب)) كما سيأتي في التعليق على (٧٤).
(٦) أي: الواسع، وسعة الرداء والبَدَن: كناية عن سعة الصَّدْر وكثرة العطاء.
(٧) القَيل: الملك.
(٨) يعني : للرؤيا التي رآها.

١٤٩
= فنون العجائب -
مجموعة أجزاء حديثية
=
يَجَوَبُ(١) بي الأرضَ عَلَنْدَاةٌ(٢) شَزِنْ(٣)
لا يَرْهَبُ الرَّعْدُ ولارَيبَ الزَّمَن
و وه (٤)
حتى أَنَّى عارِي الْجَاجِي(٥) والقَطَنْ(٦)
ترفعني وُجْنٌ وتهوي بي وجن
كأنَّما حُتْحِثَ مِنْ حِضْنَي ثَكَنْ.
يَلْفُّه في الرِّيحِ بَوْغَاءِ(٧) الدَمَنْ
قال: فرفع رأسه إليه.
وقال: عبدالمسيح يهوي إلى سطيح! وقد أوفى على
الضريح (٨)! بعثك ملك ساسان لارتجاس الإيوان، وخمود النيران،
ورؤيا الموبذان، رأى إبلاً صعاباً تقود خيلاً عِراباً، قد قطعت دجلة
وانشرت في بلاد فارس.
يا عبدالمسيح! إذا ظهرت التلاوه وغارت بُحَيْرة سَاوهْ، وفاض
وادي السَّمَاوَهْ، وخرج صاحِب الهِراوَهْ، فليست الشَّام بالشَّام يَمْلِكُ
منهم ملوكٌ وملكاتٌ على عدد الشَّرُفات، وكل ما هو آت آت.
ثم مات، فقام عبدالمسيح وهو يقول:
(١) أي: يقطع.
(٢) أي: صُلبَة .
(٣) أي: قد أعْى من الحَّفَا.
(٤) الوُجْن: الأرض الغليظة، يقول: لم يزل هذا البعير يرفعني مرة ويخفضني مرة.
(٥) أي: عظام الصدر.
(٦) أي: ما بين الوركين.
(٧) أي: دُقاق التراب.
(٨) أي: أشرف على القبر.

١٥٠ - فنون العجائب
= مجموعة أجزاء حديثية =
لا يُفْزِعَنَّكِ تَشْرِيدٌ وَتَغْرِيرُ
شَمِّر فإنك ماضِي الدَّهْرِ شِمِيرٌ
فإن ذا الدهر أطوار دهارير
إن يمس بني ساسان أفرطهم
فَرُبَّما كان قد أَضحْوَا بمنزلة
يَهابُ صَوْلَهُمُ الأُسْدُ المَهَاصِيرُ
منهم أخو الصَّرْحِ بَهِرَامٌ وإخوتَه
والهُرْمُزانُ وَسَابُورٌ وسَابُورُ
والنَّاسُ أولادُ عَلَاتٍ فَمّنْ عَلِمُوا
أن قد أقلَّ فَمَحْفُورٌ ومَهْجُورُ
وهم بنو الأُمِّ أما إنْ رأوا نَشَباً
فذاكَ بالغَيبِ مَحْفوظٌ ومَنْصُورُ
٠٬٠٠
والخَيرُ والشَّرُّ مَجْمُوعانِ في قرنٍ
فالخير مُتّبَعٌ والشَّرُّ مَحْذُورُ
قال: فرجع عبدالمسيح إلى كسرى، فأخبره، فقال كسرى: إلى
أن يملك منا أربع عشرة يكون أمور وأمور.
قال: فملك منهم عشرة في أربع سنين، وملك الباقون بعده.
ذكر رؤيا ربيعة بن نصر اللخمي
وجواب سطيح وشق مما ألهمهما الله
من نَعْتِ النَّبِيِّ
[٧٠] - أخبرنا أبو محمد عبدالله بن حامد بن محمد
(٧٠) المذكور عند ابن هشام في ((السيرة)) (١٤/١-١٨)، ومن طريقه: ابن عساكر في
((تاريخه))، كما في ((سُبُل الهدى والرَّشاد)) (١١٧/١)، ونقله عن ابن إسحاق جماعة، وهو
معضل، وذكر شيئاً من أخبار سطيح الحسنُ بن يعقوب، وعنه أحمد بن عبدالله الرازي =

١١٥١
=
فنون العجائب
= مجموعة أجزاء حديثية
النيسابوي، حدثنا أبو حامد أحمد بن محمد بن الحسن، حدثنا
عبدالله بن عبدالوهاب الخوارزمي، حدثنا خليفة بن خياط، حدثنا
بکر بن سلیمان، حدثنا محمد بن إسحاق بن يسار:
أن ربيعة بن نصر اللخمي ملك من اليمن رأى رؤيا هالته،
وَفَظِعَ بها، فلم يدع في مملكته ساحراً، ولا كاهناً، ولا عايفاً (١) ولا
منجماً إلا جمعهم إليه.
ثم قال لهم: إني قد رأيت رؤيا هالتني، وفُظِعْتُ (٢) بها،
فأخبروني بتأويلها .
قالوا: اقصصها علينا بتأويلها.
قال: إني إن أخبرتكم بها لم أطمئن إلى خبركم عن تأويلها؛
لأنه لا يعرف تأويلها إلا من يعرفها قبل أن أخبره بها .
فقال له رجل: ليبعث الملك إلى سَطِيح وشِقّ؛ فإنه ليس أحد
أعلم منهما فيما أعلم الناس بما سأل عنه.
(١) العيافة: زجر الطير والتفاؤل بأسمائها وأصواتها وممرّها.
(٢) بضم الفاء وفتحها وصوب الخُشَني في ((شرح سيرة ابن هشام)) (ص ٧) الفتح،
يقال: فظِعَ بالشيء إذا رآه أمراً عظيماً.
(ت٤٦٠ هـ) في ((تاريخ مدينة صنعاء)) (ص ٢٤٠).
=
وقال القاضي المعافى النهرواني في ((الجليس الصالح)) (٨/٤): ((أخبار سطيح كثيرة،
وقد جمعها غيرُ واحدٍ من أهل العلم)).
قلت: انظر بعضاً منها في: ((صبح الأعشى)) (٤٥٤/١-٤٥٥) و((الأغاني))
(٤ / ٣٠١ و٣٠٨/١٧) و((بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب)) (٢٨١/٣ وما بعد) وما قدمناه
في آخر التخريج السابق عن ابن خلدون.
٠٠

سد فنون العجائب
١٥٢
مجموعة أجزاء حديثية =
واسم سَطيح: ربيعة بن مسعود بن مازن بن ذئب بن عدي بن
مازن بن غسان، وكان ينسب إلى ذئب، وشق بن صعب بن صعب
ابن يشكر بن رهم بن أفرك بن نذير بن بشير.
فبعث إليهما، فقدم عليه سطيح قبل شق.
فقال له: يا سطيح، قد رأيت رؤيا هالتني وفُظِعْتُ بها،
فأخبرني بها.
قال: نعم، رأيت حُمَمة(١) خرجت في ظُلْمة(٢)، فوقعت في
أرض تَهِمة(٣)، فأكلت منها كل ذات جمجمة (٤)
. قال له الملك: ما أخطأت منها شيئاً يا سَطيح، فما عندك في
تأويلها .
فقال: أحلف بما بين الحَرَّتين من حَنَش(٥)! ليطأنَّ أرضكم
الحبش، فليملكنَّ ما بين أَبْيَنَ (٦) إلى جُرَش(٦).
قال الملك: وأبيك يا سطيح! إن هذا لنا لغائظ موجع، فمتى
هو كائن، أفي زماني أم بعدهُ؟
(١) جمعها حُمَم، وإنما أراد فحمة فيها نار.
(٢) أصلها مسكن، وإنما حُرِّكت للسجع، قال السهيلي: وذلك أن الحُممة قطعة من
نار، وخروجها من ظلمة يشبه خروج عسكر الجيش من أرض السودان.
(٣) بفتح التاء وكسر الهاء، يعني: واسعة منخفضة.
(٤) أي: رأس، ولم يقل: ذي؛ لأنّ القصد النفس والنَّسمة، فهي أعمُّ، ولو جاء
بالتذکیر لکان مختصاً بالإنسان.
(٥) حلف بالحنش - وهي من الحيات -؛ لما يحكى أن الجن تتشكل وتتصوَّر فيها.
(٦) موضعان باليمن .

١٥٣
فنون العجائب
= مجموعة أجزاء حديثية
قال: بل بعده بحين أكثر من ستين إلى سبعين، يمضين من
السنين، [قال: أفيدوم ذلك من ملكهم أم ينقَطع؟ قال: لا، بل
ينقطع لبضع وسبعين]، ثم يُقتلون بها أجمعين، ويخرجون منها
هاربین .
قال الملك: ومن الذي يلي ذلك من قتلهم وإخراجهم؟
قال: يليهم إرَم بن ذي يزن، يخرج عليهم من عدن، فلا يترك
منهم أحداً باليمن.
قال: فيدوم ذلك من سلطانه أم ينقطع؟
قال: بل ينقطع.
قال: وَمَن يقطعه؟
قال: نبيّ زكيّ، يأتيه الوحي من قبل العليّ.
قال: وَمَّنْ هذا النبي؟ .
قال: رجل من غالب بن فهر بن مالك بن النَّضر، يكون الملك
في قومه إلى آخر الدَّهر.
قال: فهل للدهر يا سطيح من آخر؟
قال: نعم، يوم يجمع فيه الأولون والآخرون يسعد المحسنون، .
ويشقى فيه المسیئون.
قال: أحقٌّ ما تخبرني يا سطيح؟.
قال: نعم، والشَّفق والغسق! والفلق إذا اتَّق! إن ما أنبأتُكَ به

١٥٤
لحق.
=فنون العجائب
مجموعة أجزاء حديثية =
فلما فرغ منه قدم عليه شِقٌّ.
فقال: يا شق إنّي قد رأيت رؤيا هالتني وفُظِعْتُ بها، فأخبرني
بتأویلها .
قال: نعم، رأيت حُمَمَة خرجت من ظُلْمة، فوقعت بين روضةٍ
وأكمة، فأكَلَتْ منها كلُّ ذات نسمة.
فلما قال ذلك: عرف أنهما قد اتفقا إلا أن سطيحاً قال: وقعت
بأرض تَهِمة فَأَكَلَتْ منها كلُّ ذات جُمْجمة .
فقال له: ما أخطأت منها يا شِقٍ شيئاً، فما عندك في تأويلها؟
قال: أحلف بما بين الحرتين من إنسان! لينزلنَّ أرضكم
السُّودان، فيغلبن كل ذات طَفْلَة البنان، وليملكُنّ ما بين أبْين إلى
نجران.
قال الملك: وأبيك يا شِق! إنَّ هذا لنا لغائظ موجع، فمتى هو
كائن؟ أفي زماني أم بعده؟.
قال: بل بعده بزمان، ثم يستنقذكم منهم عظيم ذو شأن،
یُذیقهم أشد الهوان.
قال: ومن هذا العظيم الشأن؟ .
قال: غلام ليس بدنيّ ولا مُزن (١)، يخرج عليهم من بيت ذي
(١) بصيغة اسم الفاعل، المقصِّر في الأمور، أو الذي يتبع خسيسها، وفي
((النهاية)): ((مزن)) من أزننته بكذا: أي: اتهمتُه به.

١٥٥
فنون العجائب =
= مجموعة أجزاء حديثية
یزن .
قال: وهل يدوم سلطانه أو ينقطع؟.
قال: بل ينقطع برسول مرسل، يأتي بالحق والعدل بين أهل
الدِّين والفضل، يكون الملك في قومه إلى يوم الفَصْل.
قال: وما يوم الفصل؟ .
قال: يوم يُجْزَى فيه الولاة، ويُدعى فيه من السَماء بِدَعَوات،
فَتَسمَعُ الأحياء والأموات، وتجمع فيه الناس للميقات، يكون فيه لمن
اتقى الفوز والخيرات.
قال: حقاً ما تقول يا شقُ؟.
قال: أي ورب السماء والأرض وما بينهما من رَفْعِ وخفْضٍ!
إن ما أنبأتك لحق ما فيه أمْض(٢) .
فوقع في نفسه إن الذي قالا لكائن.
(٢) قال ابن هشام: ((أمض)) يعني: شَكّاً، هذا بلغة حمير، وقال: أبو عمرو: أَمض،
أي باطل.

١٥٦
دفنون العجائب
P M 8 0 مجموعة أجزاء حديثية=
حديث أسد بن هاشم مع خصمه
[٧١] - أخبرنا علي بن عبدالله بن يوسف بن شكرة، حدثنا أبو
حامد أحمد بن جعفر بن سعيد، حدثنا أحمد بن عمرو بن العباس
ابن عبيدة العضفري، حدثنا عبدالله بن هارون بن أبي عيسى، حدثنا
أبي، عن حاتم بن أبي صغيرة، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن
عباس :
أن أسد بن هاشم كانت له بئر على شط البحر يَرعى بها غنمه
قد غلبها زماناً، ثم استنفر عنها، فتركها وانحدرإلى مكة، فاندفنت
تلك البئر، فمر بها رجل من خزاعة فقال:
لقد كانت هذه بئر مُتركة، فلو عالجتها .
قال: فحفر، فأصاب ماءً كثيراً، فأعجبه المنزل، وأقام بها، فبينا
هو كذلك إذ أتى أسد بن هاشم.
قد غلبها زماناً، ثم استنفر عنها، فتركها وانحدرإلى مكة،
فاندفنت تلك البئر، فمر بها رجل من خزاعة.
فقال: لقد كانت هذه بئر مُتركة، فلو عالجتها.
قال: فحفر، فأصاب ماءً كثيراً، فأعجبه المنزل، وأقام بها، فبينا
هو كذلك إذ أتى أسد بن هاشم.
(٧١) إسناده ضعيف جداً، بل واهٍ.
أحمد بن جعفر بن سعيد أبو حامد الأشعري الُلحَمي فيه ضعف، ولم يُترك، كما في
((الميزان)) (٨٧/١) - ورواية سماك عن عكرمة مضطربة، قال شعبة: ((كانوا يقولون لسماك:
عكرمة عن ابن عباس: فيقول: نعم، فأما أنا فلم أكن أُلقِّنه)) أنظر: ((الميزان)) (٢٣٣/٢)،
ونحو القصة في ((تاريخ اليعقوبي)) (٢٤٩/١ - ٢٥٠).

١٥٧
فنون العجائب
: مجموعة أجزاء حديثية
=
فقال للخزاعي: أيُّها الرجُل! إن هذا البئر كانت لي قبلك.
فقال الخزاعي: قد كانت هذا البئر قبلك وقبل آبائك، وقد كان
بعد منذ حين من الدهر وما تدعي إلا باطلاً، فانطلق حتى أخاصمك
إلى من شئت.
فقال له أسد بن هاشم: فانطلق إلى قريش.
فقال له الخزاعي: هم قومك، يقضون لك عليّ، ولكن
أخاصمك إلى سطيح الذبياني.
وكان سطيح الذّبياني رجلاً من غسان.
فقال له أسد بن هاشم: تريد أن تذهب بنا إلى أبعد أرض الله
عز وجل وأسحقه!؟
فقال الخزاعي: لا والله لا أرضى إلا بالذبياني، فانطلقا حتى إذا
صارا بالرحل.
فقال له أسدُ بن هاشم: هل لك أن نخبأ لسطيح خبئاً؟.
فقال له الخزاعي: نعم، ننظر ما عنده، فإن استخرج خبيئنا فهو
الكاهن، فنادى أسدُ بن هاشم ولا يسمع السَّامعُ، إناقد خبأنا لسطيح
خبئاً صیصیةً بقر، ثم سارا غير بعيد.
فقال له أسد بن هاشم: هل لك أن نخبأ له منشار جراد،
نأخذها حتى نجعلها في عَروة المزادة في عُنق مُهر لنا يقال له سوّار بن
العُنق؟ .
فقال له الخزاعي: نعم.

=فنون العجائب:
١١٥٨
مجموعة أجزاء حديثية =
قال: فنادى أسد بن هاشم ألا يستمع سامع، إنا كنا خبأنا
السطيح صيصية بقر، وإنا خبأنا له منشار جرادة في عروة مزادة بين
عنق سوار والقلادة، ثم انطلقا يسيران حتى قدما على سطيح.
فقالا : أتيناك نتحاكم إليك.
فقال لهما سطيح: هاتيا ما عندكما.
فقال له أسد بن هاشم: إنا قد خبأنا لك خبئاً ..
فقال لهما سطيح: تعبثان وتبحثا عما عندي.
قالا : نعم.
قالا: فطمحت عيناه، فنظر.
فقال: ورَبّ الوافدة المحمودة؟
قال: والوافدة المحمودة! إن أهل اليمن كانوا يكتبون في
الشعر، ويريدون بها الكتاب ويسمونها الوافدة. لقد خبأتما لي
صيصية بقر.
قالا : هيهات هيهات.
قال: ذكرتما فيما ذكرتما صيصية بقر، فبما ذكر.
قال: نعم، فطمحت عيناه.
فقال: ولاذ أفهذا منشار جرادة في عروة مزادة بين عنق المهر
والقلادة.
قالا : صدقت.
:

١٥٩
فنون العجائب
= مجموعة أجزاء حديثية
قال: هاتيا ما عندكما.
قال له أسدُ بن هاشم: كانت لي بئر على شاطىء البحر،
اشتريتها، ورعيت بها زماناً، ثم استغنيت عنها، فاندفنت، فمر بها
هذا اخزاعي فحفرها وأصلحها، ثم ادعى أنها له.
فقال الخزاعي: مررت على بئر مندفنة، ففلقتها، وأصلحتها،
فجاء هذا يدعي فيها الباطل.
فنظر سطيح إلى أسد بن هاشم، فقال: ما اسمك؟
فقال: أسد بن هاشم.
قال: وربِّ الحِل والحرم! واللؤم والكرم! لاشتراها ابن هاشم
بعشر من الغنم، فقضاها لأسد.
فقال أسَدُ: اشتريتها بعشر من الغنم ما زادت واحدة ولا نقص.
[٧٢] - أخبرنا سليمان بن أحمد، حدثنا إبراهيم بن محمد بن
الحمصي، حدثنا عمرو بن عثمان، حدثنا بقيةُ بن الوليد، عن عتبة
ابن عبدالله بن خالد بن معدان، عن أبيه عن جده قال:
(٧٢) إسناده واهٍ بمرَّة، بقية مدلس تدليس التسوية، وقد عنعن، وخالد بن معدان ليس
بصحابي، كما قال المصنف، وإنما هو تابعي شامي، روى عن أبي أمامة وغيره، انظر («تاريخ
دمشق)) (٥/ ق٥١٦).
ولم يذكر من الرواة عنه ابنه عبدالله، ولا ذكر ابن قطلوبغا هذا السند في ((من روي
عن أبيه عن جده)) وشيخ الطبراني ليس بمعتمد، كما في ((اللسان)).
قال المعافي النهرواني في ((الجليس الصالح)) (٨/٤): ((ورُوي لنا من بعض الطُرق پاسنادٍ
الله أعلم به أن النبي وَّ سئل ... (وذكر الحديث)).
=

دفنون العجائب
١٦٠
مجموعة أجزاء حديثية =
عن سطح، قال: ((نبي ضيعه قومُه)).
صَلى الله
سئل رسول الله
وسام
قال بقيّة: واسم سطيح: نعيم بن ربيعة بن مسعود من بني
الذئب، بطن من غسان من الأزد.
قال الشيخ أبو سعيد رحمه الله: خالد بن معدان ليس
بصحابي.
[٧٣] - أخبرنا سليمان بن أحمد، حدثنا أحمد بن مطير
الرّملي، حدثنا محمد بن أبي السّري العسقلاني، حدثنا ضمرة بن
الربيعة، عن رجاء بن أبي حثمة قال:
قيل لسطيح الذبياني: من أين لك هذا العلم؟
قال: من أخ لي، هذا الوحي بطور سيناء.
بينما قال ابن كثير في ((البداية والنهاية)) (٢٧١/٢): «أما هذا الحديث فلا أصل له في
=
شيء من كتب الإسلام المعهودة، ولم أره بإسنادٍ أصلاً، ويروى مثله في خبر خالد بن سنان
العبسي ولا يصح أيضاً».
قلت: وهو يضعفه، وقد تقدم عند المصنف (رقم ٢٦، ٢٧).
(٧٣) أسند نحوه القاضي المعافى النهرواني في ((الجليس الصالح)) (٧/٤) عن ابن
الكلبي. وضمرة بن الربيعة، صدوق يهم قليلاً، كما في «التقريب))، ومحمد بن أبي السري
هو ابن المتوكل بن عبدالرحمن الهاشمي، صدوق عارف له أوهام كثيرة، وشيخ الطبراني لم
أظفر به .