Indexed OCR Text

Pages 661-680

٦٦١
(٣٠) كتاب المناقب
٦٠٩٧ - [١١] وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: دَعَا رَسُولُ اللهِ وَلِ عَلِيًّا يَوْمَ الطَّائِفِ
فَانْتُجَاهُ، فَقَالَ النَّاسُ: لَقَدْ طَالَ نَجْوَاهُ مَعَ ابْنِ عَمِّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ إِلِ:
((مَا انْتُجَيْتُهُ وَلَكِنَّ اللهَ انْتُجَاهُ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٧٢٦].
/٦٠٩ - [١٢] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهُ لِعَلِيٍّ:
((يَا عَلِيُّ لاَ يَحِلُّ لِأَحَدٍ يُجْنِبُ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ غَيْرِي.
التي أشرقت وظهرت من شمس النبوة لها مظاهر ومحالٌّ متعددة بل لا تعدُّ ولا تحصى،
فإنه شمس فضل هم كواكبها، يظهرون أنوارها للناس في الظلم، (أصحابي كالنجوم
بأيهم اقتديتم اهتديتم)، وفي الحقيقة لمسألة الفضيلة وجوه وحيثيات، وهذا هو المخلص
والمسلك في هذا الباب، والله أعلم بالحق والصواب، وإليه المرجع والمآب.
٦٠٩٧ - [١١] (جابر) قوله: (يوم الطائف) الظاهر أن المراد: يوم غزوة
الطائف .
وقوله: (فانتجاه) أي: قال معه نجوى، والمناجاة: المسارَّة، انتجى القوم
وتناجوا، أي: تسارُّوا، وانتجيته: إذا خصصته بمناجاتك، والاسم النجوى، وقوله
تعالى: ﴿وَإِذْهُ تَجْوَى﴾ [الإسراء: ٤٧] فجعلهم نجوى، وإنما النجوى فعلَهم، كذا في
ء
(الصحاح)(١).
وقوله: (ما انتجيته ولكن الله انتجاه) أي: ما خصصته بمناجاتي من عند نفسي،
ولكن الله أمرني أن أنتجيه فانتجيته امتثالاً لأمر الله تعالى.
٦٠٩٨ - [١٢] (أبو سعيد) قوله: (لا يحل لأحد يجنب في هذا المسجد غيري)
(١) ((الصحاح)) (٦/ ٢٥٠٣).

٦٦٢
(٨) باب مناقب علي بن أبي طالب
وَغَيرُكَ)(١)، قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمُنْذِرِ: فَقُلْتُ لِضِرَّارِ بْنِ صُرَدٍ: مَا مَعْنَى هَذَا
الْحَدِيثِ؟ قَالَ: لاَ يَحِلُّ لِأَحَدٍ يَسْتَطْرِقُهُ جُنُباً غَيْرِي وَغَيْرَكَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ
وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٧٢٧].
٦٠٩٩ - [١٣] وَعَنْ أَمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ جَيْشاً فِيهِمْ
عَلِيٌّ قَالَتْ: فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِّهِ وَهُوَ رَافِعٌ يَدَيْهِ يَقُولُ: («اللهُمَّ لاَ تَمِتْنِي
و
حَتَّى تُرِيَنِي عَلِيًّا)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٧٣٧].
يحتمل أن يكون (يجنب) بتقدير (أنْ) فاعل (لا يحل)، و(في هذا المسجد) ظرف
(يجنب)، والمراد: أن يمر جنباً فيه، وأن يكون (يجنب) صفة (أحد)، ويقدر قبل
قوله: (في هذا المسجد): يمر، وذلك لأنه كان لرسول الله وَّل ولعلي ◌َبه باب وممر
في المسجد، ويجوز لمن كان له باب في المسجد مروره منه جنباً، ولهذا قيده بقوله:
(هذا المسجد) احترازاً عن سائر المساجد.
وقوله: (لضرار) بكسر المعجمة وخفة الراء الأولى، و(صرد) بضم المهملة
وفتح الراء.
٦٠٩٩ - [١٣] (أم عطية) قوله: (لا تمتني) لعله كان في آخر أمره ◌َ ل حيث
كمل الدين، وإلا فكان بقاؤه وَّه إلى كمال أمر الدين حتماً مقضيًّا، أو كان قبل أن يوحى
إليه ذلك، أو كان مكثُ علي ﴿ه إلى مدة عمره ◌َّ﴾ محتملاً، وذلك بعيد، فافهم، وفيه
الدعاء لمن غاب حبيبه بالرجوع سالماً.
(١) قال القاري (٩ / ٣٩٤١): بِالنَّصْبِ عَلَى الإِسْتِثْنَاءِ، وَفِي كَثِيرٍ مِنَ النُّسَخِ بِالرَّفْعِ، وَلاَ يَظْهَرُ لَهُ
وَجْهٌ إِلَّ أَنْ يُقَالَ: خَبَرُ مُبْتَدٍَ مَحْذُوفٍ، أَيْ: هُوَ غَيْرِي وَغَيْرُكَ.

٦٦٣
(٣٠) كتاب المناقب
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٦١٠٠ - [١٤] عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((لاَ يُحِبُّ
عَلِيًّا مُنَافِقٌ وَلاَ يُبْغِضُهُ مُؤْمِنٌ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ
حَسَنٌ غَرِيبٌ إِسْنَاداً. [ت: ٣٧١٧].
٦١٠١ - [١٥] وَعَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِّهِ: ((مَنْ سَبَّ عَلِيًّا فَقَدْ
سَبَّنِي)). رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٦/ ٣٢٣].
٦١٠٢ - [١٦] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ﴾(١): ((فِيكَ مَثَلٌ مِنْ
عِيسَى، أَبْغَضَتْهُ الْيَهُودُ حَتَّى بَهَنُوا أُمَّهُ، وَأَحَبَتْهُ النَّصَارَى حَتَّى أَنْزَلُوهُ بِالْمَنْزِلَةِ
الَّتِي لَيْسَتْ لَهُ)). ثُمَّ قَالَ: يَهْلِكُ فِيَّ رَجُلاَنِ: مُحِبٌّ مُفْرٌِ يُقَرَّظُنِي بِمَا لَيْسَ
فِيَّ،
الفصل الثالث
٦١٠٠ - [١٤] (أم سلمة) قوله: (لا يحب عليًّا منافق) وكان المنافقون
يبغضونه ريبه لما كانوا يرون من جماله وكماله وسطوته في الدين، وفيه أن حب علي
آية الإيمان، اللهم ثبتنا .
٦١٠١ - [١٥] (وعنها) قوله: (من سب عليًّا فقد سبني) وذلك لِمَا أنه يلزم من
سبِّه سبُّه ومن طعنه في نسبه الطعنُ في نسبه؛ للقرابة القريبة بينهما ما لم يكن بين
أحد من أصحابه.
٦١٠٢ - [١٦] (علي) قوله: (يقرظني) أي: يمدحني، والتقريظ بالظاء المعجمة:
(١) في نسخة: ((النبي)).

٦٦٤
(٨) باب مناقب علي بن أبي طالب
وَمُبْغِضٌ يَحْمِلُهُ شَنَآنِي عَلَى أَنْ يَبْهَتَنِي. رَوَاهُ أَحْمَدُ. [فضائل الصحابة لأحمد:
١٢٢١].
٦١٠٣ - [١٧] وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّه
لَمَّا نَزَلَ بِغَدِيرِ خُمِّ أَخَذَ بِيَدٍ عَلِيٍّ فَقَالَ: ((أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنِّي أَوْلَى ◌ِالْمُؤْمِنِينَ
مِنْ أَنْفُسِهِمْ؟)) قَالُوا: بَلَى،.
مدح الحي ووصفه، وفي (القاموس)(١) موافقاً لما في (الصحاح)(٢): التقريظ: مدح
الإنسان وهو حي بحق أو باطل، وهما يتقارظان المدح: يمدح كل صاحبه. و(الشنآن)
بفتح النون وبسكونها والمد: العداوة، وقيل: شدة البغض، وفسر البيضاوي قوله :
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَكَانُ قَوْمٍ ﴾ [المائدة: ٢] بشدة بغضهم وعدواتهم.
٦١٠٣ - [١٧] (البراء بن عازب وزيد بن أرقم) قوله: (لما نزل) أي: في
مرجعه من حجة الوداع. (بغدير خم) بضم خاء معجمة وتشديد ميم. في (القاموس)(٣):
موضع بالجحفة بين الحرمين، أو (خم) اسم غيضة هناك بها غدير ماء.
وقوله: (فقال) بعد أن جمع الصحابة: (ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من
أنفسهم) وفي بعض الروايات كرره ثلاثاً، وهم يجيبون بالتصديق والاعتراف، يريد به
قوله تعالى: ﴿النَّبِىُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمٌ﴾ الآية [الأحزاب: ٦] أي: في الأمور كلها،
فإنه لا يأمرهم ولا يرضى منهم إلا بما فيه صلاحهم ونجاحهم بخلاف النفس فلذلك
أطلق، فيجب عليهم أن يكون أحبّ إليهم من أنفسهم، وأمره أنفذَ عليهم من أمرها،
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٥٨٦).
(٢) ((الصحاح)) (٣/ ١١٧٧).
(٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ٩٩٦).

٦٦٥
(٣٠) كتاب المناقب
قَالَ: (أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنِّي أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ؟)) قَالُوا: بَلَى، فَقَالَ:
((اللهُمَّ مَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاَهُ، اللهُمَّ وَالٍ مَنْ وَالاَهُ وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ».
فَلَقِيَهُ عُمَرُ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ: هَنِيْئاً يَا ابْنَ أَبِي طَالِبٍ أَصْبَحْتَ وَأَمْسَيْتَ
مَوْلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ. رَوَاهُ أَحْمَدُ [حم: ٢٨١/٤].
وشفقتهم عليه أتمَّ من شفقتهم عليها، روي أنه ◌ّ﴿ أراد غزوة تبوك فأمر الناس بالخروج،
فقال ناس: نستأذن آباءنا وأمهاتنا، فنزلت.
وقرئ: (وهو أب لهم) أي: في الدين، فإن كل نبي أبٌّ لأمته من حيث إنه أصل
فيما به الحياة الأبدية، ولذلك صار المؤمنون إخوة، كذا في (تفسير البيضاوي)(١).
وقوله: (أني أولى بكل مؤمن من نفسه) تأكيد وتكرير يفيد كونه أولی بكل واحد
من المؤمنين كما أن الأول يفيده بالنسبة إليهم جميعاً.
وقوله: (اللهم من كنت مولاه فعلي مولاه) وفي رواية: (ثم رفع يد علي وقال).
وقوله: (وعاد من عاداه) وزاد في رواية: (وأبغض من أبغضه، وانصر من
نصره، واخذل من خذله، وأَدِرِ الحق معه حیث دار).
اعلم أن هذا الحديث أقوى ما تمسكت به الشيعة في ادعائهم النص التفصيلي
المصرِّح بخلافة علي ته، فإنهم قالوا: المولى بمعنى: الأولى بالولاية، بدليل قوله:
(ألست أولى بكم) لا الناصر والمحبوب، وإلا لما احتاج إلى جمعهم لذلك مع الدعاء
له لأن ذلك يعرفه كل أحد، قالوا: ولا يكون هذا الدعاء إلا الإمام معصوم مفترَضٍ
الطاعة، فلعليٍّ عليهم من الولاء ما له وَّر عليهم منه، فهذا نص صريح على خلافته،
(١) ((تفسير البيضاوي)) (٤ / ٢٢٥).

٦٦٦
(٨) باب مناقب علي بن أبي طالب
وهذا حديث صحيح لا مرية فيه، وقد أخرجه جماعة كالترمذي والنسائي وأحمد،
وطرقه كثيرة جدًّا، رواه ستة عشر صحابياً، وفي رواية لأحمد: أنه سمعه من النبي وَّ
ثلاثون صحابياً، وشهدوا به لعلي ◌ّه لما نوزع أيام خلافته، وکثیر من أسانيده صحاح
وحسان، ولا التفات لمن قدح في صحته، ولا إلى قول بعضهم: إن زيادة: (اللهم
وال من والاه)، إلى آخره موضوع، فقد ورد ذلك من طرق صحح الذهبي كثيراً منها،
كذا قال الشيخ ابن حجر في (الصواعق المحرقة)(١).
وقال أيضاً: ولكن نقول إلزاماً للشيعة: إنهم اتفقوا على اعتبار التواتر فيما
يستدل به على الإمامة، وهو منتفٍ فيه للخلاف في صحته، وإن كان مردوداً، بل
الطاعنون في صحته جماعة من أئمة الحديث وعدوله المرجوع إليهم فيه، كأبي داود
السجستاني وأبي حاتم الرازي وغيرهم، ولم يروه بعض المتقنين الحافظين الذين طافوا
البلاد وساروا الأمصار في طلب الحديث كالإمام البخاري ومسلم والواقدي وغيرهم
من أكابر أهل الحديث، وهذا وإن لم يُخلَّ بصحته لكن دعوى التواتر في مثله أعجب
من كل عجب، وقد اشترطوا التواتر في أحاديث الإمامة .
هذا وقد رد عليهم أهل السنة والجماعة، وكلامهم في ذلك طويل مذكور في
(الصواعق المحرقة) للشيخ ابن حجر المكي، ونحن نقلنا منه ما تيسر اختصاراً، قال:
لا نسلم أن معنى المولى ما ذكروه، بل معناه الناصر لأنه مشترك بين معان کالمعتق
والعتيق والمتصرف في الأمر والناصر والمحبوب، وتعيين بعض معاني المشترك من
غير دليل يقتضيه تحكمٌ لا يعتد به، ونحن وهم متفقون على صحة إرادة الحِب - بالكسر -
(١) ((الصواعق المحرقة)) (١ / ١٠٦ -١١٩).

٦٦٧
(٣٠) كتاب المناقب
والناصر، وعلي ظ ◌ُه سيدنا وحبيبنا وناصرنا، على أن كون المولى بمعنى الإمام لم يعهد
لغة ولا شرعاً، ولم يذكر أحد من أئمة اللغة أن مَفْعلاً يأتي بمعنى أفعل، ويقال: هو
أولى من كذا، دون: مولى من كذا، وأولى الرجلين دون مولاهما، فالغرض من
التنصيص على موالاته الاجتناب من بغضه؛ لأن التنصيص عليه أوفى بمزيد شرفه،
وصدَّره بـ (ألست أولى بكم من أنفسكم) ليكون أثبت على قبولهم إياه، وكذا بالدعاء
له لأجل ذلك أيضاً، ويرشد لما ذكرناه حثه وسلم في هذه الخطبة على أهل بيته عموماً
وعلى علي خصوصاً، كما جاء عند الطبراني وغيره بسند صحيح، وأيضاً سبب ذلك
كما نقله الحافظ شمس الدين الجزري عن ابن إسحاق: أن علياً تكلم فيه بعض من كان
معه في اليمن، فلما قضى النبي ◌َّ حجه خطبها تنبيهاً على قدره وردًّا على من تكلم
فيه كبريدة، كما ذكر في (صحيح البخاري) أنه كان يبغضه، وذكر الذهبي وصححه(١):
أنه خرج معه إلى اليمن فرأى منه جفوة فنقصه للنبي ◌ّر، فجعل يتغير وجهه ويقول:
(يا بريدة! ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم) قلت: بلى يا رسول الله، قال: (من
كنت مولاه فعلي مولاه)، سلمنا أنه أولى، لكن لا نسلِّم أن المراد أنه أولى بالإمامة
بل بالاتباع والقرب منه فهو كقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِنَِّهِيمَ لَلَّذِينَ أَتَّبَعُوهُ﴾
[آل عمران: ٦٨] ولا قاطع ولا ظاهر على نفي هذا الاحتمال، بل هو الواقع، إذ هو الذي
فهمه أبو بكر وعمر، وناهيك بهما في فهم الحديث، فإنهما لما سمعاه قالا له: أمسيت
يا ابن أبي طالب مولى كل مؤمن ومؤمنة، أخرجه الدارقطني. وأخرج أيضاً أنه قيل
لعمر: إنك تصنع بعلي شيئاً لا تصنعه بأحد من أصحاب النبي ◌َّ، فقال: إنه مولاي،
(١) انظر: ((المستدرك)) (٤٥٧٨).

٦٦٨
(٨) باب مناقب علي بن أبي طالب
سلمنا أولى بالإمامة، فالمراد المآل وإلا لكان هو الإمام مع وجوده ريَّ، ولا تعرض
فيه لوقت المآل، فكان المراد حين يوجد عقد البيعة له، فلا ينافي حينئذ تقديم الأئمة
الثلاثة عليه؛ لانعقاد الإجماع حتى من عليٍّ فيه، للأخبار المصرِّحة بإيامة أبي بكر
بعده ◌َّ، وكيف كان نصاً على إمامته ولم يَحتجَّ به ولا العباس ولا غيرهما وقت الحاجة
إليه، وإنما احتج به علي في خلافته، فسكوته عن الإفصاح إلى أيام خلافته قاض بأنه
علم منه أنه لا نص فيه على خلافته عقب وفاة النبي وَّر، على أن عليًّا ظُه صرح
بأنه ◌ٍَّ لم ينص عليه ولا على غيره، كما جاء في الأخبار الصحيحة.
وفي (صحيح البخاري) وغيره خروج علي والعباس من عند النبي ◌َّ، الحديث،
ولو كان حديث (من كنت مولاه) نصاً في إمامة علي لم يحتج هو والعباس إلى
مراجعته وَل﴿، ولما قال العباس: فإن كان هذا الأمر فينا علمناه، مع قرب العهد جداً
بيوم الغدير نحو الشهرين، وتجويز النسيان على سائر الصحابة السامعين بخبر يوم الغدير
وسترهم لذلك مع وجود العلم مُحالٌ عادي، [يجزم العاقل بأدنى بديهته بأنه لم يقع
منهم نسيان ولا تفريط] وأنهم كانوا حال بيعتهم لأبي بكر متذكرين لذلك الحديث
عالمين [به وبمعناه]، على أنه يَّي خطب بعد يوم الغدير وأعلن بحق أبي بكر وعمر،
وقال لهما: (لا يتأمر عليكما أحد بعدي)، أخرجه ابن سعد عن بسطام بن أسلم، وقد
ثبت أن رسول الله ويمثل﴿ إنما حث على مودة أهل بيته ومحبتهم واتباعهم، وشتان ما بينهما
وبين مقام الخلافة .
وزعم الشيعة والرافضة بأن الصحابة علموا هذا النص، ولم ينقادوا له عناداً
ومكابرة وظلماً، وإنما تركه عليٍّ تقيةً، وهذا كذب وافتراء لأنه كان في منعةٍ من قومه

٦٦٩
(٣٠) كتاب المناقب
مع كثرتهم وشجاعتهم، وإذا احتج أبو بكر بخبر: (الأئمة من قريش)، فكيف سلَّموا
له هذا الاستدلال؟ ولأي شيء لم يقولوا له: ورد النص على إمامة عليٍّ فكيف تحتج
بمثل هذا العموم؟
وقد أخرج البيهقي عن أبي حنيفة ظله أنه قال: أصل عقيدة الشيعة تضليل
الصحابة، والرافضة يقولون بتكفيرهم؛ لأنهم عاندوا بترك النص على إمامة علي
أجمعين .
وقال القاضي أبو بكر الباقلاني: إن فيما ذهبت إليه الرافضة مما ذكر إبطالاً
للإسلام رأساً؛ لأنه إذا أمكن اجتماعهم على كتم النصوص أمكن منهم نقل الكذب
والتواطؤ عليه لغرض، فيمكن أن سائر ما فعلوه من الأحاديث زور وباطل.
وأيضاً ما المانع من قوله وَّر في خطبته السابقة يوم الغدير: هذا الخليفة بعدي،
فعدوله إلى ما سبق من قوله: (من كنت مولاه) إلى آخره ظاهر في عدم إرادة ذلك،
وقد أخرج أبو نعيم عن الحسن المثنى بن الحسين السبط أنه لما قيل له ذلك - أي: خبر
(من كنت مولاه) نص في إمامة علي - فقال: أما والله لو كان يعني به النبي ◌َّ بذلك
الإمارة والسلطان لأفصح لهم به، فإن رسول الله ﴿ كان أفصح الناس للمسلمين،
ولقال لهم: يا أيها الناس هذا ولي أمري والقائم عليكم بعدي، فاسمعوا له وأطيعوا،
فوالله لئن كان الله ورسوله اختارا عليًّا لهذا الأمر، والقيام به للمسلمين من بعده، ثم
ترك علي أمر الله ورسوله أن يقوم به أو يُعْذِر فيه إلى المسلمين، إن كان أعظم الناس
خطيئةً لعليٌّ، إذ ترك أمر الله ورسوله وحاشاه من ذلك، وقد بينتُ بالدلائل الصحيحة
أنه وَ ي﴿ لم ينص على خلافة أحد، ثبت ذلك من كلام علي ظه، والكلام في هذا المقام

٦٧٠
(٨) باب مناقب علي بن أبي طالب
٦١٠٤ - [١٨] وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: خَطَبَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَاطِمَةَ، فَقَالَ
رَسُولُ اللهِّهِ: ((إِنَّهَا صَغِيرَةٌ))، ثُمَّ خَطَبَهَا عليٌّ فَزَوَّجَهَا مِنْهُ. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
[ن: ٣٢٢١].
٦١٠٥ - [١٩] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاس: أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ أَمَرَ بِسَدِّ الأَبْوَابِ
إِلَّ بَابَ عَلِيٍّ. رَوَاهُ التِّرْ مِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٧٣٢].
٦١٠٦ - [٢٠] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: كَانَتْ لِي مَنْزِلَةٌ مِنْ رَسُولِ اللهِ وَل
لَمْ تَكُنْ لِأَحَدٍ مِنَ الْخَلَائِقِ، آنِيهِ بِأَعْلَى سَحَرٍ، فَأَقُولُ: السَّلاَمُ عَلَيْكَ
يَا نَبِيَّ اللهِ، فَإِنْ تَنَحْتَحَ انْصَرَفْتُ إِلَى أَهْلِي وَإِلاَّ دَخَلْتُ عَلَيْهِ. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
[ن: ١٢١٣].
طويل، وهذا القدر يكفي لمن أنصف، ومن تعصب وزاغ فلا كلام معه إلا السكوت،
والله أعلم وعلمه أحكم.
٦١٠٤ - [١٨] (بريدة) قوله: (ثم خطبها علي) وجاء في بعض الروايات: أنه
قالت أم أيمن له ه: كيف لا تخطب فاطمة وأنت ابن عم رسول الله وَّة؟ قال علي:
أنا أستحيي رسول الله وسلم أن أخطبه لذلك، فلما علم ظُه رضاه بذلك خطبه، أو كما
جاء .
٦١٠٥ - [١٩] (ابن عباس) قوله: (أمر بسد الأبواب إلا باب علي) قد مرّ
الكلام عليه في (مناقب أبي بكر) في سد كل خوخة إلا خوخة أبي بكر.
٦١٠٦ - [٢٠] (علي) قوله: (لم تكن لأحد من الخلائق) يريد كمالَ قربه
وخصوصيته برسول الله وَ لّه، وقَدْرَه ومنزلته عنده، وإنما قال: (لأحد من الخلائق)

٦٧١
(٣٠) كتاب المناقب
٦١٠٧ - [٢١] وَعَنْهُ قَالَ: كُنْتُ شَاكِياً، فَمَرَّبِي رَسُولُ اللهِ وَهِ وَأَنَا
أَقُولُ: اللهُمَّ إِنْ كَانَ أَجَلِي قَدْ حَضَرَ فَأَرِحْنِي، وَإِن كَانَ متأخِّراً فارفَغْنِي،
وَإِنْ كَانَ بَلَاءً فَصَبِّرْنِي. فَقَالَ رَسُولُ اللهَِِّ: ((كَيْفَ قُلْتَ؟)) فَأَعَادَ عَلَيْهِ
مَا قَالَ، فَضَرَبَهُ بِرِجْلِهِ، وَقَالَ: ((اللهُمَّ عَافِهِ - أَوِ اشْفِهِ ـ)) شَكَّ الرَّاوِي،
قَالَ: فَمَا اشْتَكَيْتُ وَجَعِي بَعْدُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ
صَحِيحٌ. [ت: ٣٥٦٤].
٩- باب مناقب العشرة رضي شهم
دون: أحد من الصحابة، مبالغة في غاية ابتهاجه وافتخاره بذلك على الخلائق كلهم
أجمعين، فافهم.
٦١٠٧ - [٢١] (وعنه) قوله: (فارفغني) بغين معجمة، أي: وسع في عيشي،
في (القاموس)(١): الرفع: السعة والخصب.
وقوله: (فضربه برجله) أي: ضرب رسول الله بَّر عليًّا برجله، قيل: كأنه ضربه
برجله لينتبه عن هذه الشکایة ولیصل إليه بركة رجله.
٩ - باب مناقب العشرة
وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي والزبير وطلحة وسعد بن أبي وقاص
وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجراح وسعيد بن زيد، أكابر الصحابة وعظماؤهم،
(١) ((القاموس)) (ص: ٧٠٤).

٦٧٢
(٩) باب مناقب العشرة
الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
*
٦١٠٨ - [١] عَنْ عُمَرَ قَالَ: مَا أَحَدٌ أَحَقَّ بِهَذَا الأَمْرِ مِنْ هَؤُلاءِ النَّفَرِ
الَّذِينَ تُؤُفِّيَ رَسُولُ اللهِّهِ وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ، فَسَمَّى عَلِيًّا وَعُثْمَانَ وَالزُّبَيْرَ
وَطَلْحَةَ وَسَعْدَاً وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٣٧٠٠].
٦١٠٥ - [٢] وَعَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ قَالَ:
قرشيون لهم من التقدم مناقب ومآثر في الإسلام ما ليس لمن عداهم، وقد اشتهروا
بالعشرة المبشرة لبشارة النبي ◌ّ لهم بالجنة، وليست البشارة مخصوصة بهم لصحة
ورودها لمن عداهم من أهل بيت النبوة وغيره، ولقد فصلنا القول في هذا المعنى في
رسالة لنا مسماة بـ (تحقيق الإشارة إلى تعميم البشارة) فلينظر ثمة .
الفصل الأول
٦١٠٨ - [١] (عمر) قوله: (ما أحد أحق بهذا الأمر) أي: أمر الخلافة، قال
ذلك عند وفاته، وجعل الأمر شورى بينهم، والمراد بالرضا زيادته وكماله الذي به
يستحقون الخلافة، وإلا فرسول الله ﴿ كان راضياً عن جميع الصحابة .
وقوله: (فسمى) أي: عدّهم بأسمائهم ولم يذكر أبا عبيدة لأنه مات قبل ذلك،
ولا سعيد بن زيد لقرابته منه؛ لأنه ابن عمه وزوج أخته، وقد صح من رواية المدائني
بأسانيده أن عمر ◌َّ ذكره فيمن توفي رسول الله ◌َّر وهو عنهم راض إلا أنه لم يذكره
في أهل الشورى، كذا قال الشيخ(١).
٦١٠٩ - [٢] (قيس) قوله: (وعن قيس بن أبي حازم) بالحاء المهملة والزاي.
(١) ((فتح الباري)) (٧ / ٦٧).

٦٧٣
(٣٠) كتاب المناقب
رَأَيْتُ يَدَ طَلْحَةَ شَلَّءَ وَفَى بِهَا النَّبِيَّ ◌َّهِ يَوْمَ أُحُدٍ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ:
٤٠٦٣].
٦١١٠ - [٣] وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َلِ: ((مَنْ يَأْتِنِي بِخَبَرِ الْقَوْم
يَوْمَ الأَحْزَابِ؟)) قَالَ الزُّبَيْرُ: أَنَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: (إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيًّا
وحَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٨٤٦، م: ٢٤١٥].
٦١١١ - [٤] وَعَنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((مَنْ يَأْتِي يَنِي
قُرَيْظَةَ فَيَأْتِيَنِي بِخَبَرِهِمْ؟)) فَانْطَلَقْتُ، فَلَمَّا رَجَعْتُ جَمَعَ لِي رَسُولُ اللهِ وَعه
أَبَوَيْهِ فَقَالَ: ((فَدَاكَ أَبِي وَأُمِّي)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٧٢٠، م: ٢٤١٦].
وقوله: (رأيت يد طلحة شلاء) في (القاموس)(١): الشلل: اليبس في اليد أو
ذهابها، وقال الشيخ(٢): الشلل نقص في الكف وبطلان لعملها، وليس معناه القطع كما
زعم بعضهم.
٦١١٠ - [٣] (جابر) قوله: (إن لكل نبي حواريًّا) بكسر الراء وتشديد الياء،
لفظة مفردة بمعنى: الخالص والناصر، من الحَوَر بمعنى البياض، ومنه حُور الجنة،
وإذا أضيف إلى ياء المتكلم فقد تحذف الياء - وأصله حوارييٍّ - اكتفاء بالكسر، وقد
تبدل فتحةً للتخفيف، ويروى بالكسر والفتح، وقد سبق تحقيقه في (الفصل الأول)
من (باب الاعتصام بالسنة).
٦١١١ - [٤] (الزبير) قوله: (جمع لي رسول الله وَي أبويه) أي: في الفداء،
والأكثر الاكتفاء بالأب، وفي الفداء تعظيم خصوصاً في الجمع بين الأب والأم.
(١) ((القاموس)) (ص: ٩١٨).
(٢) ((فتح الباري)) (٧/ ٨٣).

٦٧٤
(٩) باب مناقب العشرة
٦١١٢ - [٥] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: مَا سَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌َهَ جَمَعَ أَبَوَيْهِ لِأَحَدِ
إِلَّ لِسَعْدِ بْنِ مَالِكٍ، فَإِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ يَوْمَ أُحُدٍ: ((يَا سَعْدُ، ارْمٍ فَدَاكَ أَبِي
وَأُمِّ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٠٥٩، م: ٢٤١١].
٦١١٣ - [٦] وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: إِّي لأَوَّلُ الْعَرَبِ رَمَى
بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللهِ. مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ. [خ: ٣٧٢٨، م: ٢٩٦٦].
٦١١٤ - [٧] وَعَن عَائِشَة قَالَتْ: سَهِرَ رَسُولُ اللهِ وَهِ مَقْدَمَهُ الْمَدِينَةَ
لَيْلَةً فَقَالَ:
٦١١٢ - [٥] (علي) قوله: (جمع أبويه لأحد إلا لسعد بن مالك) لا ينافي هذا
الحصر جمعه للزبير؛ لأنه یخبر عن سماعه، فلعله لم يسمع جمعه للزبير .
٦١١٣ - [٦] (سعد بن أبي وقاص) قوله: (إني لأول العرب) لأنه كان في أول
سرية في الإسلام في ستين من المهاجرين أميرهم عبيدة بن الحارث عقد له النبي
لواء، وهو أول لواء عقده لقتال أبي سفيان بن حرب والمشركين، وكانوا جمعاً كثيراً،
فلم يقع قتال بينهم، غير أن سعداً رمى إليهم بسهم، فكان أول سهم رمي في الإسلام،
وكان ذلك في السنة الأولى من الهجرة، أول حرب وقعت بين المسلمين والمشركين،
كذا قال الشيخ(١) .
٦١١٤ - [٧] (عائشة) قوله: (سهر) كفرح.
وقوله: (مقدمه المدينة) بفتح الدال من قَدِمَ يَقْدَم كسمع يسمع مصدر ميمي،
والوقت مقدر، أي: وقت قدومه المدينة من بعض غزواته، كما في: أتيتك طلوعَ
(١) ((فتح الباري)) (٧ / ٨٤).

٦٧٥
(٣٠) كتاب المناقب
(َيْتَ رَجُلاً صَالِحاً يَحْرُسُنِي))، إِذْ سَمِعْنَا صَوْتَ سِلاَحٍ، فَقَالَ: ((مَنْ هَذَا؟))
قَالَ: أَنَا سَعْدٌ، قَالَ: ((مَا جَاءَ بِكَ؟)) قَالَ: وَقَعَ فِي نَفْسِي خَوْفٌ عَلَى
رَسُولِ اللهِوَهُ فَجِئْتُ أَحْرُسُهُ، فَدَعَا لَهُ رَسُولُ اللهِهِ ثُمَّ نَمَ. مُتَفَقٌ عَلَيْهِ.
[خ: ٢٨٨٥، م: ٢٤١٠].
٦١١٥ - [٨] وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينٌ
وَأَمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٣٨٢، م:
٢٤١٩].
٦١١٦ - [٩] وَعَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ وَسُئِلَتْ: مَنْ
كَانَ رَسُولُ اللهِوَِّ مُسْتَخْلِفاً لَوِ اسْتَخْلَفَهُ؟ قَالَتْ: أَبُو بَكْرٍ، فَقِيلَ: ثُمَّ مَنْ
بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ؟ قَالَتْ: عُمَرُ. قِيلَ: مَنْ بَعْدَ عُمَرَ؟.
الشمس، وليس بظرفٍ زمان، لأنه لا يعمل النصب(١).
وقوله: (ليت رجلاً صالحاً يحرسني) وذلك قبل نزول قوله تعالى: ﴿وَاَللَّهُ
يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِِ﴾ [المائدة: ٦٧].
٦١١٥ - [٨] (أنس) قوله: (وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح) خصه
بالأمانة وإن كانت مشتركة بين الصحابة لكمال هذه الصفة فيه، وقيل: لغلبتها فيه
بالنسبة إلى سائر صفاته.
٦١١٦ - [٩] (ابن أبي مليكة) قوله: (من كان) مفعول (مستخلفاً) بكسر اللام،
(١) أي: ظرف الزمان لا يعمل، أما ((مقدمه)) فقد عمل في ((المدينة))، فليس بظرفٍ، وإنما هو مصدر
ميمي.

٦٧٦
(٩) باب مناقب العشرة.
قَالَتْ: أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٣٨٥].
٦١١٧ - [١٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ كَانَ عَلَى حِرَاء هُوَ
وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٍّ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ، فَتَحَرَّكَتِ الصَّخْرَةُ فَقَالَ
رَسُولُ اللهِنَّهِ: (اهْدَأْ فَمَا عَلَيْكَ إِلَّ نَبِيٍّ أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ شَهِيدٌ)). وَزَادَ بَعْضُهُمْ:
وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَلَمْ يَذْكُرْ عَلِيًّا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٤١٧].
أو مبتدأ والضمير محذوف، أي: مستخلفه.
وقوله: (أبو عبيدة بن الجراح) قالته على ظنها بناء على ما سُمع من رسول الله وَله
أنه أمین.
٦١١٧ - [١٠] (أبو هريرة) قوله: (اهدأ) على وزن افتح مهموزاً، أي: اسكن،
هَدَأَ هَذءاً بفتح وسكون وهدوءاً بالضمتين: سكن.
وقوله: (شهيد) أراد به الجنس؛ لأن المذكورين في الحديث بعد الصديق كلَّهم
شهيد بمعنى المقتول ظلماً، أما قتل عمر وعثمان وعلي فمشهور، وقتل طلحة في وقعة
الجمل، اعتزل الناس تاركاً للقتال فأصابه سهم في حلقه، وقيل: قتله مروان بن الحكم
لما كان له به عدواة وهو الأشهر، ولا ينافيه رواية إصابة السهم، والله أعلم. وروى
ابن عساكر [عن محمد بن عبيدالله الأنصاري عن أبيه] أنه جاء رجل يوم الجمل،
فقال: ائذنوا لقاتل طلحة، فسمعت علياً يقول: بشِّره بالنار، كذا في (جمع الجوامع)
للسيوطي .
وأما الزبير ظُه فهو أيضاً قتل يوم الجمل منصرفاً تاركاً للقتال، فقتله عمرو بن
جرموز بضم الجيم وسكون الراء وضم الميم في آخره زاي، وهو في الصلاة بسفوان
بفتح السين المهملة وفتح الفاء وبالنون، من أرض البصرة، ودفن بوادي السباع، وروي

٦٧٧
(٣٠) كتاب المناقب
الْفَصْلُ الثَّانِي:
٦١١٨ - [١١] عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ﴿ قَالَ: «أَبُو بَكْرٍ
فِي الْجَنَّةِ، وَعُمَرُ فِي الْجَنَّةِ، وَعُثْمَانُ فِي الْجَنَّةِ، وَعَلِيٌّ فِي الْجَنَّةِ، .
أنه جاء بشير بن جرموز إلى علي بن أبي طالب فحياه فقال: هكذا يفعل بأهل البلاء،
فقال علي: بفيك الحجر، إني لأرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير ممن قال الله: ﴿وَنَزَعْنَا
مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ عِلّ إِخْوَنًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَبِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧].
هذا وأما ذكر سعد بن أبي وقاص في هذا الحديث فمشكل، لأنه غير مقتول، فقد
ذكر في (جامع الأصول)(١): أنه مات في قصره بالعقيق قريباً من المدينة، ودفن بالبقيع،
اللهم إلا أن يدخل في الصديق، واسم الصديق مما غلب على أبي بكر ظه، ولكن
معناه غیر منحصر فیه، وقد ذکر السیوطي من حديث سلمان وأبي ذر معاً كما رواه
الطبراني، ومن حديث حذيفة كما رواه العقيلي في (الضعفاء) وابن عدي في (الكامل)(٢)
في مناقب علي: أن النبي _ * قال: (هذا أول من آمن وهو أول من يصافحني يوم
القيامة، وهذا الصديق الأكبر، وهذا فاروق هذه الأمة يفرق بين الحق والباطل، وهذا
يعسوب المسلمين، والمال يعسوب الظالمين)، أو المراد بالشهيد من له ثواب الشهيد
كالمبطون وأمثاله، والله أعلم.
الفصل الثاني
٦١١٨، ٦١١٩ - [١١، ١٢] (عبد الرحمن بن عوف، وسعيد بن زيد) قوله:
(أبو بكر في الجنة) الحديث، قد وقع في هذا الحديث الواحد ذكر العشرة وبشارتهم،
(١) ((جامع الأصول)) (١٢ / ١٢٧).
(٢) ((الضعفاء الكبير)) (٢/ ٤٧)، و((الكامل)) (٣٧٩/٥).

٦٧٨
(٩) باب مناقب العشرة،
وَطَلْحَةُ فِي الْجَنَّةِ، وَالزُّبَيْرُ فِي الْجَنَّةِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فِي الْجَنَّةِ،
وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ فِي الْجَنَّةِ، وَسَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ فِي الْجَنَّةِ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ
الْجَرَّاحِ فِي الْجَنَّةِ)). رَوَاهُ التِّرْ مِذِيُّ. [ت: ٣٧٤٧].
٦١١٩ - [١٢] وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ. [جه: ١٣٣].
٦١٢٠ - [١٣] وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ﴿ قَالَ: ((أَرْحَمُ أُمَّتِي بِأُمَّتِي أَبُو
بَكْرٍ، وَأَشَدُّهُمْ فِي أَمْرِ اللهِ عُمَرُ، وَأَصْدَقُهُمْ حَيَاءً عُثْمَانُ، وَأَفْرَضُهُمْ زَيِّدُ بْنُ
ثَابِتٍ، وَأَقْرَؤُهُمْ أُتُّ بْنُ كَعْبٍ، وَأَعْلَمُهُمْ بِالْحَلَلِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ،
وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينٌ وَأَمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ
وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. [حم: ٣/ ٢٨١، ت
وَرُوِيَ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ مُرْسَلاً وَفِيهِ: ((وَأَقْضَاهُمْ عَلِيٌّ)).
ولعل هذا هو السبب في شهرتهم بهذه البشارة وإن لم تكن مخصوصة بهم، ثم ذِكْرُ
هؤلاء أينما وقع ذكرهم في الأحاديث جميعاً بهذا الترتيب مما يستأنس به في مذهب
أهل السنة والجماعة، وأما ظنُّ أنهم ذكروا الترتيب على اعتقادهم وغيّروا الأحاديث
فحاشاهم وکلا .
٦١٢٠ - [١٣] (أنس) قوله: (وأفرضهم) أي: أكثرهم علماً بالفرائض،
و(أقرؤهم) أي: أجودهم قراءة أو أكثرهم قراءة.
وقوله: (أعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل).
وقوله: (وأقضاهم علي) وهذه منقبة عظيمة؛ لأن القضاء بالحق والفصل بينه
وبين الباطل يقتضي علماً كثيراً وقوة عظيمة في النفس .

٦٧٩
(٣٠) كتاب المناقب
٦١٢١ - [١٤] وَعَنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: كَانَ عَلَى النَّبِّ ◌َهِ يَوْمَ أُحُدٍ دِرْعَانِ،
فَنَهَضَ إِلَى الصَّخْرَةِ فَلَمْ يَسْتَطِعْ، فَقَعَدَ طَلْحَةُ تَحْتَهُ حَتَّى اسْتَوَى عَلَى
الصَّخْرَةِ، فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِّهِ يَقُولُ: ((أَوْجَبَ طَلْحَةُ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
[ت: ٣٧٣٨].
٦١٢٢ - [١٥] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: نَظَرَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ إِلَى طَلْحَةَ بْنِ
عُبَيْدِ اللهِ قَالَ: ((مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ يَمْشِي عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ وَقَدْ
قَضَى نَحْبَهُ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا». وَفِي رِوَايَةٍ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى شَهِيدٍ
يَمْشِي عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
[ت: ٣٧٣٩].
وهذا الحديث صريح في تعدد جهات الخير في الصحابة واختصاص بعضها
ببعض، لكنهم حكموا بفضيلة كثرة الثواب عند الله على الترتيب، وذلك شيء آخر.
٦١٢١ - [١٤] (الزبير) قوله: (درعان) وذلك لغاية شجاعته وقوة إقدامه على
الحرب، فمن كان أشجع كان سلاحه أكثر، وفيه أن ذلك لا ينافي التوكل.
وقوله: (فلم يستطع) الاستواء على الصخرة لثقل درعه، وقد أصاب من التعب
والجرح في هذا اليوم ما أصاب.
وقوله: (أوجب طلحة) أي: وجب له الجنة لفعله هذا، وكان طلحة څه جعل
نفسه يوم أحد وقايةً للنبي ◌ّ حتى جرح في جسده من بين طعن وضرب ورمي بضع
وثمانون جراحة حتى في ذكره، وشُلّتْ يده، وكانت الصحابة إذا ذكروا يوم أحد قالوا:
ذلك اليوم كله لطلحة .
٦١٢٢ - [١٥] (جابر) قوله: (وقد قضى نحبه) النحب بالنون والحاء المهملة

٦٨٠
(٩) باب مناقب العشرة
٦١٢٣ - [١٦] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: سَمِعَتْ أُذُنِي مِنْ فِي رَسُولِ اللهِ وَل
يَقُولُ: ((طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ جَارَايَ فِي الْجَنَّةِ».
في آخره باء موحدة يجيء بمعنى النذر والموت، ويقال: قضى نحبه، أي: مات،
وقد فسر قوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْمَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْةٍ فَمِنْهُم مَّن قَضَى ◌َحْبَهُ، وَمِنْهُم
مَّن يَنْتَظِرٌ ﴾ [الأحزاب: ٢٣] بالمعنيين، فمعنى النذر يكون المراد: منهم مَن وفى نذره فيما
عاهد الله عليه من الصدق في مواطن القتال والنصرة لرسوله، وقد كان جماعة من
الصحابة كعثمان بن عفان ومصعب بن عمير وطلحة وسعيد وغيرهم نذروا إذا لقوا حرباً
ثبتوا حتى يُستشهدوا، ومنهم من ينتظر أن يوفي نذره بذلك، وعلى الثاني: منهم من
مات في سبيل الله، ومنهم من ينتظر الموت.
وفي الحديث أيضاً يصح الحمل على المعنيين، أخبر أن طلحة وفى بنذره، أو
أنه ممن ذاق الموت وإن كان حياً، كما قيل: موتوا قبل أن تموتوا، وهذا المعنى أوفق
بصدر الحديث، وبالرواية الأخرى: من سره أن ينظر إلى شهيد، وبحديث آخر عن
أبي سعيد رواه ابن عساكر: كنا جلوساً عند رسول الله وَّه فمر طلحة بن عبيد الله فقال:
(هذا شهيد يمشي على وجه الأرض)، وهذا يكون بالموت الاختياري الذي يحصل
لأهل السلوك وأرباب الفناء، وإن احتمل في نظر أهل علم العربية أن يكون على سبيل
المجاز باعتبار تسمية الشيء بما يَؤُول إليه، وقيل: معناه: ذاق طعم الموت في الله وهو
حي لما ذاق من الشدائد في سبيل الله كأنه مات، وقيل: المراد بالموت الغيبوبة عن
عالم الشهادة بالاستغراق في ذكر الله وملكوته والانجذاب إلى جناب قدسه، وهذا يَؤُول
إلى ما ذكرنا أولاً، فهذا هو نتيجة الموت الاختياري وحاصله.
٦١٢٣ - [١٦] (علي) قوله: (جاراي في الجنة) بشارة لهما لها بالجنة مع زيادة