Indexed OCR Text

Pages 561-580

٥٦١
(٣٠) كتاب المناقب
٥٩٨٣ - [٥] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهَِهِ يَقُولُ:
(لاَ يَزَالُ الإِسْلاَمُ عَزِيزاً إِلَى اثْنَيْ عَشَرَ خَلِيفَةً كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ)). وَفِي رِوَايَةٍ:
(لاَ يَزَالُ أَمْرُ النَّاسِ مَاضِياً مَا وَلِيَهُمُ اثْنَا عَشَرَ رَجُلاً كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ)). وَفِي
رِوَايَةٍ: ((لاَ يَزَالُ الدِّينُ قَائِماً حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ أَوْ يَكُونَ عَلَيْهِمُ اثْنَا عَشَرَ
خَلِيفَةً كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٢٢٢، م: ١٨٢١].
الحديث يدل على أن الأمر إنما يكون في قريش إذا أقاموا الدين، وإذا لم يقيموا الدين
فلا أمر منهم سواء حمل على الخبر أو على معنى الأمر. وقيل: إنه متعلق بـ (كب)
لا بقوله: إن الأمر فيهم؛ لأنه كان فيهم مَن غيَّر وبدَّل ولم يصرف عنه الأمر، كذا
قال التُّورِبِشْتِي(١)، اللهم إلا أن يقال: إن المقصود تحريضهم على إقامة الدين وأنهم
إن لم يقيموا الدين كاد أن يخرج عنهم الأمر ويغلبهم فيه غيرهم، وهذا المعنى بمعنى
الخبر أنسب دون الأمر، فافهم.
٥٩٨٣ - [٥] (جابر بن سمرة) قوله: (لا يزال الإسلام عزيزاً إلى اثني عشر
خليفة كلهم من قريش) إلى آخر الروايات، وفي بعض طرق هذا الحديث في آخره:
(أبو بكر لا يلبث إلا قليلا)(٢)، واستشكل هذا الحديث بأن الظاهر منه أن اثني عشر
خليفة يكون بعدهي﴿ على الولاء، يستقيم بهم أمر الدين، ويعز الإسلام، وتجري
الأحكام مع أن الوجود لا يشهد له، فإن فيهم من أمراء الجور والفساد من بني مروان
من لا تُمدح طريقتهم، ولا تَحْسن سيرتهم، وأيضاً قد صح: (الخلافة بعدي ثلاثون
سنة ثم يصير ملكاً عضوضاً)، واتفقوا على أنه لا يسمَّى مَن بعده خلفاء بل ملوكاً
(١) ((كتاب الميسر)) (٤ / ١٣٠٧).
(٢) انظر: ((المعجم الكبير)) للطبراني (ح: ١٢، ١٤٢).

٥٦٢
(١) باب مناقب قريش وذكر القبائل
وأمراء، واختلفوا في توجيهه على أقوال:
أحدها: أن المراد اثنا عشر نَفْساً قاموا من بعده وَّه بالسلطنة والإمارة، وانتظم
أمر السلطنة واستقام من غير نزاع وخلاف واختلال في أمور المسلمين والرعايا، وإن
كان بعضهم جائرين خارجين عن دائرة العدل والإحسان، وقد وقع الاختلال في زمن
الوليد بن يزيد بن عبد الملك الذي هو الثاني عشر، اجتمعوا عليه لما مات عمه هشام
فولي نحو أربع سنين، ثم قاموا عليه فقتلوه، وانتشرت الفتن وتغيرت الأحوال من يومئذ،
كذا قال القاضي عياض، واستحسنه الشيخ ابن حجر في (فتح الباري)(١) وقال: وهذا
أحسن ما قيل في هذا الحديث وأرجحه؛ لتأييده بقوله في بعض طرقه الصحيحة:
(كلهم يجتمع عليه الناس)، والمراد باجتماعهم انقيادهم لبيعته، ولم يَرِدِ الحديث على
مدحهم والثناء عليهم بالدين والعدالة إلا من هذه الجهة أعني الانتظام والاجتماع
واتحاد الكلمة، والخلافة التي حَكَم الحديث بانتهائها إلى ثلاثين سنة إنما هو الخلافة
الكبرى التي هي خلافة النبوة، وهذه خلافة إمارة، وقد استمر القول بتسمية الأمراء
بعد الخلفاء الراشدين خلفاء كالخلفاء العباسية وإن كانت بالمجاز، انتهى.
وهذا الوجه لا يخلو عن عدم الملاءمة لسياق الحديث من قوله: (لا يزال الإسلام
عزيزاً) و(لا يزال الدين قائماً)، وإن كانت ملائمة برواية أخرى: (لا يزال أمر الناس
ماضياً)، والحديث صريحٌ في مدحهم بأن صلاح الدين وظهور الحق وقوة الإسلام في
زمانهم وعدالتهم.
وثانيها: أن المراد المقسطون من الأمراء لأنهم هم المستحقون لاسم الخلافة على
(١) «فتح الباري)) (١٣ / ٢١٤).

٥٦٣
(٣٠) كتاب المناقب
٥٩٨٤ - [٦] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((غِفَارُ ..
٠
الحقيقة، لكن لا يلزم أن يكونوا على الولاء، بل يتم هذا العدد إلى زمان حتى إلى
قبيل قيام الساعة، قال التُّوربِشْتِي(١): وهذا هو السبيل في هذا الحديث وما يعتقبه
في هذا المعنى .
وثالثها: أن المراد وجودهم بعد موت المهدي، فقد جاء أنه إذا مات المهدي عليها.
ملك الأمر خمسة رجال من ولد السبط الأكبر يعني الإمام الحسن ﴿ه، ثم يملك
خمسة من ولد السبط الأصغر، ثم يوصي آخرهم بخلافة رجل من ولد الحسن، ثم
يملك بعده ولده فیتم به اثنا عشر، کل منهم إمام عادل هاد مهديٌّ، وهذا وجه لكن
الكلام في صحة هذا الحديث، وذكر عن ابن عباس في وصف المهدي: يفرج الله
تعالى عن هذه الأمة كل کرب ويصرف بِعَدلِه كل جور، ثم يلي الأمر بعده اثنا عشر،
خمسین ومئة سنة، ثم يفسد الزمان.
ورابعها: أنه أراد هذا العدد في عصر واحد يتبع كلَّ واحد طائفةٌ، ويؤيده
حديث: (سيكون بعدي خلفاء فيكثرون) أراد ◌َّ ر بأعاجيب تكون بعده من الفتن حتى
يتفرق الناس في وقت واحد إلى اثني عشر أميراً، والغاية على هذا الوجه تكون على
أغلب استعمالها من عدم دخولها في حكم المغيًّا، وعلى الوجوه السابقة تكون
داخلة فيه، هذا ما وجدنا في كلامهم في شرح هذا الحديث، والله أعلم بمراد
رسوله .
٥٩٨٤ - [٦] (ابن عمر) قوله: (غفار) بكسر الغين وتخفيف الفاء وبالراء:
قبيلة، أبو ذر الغفاري منها.
(١) ((كتاب الميسر)) (٤ / ١٣٠٧).

٥٦٤
(١) باب مناقب قريش وذكر القبائل
غَفَرَ اللهُ لَهَا، وَأَسْلَمُ سَالَمَهَا اللهُ، وَعُصَيَّةُ عَصَتِ اللهَ وَرَسُولَهُ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
[خ: ٣٥١٣، م: ٢٥١٨].
٥٩٨٥ - [٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهَِّهِ: «قُرَيْشٌ
وَالأَنْصَارُ وَجُهَيْنَةُ وَمُزَيْنَةُ وَأَسْلَمُ وَغِفَارُ وَأَشْجَعُ مَوَالِيَّ، لَيْسَ لَهُمْ مَوْلَى
دُونَ اللهِ وَرَسُولِهِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٥١٢، م: ٢٥٢٠].
٥٩٨٦ - [٨] وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّى: ((أَسْلَمُ وَغِفَارُ
وَمُزَيْنَةُ وَجُهَيْنَةُ خَيْرٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٌ وَبَنِي عَامِرٍ، .
وقوله: (غفر الله لها) يحتمل الخبر والدعاء وهو الأظهر، وقيل: كانوا يسرقون
الحجاج، فدعا لهم بعد أن أسلموا ليمحو عنهم ذلك العار - مع أن الإسلام يجبّ
ما قبله - تأكيداً ومبالغة في تطهيرهم.
وقوله: (وأسلم سالمها الله) أي: عاملهم الله بما يوافقهم ولا يؤذيهم، أيضاً
يحتمل الخبر والدعاء، وقيل: إنما دعا لهما لأنهما دخلا في الإسلام بلا حرب.
(وعصية) بضم العين وفتح الصاد وتشديد الياء، وهم الذي قتلوا القراء ببئرمعونة،
وكان ◌َ﴿ يدعو عليهم في القنوت، وهذا إخبار قطعاً لا يحتمل الدعاء، وربما ينظر
هذا إلى أن يكون ما قبله أيضاً خبراً، والله أعلم.
٥٩٨٥ - [٧] (أبو هريرة) قوله: (وجهينة) بضم الجيم (ومزينة) بضم الميم
وفتح ما بعدهما: قبيلتان، (موالي) بالإضافة إلى ياء المتكلم، أي: أوليائي وأنصاري،
وروي (موالٍ) بالتنوين، أي: بعضهم أحباء وأنصار بعضهم.
وقوله: (ليس لهم مولَّى) أي: ناصر وولي.
٥٩٨٦ - [٨] (أبو بكرة) قوله: (خير من بني تميم ... إلخ)، إنما فضلهم

٥٦٥
(٣٠) كتاب المناقب
وَالْحَلِيفَيْنِ بَنِي أَسْدٍ وَغَطَفَانَ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٥٢٣، م: ٢٥٢١].
٥٩٨٧ - [٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: ((مَا زِلْتُ أُحِبُّ بَنِي تَمِيمٍ مُنْذُ
ثلاثٍ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَّهِ يَقُولُ فِيهِمْ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ: ((هُمْ أَشَدُّ أُمَّتِي عَلَى
الدَّجَّالِ)) قَالَ: وَجَاءَتْ صَدَقَاتُهُمْ فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((هَذِهِ صَدَقَاتُ
قَوْمِنَا))، وَكَانَتْ سَبِيَّةٌ مِنْهُمْ عِنْدَ عَائِشَةَ فَقَالَ: ((أَعْتِقِيهَا فَإِنَّهَا مِنْ وَلَدِ
إِسْمَاعِيلَ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٥٤٣، م: ٢٥٢٥].
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٥٩٨٨ - [١٠] عَنْ سَعْدٍ عَنِ النَّبِّ ◌ِ﴿ قَالَ: ((مَنْ يُرِدْ هَوَانَ قُرَيْشٍ ...
على هؤلاء لسبق إسلامهم وحسن آثارهم.
وقوله: (بني أسد وغطفان) بفتحات بيان للحليفين، سميا حليفين لتحالفهما
على التعاون والتناصر .
٥٩٨٧ - [٩] (أبو هريرة) قوله: (منذ ثلاث) أي: ثلاث خصال أو كلمات،
و(سمعت) صفة (ثلاث) والعائد محذوف، فإن قدرت خصال فالمراد سماع الإخبار
بها من رسول الله صلّ، وإن قدرت كلمات فظاهر، فالأولى: (هم أشد أمتي على
الدجال) أي: إنكاراً وتجنباً، أو جدلاً ونزاعاً، والثانية ما قال: (وجاءت صدقاتهم
فقال رسول الله وسلم: هذه صدقات قومنا) فأضاف ◌َّ﴿ إياهم إلى نفسه تشريفاً لهم،
والثالثة أنه قال: (سبية) أي: مسبية كانت من قومهم عند عائشة، (فقال: أعتقيها)
أي: تعليله بأنها من ولد إسماعيل، وفيه جواز استرقاق العرب.
الفصل الثاني
٥٩٨٨ - [١٠] (سعد) قوله: (من يرد هوان قريش) أئمةً كانوا أو غيرهم، فإن

٥٦٦
(١) باب مناقب قريش وذكر القبائل
أَهَانَهُ الله)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٩٠٥].
٥٩٨٩ - [١١] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: («اللهُمَّ أَذَقْتَ
أَوَّلَ قُرَيْشٍ نَكَالاً فَأَذِقْ آخِرَهُمْ نَوَالاً)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٩٠٨].
٥٩٩٠ - [١٢] وَعَنْ أَبِي عَامِرٍ الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَ:
(نِعْمَ الْحَيُّ الأَسْدُ وَالأَشْعَرُونَ، لاَ يَفِرُونَ فِي الْقِتَالِ،
كانوا أئمة فظاهر، وإن كانو غيرهم فلعزة انتسابهم برسول الله وَّ﴾ وفضلهم وشرفهم،
و(الهوان) بالفتح مصدر هان هوناً بالضم وهواناً [و]مهانة: ذل.
٥٩٨٩ - [١١] (ابن عباس) قوله: (نكالاً) هو العقوبة التي تنكل الإنسان، أي:
تمنعه عن فعلِ ما جُعلت له جزاء، ويعتبر به غيره، من نكَل عن الأمر: امتنع، ونگَّل
به تنكيلاً: جعله عبرةً لغيره، والنوال والنائلة: العطاء، ولعل المراد بالنكال ما أصاب
أوائلهم بكفرهم وإنكارهم على رسول الله و لهم من الخزي والعذاب والقتل، وبالنوال
ما حصل لأواخرهم من العزة والملك والخلافة والإمارة ما لا يحيط بوصفه البيان.
٥٩٩٠ - [١٢] (أبو عامر الأشعري) قوله: (نعم الحي الأسد) بفتح الهمزة
والسين الساكنة أبو حي من اليمن، ويقال: الأزد بالزاي أيضاً، وبالسين أفصح، وهو
أزد بن الغوث، أبو حي من اليمن، ومن أولاده الأنصار كلهم، ويقال: أزد شنوءة.
و(الأشعرون) بإسقاط الياء في أكثر الأصول ونسخ (المشكاة)، وكأنه تسمية للأبناء
باسم أبيهم، وبإثباتها في (المصابيح)، قال في (القاموس) (١): الأشعر لقب عمرو بن
حارثة الأسدي، وهو أبو قبيلة باليمن منهم أبو موسى الأشعري، ويقولون: جاءك
الأشعرون بحذف ياء النسبة .
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٣٧٥).

٥٦٧
(٣٠) كتاب المناقب
وَلاَ يَغُلُّونَ، هُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
[ت: ٣٩٤٧].
٥٩٩١ - [١٣] وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((الأَزْدُ أَزْدُ اللهِ
فِي الأَرْضِ، يُرِيدُ النَّاسُ أَنْ يَضَعُوهُمْ وَيَأْبَى اللهُ إِلَّ أَنْ يَرْفَعَهُمْ، وَلَيَأْتِيَنَّ
عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَقُولُ الرَّجُلُ: يَا لَيْتَ أَبِي كَانَ أَزْدِيًّا، وَيَا لَيْتَ أُمِّي كَانَتْ
أَزْدِيَّةً)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٩٣٧].
٥٩٩٢ - [١٤] وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: مَاتَ النَّبِيُّ نَّهِ وَهُوَ
يَكْرَهُ ثَلاَثَةَ أَحْيَاءٍ: ثَقِيِفٍ وَيَنِي حَنِيفَةَ وَبَنِي أُمَّيَّةَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا
حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٩٤٣].
٥٩٩٣ - [١٥] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((فِي ثَقِيفٍ
كَذَّابٌ وَمُبِيرٌ)) قَالَ عَبْدُاللهِ بْنُ عِصْمَةَ: يُقَالُ:
وقوله: (ولا يغلون) بضم الغين، أي: لا يخونون في المغنم.
٥٩٩١ - [١٣] (أنس) قوله: (الأزد أزد الله في الأرض) إضافتهم إلى الله تعالى
إما لاشتهارهم بهذا الاسم وإما للتشريف كناقة الله، وكلا الوجهين لثبوتهم في الحرب
لا يفرون في القتال، وقيل: إنهم كالأسد في الشجاعة.
٥٩٩٢ - [١٤] (عمران بن حصين) قوله: (ثقيف) بالجر بدل مع ما عطف عليه
من (أحياء)، إنما كره ثقيفاً للحجاج، وبني حنيفة لمسيلمة، وبني أمية لعبيدالله بن
زياد، كذا قيل، قلت: ما وجه التخصيص بعبيد الله، لِمَ لم يذكر يزيد وهو أميره وآمِره
بما فعل؟ .
٥٩٩٣ - [١٥] (ابن عمر) قوله: (كذاب ومبير) بضم الميم بمعنى مهلك وهو

٥٦٨
(١) باب مناقب قريش وذكر القبائل
الْكَذَّبُ هُوَ الْمُخْتَارُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، وَالْمُبِيرُ هُوَ الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ، وَقَالَ
هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ: أَحْصَوْا مَا قَتَلَ الْحَجَّاجُ صَبْراً فَبَلَغَ مِئَةَ أَلْفٍ وَعِشْرِينَ أَلَّفاً.
رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ. [ت: ٢٢٠].
٥٩٩٤ - [١٦] وَرَوَى مُسْلِمٌ فِي (الصَّحِيحِ)) حِينَ قَتَلَ الْحَجَّاجُ عَبْدَاللهِ
ابْنَ الزُّبَيْرِ قَالَتْ أَسْمَاءُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِّهِ حَدَّثَنَا((أَنَّ فِي ثَقِيفٍ كَذَّاباً وَمُبِيراً»
فَأَمَّا الْكَذَّابُ فَرَأَيْنَاهُ،
بمعنى الهلاك .
وقوله: (هو المختار بن أبي عبيد) الثقفي، قام بعد وقعة الإمام الحسين، ودعا
الناس إلى طلب ثأره، وكان غرضه أن يصرف وجوه الناس إلى نفسه ويتوصل به إلى
تحصيل الإمارة، كذا قيل، وقصته مذكورة في كتب التواريخ.
وقيل: سمي كذاباً بادعائه النبوة، وكان يدعي أن الملائكة تأتيه بخبر السماء،
وأفسد على قوم من الشيعة عقائدهم، فهم ينسبون إليه في آرائهم الفاسدة وأقاويلهم
الزائفة، يقال لهم: المختارية.
وقوله: (أحصوا) بفتح الصاد بلفظ الماضي.
وقوله: (ما قتل الحجاج صبراً) أصل الصبر: الحبس، صبر عنه يصبره: حبسه،
وصَبْرُ الإنسان وغيرِه على القتل: أن يُحبس ويرمى حتى يموت، وقد قتله صبراً لم يقتله
في المعركة .
٥٩٩٤ - [١٦] قوله: (حين قتل الحجاج عبدالله بن الزبير) وهو قڅ لم يبايع
يزيد، وخرج يدعي الإمامة بمكة، فأرسل إليه يزيد مسلم بن عقبة المري بعد قتل
الإمام الحسين ونهب المدينة وإهلاك أهلها، فمات يزيد، ثم جاء الحجاج في إمارة
عبد الملك بن مروان فقتله څ وصلبه.

٥٦٩
(٣٠) كتاب المناقب
وَأَمَّا الْمُبِرُ فَلاَ إِخَالُكَ إِلاَّ إِيَّاهُ. وَسَيَجِيءُ تَمَامُ الْحَدِيثِ فِي الْفَصْلِ الثَّالِثِ.
[م: ٢٥٤٥].
٥٩٩٥ - [١٧] وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ أَحْرَ قَتْنَا نِبَالُ
ثَقِيفٍ فَادْعُ اللّهَ عَلَيْهِمْ. قَالَ: ((اللهُمَّ اهْدِ ثَقِيفاً)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت:
٣٩٤٢].
٥٩٩٦ - [١٨] وَعَن عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ أَبِيِهِ عَنْ مِينَاءَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِّ وَهَ، فَجَاءَ رَجُلٌ أَحْسَبُهُ مِنْ قَيْسٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ!
الْعَنْ حِمْيَراً، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ جَاءَهُ مِنَ الشِّقِّ الآخَرِ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ
جَاءَهُ مِنَ الشِّقِّ الْآخَرِ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّ:
قوله: (فلا إخالك) خطاب للحجاج، أي: لا أظنك، وهو بفتح الهمزة وكسرُها
أشهر، وقال الطيبي(١): الظاهر: فلا إخاله إلا إياك، قدَّمت المفعول الثانيَ للاهتمام،
فتأمل.
٥٩٩٥ - [١٧] (جابر) قوله: (أحرقتنا نبال) فاعل أحرقت، والنبل: السهام
لا واحد [له]، أو واحده نبلة، وجمعه أنبال ونبال نُبلان، كذا في (القاموس).
٥٩٩٦ - [١٨] (عبد الرزاق) قوله: (عن ميناء) بكسر الميم وبالمد والقصر،
والمد أشهر، تابعي، وضعفوه، قال في (الكاشف)(٢): ميناء عن مولاه ابن عوف
وعثمان، وعنه والد عبد الرزاق، ضعفوه، وفي الحاشية: ميناء بن أبي ميناء الخزاز،
قال يحيى: ليس بثقة، وقال أبو زرعة: كان كذاباً، وقال ابن عدي: كان يغلو في
(١) ((شرح الطيبي)) (١٢ / ٣٨٣٩).
(٢) ((الكاشف)» (٢ / ٣١٢).

٥٧٠
(١) باب مناقب قريش وذكر القبائل
(رَحِمَ اللهُ حِمْيَرَاً، أَفْوَاهُهُمْ سَلاَمٌ، وَأَيْدِبِهِمْ طَعَامٌّ، وَهُمْ أَهْلُ أَمْنٍ وَإِيمَانٍ)).
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لاَ نَعْرِفُهُ إِلَّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ،
ويُروى عَنْ مِينَاءَ هَذَا أَحَادِيثُ مَنَاكِيرُ. [ت: ٣٩٣٩].
٥٩٩٧ - [١٩] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ◌َلِ: ((مِمَّنْ أَنْتَ؟)) قُلْتُ:
مِنْ دَوْسٍ. قَالَ: ((مَا كُنْتُ أَرَى أَنَّ فِي دَوْسٍ أَحَداً فِيهِ خَيْرٌ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
[ت: ٣٨٣٨].
٥٩٩٨ - [٢٠] وَعَنْ سَلْمَانَ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((لاَ تُبْغِضُنِي
فَتُفَارِقَ دِينَكَ)) قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! كَيْفَ أُبْغِضُكَ وَبِكَ هَدَانَا اللهُ؟ قَالَ:
(تُبْغِضُ الْعَرَبَ فَتُبْغِضُنِي)).
التشيع، ذكره ابن حبان في (كتاب الثقات)(١)، روى له الترمذي حديثاً واحداً،
و(حمير) بكسر الحاء وسكون الميم وفتح الياء، أبو قبيلة من اليمن.
وقوله: (أفواههم سلام) أي: ذات سلام، أي: يفشون السلام، جعلهم نفسَ
السلام مبالغة، وكذا قوله: (وأيديهم طعام) وصفها بالتواضع والسخاوة، وهما
أصل المكارم في أداء حقوق الناس .
وقوله: (هذا) بدل من (ميناء) أو صفة.
٥٩٩٧ - [١٩] (عنه) قوله: (من دوس) بفتح الدال، وروي بالضم، وفي
الحديث منقبة لأبي هريرة ومذمة لدوس لولا أبو هريرة.
٥٩٩٨ - [٢٠] (سلمان) قوله: (فتفارق) بالنصب جواباً للنهي.
وقوله: (تبغض العرب) المراد به ما يشمل الأعراب، كان سلمان عظته عجمياً
(١) ((كتاب الثقات)) (٦٥٩٥).

٥٧١
(٣٠) كتاب المناقب
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٩٢٧].
٥٩٩٩ - [٢١] وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَقَّنَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((مَنْ
غَشَّ الْعَرَبَ لَمْ يَدْخُلْ فِي شَفَاعَتِي، وَلَمْ تَنَلْهُ مَوَذَّتِي)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ:
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، لَاَ نَعْرِفُهُ إِلَّ مِنْ حَدِيثٍ حُصَيْنِ بْنِ عُمَرَ، وَلَيْسَ هُوَ
عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ بِذَاكَ الْقَوِيِّ. [ت: ٣٩٢٨
٦٠٠٠ - [٢٢] وَعَنْ أَمِّ الْحَرِيرِ مَوْلاَةٍ طَلْحَةَ بْنِ مَالِكٍ قَالَتْ: سَمِعْتُ
مَوْلاَيَ يَقُولَ: قَالَ رَسُولُ اللهِّهِ: (مِنِ اقْتِرَابِ السَّاعَةِ هَلاَكُ الْعَرَبِ)). رَوَاهُ
التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٩٢٩
٦٠٠١ - [٢٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَهِ: ((الْمُلْكُ
فِي قُرَيْشٍ، وَالْقَضَاءُ فِي الأَنْصَارِ،
فارسياً [ولعله] كان يهين بعض فقرائهم ويفاخر عليهم، فنبّهه وَّ على ذلك، أو على
مظنة أن يبغضهم ويهينهم وإن لم يقع، والله أعلم.
٥٩٩٩ - [٢١] (عثمان بن عفان) قوله: (من غش العرب) بمعجمتين، أي:
خان وبغض، في (القاموس)(١): غشه: لم يمحِّضه النصح، أو أظهر له خلاف
ما أضمره، كغشَّشه، والغش بالكسر: الاسم منه، والغل، والحقد.
٦٠٠٠ - [٢٢] (أم الحرير) قوله: (وعن أم الحرير) بحاء مهملة مفتوحة
ورائین علی وزن نصير .
وقوله: (من اقتراب الساعة) أي: من أماراتها .
٦٠٠١ - [٢٣] (أبو هريرة) قوله: (والقضاء في الأنصار) قيل: المراد النقابة؛
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٥٣٩).

٥٧٢
(١) باب مناقب قريش وذكر القبائل
وَالأَذَانُ فِي الْحَبَشَةِ، وَالأَمَانَةُ فِي الأَزْدِ)). يَعْنِي الْيَمَنَ. وَفِي رِوَايَةٍ مَوْقُوفاً.
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا أَصَحُ. [ت: ٣٩٣٦].
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٦٠٠٢ - [٢٤] عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُطِيعٍ عَنْ أَبِهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ﴾
يَقُولُ يَوْمَ فَتْحِ مَّةَ: ((لاَ يُقْتَلُ قُرَشِيٍّ صِّبْراً بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَة )).
رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٧٨٢].
٦٠٠٣ - [٢٥] وَعَنْ أَبِي نَوْفَلٍ مُعَاوِيَةَ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ: رَأَيْتُ عَبْدَاللهِ
ابْنَ الزُّبَيْرِ عَلَى عَقَبَةِ الْمَدِينَةِ، قَالَ: فَجَعَلَتْ قُرَيْشٌ تَمُرُّ عَلَيْهِ وَالنَّاسُ حَتَّى مَرَّ
عَلَيْهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ فَوَقَفَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: السَّلاَمُ عَلَيْكَ أَبَا خُبَيْبٍ، السَّلامُ
عَلَيْكَ أَبَا خُبَيْبٍ، .
لأن النقباء كانوا من الأنصار، وقيل: القضاء المعروف لبعثه ◌َل﴿ معاذا قاضياً إلى
اليمن، وقال له: (أعلمهم بالحلال والحرام معاذ)، ولعل المراد أنه ينبغي أن تراعى
هذه المناصب فيهم، فهو خبر في معنی الأمر.
وقوله: (موقوفاً) أي: على أبي هريرة من غير أن يرفعه إلى النبي وَار.
الفصل الثالث
٦٠٠٢ - [٢٤] (عبد الله بن مطيع) قوله: (لا يقتل قرشي صبراً) أي: وهو مرتد
عن الإسلام ثابت على الكفر، إذ قد وجد من قريش من قتل صبراً، وقيل: النفي
بمعنی النھي فالكلام على إطلاقه.
٦٠٠٣ - [٢٥] (أبو نوفل) قوله: (على عقبة المدينة) العقبة بفتحات: مرقى
الجبال، والمراد عقبة بمكة واقعة على طريق المدينة، يريد الحجون بالمعلى، وكان

٥٧٣
(٣٠) كتاب المناقب
السَّلاَمُ عَلَيْكَ أَبَا خُبَيْبٍ، أَمَا وَاللهِ لَقَدْ كُنْتُ أَنْهَاكَ عَنْ هَذَا، أَمَا وَاللهِ لَقَدْ
كُنْتُ أَنْهَاكَ عَنْ هَذَا، أَمَا وَاللهِ لَقَدْ كُنْتُ أَنَّهَاكَ عَنْ هَذَا، أَمَا وَاللهِ إِنْ كُنْتَ
مَا عَلِمْتُ صَوَّاماً قَوَّاماً وَصُولاً لِلرَّحِمِ، أَمَا وَاللهِ لِأُمَّةٌ أَنْتَ شَرُهَا لِأُمَّةُ سَوْءٍ
- وَفِي رِوَايَةٍ: لأُمَّةُ خَيْرٍ -.
عبدالله بن الزبير مصلوباً عليه، صلبه الحجاج.
وقوله: (السلام عليك أبا خبيب) مكرر ثلاثاً، وأبو خبيب بالخاء المعجمة
والموحدتين بلفظ التصغير كنية عبدالله بن الزبير، وفيه استحباب السلام على الميت.
وقوله: (لقد كنت أنهاك عن هذا) مكرر ثلاثاً، وهذا إشارة إلى مُؤْجِب الصلب
وسببه، وهو الخروج ودعوى الإمامة ومخالفة هؤلاء الأشرار.
و(إن) في قوله: (إن كنت) مخففة من المثقلة و(ما) مصدرية، أي: فيما علمت،
و(وصولاً) بفتح الواو.
وقوله: (لأمة) مبتدأ و(أنت شرها) صفة .
وقوله: (لأمة سوء) بالإضافة خبره، وفي رواية: (لأمة شر).
وقوله: (في رواية: لأمة خير) ونقل الطيبي(١) عن النووي(٢): هذه الرواية هي
التي عليها الجمهور، ورواية: (لأمة سوء) خطأ وتصحيف، انتهى.
وفي (المشارق)(٣): ويروى: (خيار)، وعند السمرقندي: (لأمة شر)، وهو
خطأ، والوجه الأول، وقال: ويروى (أشرها)، قال ابن قتيبة: لا يقال: أَشرُّ ولا أَخْيرُ،
وإنما يقال: شر وخير، انتهى.
(١) ((شرح الطيبي)) (١٢ / ٣٨٣٨).
(٢) كذا في لاأصل وهو سبق قلم، والصواب: ((عن القاضي عياص)).
(٣) ((مشارق الأنوار)) (١ / ٢٥٠، ٢ / ٢٤٧).

٥٧٤
(١) باب مناقب قريش وذكر القبائل
ثُمَّ نَفَذَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، فَبَلَغَ الْحَجَّاجَ مَوْقِفُ عَبْدِ اللهِ وَقَوْلُهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ
فَأُنْزِلَ عَنْ جِذْعِهِ، فَأُلْقِيَ فِي قُبُورِ الْتَهُودِ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى أُمَّهِ أَسْمَاءَ بِنْتِ
أَبِي بَكْرٍ فَأَبَتْ أَنْ تَأْتِيَهُ، فَأَعَادَ عَلَيْهَا الرَّسُولَ لَتَأْنِّي أَوْ لِأَبْعَثَنَّ إِلَيْكِ مَنْ
يَسْحَبُّكِ بِقَرُونِكِ. قَالَ: فَأَبَتْ، وَقَالَتْ:
هذا ولا يظهر وجهُ كون ([لأمة] شر) خطأً، فإن كان من حيث الرواية فلا مناقشة
في ذلك، وأما من حيث المعنى فلا يظهر لنا معنَى واضح لهذين الكلامين حتى نعلم
كون أحدهما صواباً والآخر خطأ، والذي يسنح الآن هو أن المراد بقوله: (لأمة أنت
شرها) أي: في اعتقادهم وظنهم، فيكون حاصله أن أمة تحكم بكونك شرهم أمة سوء،
وبقوله: (لأمة خير) التعريض والاستهزاء، يعني أنهم يظنون كونهم خيراً وليس الأمر
كذلك، هذا ولكن المعنى الأول أظهر، ومع ذلك حكموا بأنه خطأ، ولعل ذلك من
حيث الرواية، والله أعلم.
وقوله: (ثم نفذ) أي: مضى وذهب، من قولهم: طريق نافذ: سالك، والنفاذ
والنفوذ: جواز الشيء [عن الشيء] والخلوص منه.
وقوله: (فبلغ الحجاج) بالنصب، و(موقف) فاعل (بلغ)، (فأنزل) أي: ابن
الزبير (عن جذعه) بكسر الجيم وسكون الذال، أي: الخشبة التي صلب عليها.
وقوله: (فألقي في قبور اليهود) ولم يعرف بمكة قبور اليهود، ولعله كان إذ
ذاك، أو أخرج من مكة وأرسل إلى مكان كان فيه قبور اليهود كالمدينة وغيرها، والله
أعلم.
وقوله: (لتأتيني) على لفظ المخاطبة الواحدة بإدغام نونها في نون الوقاية،
و(يسحبك) أي: يجرك، سحبه: جره على وجه الأرض فانسحب، والمراد بـ (قرونها)
ضفائر شعرها .

٥٧٥
(٣٠) كتاب المناقب
وَاللهِ لاَ آتِيكَ حَتَّى تَبْعَثَ إِلَيَّ مَنْ يَسْحَبُنِي بِقُرُونِي. قَالَ: فَقَالَ: أَرُونِي سِبْقَيَّ
فَأَخَذَ نَعْلَيْهِ، ثُمَّانْطَلَقَ يَتَوَذَّفُ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهَا، فَقَالَ: كَيْفَ رَأَنْتِي صَنَعْتُ
بِعَدُوِّ اللهِ؟ قَالَتْ: رَأَيْتُكَ أَفْسَدْتَ عَلَيْهِ دُنْيَاهُ، وَأَفْسَدَ عَلَيْكَ آخِرَتَكَ، بَلَغَنِي
أَنَّكَ تَقُولُ لَهُ: يَا ابْنَ ذَاتِ النِّطَاقَيْنِ، أَنَا وَاللهِ ذَاتُ النِّطَاقَيْنِ، أَمَّا أَحَدُهُمَا
فَكُنْتُ أَرْفَعُ بِهِ طَعَامَ رَسُولِ اللهِّهِ وَطَعَامَ أَبِي بَكْرٍ مِنَ الدَّوَابٌّ، وَأَمَّا الآخَرُ
فَنِطَاقُ الْمَرْأَةِ الَّتِي لاَ تَسْتَغْنِي عَنْهُ، .
وقوله: (سبتي) بلفظ التثنية مضافاً إلى ياء المتكلم، والسِّبْتِية بكسر السين
المهملة وسكون الموحدة وكسر الفوقانية وتشديد التحتانية: النعل لا شعر عليها،
منسوبة إلى السبت بالكسر: جلود البقر المدبوغة، أو كلُّ جلدٍ مدبوغ أو [المدبوغ]
بالقَرَظ، يتخذ منها النعال، سمي بذلك لأن شعرها قد سبت عنها، أي: حلق
وأزيل.
وقوله: (يتوذف) بالذال المعجمة والفاء، أي: يقارب الخطو ويحرك منكبيه
متبختراً، أو يسرع، كذا في (القاموس)(١).
وقوله: (أنا والله ذات النطاقين) سماها بذلك رسول الله صل﴿ لما شقت نطاقها
شقين فشدت بأحدهما سفرة رسول الله وَ ر حين كان في غار ثور، وبالأخرى وسطها
أو قربته، وكأن الظاهر [أن الحجاج] حمل قوله وبلجر: (ذات النطاقين) على الذم كناية
عن كونها خادمة خَرَّاجة، ولم تُعرف أيُّ فضيلة فوق خدمة النبي ◌ّ في تلك الحال،
و(النطاق) بالكسر: شُقة تلبسها المرأة وتشد وسطها، فترسل الأعلى على الأسفل إلى
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٧٧٣).

٥٧٦
(١) باب مناقب قريش وذكر القبائل
أَمَا إِنَّ رَسُولَ اللهِّهِ حَدَّثَنَا: ((أَنَّ فِي ثَقِيفٍ كَذَّاباً وَمُبِيراً)). فَأَمَا الْكَذَّابُ
فَرَأَيْنَاهُ، وَأَمَّا الْمُبِيرُ فَلاَ إِخَالُكَ إِلَّ إِيَّهِ، قَالَ: فَقَامَ عَنْهَا وَلم يُرَاجِعِهَا. رَوَاهُ
مُسْلِمٌ. [م: ٢٥٤٥].
٦٠٠٤ - [٢٦] وَعَنْ نَافِعٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَتَهُ رَجُلاَنِ فِي فِتْنَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ،
فَقَالاَ: إِنَّ النَّاسَ صَنَعُوا مَا تَرَى، وَأَنْتَ ابْنُ عُمَرَ وَصَاحِبُ رَسُولِ اللهِ الَّهُل
فَمَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَخْرُجَ؟ فَقَالَ: يَمْنَعُنِي أَنَّ اللّهَ حَرَّمَ عَلَيَّ دَمَ أَخِي الْمُسْلِمِ.
قَالاَ: أَلَمْ يَقُلِ اللهُ: ﴿وَقَائِلُوهُمْ حَّ لَا تَكُونَ فِئْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣]، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ:
قَدْ قَاتَلْنَا حَتَّى لَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ وَكَانَ الدِّينُ لِلَّهِ، وَأَنْتُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تُقَاتِلُوا حَتَّى
تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِغَيْرِ اللهِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٤٢٤٣].
الأرض، والأسفل ينجرّ إلى الأرض، كذا في (القاموس)(١)، وانتطقت: لَبِسْها،
والرجل: شد وسطه بمنطقة، كتنطَّق. وفي المثل: مَنْ يَطُلْ هَنُ أَبِيِهِ يَنْتَطِقْ بِهِ، أي:
من كثر بنو أبيه يتقوى بهم.
وقوله: (أما الكذاب فرأيناه) إشارة إلى المختار بن أبي عبيد المذكور في
(الفصل الثاني).
٦٠٠٤ - [٢٦] (نافع) قوله: (إن الناس صنعوا ما ترى) أي: من الاختلاف
بينهم في أمر الإمامة والبيعة .
وقوله: (حرم علي) زيادة (عليَّ) للإشارة إلى تجنبه وأخذه طريق الاحتياط في
ذلك، وإلا فیکفي أن يقول: حرم دم المسلم.
وقوله: (قد قاتلنا ... إلخ)، أي: مع رسول الله وَّر والخلفاء الراشدين.
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٨٣٣).

٥٧٧
(٣٠) كتاب المناقب
٦٠٠٥ - [٢٧] وَعَن أبي هريرةَ قَالَ: جَاءَ الطَّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو الدَّوْسِيُّ
إِلَى رَسُولِ اللهِوَلِ فَقَالَ: إِنَّ دَوْساً قَدْ هَلَكَتْ عَصَتْ وَأَبَتْ، فَادْعُ اللّهَ عَلَيْهِمْ،
فَظَنَّ النَّاسُ أَنَّهُ يَدْعُو عَلَيْهِمْ فَقَالَ: ((اللّهُمَّ اهْدِ دَوْساً وَأْتِ بِهِمْ)). مُتَفَقٌّ عَلَيْهِ.
[خ: ٤٣٩٢، م: ٢٥٢٤].
٦٠٠٦ - [٢٨] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَهِ: ((أَحِبُّوا
الْعَرَبَ لِثَلاَثِ: لِأَنِّي عَرَبِيٍّ، وَالْقُرْآنُ عَرَبِيٌّ، وَكَلاَمُ أَهْلِ الْجَنَّةِ عَرَبِيٌّ)).
رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي ((شَعَبِ الإِيمَانِ)). [شعب: ١٣٦٤].
٢ - باب مناقب الصحابة
٦٠٠٥ _ [٢٧] (أبو هريرة) قوله: (قد هلكت عصت) بدون الواو، وقيل :
(عصت) استئنافٌ لبيان سبب الهلاك.
وقوله: (وأت بهم) يعني: مسلمين.
٦٠٠٦ - [٢٨] (ابن عباس) قوله: (والقرآن) بالرفع(١)، وكذا قوله: (وكلام
أهل الجنة) يعني: للعرب فضل في الدنيا والآخرة.
٢ - باب مناقب الصحابة
الصحابي من لقي النبي ◌ّ﴾ مؤمناً به ومات على الإسلام وإن تخللت ردةٌ على
الأصح كأشعث بن قيس، فإنه كان ممن ارتد، ثم أتي به إلى أبي بكر الصديق أسيراً،
(١) قال القاري (٩/ ٣٨٧٤): بالنصب ويرفع.

٥٧٨
(٢) باب مناقب الصحابة
فعاد إلى الإسلام فقبل منه ذلك وزوجه أخته، ولم يتخلف أحد عن ذكره في الصحابة
ولا عن تخريج أحاديثه في المسانيد وغيرها.
وإنما قال: على الأصح، إشارةً إلى الخلاف في المسألة، وتحقيق هذا التعريف
يطلب من كتب أصول الحديث، وقد اشترط بعض الأصوليين طول صحبته مع النبي بَيّ
وملازمته له وأخذه منه وأقله ستة أشهر؛ لأن الصحبة في العرف لا تطلق على رؤية أو
لُقِيٍّ، هذا ولكن لا يعرف لتعيين مدة ستة أشهر أو أكثر من ذلك دليل، والله أعلم.
وقال الشيخ(١): لا خفاء في رجحان رتبة من لازمه وم* وقاتل معه أو قتل تحت
رايته على من لم يلازمه، أو لم يحضر معه مشهداً، أو على من كلمه يسيراً، أو ماشاه
قليلاً، أو رآه من بعيد، أو في حال الطفولية، وإن كان شرف الصحبة حاصلا للجميع،
انتھی .
ويعرف كونه صحابياً بالتواتر، أو الاستفاضة، أو الشهرة، أو بإخبار بعض
الصحابة، أو بعض ثقات التابعين، أو بإخباره عن نفسه بأنه صحابي إذا كان دعواه
يدخل تحت الإمكان .
ثم إنه قد ثبت بالآيات والأحاديث فضل الصحابة وشرفهم ما لا سبيل معه إلى
الإنكار والشك في ذلك، وموتهم على الكفر كما يزعم الروافض، وما نقل من ذلك
عن واحد أو اثنين منهم كعبدالله بن جحش وابن خطل فنادر، ولم يكن إيمانهم
حقيقةً، أو لم يكونوا داخلين في حيطة هذه الفضائل والكرامات، وقد أُخذ من قوله:
﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح: ٢٩] كفرُ من يبغضهم ويغيظهم، مع ما ثبت منهم من الهجرة
(١) ((نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر)) (ص: ١١٣).

٥٧٩
(٣٠) كتاب المناقب
والجهاد ونصرة الإسلام وبذل المهج والأموال وقتل الآباء والأولاد والمناصحة في
الدين وقوة الإيمان واليقين.
وقال إمام عصره أبو زرعة الرازي(١) من أجل شيوخ مسلم: إذا رأيت الرجل
ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله ﴿ فاعلم أنه زنديق، وذلك أن رسول الله وَله
حق، والقرآن حق، وما جاء به حق، وما أدى إلينا ذلك إلا الصحابة، فمن جرحهم
إنما أراد به إبطال الكتاب والسنة، فيكون الجرح به ألصق، والحكم عليه بالزندقة
والضلال والكذب والعناد هو الأقوم الأحق.
وقال ابن حزم: الصحابة كلهم من أهل الجنة قطعاً، وفي الحقيقة يلحق منه
المنقصة إلى رسول الله وَيهر حيث بُعث إلى كافة الخلق وهدايتهم وإخراجهم من الكفر
والضلال، ويكون بحيث لم يهتد من صحابته ولم يُختم لهم بالإيمان إلا نفر قليل
كستة أو سبعة، ومن سواهم كلهم ماتوا على الضلال والكفر، نعوذ بالله من أمثال هذه
الكلمات، فمِن ثَم أجمع أهل السنة والجماعة أنه يجب على كل مسلم تزكية جميع
الصحابة وتعديلهم، والكفُّ عن سبهم والطعن فيهم، والثناءُ عليهم؛ لأن الله تعالى
ورسوله عدلهم وزكاهم وأثنى عليهم.
ونحو ذلك قال شيخ شيوخ زمانه شهاب الدين عمر السهروردي في (أعلام
الهدى): اعلم أن أصحاب رسول الله وَّ ورضي عنهم مع نزاهة بواطنهم وطهارة قلوبهم
كانوا بشراً، وكانت لهم نفوس تظهر بصفاتها وقلوبُهم منكرة لذلك، فيرجعون إلى
حكم قلوبهم وينكرون ما كان من نفوسهم، انتهى (٢).
(١) انظر: ((الصواعق المحرقة)) (٢ / ٦٠٩).
(٢) انظر: ((الأساليب البديعة في فضائل الصحابة)) (ص: ٣٦).

٥٨٠
(٢) باب مناقب الصحابة
وذهب بعض العلماء الشافعية وغيرهم إلى أن اختصاص الحكم بالعدالة بمن
لازم رسول الله وسي* ونصره دون من اجتمع به يوماً أو لغرض، وهذا قول غريب يخرج
به كثير من المشهورين بالصحبة والرواية عن الحكم بالعدالة كوائل بن حجر ومالك بن
الحويرث وعثمان بن أبي العاص، وغيرهم ممن وفد عليه وَّل ولم يُقم عنده إلا قليلا
وانصرف، والقول بالتعميم هو الذي صرح به الجمهور وهو المعتبر، والله أعلم.
وقال في (الصواعق المحرقة)(١): اعلم أنه وقع خلاف في التفضيل بين الصحابة
ومن جاء بعدهم من صالحي هذه الأمة، فذهب أبو عمر بن عبد البر إلى أنه يوجد
فيمن أتى بعد الصحابة من هو أفضل من بعض الصحابة، واحتج على ذلك بخبر:
(طوبى لمن رآني وآمن بي ولمن لم يرني وآمن بي) سبع مرات، وبخبر عمر ته قال:
كنت جالساً عند النبي وسلم فقال: (أتدرون أيُّ الخلق أفضل إيماناً؟) قلنا: الملائكة،
قال: (وحق لهم بل غيرهم)، قلنا: الأنبياء، قال: (وحق لهم بل غيرهم)، ثم قال ◌َّ:
(أفضل الخلق إيماناً قوم في أصلاب الرجال يؤمنون بي ولم يروني، فهم أفضل الخلق
إيماناً)، وبحديث: (مثل أمتي كمثل المطر لا يُدرى آخره خير أم أوله)، وبخبر: (ليدركن
المسيح أقواماً إنهم لمثلكم أو خير) ثلاثاً، وبخبر: (تأتي أيام للعامل فيهن أجر خمسين)،
قيل: منهم أو منا يا رسول الله؟ قال: (بل منكم)، وبما روي عن عمر بن عبد العزيز
لما ولي الخلافة كتب إلى سالم بن عبدالله بن عمر: أن اكتب لي سيرة عمر بن الخطاب
لأعمل بها، فكتب إليه سالم: إن عملت بسيرة عمر فأنت أفضل من عمر؛ لأن زمانك
ليس كزمان عمر، ولا رجالك كرجال عمر، وكتب إلى فقهاء زمانه فكلهم کتب بمثل
(١) (٢ / ٦١١ - ٦١٤) .