Indexed OCR Text
Pages 461-480
٤٦١ (٢٩) كتاب الفضائل والشمائل وَسَالَ الْوَادِيُّ قَنَاةً شَهْراً، وَلَمْ يَجِئْ أَحَدٌ مِنْ نَحِيَةٍ إِلَّ حَدَّثَ بِالْجَوْدِ. وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: «اللهُمَّ حَوَالَیْنَا وَلاَ عَلَيْنَا، أي: حتى صار السحاب محيطاً بآفاق المدينة دونها، وفي (القاموس)(١): الجوب: الترس، والجوبة: الحفرة، والمكان الوطيء، وجاء في رواية: وصارت المدينة کالإکلیل. وقوله: (وسال الوادي قناة) بفتح القاف وتخفيف النون، والمشهور في الرواية بالنصب على الحال، أي: مثل قناة، أو على المصدر، أي: سيلان قناة، والشبه في الدوام والاستمرار والقوة، وعلى هذا لا يتم ما قيل: إن تفسير قناة بالرمح أولى منه بما حفر في الأرض واستنبط منه الماء، ويقال بالفارسية: كاريز، لأنه قلما تبلغ القُنِيُّ في كثرة مائها مبلغ السيول، وظهر أن جعلها تمييزاً على المعنى الأول بمعنى قدر قناة ضعيف لما ذكر، ولأن القُنِيُّ يختلف مقاديرها بحسب اختلاف متابعها وموادها، فيتفاوت تفاوتاً، ويصح على تقدير إرادة الرمح مبالغة، فافهم. وفي بعض الحواشي: أن قناة علم أرض ذات مزارع بناحية أحد، وأوديتها أحد أودية المدينة المشهورة، وذكروا أن أول من سماه وادي قناة تبع اليماني لما قدم يثرب قبل الإسلام، ولعله من تسمية الشيء باسم ما حاذاه، وقناة في هذه الرواية بالضم على البدل أو البيان. وفي رواية البخاري: حتى سال الوادي وادي قناة(٢)، وعلى هذه الرواية قناة مفتوح بغير تنوين . وقوله: (إلا حدث بالجود) أي: أخبر به، والجود بفتح الجيم وسكون الواو: (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٧٨). (٢) أخرجه البخاري في ((صحيحه)) (١٠٣٣). ٤٦٢ (٧) باب في المعجزات اللهُمَّ عَلَى الآحَامِ وَالظَّرَابِ وَبُطُونِ الأَوْدِيَةِ وَمَنَبِتِ الشَّجَرِ)). قَالَ: فَأُقْلِعَتْ، وَخَرَجْنَا نَمْشِي فِي الشَّمْسِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٠٣٣، م: ٨٩٧]. ٥٩٠٣ - [٣٦] وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ إِذَا خَطَبَ اسْتَنَدَ إِلَى جِذْعِ نَخْلَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، فَلَمَّ صُنِعَ لَهُ الْمِنْبَرُ فَاسْتَوَى عَلَيْهِ، صَاحَتِ النَّخْلَةُ الَّتِي كَانَ يَخْطُبُ عِنْدَهَا حَتَّى كَادَتْ أَنْ تَنْشَقَّ، فَنَزَلَ النَّبِيُّ ◌َِّ حَتَّى أَخَذَهَا فَضَمَّهَا إِلَيْهِ، . المطر الغزير، أو ما لا مطر فوقه، جمع جائد، كذا في (القاموس)(١). وقوله: (والآكام) بفتح الهمزة ممدودة وكسرها مقصورة جمع أكمة محركة، وهو ما ارتفع من الأرض، وفي (القاموس)(٢): الأكمة محركة: الموضع الذي أشد ارتفاعاً مما حوله، وهو غليظ لا يبلغ أن يكون حجراً، والجمع أُكَمِّ، محركةٍ، وبضمتين، وكأَجْبُل وجبال وأَجْبَال، و(الظراب) بالظاء المعجمة جمع ظرب ككتف: ما نتأ من الحجارة وحُدّ طرفه، أو الجبل المنبسط، أو الصغير. وقوله: (فأقلعت) بلفظ المجهول من الإقلاع، يقال: أقلع المطر: انقطع، وأقلعت عنه الحمى: فارقته، كذا في (النهاية)(٣)، والضمير في (أقلعت) للسحاب، فإنه اسم جنس أو جمع سحابة . ٥٩٠٣ - [٣٦] (جابر) قوله: (إلى جذع نخلة) بكسر الجيم وسكون الذال أي: ساقها، و(سواري المسجد) أسطواناته جمع سارية. (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٢٦٣). (٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٩٩٤). (٣) ((النهاية)) (٤ / ١٠٢). ٤٦٣ (٢٩) كتاب الفضائل والشمائل فَجَعَلَتْ تَتِّنُّ أَنِيْنَ الصَّبِيِّ الَّذِي يُسَكَّتُ حَتَّى اسْتَقَرَّتْ، قَالَ: ((بَكَتْ عَلَى مَا كَانَتْ تَسْمَعُ مِنَ الذِّكْرِ)). رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٥٨٤]. وقوله: (فجعلت تئن أنين الصبي) في (القاموس)(١): أنّ يئن أنَّا وأنيناً وأناناً: تأوّه، وفي (الصراح)(٢): أنين: ناله وناليدن من ضرب يضرب، وجاء في بعض الروايات: حنّ حنين الناقة، والحنين: الشوق والانعطاف، والمراد هنا الصوت الدال علی شوقه إلى رسول الله ێ . وقوله: (يسكت) بلفظ المجهول من التسكيت. اعلم أن حديث حنين الجذع روي عن جماعة من الصحابة من طرق كثيرة يفيد القطع بوقوع ذلك، ونقل في (المواهب اللدنية)(٣) عن العلامة تاج الدين السبكي من أكابر مشاهير علماء الشافعية أنه قال: والصحيح عندي أن حديث حنين الجذع متواتر، وقال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري)(٤): حنين الجذع وانشقاق القمر نقل كل منهما نقلاً مستفيضاً يفيد القطع عند من يطلع على طرق الحديث دون غيرهم مما لا ممارسة له في ذلك، وقال البيهقي: قصة حنين الجذع من الأمور الظاهرة التي حملها الخلف عن السلف، انتهى. وقال القاضي عياض في (الشفا)(٥): حديث حنين الجذع مشهور منتشر، والخبر (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٠٨٤). (٢) ((الصراح)) (ص: ٥٠٠). (٣) ((المواهب اللدنية)) (٢/ ٥٤٢). (٤) «فتح الباري)) (٦ / ٥٩٢). (٥) ((الشفا بتعريف حقوق المصطفى)) (١ / ٣٠٣). ٤٦٤ (٧) باب في المعجزات به متواتر أخرجه أهل الصحيح، ورواه من الصحابة بضعة عشر نفساً، فمنه حديث جابر بن عبدالله قال: (كان المسجد مسقوفاً على جذوع نخل، فكان النبي ◌َّ إذا خطب يقوم إلى جذع، فلما صنع له المنبر سمعنا لذلك الجذع صوتاً كصوت العِشَار)(١)، وفي رواية: حتى ارتج المسجد بخواره(٢)، وفي رواية سهل: وكثر بكاء الناس لما رأوا ما به. وفي رواية أبي: حتى تصدّع وانشق حتى جاء النبي ◌ُّ فوضع يده عليه فسكنت(٣)، وزاد غيره فقال النبي ◌َّ: (إن هذا بكى لما فقد من الذكر)(٤)، وزاد غيره: (والذي نفسي بيده لو لم نلتزمه لم يزل هكذا إلى يوم القيامة تحزناً على رسول الله وَلي)، فأمر به رسول الله فدفن تحت المنبر(٥)، وفي حديث أبي: فكان إذا صلى النبي وَل صلى إليه، فلما هدم المسجد أخذه أبي فكان عنده إلى أن أكلته الأرضة وعاد رُفاتاً(٦)، وذكر الإسفرائني أن النبي ◌َّ دعاه إلى نفسه، فجاء يخرق الأرض فالتزمه، ثم أمره فعاد إلى مكانه. وفي حديث بريدة: فقال - يعني النبي ◌َّ ــ: إن شئت أردك إلى الحائط، أي: البستان الذي كنت فيه تنبت لك عروقك، ويكمل خلقك، ويجدد لك خوص وتمرة، وإن شئت أغرسك في الجنة فيأكل أولياء الله من ثمرك، ثم أصغى له النبي ◌َّ يستمع (١) أخرجه البخاري في «صحيحه)) (٣٥٨٥). (٢) أخرجه ابن خزيمة في ((صحيحه)) (٣/ ١٤٠). (٣) أخرجه ابن ماجه في ((سننه)) (١٤١٤). (٤) أخرجه أحمد في «مسنده)) (٣/ ٣٠٠). (٥) أخرجه ابن حبان في «صحيحه» (٣/ ١٤٠). (٦) أخرجه ابن ماجه في «سننه)) (١٤١٤). ٤٦٥ (٢٩) كتاب الفضائل والشمائل ٥٩٠٤ - [٣٧] وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعَ: أَنَّ رَجُلاً أَكَلَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِعَه بِشِمَالِهِ، فَقَالَ: (كُلْ بِيَمِينِكَ) قَالَ: لاَ أَسْتَطِيعُ. قَالَ: ((لاَ اسْتَطَعْتَ))، مَا مَنَعَهُ إِلاَّ الْكِبْرُ، قَالَ: فَمَا رَفَعَهَا إِلَى فِيهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٠٢١]. ٥٩٠٥ - [٣٨] وَعَنْ أَنَسِ: أَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ فَزِعُوا مَرَّةً، فَرَكِبَ النَّبِيُّ وَلِ فَرَساً لِأَبِي طَلْحَةَ بَطِيْئاً وَكَانَ يَقْطِفُ، فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ: ((وَجَدْنَا فَرَسَكُمْ هَذَا بَحْراً». فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ لاَ يُجَارَى. القول، فقال: بل تغرسني في الجنة فيأكل مني أولياء الله وأكون في مكان لا أبلى فيه، فسمعه من يليه، فقال النبي ◌َّ: (قد فعلت ذلك)، ثم قال: (اختار دار البقاء على دار الفناء)، فكان الحسن إذا حدث بهذا بكى وقال: يا عباد الله! الخشبة تحن إلى رسول الله * شوقاً إليه لمكانه، فأنتم أحق أن تشتاقوا إلى لقائه ێ﴾ . ٥٩٠٤ - [٣٧] (سلمة بن الأكوع) قوله: (ما منعه إلا الكبر) يعني: لا العجز، وهذا قول الراوي ذكره بياناً لموجب دعائه بَله . وقوله: (ما رفعها إلى فيه) أي: ما رفع الرجل يمينه إلى فيه بعد ذلك. ٥٩٠٥ - [٣٨] (أنس) قوله: (يقطف) أي: يتقارب خطاه، من قطف الدابة: ضاق مشيها، من ضرب ونصر، والقطاف بالكسر: مقاربة الخطو. وقوله: (وجدنا فرسكم هذا بحرا) قال الطيبي(١): شبه الفرس بالبحر في سعة خطوه وسرعة جريه، وقيل: سماه بحراً باعتبار أن جريه لا ينفذ كما لا ينفذ البحر. وقوله: (لا يجارى) بلفظ المجهول، من جاراه مجاراة: إذا جرى معه، والمراد (١) ((شرح الطيبي)) (١١ / ١٣٥). ٤٦٦ (٧) باب في المعجزات وَفِي رِوَايَةٍ: فَمَا سُبِقَ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٨٦٧]. ٥٩٠٦ - [٣٩] وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: تُؤُفِّيَ أَبِي وَعَلَيْهِ دَيَّنٌ، فَعَرَضْتُ عَلَى غُرَمَائِهِ أَنْ يَأْخُذُوا الثَّمَرَ بِمَا عَلَيْهِ، فَأَبَوْا فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ◌َّهِ فَقُلْتُ: قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ وَالِدِي اسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَتَرَكَ دَيْناً كَثِيراً، وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ يَرَاكَ الْغُرَمَاءُ، فَقَالَ لِيَ: ((اذْهَبْ فَيْدِرْ كُلَّ تَمْرٍ عَلَى نَحِيَةٍ)) فَفَعَلْتُ، ثُمَّ دَعَوْتُهُ، فَلَمَّا نَظَرُوا إِلَيْهِ كَأَنَّهُمْ أُغْرُوا بِي تِلْكَ السَّاعَةَ، فَلَمَّا رَأَى مَا يَصْنَعُونَ طَافَ حَوْلَ أَعْظَمِهَا بَيْدَرَأَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ جَلَسَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ((ادْعُ لِي أَصْحَابَكَ)) . فَمَا زَالَ يَكِيلُ لَهُمْ حَتَّى أَذَّى اللهُ عَنْ وَالِدِي أَمَانَتَهُ، وَأَنَا أَرْضَى أَنْ يُؤدِّيَ اللهُ أَمَانَةَ وَالِدِي، وَلاَ أَرْجِعُ إِلَى أَخَوَاتِي بِتَمْرَةٍ» . المعارضة، وفي رواية: لا يحاذى بالحاء المهملة والذال المعجمة. ٥٩٠٦ - [٣٩] (جابر) قوله: (فبيدر) بكسر الدال: أمر بجمع كل قسم من التمر في بیدرة، وهو الكدس. وقوله: (أغروا بي) بلفظ الماضي المجهول من الإغراء، أي: أغراهم الناس على المطالبة بطريق الدجاج والإلحاح، وأصله كقوله تعالى: ﴿فَأَغْرَّنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءَ﴾ [المائدة: ١٤] بمعنى ألقيناهما، وأصله من الغراء بالكسر والمد، وإذا فتحت الغين قصرته: شيء يلزق به، يقال له بالفارسية: سريشم، وغروت الجلد: ألصقته بالغراء، وقوس مغروة ومغرية، والضمير في (أعظمها) للبيادر أو الصُّبَر المفهومة من السياق، والمراد بـ (الإمانة) هنا الدين. وقوله: (ولا أرجع) بالنصب عطف على (يؤدي)، وفي بعض النسخ بالرفع فيكون حالاً بتقدير: وأنا لا أرجع، وكان لجابر أخوات تركهن أبوه، وجاء في حديث ٤٦٧ (٢٩) كتاب الفضائل والشمائل فَسَلَّمَ اللهُ الْبَادِرَ كُلَّهَا، وَحَتَّى إِنِّي أَنْظُرُ إِلَى الْبَيْدَرِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ◌َ﴾ كَأَنَّهَا لَمْ تَنْقُصْ تَمْرَةٌ وَاحِدَةٌ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٤٠٥٣]. ٥٩٠٧ - [٤٠] وَعَنْهُ قَالَ: إِنَّ أُمَّ مَالِكٍ كَانَتْ تُهْدِي لِلنَّبِّ ◌َّهِ فِي عُكَّةٍ لَهَا سَمْناً، فَيَأْتِيهَا بَنُوهَا فَيَسْأَلُونَ الأُدُمَ، وَلَيْسَ عِنْدَهُمْ شَيْءٌ فَتَعْمِدُ إِلَى الَّذِي كَانَتْ تُهْدِي فِيهِ لِلنَِّّ ◌َ﴿ فَتَجِدُ فِيهِ سَمْناً، فَمَا زَالَ يُقِيمُ لَهَا أُدُمَ بَيْتِهَا، حَتَّى عَصَرَتْهُ، فَأَتَتِ النَّبِيَّ ◌َّ آخر حين قال له رسول الله صل: (هلا تزوجت بكراً)، أنه قال: إنما تزوجت ثيباً لتخدم أخواتي وهن صغائر(١)، أو كما قال. وقوله: (البيدر الذي كان عليه النبي ◌َّير) مع أنه قد أدى الدين من ذلك البيدر، فالبيادر التي غيره سلمت بطريق الأولى، و(تمرة واحدة) بالرفع والنصب، ونقص لازم ومتعد، والضمير في (كأنها) للقصة . ٥٩٠٧ - [٤٠] (وعنه) قوله: (في عكة) بضم المهملة وتشديد الكاف: آنية السمن أصغر من القربة . وقوله: (فيأتيها) أي: أم مالك (بنوها). وقوله: (وليس عندهم شيء) أي: من الأدم لإهدائها السمن إليه وَّر، ويظهر من هذا أن السمن أدم. وقوله: (فتعمد) أي: أم مالك (إلى الذي) أي: الظرف الذي، والضمير في (يقيم) لهذا الظرف أو للسمن الذي فيه، و(أدم بيتها) مفعوله، وكذا في (حتى عصرته)، (١) أخرجه البخاري في ((صحيحه)) (٢٩٦٧). ٤٦٨ (٧) باب في المعجزات فَقَالَ: ((عَصَرْتِيهَا؟)) قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: ((لَوْ تَرَكْتِيهَا مَا زَالَ قَائِماً)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٨٨٠]. ٥٩٠٨ - [٤١] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ أَبُو طَلْحَةَ لِأُمَّ سُلَيْمٍ: لَقَدْ سَمِعْتُ صَوْتَ رَسُولِ اللهِ﴿ِ ضَعِيفاً أَعْرِفُ فِيهِ الْجُوعَ، فَهَلْ عِنْدَكِ مِنْ شَيْءٍ؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ، فَأَخْرَجَتْ أَفْرَاصاً مِنْ شَعِيرٍ، ثُمَّ أَخْرَجَتْ خِمَاراً لَهَا، فَلَفَّتِ الْخُبْزَ بِبَعْضِهِ، ثُمَّ دَسَّتْهُ تَحْتَ يَدِي وَلاَثَتَنِي بِبَعْضِهِ، ثُمَّ أَرْسَلَتْنِي إِلَى رَسُولِ اللهِنَِّ فَذَهَبْتُ بِهِ، فَوَجَدْتُ رَسُولَ اللهِنَّه فِي الْمَسْجِدِ وَمَعَهُ النَّاسُ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ : والياء في (عصرتيها) و(تركتيها) أي: العكة لإشباع الكسرة، وهذا في الأحاديث کثیر . ٥٩٠٨ - [٤١] (أنس) قوله: (فأخرجت خماراً) بالكسر: ما سترت المرأة به رأسها، وفي (القاموس)(١): كل ما ستر شيئاً فهو خماره. وقوله: (ثم دسته) أي: أخفته وأدخلته (تحت يدي) يعني إبطي، والدس : الإخفاء ودفن الشيء. وقوله: (ولائتني) من اللوث وهو عصب العمامة، أي: عممتني، أي: غطت ببعض الخمار رأسي، أي: لففت بعضه على رأسي وبعضه على إبطي. وقوله: (في المسجد) قال الشيخ(٢): المراد بالمسجد الموضع الذي أعده (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٣٦١). (٢) «فتح الباري)) (٦/ ٥٨٨). ٤٦٩ (٢٩) كتاب الفضائل والشمائل (أَرْسَلَكَ أَبُو طَلْحَةَ؟)) قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: ((بِطَعَامِ؟)) قُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِِّ لِمَنْ مَعَهُ: ((قُومُوا))، فَانْطَلَقَ وَانْطَلَغْتُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ حَتَّى جِئْتُ أَبَا طَلْحَةَ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: يَا أُمَّ سُلَيْمٍ! قَدْ جَاءَ رَسُولُ اللهَِ﴾ بِالنَّاسِ وَلَيْسَ عِنْدَنَ مَا نُطْعِمُهُمْ، النبي ◌َّي للصلاة فيه حين محاصرة الأحزاب للمدينة في غزوة الخندق. وقوله: (أرسلك) بحذف حرف الاستفهام، أو قال: بهمزة ممدودة للاستفهام. وقوله: (قوموا) ظاهره أنه ◌َّ ه فهم أن أبا طلحة استدعاه إلى منزله وإلا فقد علم أن أبا طلحة وأم سليم أرسلا الخبز مع أنس ◌َّه إليه وشَّ﴾ فلأي شيء قام وانطلق؟ ويمكن أن يقال: إن رسول الله وَّم علم بإرسال الخبز ولكنه قام وانطلق إلى بيت أبي طلحة من غير أن دعاه أبو طلحة إظهاراً للمعجزة والبركة لأصحابه. وقال الشيخ(١): يجمع بأنهما أرادا بإرسال الخبز مع أنس أن يأخذه النبي وشياء صَلىالله فيأكله، فلما وصل أنس ورأى كثرة الناس استحيا، وظهر له أن يدعوه بّ ليقوم معه وحده إلى المنزل فيحصل مقصودهم من إطعامه، أقول: هذا لا يخلو عن بعد؛ لأن أنساً به صغيراً تابعاً لهما فيبعد أن يدعوه من غير إذن منهما، ثم قال: ويحتمل أن يكون ذلك على رأي أبي طلحة أرسله وعهد إليه إذا رأى كثرة الناس دعا النبي وتليه خشية أن لا يكفيهم ذلك النبي ومن معه، وقد عرفوا إيثاره ◌ّر وأنه لا يأكل وحده، قال: وقد وجدت أكثر الروايات تقتضي أن أبا طلحة استدعى النبي ◌َّ في هذه الواقعة، والله أعلم. (١) ((فتح الباري)) (٦ / ٥٨٩). ٤٧٠ (٧) باب في المعجزات فَقَالَتْ: اللّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَانْطَلَقَ أَبُو طَلْحَةَ حَتَّى لَقِيَ رَسُولَ اللهِوَِّ فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللهَِّةِ، وَأَبُو طَلْحَةَ مَعَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((هَلُمِّي يَا أُمَّ سُلَيْمِ مَا عِنْدَكِ) فَأَنَتْ بِذَلِكَ الْخُبْزِ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِوَلِ فَهُثَّ، وَعَصَرتْ أُمُ سُلَيْمِ عُكَّةً فَأَدَمَتْهُ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِّهِ فِيهِ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَقُولَ، ثُمَّ قَالَ: (ْذَنْ لِعَشَرَةٍ))، فَأَذِنَ لَهُمْ، فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: ((ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ»، ثُمَّلِعَشَرَةٍ، فَأَكَلَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ وَشَبِعُوا، وَالْقَوْمُ سَبْعُونَ أَوْ ثَمَانُونَ رَجُلاً. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٥٧٨، م: ٢٠٤٠]. وقوله: (فقالت: الله ورسوله أعلم) قال الشيخ(١): كأنها عرفت أنه فعل ذلك ليظهر الكرامة والبركة في تكثير ذلك الطعام، انتهى. وهذا مما يستأنس به على ما ذكرنا أنه وَيّ إنما قام وانطلق لقصد إظهار المعجزة، فافهم. وقوله: (ففت) بلفظ المجهول من الفت بمعنى الكسر. وقوله: (فأدمته) أي جعلت ما خرج من العكة من السمن إداماً للفتيت. وقوله: (ثم قال: ائذن لعشرة) قيل: إنما لم يأذن للكل مرة واحدة؛ لأن الجمع الكثير إذا نظروا إلى طعام قليل يزداد حرصهم إلى الأكل، ويظنون أن ذلك الطعام لا يشبعهم، والحرص عليه ممحقة للبركة، وقيل: لضيق المنزل، وقال الطيبي(٢): ليكون أرفق بهم، فإن القصعة التي فيها الطعام لا يتحلق عليها أكثر من عشرة إلا بضرر يلحقه لبعدها عنهم. وقوله: (سبعون أو ثمانون) كذا وقع هنا بالشك، وفي غير هذا بالجزم بالثمانين، (١) ((فتح الباري)) (٦ / ٥٩٠). (٢) ((شرح الطيبي)) (١١ / ١٣٨). ٤٧١ (٢٩) كتاب الفضائل والشمائل وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ أَنَّهُ قَالَ: ((ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ) فَدَخَلُوا فَقَالَ: ((كُلُوا وَسَمُّوا الله). فَأَكَلُوا، حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ بِثَمَانِينَ رَجُلاً، ثُمَّ أَكَلَ النَّبِيُّ ◌ِلـ وَأَهْلُ الْبَيْتِ وَتَرَكَ سُؤْراً. وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ قَالَ: ((أَدْخِلْ عَلَيَّ عَشَرَةً». حَتَّى عَذَّ أَرْبَعِينَ، ثُمَّ أَكَلَ النَّبِيُّ وَّهِ، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ هَلْ نَقَصَ مِنْهَا شَيْءٌ؟ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: ثُمَّ أَخَذَ مَا بَقِيَ فَجَمَعَهُ، ثُمَّ دَعَا فِيهِ بِالْبَرَكَةِ فَعَادَ كَمَا كَانَ فَقَالَ: «دُونَكُمْ هَذَا». ٥٩٠٩ - [٤٢] وَعَنْهُ قَالَ: أَتِيَ النَّبِيُّ نَّهِ بِإِنَاءٍ وَهُوَ بِالزَّوْرَاءِ، فَوَضَعَ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ، وفي رواية: بضعة وثمانين، ولا منافاة لاحتمال إبقاء الكسر، لكن في رواية عند أحمد: (حتى أكل منه أربعون وبقيت كما هي)، وهو يفيد التغاير وأن تكون القضية متعددة، كذا قال الشيخ(١)، ويمكن أن يقال: لا ينافي هذا رواية ثمانين، وغاية ما تدل عليه أنه ◌َ ◌ّ أكل بعد تمام أربعين في البين، ولعله أكل أربعون آخرون بعده ◌َّ، والله أعلم. وقوله: (وترك سؤرا) بالهمزة، أي بقية من الطعام، وهذا بعد أن أكلوا، وبقي منه شيء قبل أن دعا فيه بالبركة. وقوله في الرواية الثانية: (فجعلت أنظر هل نقص منها شيء) بعد أن دعا، والرواية الثالثة بيان للروايتين السابقتين فلا منافاة بين الروايات الثلاث، فافهم. ٥٩٠٩ - [٤٢] (وعنه) قوله: (وهو بالزوراء) بفتح الزاي مكان معروف بالمدينة (١) ((فتح الباري)) (٦ / ٥٩١). ٤٧٢ (٧) باب في المعجزات فَجَعَلَ الْمَاءُ يَتْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ، فَتَوَضَّأَ الْقَوْمُ، قَالَ قَتَادَةُ: قُلْتُ لأَنَسِ: كَمْ كُنْتُّمْ؟ قَالَ: ثَلاَثَ مِئَةٍ أَوْ زُهَاءُ ثَلاَثٍ مِئَّةٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٥٧٢، م: ٢٢٧٩]. ٥٩١٠ - [٤٣] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كُنَّا نَعُدُّ الآيَاتِ بَرَكَةً، وَأَنْتُمْ تَعُذُّونَهَا تَخْوِيفاً، كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِنَّهِ فِي سَفَرِ، فَقَلَّ الْمَاءُ فَقَالَ: ((اطْلُوا فَضْلَةً مِنْ مَاءٍ)). فَجَاؤُوا بِإِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ قَلِيلٌ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ، ثُمَّ قَالَ: ((حَيَّ عَلَى الطَّهُورِ الْمُبَارَكِ، . عند السوق، وقد سبق ذكره في (باب الاستسقاء)، و(ينبع) مثلثة الباء، و(زهاء) بضم الزاي ممدوداً، أي: قدر ثلاث مئة تخميناً، زها: قدّر وحَزَرَ. ٥٩١٠ - [٤٣] (عبدالله بن مسعود) قوله: (كنا) أي: أصحاب رسول الله وَل (نعد) أي: نحسب ونعتقد في زمنه وََّ (الآيات) القرآنية التي كانت تنزل من السماء، أو المعجزات التي تظهر على يده، وهذا أوفق بسياق الحديث (بركة) ونوراً يحصل في قلوبنا من ذلك، (وأنتم) خطاب لمن بعدهم، أي: أنتم أيها الناس تحسبون أن فائدتها كانت تخويفاً وإنذاراً للكافرين والمنكرين لها، نعم أنها كانت إنذاراً لهم، ولكنها كانت مورثة للبشارة والبركة في قلوب المؤمنين المحبين المعتقدين، فافهم. ويجوز أن يكون المراد أنه ما كان الغرض من نقل المعجزات في زمن الصحابة إلا التبرك والتيمن بذكر النبي ومعجزاته ◌ّ لعدم المخالفين الذين من شأنهم التخويف والإنذار، بخلاف هذا الزمان الذي جاء بعد فإنه قد يقع الغرض من نقلها ذلك، وهذا حكم باعتبار البعض أو مبالغة، والله أعلم. وقوله: (اطلبوا فضلة) بفتح الفاء وسكون الضاد: البقية كالفضل والفضالة ٤٧٣ (٢٩) كتاب الفضائل والشمائل وَالْبَرَكَةُ مِنَ اللهِ) وَلَقَدْ رَأَيْتُ الْمَاءَ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِ رَسُولِ اللهِ نَّهِ، وَقَدْ كُنَّا نَسْمَعُ تَسْبِيحَ الطَّعَامِ وَهُوَ يُؤْكَلُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٣٥٧٩]. ٥٩١١ - [٤٤] وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِوَلِ فَقَالَ: (إِنَّكُمْ تَسِيرُونَ عَشِيَتَكُمْ وَلَيْلَتَكُمْ، وَتَأْتُونَ الْمَاءَ إِنْ شَاءَ اللهُ غَداً)، فَانْطَلَقَ النَّاسُ لاَ يَلْوِي أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، قَالَ أَبُو قَتَادَةَ: فَبَيْنَمَا رَسُولُ اللهِلَهِ يَسِيرُ حَتَّى ابْهَازَّ اللَّيْلُ فَمَالَ عَنِ الطَّرِيقِ، بالضم، وقد فضل كنصر وحسب، كذا في (القاموس)(١)، قالوا: إنما طلب فضلة من الماء كيلا يظن أنه ﴿ موجد للماء، فإن الإيجاد إلى الله سبحانه، وإليه أشار بقوله: (والبركة من الله)، أقول: وهكذا وقع في تكثير الماء والطعام ونحوهما من وجود بقية يكون كالمادة لها، ولا يدرى سببه في الحقيقة، وكذا أمره وَّر بتغطية الظرف وعدم النظر فيه والتفحص عنه، حتى إذا كشف ونظر ارتفع أثر المعجزة، نعم يذكرون لذلك الوجوه، والله أعلم بحقيقة الأمر. وقوله: (ينبع من بين أصابعه) صريح في خروج الماء من نفس أصابعه دولار ونبوعه منها، ولهذا فضل ذلك على خروج الماء عن الحجر كما لموسى عيا، فلا يلتفت بعد ذلك إلى خلاف قوم وقولهم: إن الله تعالى أكثر الماء في ذاته فصار يفور من بين أصابعه، وأيّ باعث على هذا التأويل! ٥٩١١ - [٤٤] (أبو قتادة) قوله: (لا يلوي) من اللي وهو الميل والانعطاف، أي: لا يميل ولا يلتفت إليه، بل يهتم في طلب الماء ويمشي فيه من غير مراعاة صحبة، و(ابهار الليل) بتشديد الراء على وزن احمار، أي: انتصف، أو تراكبت ظلمته، (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٩٦١). ٤٧٤ (٧) باب في المعجزات فَوَضَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ قَالَ: (احْفَظُوا عَلَيْنَا صَلاَتَنَا)) فَكَانَ أَوَّلَ مَنِ اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللهِنَّهِ وَالشَّمْسُ فِي ظَهْرِهِ، ثُمَّ قَالَ: ((ارْكَبُوا))، فَرَكِبْنَا، فَسِرْنَا حَتَّى إِذَا ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ نَزَلَ، ثُمَّ دَعَا بِمِيضَأَةٍ كَانَتْ مَعِي فِيهَا شَيْءٌ مِنْ مَاءٍ، .... فَتَوَضَّأَ مِنْهَا وُضُوءاً دُونَ وُضُوءٍ، قَالَ: وَبَقِيَ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ مَاءِ، أو ذهبت عامته، أو بقي نحو ثلثه، ويقال: أبهر السيف: انكسر نصفين، كذا في (القاموس) (١)، وفي (مجمع البحار)(٢): ابهار الليل، أي: انتصف، وبهرة كل شيء: وسطه، وقيل: ابهار: إذا طلعت نجومه واستنارت، والأول أكثر. وقوله: (فوضع رأسه) أي للنوم. وقوله: (ثم نزل) أي: في مكان آخر قريب منه لقضاء الصلاة، و(ميضأة) بكسر الميم: مطهرة كبيرة يتوضأ منها، وفي (مجمع البحار)(٣): هي بكسر ميم وبهمزة بعد ضاد: إناء التوضئ شبه المطهرة تسع ماء قدر ما يتوضأ منه، وهي بالقصر مفعلة وبالمد مفعالة، واستدل به بعضهم على استحباب التوضئ من الأواني دون البرك والمشارع لأنه لم ينقل منه وَّة، ولا دليل إذ لم يكن بحضرته وَّلية المياه الجارية والأنهار، ولم ينقل أنه وجدها فعدل عنها . وقوله: (وضوءاً دون وضوء) أي: دون وضوء يتوضأ في سائر الأوقات، أي: توضأ وضوء وسطاً لقلة الماء، أي: لم يصل إلى ثلاث مرات، وقيل: أراد أنه استنجى في هذا الوضوء بالحجر لا بالماء، والأول أظهر بل هو الصواب. (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٣٣٣، ٣٣٤). (٢) ((مجمع بحار الأنوار)) (١ / ٢٣٥). (٣) ((مجمع بحار الأنوار)) (٥ / ٧٥). ٤٧٥ (٢٩) كتاب الفضائل والشمائل ثُمَّ قَالَ: ((احْفَظْ عَلَيْنَا مِضَأَتَكَ فَسَيَكُونُ لَهَا نَبَّأٌ))، ثُمَّ أَذَّنَ بِلاَلٌ بِالصَّلاَةِ، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِوَّهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى الْغَدَاةَ، وَرَكِبَ وَرَكِبْنَا مَعَهُ، فَانْتُهَيْنَ إِلَى النَّاسِ حِينَ امْتَدَّ النَّهَارُ وَحَمِيَ كُلُّ شَيْءٍ، وَهُمْ يَقُولُونَ: يَا رَسُولَ اللهِ! هَلَكْنَا وَعَطِفْنَا، فَقَالَ: ((لاَ هُلْكَ عَلَيْكُمْ) وَدَعَا بِالْمِيضَأَةِ فَجَعَلَ يَصُبُّ، وَأَبُو قَتَادَةَ يَسْقِيهِمْ، فَلَمْ يَعْدُ أَنْ رَأَى النَّاسُ مَاءً فِي الْمِيضَأَةِ تَكَابُوا عَلَيْهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: وقوله: (فسيكون لها نبأ) أي: خبر، والمراد أنه سيكون لها شأن يتحدث به الناس وهو ظهور المعجزة. وقوله: (ثم صلى الغداة) قيل: في تأخيره ◌َّ قضاء الصلاة دليل على أن من نام عن صلاة أو نسيها لا يجب عليه الصلاة بالفور، وعلى ندب مفارقة الموضع الذي فات فيه المأمور إذ ارتكب فيه النهي، (وعطشنا) بكسر الطاء من باب سمع. وقوله: (لا هُلك) بضم الهاء بمعنى الهلاك. وقوله: (فلم يعد أن رأى الناس ماء في الميضأة تكابوا عليها) هكذا لفظ الحديث في نسخ (المشكاة) و(المصابيح): (فلم يعد) بفتح الياء وسكون العين وضم الدال، وفسره عياض في (المشارق)(١) بقوله: أي فلم يتجاوز. وقوله: (أن رأى) بفتح الهمزة، و(تكابوا) بدون الفاء، وفي بعض النسخ: (فتكابوا) بالفاء، وقال الطيبي (٢): وليس في (صحيح مسلم) ولا في شرحه، ونقله في (١) ((مشارق الأنوار)) (٢ / ١٢٣). (٢) ((شرح الطيبي)) (١١ / ١٤٢). ٤٧٦ (٧) باب في المعجزات ((أَحْسِنُوا الْمَلأَ، كُلَّكُمْ سَيُرْوَى))، قَالَ: فَفَعَلُوا، فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِنَّهِ يَصُبُّ وَأَسْقِيهِمْ، حَتَّى مَا بَقِيَ غَيْرِي وَغَيْرُ رَسُولِ اللهِ وَِّ، ثُمَّ صَبَّ فَقَالَ لِيَ: ((اشْرَبْ: فَقُلْتُ)) لاَ أَشْرَبُ حَتَّى تَشْرَبَ يَا رَسُولَ اللهِ! فَقَالَ: ((إِنَّ سَاقِيَ الْقَوْم آخِرُهُمْ))، قَالَ: فَشَرِبْتُ وَشَرِبَ، (المشارق) بالفاء، وأعربه الطيبي بأن قوله: (أن رأى الناس) يحتمل أن يكون فاعلاً، أي: لم يتجاوز رؤية الناس الماء إكبابهم فتكابوا، وأن يكون مفعولاً، أي: لم يتجاوز السقي رؤية الناس في تلك الحالة، وهي كبهم عليه فتكابوا، أي: ازدحموا على المیضاة مکبًا بعضهم على بعض، انتھی. والكبة بالفتح ويضم: الزحام، وقال في (مجمع البحار)(١): وهي تفاعلوا من الكبة بالضم، وهي الجماعة من الناس وغيرهم، وفي (الصحاح) (٢): الكبة بالضم: جماعة الخيل كالكبكبة، ويعلم من (المجمع) أن لفظ الحديث في بعض الروايات: فلما رأى الناس الميضأة تكابوا عليها، وهذا أظهر . وقوله: (أحسنوا الملأ) أي: الخلق، قال في (القاموس)(٣): الملأ، كجبل: الأشراف والجماعة والخلق، ومنه: (أحسنوا أملاءكم) أي: أخلاقكم. وقوله: (یروی) هو بفتح الواو، روي من الماء واللبن كرضي ريًّا كروي وارتوى، والاسم الري بالكسر . وقوله: (إن ساقي القوم) يريد نفسه الكريمة لأنه الساقي في الحقيقة وإن توسط (١) ((مجمع بحار الأنوار)) (٤ / ٣٦٢). (٢) ((الصحاح)) (١ / ٢٠٨). (٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ٦٢). ٤٧٧ (٢٩) كتاب الفضائل والشمائل قَالَ: فَأَتَى النَّاسُ الْمَاءَ جَامِّينَ رِوَاءً. رَوَاهُ مُسْلِمٌ، هَكَذَا فِ (صَحِيحِهِ) وَكَذَا فِي (كِتَابِ الْحُمَيْدِيِّ)» وَ«جَامِعِ الأُصُولِ))، وَزَادَ فِي (الْمَصَابِيحِ) بَعْدَ قَوْلِهِ: ((آخِرُهُمْ)) لَفْظَةَ: ((شُرْباً)). [م: ٦٨١]. ٥٩١٢ - [٤٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ غزوةِ تَبُوكَ، أصابَ النَّاسُ مَجَاعَةٌ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ! ادْعُهُمْ بِفَضْلٍ أَزْوَادِهِمْ، ثُمَّ ادْعُ اللهَلَهُمْ عَلَيْهَا بِالْبَرَكَةِ، أبو قتادة ظُه حيث قال: (يصب وأسقيهم). وقوله: (جامين) بتشديد الميم، أي: مسترحين من الجمام بمعنى الراحة وذهاب الأعياء، ومنه مجمة للفؤاد بفتح جيم وميم، ويقال: بضم جيم وكسر ميم، و(رواء) بکسر الراء جاء جمع راو بمعنی ریان، حال. ٥٩١٢ - [٤٥] (أبو هريرة) قوله: (غزوة تبوك) اسم أرض بين الشام والمدينة، وغزوة تبوك كانت سنة تسع في رجب وهي آخر غزواته وّر، والمشهور في تبوك عدم الصرف للتأنيث والعلمية، ومن صرفها أراد الموضع، وكلا الاعتبارين جائز في أسماء المواضع والأماكن للتأويل بالبقعة والناحية أو الموضع والمكان، وقيل: وسميت تبوك لأنه وَل* رأى قوماً من أصحابه تبوكون عنه، أي: يدخلون فيها القدح، أي: السهم ويحركون ليخرج الماء، فقال: (ما زلتم تبوكونها بوكا)، كذا قال السيوطي، وفي (النهاية)(١): البوك: تثوير الماء بنحو عود ليخرج من الأرض، وبه سميت غزوة تبوك، وفي الحديث: أنهم باتوا يبوكون حسي تبوك، والحسي: العين، و(المجاعة) (١) ((النهاية)) (١ / ١٦٢). ٤٧٨ (٧) باب في المعجزات فَقَالَ: ((نَعَمْ))، فَدَعَا بِنِطَعِ فَبَسِطَ، ثُمَّ دَعَا بِفَضْلٍ أَزْوَادِهِمْ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِكَفِّ ذُرَةٍ، وَيَجِيءُ الآخَرُ بِكَفِّ تَمْرٍ، وَيَجِيءُ الآخَرُ بِكِسْرَةٍ، حَتَّى اجْتَمَعَ عَلَى النَّطَعِ شَيْءٌ يَسِيرٌ، فَدَعَا رَسُولُ اللهِنَّهِ بِالْبَرَكَةِ ثُمَّ قَالَ: ((خُذُوا فِي أَوْعِيَتِكُمْ)، فَأَخَذُوا فِي أَوْعِهِمْ حَتَّى مَا تَرَكُوا فِي الْعَسْكَرِ وعَاءً إِلاَّ مَلَؤُوهُ قَالَ: فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، وَفَضَلَتْ فَضْلَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: (أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ لاَ يَلْقَى اللهَ بِهِمَا عَبْدٌ غَيْرُ شاكٌ فَيُحْجَبُ عَنِ الْجَنَّةِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧]. بفتح الميم مصدر جاع يجوع جوعاً ومجاعة، والجوع بالضم: ضد الشبع، و(النطع) فيه لغات فتح النون وكسرها مع فتح الطاء وإسكانها، أفصحهن كسر النون وفتح الطاء، وهو بساط من الأديم، و(الذرة) بضم الذال وفتح الراء مخففة آخره هاء: حب معروف، وهاء عوض عن واو في آخره أصله ذرو هكذا قالوا، وفي (الصراح)(١): ذرة بالضم والتخفيف: أرزن، و(الكسرة) بالكسر، أي: قطعة من الخبز. وقوله: (وفضلت) بفتح الضاد بلفظ الماضي (فضلة) بفتح الفاء بلفظ المرة فعلة . وقوله: (لا يلقى الله بهما) أي: بهاتين الشهادتين، و(غير) بالرفع صفة عبد. وقوله: (فيحجب) بالرفع عطف على (يلقى)، والنفي منصب عليهما معاً، كذا قال الطيبي(٢)، وقيل: منصوب جواب النفي، والأول أظهر، فافهم. (١) ((الصراح)) (ص: ٥٥٩). (٢) ((شرح الطيبي)) (١١ / ١٤٣). ٤٧٩ (٢٩) كتاب الفضائل والشمائل ٥٩١٣ - [٤٦] وَعَنْ أَنَسٍ: كَانَ النَّبِيُّ ◌ِ لّهِ عَرُوساً بِزَيْنَبَ، فَعَمَدَتْ أُمِّي أُمُّ سُلَيْءٍ إِلَى تَمْرٍ وَسَمْنٍ وَأَقِطٍ، فَصَنَعَتْ حَيْساً فَجَعَلَتْهُ فِي تَوْرٍ فَقَالَتْ: يَا أَنَسُ اذْهَبْ بِهَذَا إِلَى رَسُولِ اللهِّهِ فَقُلْ: بَعَثَتْ بِهَذَا إِلَيْكَ أُمِّي، وَهِيَ تُقْرِئُكَ السَّلَامَ، وَتَقُولُ: إِنَّ هَذَا لَكَ مِنَّا قَلِيلٌ يَا رَسُولَ اللهِ! فَذَهَبْتُ فَقُلْتُ، فَقَالَ: ((ضَعْهُ)، ثُمَّ قَالَ: (اذْهَبْ فَادْعُ لِي فُلاَنَاً وَفُلاَنَاً وَفُلاَنَا) رِجَالاً سَمَّاهُمْ، ((وَادْعُ لِي مَنْ لَقِيتَ))، فَدَعَوْتُ مَنْ سَمَّى وَمَنْ لَقِيتُ، فَرَجَعْتُ فَإِذَا الْبَيْتُ غَاصٌّ بِأَهْلِهِ، ٥٩١٣ - [٤٦] (أنس) قوله: (عروساً) بالفتح يطلق على الرجل والمرأة ما داما في أعراسهما، و(الحيس) بفتح الحاء المهملة: الخلط، ويطلق على تمر يخلط بسمن وأقط فيعجن شديداً، ثم يندر [منه] نواه، وربما يجعل فيه سويق، و(التور) بمثناة فوقية مفتوحة فواو ساكنة فراء: إناء كالقدح، وفي (القاموس)(١): يشرب فيه. وقوله: (وهي تقرئك السلام) بضم التاء . وقوله: (غاص) بالغين المعجمة والصاد المهملة المشددة، منزل غاص بالقوم: ممتلىء. وأغصّ علينا الأرض: ضيّقها، كذا في (القاموس)(٢)، وقال في (المشارق)(٣): ومنه: الغصة، وهي شيء يملأ مجرى النفس ويضيقه. ثم قيل: ظاهر الحديث أن وليمة زينب ◌َ﴾ كانت من الحيس الذي أهدته أم سليم. والمشهور من الروايات أنه أولم عليها بخبز ولحم، ولم يقع في القصة تكثير (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٣٣٥). (٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٥٧٦). (٣) ((مشارق الأنوار)) (٢ / ٢٢٩). ٤٨٠ (٧) باب في المعجزات قِيلَ: لِأَنَسِ: عَدَدُكُمْ كَمْ كَانُوا؟ قَالَ: زُهَاءُ ثَلاَثُ مِئَةٍ. فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَى اللّهِ وستكم وَضَعَ بَدَهُ عَلَى تِلْكَ الْحَيْسَةِ، وَتَكَلَّمَ بِمَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ جَعَلَ يَدْعُو عَشَرَةً عَشَرَةً يَأْكُلُونَ مِنْهُ، وَيَقُولُ لَهُم: (اذْكُرُوا اسْمَ اللّهِ وَلْيَأْكُلْ كُلُّ رَجُلٍ مِمَّا بَلِهِ)، قَالَ: فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، فَخَرَجَتْ طَائِفَةٌ وَدَخَلَتْ طَائِفَةٌ حَتَّى أَكَلُوا كُلُّهُمْ، قَالَ لِي: ((يَا أَسُ! ارْفَعْ)). فَرَفَعْتُ، فَمَا أَدْرِي حِينَ وَضَعْتُ كَانَ أَكْثَرَ أَمْ حِينَ رَفَعْتُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥١٦٣، م: ١٤٢٨]. ٥٩١٤ - [٤٧] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: ((غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِنَّهِ، وَأَنَا عَلَى نَاضِحِ قَدْ أَعْيَا، فَلاَ يَكَادُ يَسِيرُ، فَتَلاَحَقَ بِيَ النَّبِيُّ ◌َ فَقَالَ: ((مَا لِبَعِيرِكَ؟)) قُلْتُ: قَدْ عَيِيَ، فَتَخَلَّفَ رَسُولُ اللهِوَّهِ فَزَجَرَهُ فَدَعَا لَهُ، . ذلك الطعام؟ وأجيب بأنه يجوز أن يكون حضور الحيس صادف حضور الخبز واللحم، وإنكار وقوع تكثير الطعام في قصة الخبز واللحم عجيب، فإن أنساً روى أنه أولم عليها بشاة وأنه أشبع المسلمين خبزاً ولحماً، وهم يومئذٍ نحو الألف، كذا قيل، وأقول: لا منافاة فإن أنساً لم يقل في هذا الحديث: إن الحيس كان وليمة زينب، بل إنما ذكر إرسال أمه الحيس ووجود البركة فيه، وحديث وليمة زينب بالخبز واللحم، والبركة فيها حديث آخر ومعجزة أخرى، والله أعلم. وقوله: (عددكم كم كانوا؟) جمع نظراً إلى ما في العدد من معنى التعدد أو لزيادته على الواحد على قول أهل الحساب. ٥٩١٤ - [٤٧] (جابر) قوله: (وأنا على ناضح) الناضح جمل يستقى عليه، و(عبي) على وزن رضي، و(أعيا) لازم ومتعدد.