Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣٤١
(٢٩) كتاب الفضائل والشمائل
٥٨٤٦ - [١٠] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاس قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ
اُلْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] خَرَجَ النَّبِيُّ ◌َِّ حَتَّى صَعِدَ الصَّفَا، فَجَعَلَ يُنَادِي:
(يَا بَنِي فِهْرٍ! يَا بَنِي عَدِيٍّ)) لِبُطُونِ قُرَيْشٍ حَتَّى اجْتَمِعُوا، فَجَعَلَ الرَّجُلُ إِذَا
لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَخْرُجَ أَرْسَلَ رَسُولاً لِيَنْظُرَ مَا هُوَ، .
(القاموس)(١)، فالملك إذا قضى الوحي فقد أحال عليه البلاغ، كذا قال الطيبي(٢)،
وقال عياض(٣): (فلما أتلي عنه) بضم الهمزة وتاء باثنتين فوقها ساكنة ولام مكسورة
مثل أعطي، كذا قيده شيخنا القاضي أبو عبدالله بن عيسى عن الجياني، وعند الفارسي
مثله إلا أنه بثاء مثلثة، وعند العذري من طريق شيخنا الأسدي: أثل بكسر الثاء المثلثة
مثل ضرب، وكان عند شيخنا القاضي الحافظ أبي علي: أُجلي بالجيم مثل أعطي أيضاً،
وعند ابن ماهان: انجلى بالنون، وكذا رواه البخاري، وهاتان الروايتان هما وجه،
أي: انكشف عنه وذهب وفرج عنه، يقال: انجلى عنه الغم، وأجليته عنه، أي: فرجته
فتفرج.
وقال بعضهم: لعله أؤتلي عنه، أي: قصر عنه، وأمسك من قولهم: لم يأل يفعل
كذا، أي: لم يقصر، وقال بعضهم: أُعْلي عنه، فصحف منه: انجلى وأجلي، وكذا
رواه ابن أبي خيثمة، أي: نحي عنه، كما قال أبو جهل: أعلي عنّي، أي: تنحّ، انتهى،
والله أعلم.
٥٨٤٦ - [١٠] (ابن عباس) قوله: (يا بني فهر) بكسر الفاء وسكون الهاء.
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١١٦٤).
(٢) ((شرح الطيبي)) (١١ / ٥٨).
(٣) ((مشارق الأنوار)) (١ / ١٧).

٣٤٢
(٤) باب المبعث وبدء الوحي
فَجَاءَ أَبُو لَهَبٍ وَقُرَيْشٌ فَقَالَ: ((أَرَأَيُمْ إِنْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيَلاَ تَخْرُجُ مِنْ سَفْحِ
هَذَا الْجَبَلِ - وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّ خَيْلاً تَخْرُجُ بِالْوَادِيِ تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ - أَكُنتُمْ
مُصَدِّقِيَّ؟)) قَالُوا: نَعَمْ، مَا جَرَبْنَا عَلَيْكَ إِلَّ صِدْقاً. قَالَ: ((فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ
يَدَيْ عَذَابٍ شديدٍ)». قَالَ أَبُو لَهَبٍ: تَبَّا لَكَ، أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا؟ فَنَزَلَتْ: ﴿تَبَّتْ
يَدَآ أَبِىِ لَهَبٍ وَتَبَّ ﴾ [المسد: ١]. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٩٧١، م: ٢٠٨].
٥٨٤٧ - [١١] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ وَ﴾
يُصَلِّي عِنْدَ الْكَعْبَةِ وَجَمْعُ قُرَيْشٍ فِي مَجَالِسِهِمْ، إِذْ قَالَ قَائِلٌ: أَيُّكُمْ يَقُومُ
إِلَى جَزُورِ آلِ فُلاَنٍ، فَيَعْمِدُ إِلَى فَرْئِهَا وَدَمِهَا وَسَلاَهَا ثُمَّ يُمْهِلُهُ، حَتَّى إِذَا
سَجَدَ وَضَعَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ؟.
وقوله: (فقال) أي: رسول الله وَطاهر. والصفح بفتح المهملة وسكون الفاء:
الجانب .
وقوله: (أن تغير) من الإغارة، أغار على القوم غارة وإغارة: دفع عليهم الخيل.
والتب والتبب والتباب: النقص والخسارة والهلاك، وقد مر هذا الحديث في باب بعد
(باب تغير الناس).
٥٨٤٧ _ [١١] (عبدالله بن مسعود) قوله: (إذ قال قائل) وفي رواية للبخاري:
قائل منهم، وفيها أيضاً: ألا تنظرون إلى هذا المرائي، وقيل: القائل هو أبو جهل
- لعنة الله عليه -، وقد صرح به في رواية مسلم، والجزور من الإبل: ما يجزر، أي:
يقطع، وهو بفتح الجيم، وفي (القاموس)(١): الجزور: البعير، أو خاص بالناقة
(١) (القاموس المحيط)) (ص: ٣٤١).

٣٤٣
(٢٩) كتاب الفضائل والشمائل
فَانْبَعَثَ أَشْقَاهُمْ، فَلَمَّا سَجَدَ وَضَعَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، وَثَبَتَ النَّبِيُّ ◌َّهِ سَاجِداً،
فَضَحِكُوا حَتَّى مَالَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنَ الضَّحِكِ، فَانْطَلَقَ مُنْطَلِقٌ إِلَى
فَاطِمَةَ، فَأَقْبَلَتْ تَسْعَى، وَثَبَتَ النَّبِيُّ ◌َهِ سَاجِداً حَتَّى أَلْقَتْهُ عَنْهُ، وَأَقْبَلَتْ
عَلَيْهِمْ تَسُبُّهُمْ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِوَِّ الصَّلاَةَ قَالَ:
المجزورة، وما يذبح من الشاة، واحدتها: جزورة. وفي (المشارق)(١): الجزور بفتح
الجيم: ما يجزر وينحر من الإبل وغيرها، وقيل: بل يختص بالضأن والمعز.
والفرث بفتح الفاء وسكون الراء: السرجين في الكرش، والسلا بفتح السين
المهملة: جلدة فيها الولد من الناس والمواشي، والجمع أسلاء، كذا في (القاموس)(٢)،
وقال السيوطي: يختص بالبهائم، ويسمى في الآدمي مشيمة، والضمير في (فرثها)
و(دمها) للـ (جزور)، ولفظها يؤنث وإن كان ذكراً.
وقوله: (فانبعث أشقاهم) هو عقبة بن أبي معيط، وإنما سماه أشقى القوم وإن
كان فيهم أبو جهل؛ لأن المباشرة آكد من التسبب، ويلمح هذا إلى قوله: ﴿إِذِ الْبَعَثَ
أَشْقَنَهَا﴾ [الشمس: ١٢] لعاقر ناقة صالح.
وقوله: (فانطلق منطلق) منهم، قال الشيخ: أظنه عبدالله بن مسعود راوي
الحدیث.
وقوله: (فأقبلت عليهم تسبهم) فيه قوة نفس فاطمة الزهراء من صغرها لشرفها
لکونها خرجت لسبهم وهم رؤوس قریش فلم يردوها عليها.
(١) ((مشارق الأنوار)) (١ / ١٤٧).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ١١٩١).

٣٤٤
(٤) باب المبعث وبدء الوحي
(اللهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ)) ثَلاَئاً - وَكَانَ إِذَا دَعَا دَعَا ثَلاَثًاً، وَإِذَا سَأَلَ سَأَلَ ثَلاَثً .:
(اللهُمَّ عَلَيْكَ بِعَمْرِو بْنِ هِشَامٍ، وَعُثْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَشَيْئَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَالْوَلِيدِ
ابْنِ عُثْبَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، وَعُمَارَةَ بْنِ الْوَلِ)). قَالَ
عَبدُ اللهِ: فَوَاللهِ لَقَدْ رَأَيْتُهُمْ صَرْعَى يَوْمَ بَدْرٍ، ثُمَّ سُحِبُوا إِلَى الْقَلِیبِ قَلِيبٍ
بَدْرٍ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِوَهُ: ((وَأَتْبَعَ أَصْحَابُ الْقَلِيبِ لَعْنَةً)). مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ.
[خ: ٥٢٠، م: ١٧٩٤].
وقوله: (اللهم عليك بقريش) أي: بإهلاك كفار قريش، فإنه عام أريد به
المخصوص، (أمية بن خلف) بفتح اللام، (وعقبة) بضم العين وسكون القاف، (ابن
أبي معيط) بضم الميم وفتح العين، وسكون التحتانية. و(صرعى) جمع صريع كمريض
ومرضى، والصرع: الطرح والإسقاط على الأرض. و(سحبوا) بلفظ المجهول، سحبه:
جره على الأرض فانسحب. و(القليب) بئر لم يطو. (وأتبع) بلفظ المجهول من الإفعال،
وقالوا: لم يكن عمارة بن الوليد في المذكورين، ولم يقتل ببدر، بل مات بأرض
الحبشة، وعقبة بن أبي معيط إنما قتل بعد أن رجعوا عن بدر، وأمية بن خلف لم يطرح
في القليب، فما ذكر يكون باعتبار الأكثر، ويظهر حقيقة الحال بالنظر في كتب
السير.
هذا واستشكل الحديث بأنه كيف استمر ◌ّة في الصلاة مع إصابة النجاسة على
ظهره؟ وأجيب أولاً: بأن الفرث طاهر عند مالك ومن وافقه، وإنما النجس الدم،
وتعقب بأن الفرث لم ینفرد، بل کان مع الدم كما مرّ من قوله: (فیعمد إلى فرثها ودمها)،
وثانياً: بأن الفرث والدم كانا داخلين تحت السلا، وجلدة السلا طاهرة، فكأنه كحمل
القارورة المرصصة، وتعقب بأنه ذبيحة مشرك وثني فجميع أجزائها نجسة لأنها ميت؟

٣٤٥
(٢٩) كتاب الفضائل والشمائل
٥٨٤٨ - [١٢] وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! هَلْ أَتَى عَلَيْكَ
يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ؟ فَقَالَ: ((لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ، فَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ
مِنْهُمْ.
وأجيب بأن ذلك قبل تحريم ذبائحهم.
وقال النووي: الجواب المرضي أنه يَّر لم يعلم ما وضع على ظهره، فاستمر
في سجوده استصحاباً لأصل الطهارة، وتعقب بأنه ينبغي أن يعيدها بعد العلم؟ فأجاب
الشافعية بأن الإعادة إنما تجب في الفريضة، فإن ثبت أنها كانت فريضة فالوقت
موسع فلعله أعاد، وهذا هو الجواب عند الحنفية، واستبعد ذلك بأنه لو أعاد لنقل
ولم ينقل، وهذا الاستبعاد في الفريضة صحيح؛ لأنها تقام بالجماعة، وأما في النفل
فلا؛ لأنه يمكن إعادتها في وقت لم يطلع عليها، هذا وقد استدل به على أن من حدث
له في صلاته ما يمنع انعقادها ابتداءً لا يبطل صلاته ولو تمادى، وقد ترجم البخاري(١):
(باب إذا ألقي قذر أو جيفة لم تفسد عليه صلاته)، وكان ابن عمر إذا رأى في ثوبه
دماً وهو يصلي وضعه ومضى في صلاته، والله أعلم.
٥٨٤٨ - [١٢] (عائشة) قوله: (من يوم أحد) وقد أصابه ◌ّقر فيه ما أصاب،
وفيه كسرت رباعيته، وغير ذلك كما يأتي في الحديث الآتي.
وقوله: (لقد لقيت من قومك) مفعوله محذوف إما عامًا مثل ما لقيت: شيئاً،
أو خاصاً وهو: أمراً مخصوصاً لقيه منه، والضمير في (كان) راجع إلى هذا المقدر،
و(أشد) خبر كان مضافاً إلى (ما لقيت) وهو المفضل عليه، ويجوز أن يكون (ما لقيت)
اسم كان و(أشد) خبره، والمفضل عليه محذوف، أي: كان ما لقيت منهم في ذلك
(١) ((صحيح البخاري)) (ك: ٤، ب: ٦٩).

٣٤٦
(٤) باب المبعث وبدء الوحي
يَوْمَ الْعَقَبَةِ، إِذْ(١) عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنٍ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ كُلاَلٍ، فَلَمْ يُجِيْنِي
إِلَى مَا أَرَدْتُ، فَانْطَلَقْتُ - وَأَنَاَ مَهْمُومٌ - عَلَى وَجْهِي،.
اليوم أشد الشدائد أو أشد من كل شديد، وعلى الوجهين يكون قوله: (يوم العقبة)
ظرفاً لـ (لقيت) الأول، ويجوز أن يكون ظرفاً لـ (لقيت) الثاني، ويكون الأول مطلقاً،
أي: لقيت من قومك ما لقيت، وكان ما لقيت منهم يوم العقبة أشد من الكل، فافهم.
والظاهر أن العقبة هي التي تضاف إليها الجمرة وهي بمنى، وكان رسول الله وَله
يقف عند العقبة في الموسم يعرض نفسه على قبائل العرب يدعوهم إلى الإسلام،
فدعا ابن عبد ياليل فأبى، وما أجاب إلى ما دعاه، كذا قال الطيبي(٢)، ولكن ذكر في
كتب السير أن ابن عبد ياليل كان في الطائف من رؤساء أهله من ثقيف، وذهب واله
إليه في الطائف، ودعاه وأشراف ثقيف لما زاد أهل مكة في الكفر والطغيان، ومات
أبو طالب وخديجة، فحزن رسول الله وَله، ويسمى ذلك العام عام الحزن، ذهب إلى
أهل الطائف، فلم يجد منهم مساعدة وموافقة، ورأى منهم ومن سفهائهم من الإيذاء
ما لا يطاق ذكره، والقصة مذكورة في (شرح سفر السعادة) في فصل الجهاد وآدابه قبیل
الخاتمة، إلا أن يقال: دعاه عند العقبة ثم ذهب إليه، والله أعلم.
و(ياليل) بتحتانية وبعدها ألف ثم لام مكسورة ثم تحتانية ساكنة ثم لام غير
منصرف. و(كلال) بضم الكاف منون.
وقوله: (فانطلقت) أي: عند الانصراف عن أهل الطائف.
وقوله: (على وجهي) متعلق بـ (انطلقت)، أي: حائراً هائماً لا أدري أين أتوجه،
(١) في نسخة: ((إذا)).
(٢) ((شرح الطيبي)) (١١ / ٦٢).

٣٤٧
(٢٩) كتاب الفضائل والشمائل
فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّ بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ، قَدْ أَظَلَّتِي،
فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ، فَنَادَانِي فَقَالَ: إِنَّ اللهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ
وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ)).
قَالَ: ((فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ فَسَلَّمَ عَلَيَّ ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ! إِنَّ اللهَ قَدْ سَمِعَ
قَوْلَ قَوْمِكَ، وَأَنَا مَلَكُ الْجِبَالِ، وَقَدْ بَعَثَنِي رَبَّكَ إِلَيْكَ لِتَأْمُرَّنِي بِأَمْرِكَ، إِنْ
شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمِ الأَخْشَبَيْنِ))، فَقَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: (بَلْ أَرْجُو أَنْ
يُخْرِجَ اللهُ مِنْ أَصْلاَبِهِمْ مَنْ يَعْبُدُاللهَ وَحْدَهُ وَلاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
[خ: ٣٢٣١، م: ١٧٩٥].
٥٨٤٩ - [١٣] وَعَنْ أَنَسِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ كُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ يَوْمَ
أُحُدٍ، وَشُجَّ ◌ِي رَأْسِهِ،
كذا فسره الطيبي(١).
وقوله: (فلم أستفق) استفعال من الإفاقة، أي: لم أرجع إلى حالي (إلا بقرن
الثعالب) بفتح القاف وسكون الراء: اسم موضع هناك، ميقات أهل نجد، ويقال له :
قرن المنازل أيضاً، وهو موضع قريب الطائف، وهذا أيضاً يؤيد ما في كتب السير.
و(ما) في (ما ردوك) موصولة أو مصدرية عطف على (قول قومك). والأخشبان بالخاء
والشين المعجمتين والباء الموحدة: جبلان بينهما مكة: أبو قبيس والأحمر، والأخشب:
الجبل الخشن العظيم .
٥٨٤٩ - [١٣] (أنس) قوله: (كسرت) بلفظ المجهول. (رباعيته) بفتح الراء
(١) ((شرح الطيبي)) (١١ / ٦٢).

٣٤٨
(٤) باب المبعث وبدء الوحي
فَجَعَلَ يَسْلُتُ الدَّمَ عَنْهُ وَيَقُولُ: ((كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجُوا رَأْسَ نَبِيِّهِمْ وَكَسَرُوا
رَبَاعِيَتَهُ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٧٩١].
وكسر العين، وفتح التحتانية مخففة على وزن ثمانية: أربعة أسنان بين الثنية والناب،
من كل جانب ثنتان، رماه عتبة بن أبي وقاص أخو سعد بن أبي وقاص، فكسرت
اليمنى السفلى، وجرحت شفته السفلى، ولم تکسر رباعیته من أصلها، بل ذهبت منها
فلقة، قالوا: لم يولد من نسله ولد فيبلغ الحنث إلا وهو أنحر وأهتم مكسور الثنايا
من أصلها يعرف ذلك في عقبه، وعبدالله بن هشام شج في جبهته، وعبدالله بن قميئة
جرح وجنته فقال: خذها وأنا ابن قميئة، فقال رسول الله پار وهو يمسح الدم عن وجهته :
(أقمأك الله)، فسلط الله عليه تيس جبل فلم يزل ينطحه حتى قطعه قطعة [قطعة]،
فأخذ عليّ بيده واحتضنه ورفعه طلحة بن عبيدالله حتى استوى قائمًا، وهنا قال ◌َّ:
(أوجب طلحة)، ونشبت حلقتان من المغفر في وجهه، ووقع ◌َّ في حفرة من الحفر
التي كان أبو عامر الفاسق يكيد بها، فانتزعهما أبو عبيدة بن الجراح، وعض عليهما
حتى سقطت ثنيتاه من شدة غوصهما في وجهه، وامتص مالك بن سنان والدُ أبي سعيد
الخدري الدم من وجنته، فقال ◌َّ: (من مس دمي لم تمسه النار)، وفي رواية: فشقّوا
البيضة عن رأسه، أي: كسروا الخودة ورموه بالحجارة حتى سقط في حفرة من الحفر
التي حفرها أبو عامر.
وقوله: (يسلت الدم) أي: يميط، من نَصَرَ، سلتت المرأة الخضاب عن يدها:
إذا مسحته وألقته.
وقوله: (شجوا رأس نبيهم) وفي رواية أحمد(١) والترمذي والنسائي: (خضبوا
(١) ((مسند أحمد)) (٣/ ١٧٨)، و((سنن الترمذي)) (٣٠٠٢)، و((السنن الكبرى)) للنسائي (١٠ / ٥١،
رقم: ١١٠١١).

٣٤٩
(٢٩) كتاب الفضائل والشمائل
٥٨٥٠ - [١٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((اشْتَدَّ
غَضَبُ اللهِ عَلَى قَوْمِ فَعَلُوا بِنَبِيِّهِ»، يُشِيرُ إِلَى رَبَاعِهِ، (اشْتَدَّ غَضَبُ اللهِ عَلَى
رَجُلٍ يَقْتُلَهُ رَسُولُ اللهِ فِي سَبِيلِ اللهِ). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٧٣، م: ١٧٩٣].
وَهَذَا الْبَابُ خَالٍ عَنِ الْفَصْلِ الثَّانِي.
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٥٨٥١ _ [١٥] عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَوَّلِ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ؟ قَالَ: ﴿يَأَيُّهَ الْمُدَّثِرُ﴾،
وجه نبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم)، فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَمِنَ الْأَمْرِ شَىْءٌ أَوْ يَتُوبَ
عَلَهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَلِمُونَ﴾[آل عمران: ١٢٨]، وروي: أنه لما جرح ◌ّ يوم أحد أخذ
شيئاً فجعل ينشف دمه ويقول: (لو وقع منه شيء على الأرض لنزل عليهم العذاب من
السماء)، ثم قال: (اللهم اغفر لهم فإنهم لا يعلمون)، وروى عبد الرزاق عن معمر
عن الزهري قال: ضرب وجه النبي ◌َّهُ يومئذٍ بالسيف سبعين ضربة، وقاه الله شرها
كلها، والمراد بالسبعين حقيقتها أو المبالغة، كذا قال الشيخ(١).
٥٨٥٠ - [١٤] (أبو هريرة) قوله: (يقتله رسول الله (*) يحتمل أن يكون المراد
به الجنس أو نفسه الكريمة اله .
وقوله: (في سبيل الله) احتراز عمن يقتله في حد أو قصاص.
الفصل الثالث
٥٨٥١ _ [١٥] (يحيى بن أبي كثير) قوله: (﴿يَأَيُّهَا الْمُؤَّيُِّ﴾) فيه اشتباه الحال
(١) ((فتح الباري)) (٧/ ٣٧٢).

٣٥٠
(٥) باب علامات النبوة
قُلْتُ: يَقُولُونَ: ﴿اقْرَأْبِاسْمِ رَبِكَ﴾، قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: سَأَلْتُ جَابِراً عَنْ ذَلِكَ
وَقُلْتُ لَهُ مِثْلَ الَّذِي قُلْتَ لِي، فَقَالَ لِي جَابِرٌ: لاَ أُحَدِّئُكَ إِلَّ بِمَا حَدَّثَنَا
رَسُولُ اللهِ وَلِ قَالَ: ((جَاوَرْتُ بِحِرَاءٍ شَهْراً، فَلَمَّا قَضَيْتُ جِوَارِي هَبَطْتُ
فَنُودِيتُ فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِيْنِي فَلَمْ أَرَ شَيْئاً، وَنَظَرْتُ عَنْ شِمَالِي فَلَمْ أَرَ شَيْئاً،
وَنَظَرْتُ عَنْ خَلْفِي فَلَمْ أَرَ شَيْئاً، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَرَأَيْتُ شَيْئاً، فَأَتَيْتُ خَدِيجَةً
فَقُلْتُ: دَتِّرُونِي، فَدَثَّرُونِي، وَصَبُّوا عليَّ مَاءً بَارِداً، فَنَزَلَتْ: ﴿يَأَتِهَ الْمُدَّتِرُ}
قُرْقَذِرُ نْ وَرَبَّكَ فَكَتِرْ ب وَثَابَكَ فَطَهِّرْ ن وَالرُّجْزَفَاهْجُزْ﴾ [المدثر: ١ -٥]، وَذَلِكَ قَبْلَ
أَنْ تُفْرَضَ الصَّلاَةُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٩٢٥، م: ١٦١].
٥ - باب علامات النبوة
على الراوي، والصواب أن أوّل ما أنزل ﴿اقْرَأْبِأَسْمِ رَبِّكَ﴾، وأما ﴿وَأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ فنزولها
بعد فترة الوحي، ووجه الجمع أن المراد بأولية سورة (المدثر) أولية مخصوصة بما
نزل بعد فترة الوحي، أو مخصوصة بالأمر بالإنذار، أو أولية مخصوصة بما نزل
لسبب متقدم من التدثر والرعب، وأما ﴿اقْرَأ﴾ فنزلت ابتداء من غير سبب متقدم، ولعل
راوي هذا الحديث اختصر القصة، وطوى ذكر نزول ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِكَ﴾، أو اشتبه على
الراوي الأمر باختلاط أو نسيان كما يومى إليه: فقلت: (دثروني)، فنزلت: ﴿يَأَيُّهَا
اُلْمُدَّثِرُ﴾ .
٥ - باب علامات النبوة
العلامة تطلق على ما ينصب في الطريق يهتدى به كالعلم، وصفاته وأخلاقه
وشمائله وسائر أحواله * آيات وعلامات على نبوته مما يتفرس الزكي العاقل الناظر

٣٥١
(٢٩) كتاب الفضائل والشمائل
فيها، ويستدل بها عليها، ومنه ما ذكر في الكتب السماوية السالفة من صفاته علامة
على ذلك، كما استدل بها هرقل عظيم الروم، ولا يخفى عليك أن المعجزات كلها
علامات ودلائل على نبوته وَ﴿، وقد عقد المؤلف باباً في علامات النبوة، وآخر في
المعجزات، لأَنْ يفرق بأن المعجزة يشترط فيه التحدي دون العلامة، وهذا مشهور،
ولكن يرد عليه أن كثيراً من المعجزات لا تحدي فيها، مثل تكثير الطعام في بيت
الصحابة، ونبع الماء لتوضئ القوم، ونحو ذلك مما كان بين الصحابة من غير تحدي،
وقد اتفقوا على كونها معجزات بلا ريب، اللهم إلا أن يعتبر أن من شأنها التحدي،
وسيأتي تحقيق شروط المعجزة في بابها، أو تحمل المعجزات على ما يكون دلالته
قطعية، والعلامات يشمل الأمارات، لكنه قد ذكر في هذا الباب شق القمر، وهو معجزة
بلا شبهة، بل من أقوى المعجزات وأعلاها.
وقد جاء في الأخبار أن الكفار سألوا رسول الله و * أن يريهم ذلك فقال:
(اشهدوا)، وذكر فيه الأخبار ببعض المغيبات، وهي معجزات قطعاً حتى اختلفوا في
أن إعجاز القرآن إما لكونه مخبراً عن المغيبات أو لفصاحته وبلاغته، أو يقال: إن
المعجزة ما ظهر على يديه في صورة الفعل له، والعلامة ما ظهر فيه أو منه من غير أن
يصدر عنه، وهذا أيضاً لا يتم لأن شق القمر كان بإشارته وَ ﴾. ومن المعجزات ما لم
يكن ليصدر عنه كظل القامة وعدم وقوع ظله على الأرض ونحو ذلك، وبالجملة لا يظهر
الفرق بين ما جعله المؤلف من العلامات وبين ما جعله من المعجزات، وفي كلا البابين
أمور من جنس الأخبار عن الغيوب والتصرف في الكائنات، فلم جعل بعضها من
العلامات وبعضها من المعجزات؟ فتدبر.

٣٥٢
(٥) باب علامات النبوة
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٥٨٥٢ _ [١] عَنْ أَنَسِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَ أَتَاهُ جِبْرِيلُ وَهُوَ يَلْعَبُ مَعَ
الْغِلْمَانِ، فَأَخَذَهُ، فَصَرَعَهُ، فَشَقَّ عَنْ قَلْبِهِ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ عَلَقَةً. فَقَالَ:
هَذَا حَظُّ الشَّيْطَانِ مِنْكَ، ثُمَّ غَسَلَهُ فِي طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ....
الفصل الأول
٥٨٥٢ - [١] (أنس) قوله: (فصرعه) أي: ألقاه على الأرض (فشق عن قلبه)
أي: صدعه، وكلمة (عن) لتضمين معنى الكشف، والعلقة بفتحات: دم غليظ أسود،
قيل: هو أم المفاسد والمعاصي في القلب، وفي (القاموس) (١): العلق محركة: الدم
عامة، أو الشديد الحمرة، أو الغليظ، أو الجامد، والقطعة منه بهاء.
وقوله: (هذا حظ الشيطان منك) الظاهر أنه متعلق بحظ، ويجوز أن يكون ظرفاً
مستقراً، قالوا: نزع منه ولا حظ الشيطان منه رأساً، وكذا كليات النفس، وأبقى بعض
جزئياتها بحسب الجبلة البشرية ليكون سبباً لنزول القرآن، وباعثاً على تشريع الأحكام،
وتلك أيضاً في صفاء ونورانية ولطافة، وذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَأْ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾
[الكهف: ١١٠]، كذا قال في (العوارف)، والله أعلم.
(الطست) بالسين والشين، قالوا: أصله طس بدليل جمعه على طساس أبدلت
سينه تاء، ونقل عن الأزهري: أن هذه اللفظة دخيلة في كلام العرب لأن التاء والطاء
لا يجتمعان في كلمة عربية.
وقوله: (بماء زمزم) استدل بهذا على أن ماء زمزم أفضل وأشرف من ماء الجنة
إذ لو لم تكن كذلك لغسله به، قيل: كان ماء زمزم حاضراً بخلاف ماء الجنة، وهذا
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٨٣٩).

٣٥٣
(٢٩) كتاب الفضائل والشمائل
ثُمَّ لِأَمَهُ وَأَعَادَهُ فِي مَكَانِهِ، وَجَاءَ الْغِلْمَانُ يَسْعَوْنَ إِلَى أُمِّهِ يَعْنِي ظِئْرَهُ.
فَقَالُوا: إِنْ مُحَمَّداً قَدْ قُثِلَ، فَاسْتَقْبَلُوهُ وَهُوَ مُنْتَقَعُ اللَّوْنِ، قَالَ أَنَسَرٌ: فَكُنْتُ
أَرَى أَثَرَ الْمِخْيَطِ فِي صَدْرِهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٦٢].
كما يرى ضعيف سخيف من القول على أنه لو سلم فإنما يصح ظاهراً في الشق ليلة
المعراج، إذ كان في الحرم، والشق في الصغر كان عند حليمة، فافهم.
وقوله: (ثم لأمه) بلفظ الماضي مهموز العين من القيام بالجراحة، أي: جمعه
وضمه .
وقوله: (منتقع اللون) بالقاف المفتوحة، أي: متغيره ومغبره، افتعال من النقع
بمعنى الغبار. و(المخيط) إما مصدر يتم بمعنى الخياطة، ويجوز أن يكون اسم مفعول،
يقال: ثوب مخيط ومخيوط .
اعلم أن شق صدره الشريف كان أربع مرار، الأولى: في صغره عند حليمة كما
ذكر في الكتاب من مسلم عن أنس، وروى أحمد كذلك، وفي لفظ آخر عند أحمد
والدارمي والحاكم وصححه، والطبراني والبيهقي وأبو نعيم (١) عن عتبة بن عبد السلمي:
أن النبي ◌َّ﴾ قال: (كانت حاضنتي من بني سعد بن بكر، فانطلقت أنا وابن لها في
بهم لنا، ولم نأخذ معنا زاداً، فقلت: يا أخي! اذهب فأتنا بزاد من عند أمنا، فانطلق
أخي ومكثت عند البهم، فأقبل إليّ طيران أبيضان كأنهما نسران، فقال أحدهما لصاحبه:
أهو هو؟ قال: نعم، فأقبلا يبتدرانني فأخذاني فبطحاني إلى القفا، فشقا بطني، ثم
استخرجا قلبي، فشقاه فأخرجا منه علقتين سوداوين، فقال أحدهما لصاحبه: ائتني
(١) ((مسند أحمد)) (٤/ ١٨٤)، و((سنن الدارمي)) (١ / ١٣)، و((المستدرك)) (٢/ ٦٧٣)، و((دلائل
النبوة)) للبيهقي (١ / ٢٩٥)، و((دلائل النبوة)) لأبي نعيم (١/ ١١٢ - ١١٣).

٣٥٤
(٥) باب علامات النبوة
بماء وثلج، فغسلا به جوفي، ثم قال: ائتني بماء برد، فغسلا به قلبي، ثم قال: ائتني
بالسكينة فذرَّاها في قلبي، ثم قال أحدهما لصاحبه: حصه فحاصه، وختم عليه بخاتم
النبوة).
والمرة الثانية: وهو ابن عشر سنين، روى عبدالله بن الإمام أحمد في (زوائد
المسند) بسند رجاله ثقات، وابن حبان والحاكم وأبو نعيم وابن عساكر والضياء في
(المختارة) عن أبي بن كعب أن أبا هريرة قال: يا رسول الله! ما أول ما ابتدأت من أمر
النبوة؟ قال: إني لفي صحراء ابن عشر حجج إذا أنا برجلين فوق رأسى يقول أحدهما
لصاحبه: أهو هو؟ قال: نعم، فأخذاني فاستقبلاني بوجوه، لم أرها لخلق قط، وأرواح
لم أجدها من خلق قط، وثياب لم أرها على أحد قط، فأقبلاني يمشيان حتى أخذ
كل واحد منهما بعضدي لا أجد لأحدهما مسًّا، فقال أحدهما لصاحبه: أضجعه
فاضجعاني بلا قصر ولا هصر)(١)، وفي لفظ: (فلصقاني بحلاوة القفا، ثم شقا بطني)،
وفي لفظ: (فقال أحدهما لصاحبه: افلق صدره، فهوى أحدهما إلى صدري، ففلقها
فيما أرى بلا دم ولا وجع، فكان أحدهما يختلف بالماء في طست من ذهب، والآخر
يغسل جوفي، فقال أحدهما لصاحبه: افلق صدره، فإذا صدري فيما أرى مفلوقاً لا أجد
له وجعاً، ثم قال: اشقق قلبه، فشق قلبي فقال: أخرج الغل والحسد منه، فأخرج شبه
العلقة فنبذ به، ثم قال: أدخل الرأفة والرحمة في قلبه، فأدخل شيئاً كهيئة الفضة، ثم
أخرج ذروراً كان معه فذره عليه ثم نقر إبهامي ثم قال: اغد، فرجعت بما لم أغد به
(١) ((مسند أحمد)) (١٣٩/٥)، و((دلائل النبوة)) (١ /١٩٩)، و((الأحاديث المختارة)) (٣٨/٤)،
و(«تاريخ دمشق)» (٣/ ٤٦٣).

٣٥٥
(٢٩) كتاب الفضائل والشمائل
من رحمتي للصغير ورأفتي على الكبير).
المرة الثالثة: عند البعثة، روى أبو داود الطيالسي والحارث بن أبي أسامة في
(مسنديهما) والبيهقي وأبو نعيم (١) عن عائشة رضيً أن النبي ◌َّ: (نذر أن يعتكف شهراً هو
وخديجة [بحراء]، فوافق ذلك شهر رمضان، فخرج ذات ليلة فسمع السلام عليك،
قال: فظننتها فجأة الجن، فجئت مسرعاً حتى دخلت على خديجة [فسجتني ثوباً]،
وقالت: ما شأنك؟ فأخبرتها، فقالت: أبشر فإن السلام خير، ثم خرجت مرة أخرى
فإذا جبريل على الشمس جناح له بالمشرق، وجناح له بالمغرب، فجفلتُ منه فجئت
مسرعاً، فإذا هو بيني وبين الباب، فكلمني حتى آنست به، ثم وعدني موعداً فجئت
إليه، فأبطأ علي، فأردت أن أرجع، فإذا أنا به وبميكائيل قد سدّا الأفق، فهبط جبريل
فبقي جبريل بين السماء والأرض، فأخذني جبريل فسلقني بحلاوة القفا، ثم شق عن
قلبي فاستخرجه، ثم استخرج منه ما شاء الله أن يستخرج، ثم غسله في طست من ذهب
بماء زمزم، ثم أعاده مكانه، ثم لأمه، ثم كفأني كما يكفأ الإناء، ثم ختم في ظهري
حتى وجدت مس الخاتم في قلبي، وذكر الحديث.
المرة الرابعة: ليلة الإسراء، روى مسلم(٢) عن أنس قال: قال رسول الله وَل:
(أتيت وأنا في أهلي؛ فانطلق بي إلى زمزم، فشرح صدري، ثم غسل بماء زمزم، ثم
أتيت بطست من ذهب ممتلئة إيماناً وحكمة، فحشي بها صدري - قال أنس :
(١) ((مسند أبي داود)) (٣/ ١٢٥)، و((مسند الحارث)) (٢/ ٨٦٧)، و((دلائل النبوة)) لأبي نعيم
(١ / ٢١٥).
(٢) ((صحيح مسلم)) (١٦٤).

٣٥٦
(٥) باب علامات النبوة
٥٨٥٣ - [٢] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((إِنِّي
لأَعْرِفُ حَجَراً بِمَكَّةَ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أَبْعَثَ، إِنِّي لأَعْرِفُهُ الآنَ)). رَوَاهُ
مُسْلِمٌ. [م: ٢٢٧٧].
ورسول الله ◌َّل﴿ يرينا أثره -، فعرج بي الملك إلى السماء الدنيا)، وذكر حديث
المعراج.
واعلم أنه قد ذكر في بعض طرق هذه الأحاديث ذكر خاتم النبوة، وفي بعضها:
(فختم به قلبي فامتلأ نوراً، وذلك نور النبوة والحكمة، فوجدت برد ذلك في صدري)،
وفي بعضها: (ثم ختم في ظهري حتى وجدت مس الخاتم في قلبي)، وقد ثبت أن
خاتم النبوة كان في ظهره، والقول بختم قلبه ول﴿ وصول أثره إليه، كما يدل عليه
لفظ الحديث، والله أعلم.
ثم اعلم أنه قد اختلف: هل كان شق الصدر وغسل القلب مختصاً بنبينا وصل أو
وقع لغيره من الأنبياء أيضاً سلام الله عليهم أجمعين؟ ونقل في (المواهب اللدنية)(١) عن
ابن عباس: أنه قد ورد في خبر التابوت والسكينة: أنه كان فيه الطست الذي غسلت
فيه قلوب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
٥٨٥٣ - [٢] (جابر بن سمرة) قوله: (إني لأعرف حجراً بمكة) قيل: هو الحجر
الأسود، وقيل: هو الحجر البارز الآن بزقاق المرفق المقابل لباب الجنائز في طريق
بيت خديجة، كذا ذكر الشيخ ابن حجر المكي، وقال: قد توارث ذلك عن أهل مكة
خلفاً عن سلف، والله أعلم.
(١) ((المواهب اللدنية)) (١ / ١٥٨).

٣٥٧
(٢٩) كتاب الفضائل والشمائل
٥٨٥٤ _ [٣] وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: إِنَّ أَهْلَ مَكَّةَ سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ وَ﴿ أَنْ
يُرِيَهُمْ آيَةً، فَأَرَاهُمُ الْقَمَرَ شِقَّتَيْنِ حَتَّى رَأَوْا حِرَاءً بَيْنَهُمَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ:
٨٦٨، م: ٢٨٠٢].
٥٨٥٤ _ [٣] (أنس) قوله: (شقتين) بكسر، أي: نصفين، وعند مسلم: فأراهم
انشقاق القمر مرتين، وكذا في (مصنف عبد الرزاق) عن معمر بلفظ: مرتين، واتفقت
رواية الشيخين بلفظ: فرقتين، وفي رواية: فلقتين، وفي حديث جبير: انشق القمر
باثنتين، وفي رواية أبي نعيم في (الدلائل): فصار قمرين، فيكون المراد بقوله: مرتين
فرقتين جمعاً بين الدلائل، ولم يجزم أحد من علماء الحديث بتعدد وقوع الانشقاق
منه مَ*، كذا قالوا. و(الحراء) جبل معروف بمكة، وقد عرف ضبطه في (باب بدء
الوحي).
اعلم أن انشقاق القمر قد وقع لرسول الله وَلاير، وقد أجمع المفسرون على وقوعه،
فإن كفار قريش لما كذبوه طلبوا منه آية تدل على صدقه في دعواه، فأعطاه الله تعالى
هذه الآية العظيمة التي لا يكاد يعدلها شيء من آيات الأنبياء عليهم السلام لظهورها
في ملكوت السموات خارجاً عن جملة طباع ما في هذا العالم، فلذلك صار برهانه
به أظهر وأبهر، وعن ابن عباس قال: لما اجتمع المشركون إلى رسول الله وَّ، منهم
الوليد بن المغيرة وأبو جهل بن هشام والعاص بن وائل ونظراؤهم فقالوا [للنبي وَ ليؤ]
إن كنت صادقاً فشق لنا القمر فرقتين، فسأل ربه فانشق، وابن عباس إن لم يشاهد
القصة لكنه حمله عن ابن مسعود، ففي حديث ابن مسعود قال: انشق القمر على
عهد رسول الله بي سير فرقتين، فرقة فوق الجبل، وفرقة دونه، فقال رسول الله وقال :
(اشهدوا)(١) .
(١) أخرجه البخاري في ((صحيحه)) (٤٨٦٤)، ومسلم في ((صحيحه)) (٢٨٠٠).

٣٥٨
(٥) باب علامات النبوة
وقال ابن عبد البر: قد روي حديث انشقاق القمر عن جماعة كثيرة من الصحابة،
وروى ذلك عنهم أمثالهم من التابعين، ثم نقله عنهم الجم الغفير إلى أن انتهى إلينا
وتأيد بالآية الكريمة. وقال العلامة ابن السبكي في (شرحه لمختصر ابن الحاجب):
والصحيح عندي أن انشقاق القمر متواتر منصوص عليه في القرآن، مروي في الصحيحين
وغيرهما من طرق كثيرة بحيث لا يمترى في تواتره، كذا نقل في (المواهب)(١).
وقوله: منصوص عليه في القرآن المراد به قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَأَنْشَقَّ
اٌلْقَمَرُ﴾ الآية [القمر: ١]، والمراد وقوع انشقاقه بدليل قوله تعالى: ﴿وَإِنِ يَرَوْاْ ءَايَةً
يُعْرِضُواْوَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُسْتَمٌِّ﴾ [القمر: ٢]؛ لأن الكفار لا يقولون ذلك يوم القيامة، وعند الإمام
أحمد: انشق القمر على عهد رسول الله وَللم فرقتين: فرقة على هذا الجبل، وفرقة على
هذا الجبل، فقالوا: سحرنا محمد، وفي حديث ابن مسعود قال: انشق القمر على عهد
رسول الله وَّة، فقال كفار قريش: هذا سحر ابن أبي كبشة، قال: فقالوا: انتظروا ما يأتيكم
بالسفار، فإن محمداً لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم. قال: فجاء السفار فأخبروهم
بذلك.
وقال في (المواهب)(٢): وقد يذكر بعض القصاص: أن القمر دخل في جيب
النبي ﴾ وخرج من کمه، وقد حكاه الشيخ بدر الدين الزركشي عن شيخه العماد بن
کثیر، انتھی .
وقد أنكر هذه المعجزة جماعة من المبتدعة المتفلسة متمسكين بأن الخرق
(١) ((المواهب اللدنية)) (٢/ ٥٢٢).
(٢) ((المواهب اللدنية)) (٢ / ٥٢٧).

٣٥٩
(٢٩) كتاب الفضائل والشمائل
٥٨٥٥ _ [٤] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: انْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ وَه
فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةً فَوْقَ الْجَبَلِ، وَفِرْقَةً دُونَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ فَاءِ: ((اشْهَدُوا)).
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٨٦٤، م: ٢٨٠٠].
والالتئام على الفلكيات ممتنع، وكذا قالوا في فتح أبواب السماء ليلة الإسراء،
وهؤلاء إن كانوا كفاراً يناظروا على ثبوت دين الإسلام، فإن أسلموا فلا سبيل إلى
إنكار ما ثبت في القرآن من وقوع ذلك يوم القيامة، وإذا ثبت ذلك استلزم الجواز
والوقوع معجزة لرسول الله صل*، ولم يعرف هؤلاء أن القمر وجميع الأجرام العلوية
مخلوق الله سبحانه وتعالى، يفعل فيه ما يشاء، كما يكورها يوم القيامة، وقال بعض
الملاحدة: لو كان وقع لتناقلته العوام وأهل السير والتواريخ متواتراً، ولا شترك أهل
الأرض كلهم في معرفته، ولم يختص بها أهل مكة؛ لأنه أمر صدر عن حس ومشاهدة،
والدواعي متوفرة على رواية كل غريب ونقل ما لم يعهد.
والجواب بأنه طلبه قوم خاص کما حكاه أنس فأراهم ذلك ليلاً، وکثیر من الناس
نيام، وكان ذلك في قدر لحظة، وقد يكون القمر حينئذ في بعض المنازل التي يظهر
لبعض أهل الآفاق دون بعض كما يكون ظاهراً لقوم غائباً لقوم، وكما يجد الكسوف
أهل بلد دون أهل بلد آخر مع أنه قد روي أنه قد رآه غير أهل مكة أيضاً كما ذكرنا من
أخبار السفار، وقد أبدى الخطابي حكمة بالغة في كون المعجزات المحمدية لم يبلغ
شيء منها مبلغ التواتر الذي لا نزاع ولا خلاف كالقرآن ما حاصله: أن معجزة كل نبي
كانت إذا وقعت عامة أعقبت هلاك من كذب بها من قومه، والنبي وَلّ بعث رحمة
للعالمين، فاقتصر على الحاضرين المكذبين المتمردين الغالين في العتو والاستكبار.
٥٨٥٥ - [٤] (ابن مسعود) قوله: (فرقتين) قد علم شرحه في الحديث السابق.

٣٦٠
(٥) باب علامات النبوة
٥٨٥٦ - [٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو جَهْلِ: هَلْ يُعَفِّرُ مُحَمَّدٌ
وَجْهَهُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟ فَقِيلَ: نَعَمْ. فَقَالَ: وَاللَّتِ وَالْعُزَّى لَئِنْ رَأَيْتُهُ يَفْعَلُ
ذَلِكَ لأَطَأَنَّ عَلَى رَقَبَتِهِ، فَأَنَى رَسُولَ اللهِوَّهِ وَهُوَ يُصَلِّي - زَعَمَ لِيَطَأَ عَلَى
رَقَتِهِ - فَمَا فَِتَهُمْ مِنْهُ إِلَّ وَهُوَ يَنْكُصُ عَلَى عَقِبَيْهِ، وَيَتَّقِي بِيَدَيْهِ، فَقِيلَ
لَهُ: مَا لَكَ؟ فَقَالَ :
٥٨٥٦ _ [٥] (أبو هريرة) قوله: (هل يعفر محمد وجهه) في التراب، التعفير:
تتريب الوجه، عفر وجهه في التراب: مرّغه فيه، كناية عن السجدة، و(اللات) اسم
صنم لثقيف بالطائف، و(العزى) اسم شجرة كانت لغطفان يعبدونها.
وقوله: (زعم) حال من فاعل (أتى)، أي: طمع وأراد، ونقل الطيبي(١) من (أساس
البلاغة): أن من المجاز: زعم فلان في غير مزعم، أي: طمع في غير مطمع.
وقوله: (ليطأ) بكسر اللام ونصب الفعل بتقدير (أن)، وفي بعض النسخ بفتح
اللام ورفع الفعل .
وقوله: (فما فجئهم) بلفظ الماضي بكسر الجيم من باب علم.
و (ينكص) بضم الكاف وبكسرها، أي: يرجع القهقرى ومشى على مؤخر قدميه،
وأعرب الطيبي هذا التركيب بوجهين: أحدهما: أن قوله: (إلا وهو ينكص) سد
مسد الفاعل كما سد مسد الخبر في قوله: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد)،
فمعناه ما فجئ أصحاب أبي جهل من أمر أبي جهل إلا نكوص عقبيه، وثانيهما: أن
الضمير في فجئء راجع إلى أبي جهل، وفي (منه) إلى الأمر، أي: ما فجئ أبو جهل
أصحابه كائناً من أمره على حال من الأحوال إلا هذه الحال، فافهم.
(١) ((شرح الطيبي)) (١١ / ٦٨).