Indexed OCR Text
Pages 301-320
٣٠١
(٢٩) كتاب الفضائل والشمائل
٥٨٠٨ - [٨] وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ إِذَا صَلَّى الْغَدَاةَ جَاءَ
خَدَمُ الْمَدِينَةِ بِآنِيَتِهِمْ فِيهَا الْمَاءُ، فَمَا يَأْتُونَ بِإِنَاءٍ إِلَّ غَمَسَ يَدَهُ فِيهَا، فَرُبَّمَا
جَاؤُوهُ بِالْغَدَاةِ الْبَارِدَةِ فَيَغْمِسُ يَدَهُ فِيهَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٣٢٤].
٥٨٠٩ - [٩] وَعَنْهُ قَالَ: كَانَتْ أَمَةٌ مِنْ إِمَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ تَأْخُذَ بِيَدٍ
ء
رَسُولِ اللهِ وَ﴿ فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شَاءَتْ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٠٧٢].
٥٨١٠ - [١٠] وَعَنْهُ: أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ فِي عَقْلِهَا شَيْءٌ فَقَالَت:
يَا رَسُولَ الله! إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَّةً، فَقَالَ: ((يَا أُمَّ فُلاَنٍ! انْظُرِي أَيَّ السِّكَكِ
شِئْتِ حَتَّى أَقْضِيَ لَكِ حَاجَتَكِ)). فَخَلاَ مَعَهَا فِي بَعْضِ الظُّرُقِ حَتَّى فَرَغَتْ
مِنْ حَاجَتِهَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٣٢٦].
٥٨٠٨ - [٨] (أنس) قوله: (صلاة الغداة) أراد صلاة الفجر. و(الخدم) بفتحتين
جمع خادم .
وقوله: (إلا غمس يده فيها) لشفائهم أو تبركهم، وتقييد الغداة بالباردة لبيان
مشقتهم في طلب البركة منه ، أو لبيان تطييبه بَلل قلوبهم، وغمسه يده في الماء
البارد لأجلهم، وهذا هو الظاهر.
٥٨٠٩ - [٩] (وعنه) قوله: (كانت أمة) الظاهر أن (كان) هنا ليس للاستمرار، وهو
المختار عند المحققين من شراح الأحاديث، وكأنّ المراد ربما كانت أمة، والله أعلم.
٥٨١٠ - [١٠] (وعنه) قوله: (كانت في عقلها شيء) أي: من الفتور والنقصان،
بيان للواقع، أو إشارة إلى سبب شفقته مسلم عليها ورعاية جانبها، أو إلى علة جرأتها
على ذلك القول، وتكليفها رسول الله صل# بذلك، وفيه غاية تواضعه ◌َّر، وفي بعض
٣٠٢
(٣) باب في أخلاقه وشمائله (ل﴾
٥٨١١ - [١١] وَعَنْهُ قَالَ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِن ◌َّهِ فَاحِشاً وَلاَ لَعَّاناً
وَلاَ سَبَّاباً، .
(شروح الشمائل): إن فيه جواز جلوس الرجل مع الأجنبية، والخلوة معها لضرورة
الحاجة، انتهى. إن أراد جوازه لغير رسول الله وي ليه فهو محل نظر لجواز اختصاصه به وَ يقت،
وقد مرّ الكلام فيه في حديث أم سليم في الفصل الأول من (باب أسمائه وصفاته)،
اللهم إلا عند الأمن من فتنة .
٥٨١١ _ [١١] (وعنه) قوله: (فاحشاً ولا لعاناً ولا سباباً) الفحش: العدوان في
الجواب، والتجاوز عن الحد في الكلام، ومنه قوله ◌َّ﴿ لعائشة: (لا تقولي ذلك،
فإن الله لا يحب الفحش)، وفي رواية: (لا تكوني فاحشة)، ويجري أكثر ذلك في ألفاظ
الوقاع وما يتعلق به، فإن لأهل الفساد في ذلك عبارات صريحة فاحشة، وأهل الصلاح
يعرضون له ويكنون عنه، بل ينبغي الكناية من البول والتغوط لقضاء الحاجة، ونحوه،
وقد يكون الفحش بمعنى الزيادة والكثرة، ومنه حديث: (دم البراغيث إن لم يكن فاحشاً
فلا بأس به)(١)، والفاحشة يجيء بمعنى الزنا والمعصية.
و(اللعن) الطرد والتبعيد من رحمة الله، في (القاموس)(٢): لعنه كمنعه: طرده،
وأبعده، فهو لعين وملعون، وفي (المشارق)(٣): كانت العرب إذا تمرد منهم مارد،
وحذروا من جرائره عليهم، طردوه عنهم وتبرؤوا منه، وسموه اللعين، وكذلك في
حق الله تعالى، واللعن من الله تعالى الإبعاد والطرد، ومن الخلق السب والدعاء، واللعن
(١) انظر: ((مصنف عبد الرزاق)) (١ / ٣٧٤).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ١١٣٥).
(٣) ((مشارق الأنوار)) (١ / ٥٨٥).
٣٠٣
(٢٩) كتاب الفضائل والشمائل
كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الْمَعْتَبَةِ: ((مَا لَهُ تَرِبَ جَبِيِنُهُ؟)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ:
٦٠٣١].
لمن لا يستحقه من المعاصي الشديدة، وبالكثرة يصير كبيرة، واتفقوا على تحريمه
لمعين مسلماً كان أو كافراً، ولا يحرم لموصوف كلعن آكل الربا والظالمين والكافرين،
ومن انتمى إلى غير أبيه أو آوى محدثاً.
وقد وقع في الحديث: (إنما أنا بشر فأي المسلمين سببته ولعنته فاجعل ذلك
رحمة)(١)، أو كما قال، وهذا مقيد بأنه ليس من أهل اللعنة، كما صرح به في بعض
الروايات، وإنما لعنه لظاهر حالة الموجب للّعن، ولم يكن كذلك عند الله تعالى، أو
يكون مما جرت به العادة بدون قصد الدعاء، نحو: تربت يداك، وقد لعن رسول الله وكلاته
بعض من استحقه خصوصاً وعموماً، لكن ينبغي أن يعلم أن اللعن على نوعين: أحدهما:
الطرد والإبعاد من رحمة الله تعالى ودخول الجنة، وهو الموجب للعذاب، وهو
مخصوص بالكفار، وثانيهما: الطرد عن نيل درجة السابقين ودخول الجنة معهم،
ولا يختص هذا بالكفار، وبهذا التحقيق تنحل كثير من الإشكالات كما لا يخفى على
المتتبعين، فإن قلت: بناء فعّال للتكثير أو للمبالغة، فنفيه لا يستلزم نفي أصل الفحش
واللعن والسب؟ قلت: لما كانت هذه الفعال ممن هو متصف بها تقع بطريق الكثرة
والمبالغة نفى على ذلك الطريق، فافهم. و(المعتبة) بفتح الميم وسكون المهملة وكسر
المثناة، ويجوز فتحها بعدها باء، مصدر عتب كالمظلمة من ظلم.
وقوله: (ما له ترب جبينه؟) على نحو: تربت يداه ورغم أنفه، وذلك دعاء عليه
بالذل والمسكنة مع احتمال الدعاء له أيضاً بمعنی سجد لله وجهه.
(١) أخرجه مسلم في ((صحيحه)) (٢٦٠١).
٣٠٤
(٣) باب في أخلاقه وشمائله إلا﴾
٥٨١٢ - [١٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ! ادْعُ عَلَى
الْمُشْرِكِينَ. قَالَ: (إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَاناً، وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
[م: ٢٥٩٩].
٥٨١٣ - [١٣] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َهِ أَشَدَّ
حَيَاءً مِنَ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا، فَإِذَا رَأَى شَيْئاً يَكْرَهُهُ عَرَفْنَاهُ فِي وَجْهِهِ. مُتَّفَقٌ
عَلَيْهِ. [خ: ٣٥٦٢، م: ٢٣٢٠].
٥٨١ - [١٤] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ◌َهِ مُسْتَجْمِعاً قَطُّ
ضَاحِكاً.
٥٨١٢ - [١٢] (أبو هريرة) قوله: (وإنما بعثت رحمة) إما للمؤمنين فظاهر،
وإما للكافرين فلرفع العذاب عنهم في الدنيا بوجوده، ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ
٢ ﴾ [الأنفال: ٣٣].
فِهِمَّ ﴾[
٥٨١٣ - [١٣] (أبو سعيد الخدري) قوله: (من العذراء) وهي البكر وجمعه
العذاري، و(الخدر) بكسر الخاء المعجمة وسكون الدال المهملة: ستر يمد للجارية
في ناحية البيت، وكل ما واراك من بيت ونحوه، والجمع الخدور والأخدار، وفي
(النهاية)(١): ناحية في البيت يترك عليها ستر فتكون فيه البكر.
وقوله: (عرفناه في وجهه) أي: لم يتكلم بكراهته لحيائه، بل يتغير وجهه فيفهم
كراهته .
٥٨١٤ - [١٤] (عائشة) قوله: (مستجمعاً قط ضاحكاً) أي: ضحكاً، وهو تمییز،
(١) ((النهاية)) (٢/ ١٣).
٣٠٥
(٢٩) كتاب الفضائل والشمائل
حَتَّى أَرَى مِنْهُ لَهَوَاتِهِ، وَإِنَّمَا كَانَ يَتَبَسَّمُ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٠٩٢].
٥٨١٥ - [١٥] وَعَنْهَا قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ و ◌َهْ لَمْ يَكُنْ يَسْرُدُ الْحَدِيثَ
كَسَرْدِكُمْ، كَانَ يُحَدِّثُ حَدِيثاً لَوْ عَدَّهُ الْعَادُّ لأَحْصَاهُ. مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ. [خ: ٣٥٦٨،
م: ٢٤٩٣].
٥٨١٦ - [١٦] وَعَن الأَسْوَدِ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ: مَا كَانَ النَّبِيُّ﴾
ـَ اللّه
يَصْنَعُ فِي بَيْتِهِ؟ قَالَتْ: كَانَ يَكُونُ.
ويحتمل الحال، أي: ضاحكاً كل الضحك، استجمع السيل: اجتمع من كل
موضع، و(اللهواة) جمع لهاة بالفتح: وهي اللحمة التي بأعلى الحنجرة من أقصى
الفم .
٥٨١٥ _ [١٥] (وعنها) قوله: (لم يكن يسرد الحديث) السرد: الخرز في الأدیم،
ونسج الدرع، وجَوْدَة سياق الحديث، ومتابعة الصوم، كذا في (القاموس)(١)، وفي
(المشارق)(٢) في حديث: (أسرد الصيام) أي: أواليه وأتابعه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَدِّرْ
فِ السَّرْدِ﴾ [سبأ: ١١] أي: في متابعة الخلق شيئاً بعد شيء حتى تتناسخ، ومنه: فلان يسرد
الحديث، ومنه قول عائشة: لم يكن رسول الله ويّ يسرد الحديث كسردكم، أي: لم
يكن حديثه متتابعاً بحيث يأتي بعضه إثر بعض، فيلتبس على المستمع، بل يوضحه
ويفصله بحيث لو أراد السامع عده أمكنه .
٥٨١٦ - [١٦] (الأسود) قوله: (كان يكون) في (كان) ضمير شأن، أو
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٢٧٤).
(٢) ((مشارق الأنوار)) (٢ / ٣٥٨).
٣٠٦
(٣) باب في أخلاقه وشمائله إلار
فِي مَهْنَةٍ أَهْلِهِ - تَعْنِي خِدْمَةَ أَهْلِهِ - فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاَةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلاَةِ.
رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٧٦].
٥٨١٧ - [١٧] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا خُيَِّ رَسُولُ اللهِ وَّهِ بَيْنَ أَمْرَيْنِ
قَطُّ إِلاَّ أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْماً، فَإِنْ كَانَ إِثْماً كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ
مِنْهُ، ....
الثاني زائدة.
وقوله: (في مهنة أهله) أي: خدمتهم، والمهنة بفتح الميم وكسرها، ونقل
عن الأصمعي: أنه أنكر الكسر، كذا نقل في (النهاية)(١)، وفي (القاموس)(٢): المهنة
بالكسر وبالفتح والتحريك، وككلمة: الحِذْقُ بالخدمة والعمل، مهنه كمنعه مهناً،
ومهنة ویکسر: خدمه، انتهى.
وفي الحديث: (ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم جمعته سوى ثوبي مهنته)(٣)
أي: بذلته وخدمته، والمراد هنا أنه كان في خدمة أهله كحلب شاة، وتفلية ثوب،
وخصف نعل، وفيه: أن خدمة الدار وأهلها سنة عباد الله الصالحين.
وقوله: (تعني خدمة أهله) هذا التفسير من قول الراوي عن شعبة، ورووه
جماعة بدونه، وفي رواية: تعني بالمهنة خدمة أهله.
٥٨١٧ - [١٧] (عائشة) قوله: (ما خير) بلفظ المجهول من التخيير، قال
(١) ((النهاية)) (٤/ ٣٧٦).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ١١٣٩).
(٣) أخرجه ابن ماجه في ((سننه)) (١٠٩٥).
٣٠٧
(٢٩) كتاب الفضائل والشمائل
وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللهِ ◌َّهِ لِنَفْسِهِ فِي شَيْءٍ قَطُّ
الشيخ(١): أبهم فاعل (خير) ليكون أعم من أن يكون من قبل المخلوقين أو من قبل
الله تعالى، لكن التخيير بين ما فيه إثم وما ليس فيه إثم من قبل الله تعالى مشكل، إلا إذا
حملناه على ما لا يفضي إلى الإثم، فذلك يمكن بأن يخير بين أن يفتح عليه من كنوز
الأرض ما يخشى من الاشتغال به أن لا يتفرغ للعبادة، وبين أن [لا] يؤتيه من الدنيا
إلا الكفاف، فالإثم على هذا أمر نسبي لا يراد منه [معنى] الخطيئة لثبوت العصمة،
هذا كلام الشيخ.
وفي (مجمع البحار)(٢): إن كان التخيير من الكفار والمنافقين فكون أحدهما
إثماً ظاهر، وإن كان من المسلمين فمعناه ما لم يؤد إلى إثم كالتخيير في الاجتهاد
والاقتصاد، فإن المجاهدة بحيث يفضي إلى الهلاك لا يجوز، وقيل: هو إما تخيير
من الله فيما فيه عقوبتان، أو فيما بينه وبين الكفار من القتال وأخذ الجزية، أو في
حق الله من المجاهدة في العبادة والاقتصاد.
وقوله: (وما انتقم رسول الله ( 18) قال الشيخ(٣): أي ما انتقم لحاجة نفسه
فلا يرد أمره بقتل عقبة بن أبي معيط وعبدالله بن خطل وغيرهما ممن كان يؤذي
رسول الله قي لأنهم كانوا مع ذلك ينتهكون حرمات الله، وقيل: ذلك في غير السبب
الذي يفضي إلى الكفر، وقيل: يختص ذلك بالمال، وأما العرض فقد اقتص ممن
یأتي منه.
(١) «فتح الباري)) (٦ / ٥٧٥).
(٢) ((مجمع بحار الأنوار)) (٢ / ١٣٩).
(٣) ((فتح الباري)) (٦ / ٥٧٥).
٣٠٨
(٣) باب في أخلاقه وشمائله الحق
إِلَّ أَنْ يُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللهِ فَيَنْتَقِمُ لِلَّهِ بِهَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٥٦٠، م: ٢٣٢٧].
٥٨١٨ - [١٨] وَعَنْهَا قَالَتْ: مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللهِِّ لنَّفْسِهِ شَيْئاً قَطَّ
بِيَدِهِ، وَلاَ امْرَأَةً وَلاَ خَادِماً، إِلَّ أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَمَا نِيلَ مِنْهُ شَيْءٌ
قَطَّ، فَيَتَقِمُّ مِنْ صَاحِبِهِ إِلاَّ أَنْ يُنْتُهَكَ شَيْءٌ مِنْ مَحَارِمِ اللهِ فَيَنْتَقِمُ لِلَّهِ. رَوَاهُ
مُسْلِمٌ. [م: ٢٣٢٨].
وقوله: (إلا أن ينتهك) استثناء منقطع إلا أن يراد بقوله أعم من أن يكون في
ضمنه انتهاك حرمة الله، و(ينتهك) على لفظ المجهول افتعال من النهك، والنهك في
الأصل: الغلبة، نهكه: غلبه، ومن الطعام: بالغ في أكله، وعرضه: بالغ في شتمه،
كذا في (القاموس)(١)، وفي (مختصر النهاية)(٢): انتهك، أي: بالغ في خرق محارم
الشرع، أي: فعل ما حرم الله .
٥٨١٨ - [١٨] (وعنها) قوله: (ما ضرب ... شيئاً) أي: مما يعد ضربه إيذاء
وإيلاماً، وفي ذكر الشيء مبالغة.
وقوله: (ولا امرأة ولا خادماً) تخصيص بعد تعميم، وقد قتل ثَّ أبي بن
خلف .
وقوله: (وما نيل منه شيء قط) أي: ما أصابه شيء قط من أحد مما يضره،
يقال: نلته أنيله وأناله نيلاً: أصبته، والضمير في (صاحبه) للشيء، وهو أحسن من أن
يجعل له {ل﴾ .
وقوله: (فينتقم) بالنصب عطفاً على أن ينتهك.
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٨٨٠).
(٢) ((الدر النثير)) (٢ / ١٠٢٣).
٣٠٩
(٢٩) كتاب الفضائل والشمائل
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٥٨١٩ - [١٩] عَنْ أَنَسِ قَالَ: خَدَمْتُ رَسُولَ اللهِنَّهِ وَأَنَا ابْنُ ثَمَانِ
سِينَ، خَدَمْتُهُ عَشْرَ سِنِينَ، فَمَا لَآَمَنِي عَلَى شَيْءٍ قَطُّ أُنِيَ فِيهِ عَلَى يَدَيَّ،
فَإِنْ لَمَنِي لاَئِمٌّ مِنْ أَهْلِهِ قَالَ: ((دَعُوهُ، فَإِنَُّ لَوْ قُضِيَ شَيْءٌ كَانَ)). هَذَا لَفَظُ
(الْمَصَابِيحِ)): وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي ((شُعَبِ الإِيمَانِ)). مَعَ تَغْيِيِرٍ (١). [شعب:
٥٧٧٢].
الفصل الثاني
٥٨١٩ - [١٩] (أنس) قوله: (خدمت) أي: دخلت في خدمته، فإنه څه كان
ابن ثمان حين هاجر رسول الله و # المدینة، فجاءت به أمه لیخدمه ێ، فخدمه عشر
سنين، وهي مدة إقامته ◌ّ بالمدينة.
وقوله: (أتي فيه) صفة (شيء)، و(فيه) نائب مناب الفاعل وضميره لشيء، و(أتي)
بمعنى أهلك وأتلف، قال في (القاموس)(٢): أتى عليه الدهر: أهلكه، فيكون المعنى
ما لامني على شيء تلف وهلك على يدي، وقيل: ضمن أتي معنى عيب وطعن،
فافهم .
وقوله: (فإنه لو قضي شيء كان) بيان سبب ترك الملامة على هلاك شيء؛ فإنه
إنما هلك بقضاء الله وقدره، وهذا كما ورد في خبر آخر: (لا تضربوا إماءكم على
كسر الأواني، فإن لكل شيء أجلاً)(٣)، أو كما قال.
(١) زاد في نسخة: (یسیر)).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ١١٥٧).
(٣) أخرجه أبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (١٠ / ٢٦).
٣١٠
(٣) باب في أخلاقه وشمائله ◌َا﴾
٥٨٢٠ - [٢٠] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِنَّهِ فَاحِشاً
وَلاَ مُتَفَكِّشاً وَلاَ سَخَّاباً فِي الأَسْوَاقِ، وَلاَ يَجْزِي بِالسَّيَّةِ السَّيََّةَ، وَلَكِنْ
يَعْفُو وَيَصْفَحُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٠١٦].
٥٨٢١ - [٢١] وَعَنْ أَنَسِ يُحَدِّثَ عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ أَنَّهُ كَانَ يَعُودُ الِمَرِيْضَ،
وَيَتْبَعُ الْجِنَازَةَ، وَيُجِيبُ دَعْوَةَ الْمَمْلُوكِ، وَيَرْكَبُ الْحِمَارَ، لَقَدْ رَأَيْتُهُ يَوْمَ
خَيْيَرَ عَلَى حِمَارٍ خِطَامُّهُ لِفٌّ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي ((شُعَبِ الإِيمَانِ)).
[جه: ٤١٧٨، شعب: ٧٨٤١].
٥٨٢٢ - [٢٢] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ يَخْصِفُ نَعْلَهُ،
وَيَخِيطُ ثَوْبَهُ، وَيَعْمَلُ فِي بَيْتِهِ كَمَا يَعْمَلُ أَحَدُكُمْ فِي بَيْتِهِ، وَقَالَتْ: كَانَ بَشَراً
مِنَ الْبَشَرِ،
٥٨٢٠ - [٢٠] (عائشة) قوله: (فاحشاً ولا متفحشاً) الفاحش: ذو الفحش في
كلامه بأن يكون ذلك عادته وديدنه، والمتفحش: من يتكلفه ويتعمده، أي: لم يكن
الفحش له جبلياً ولا كسبياً، و(السخاب) شديد الصوت، وقد مرّ شرحه في الفصل
الأول من (کتاب فضائله).
٥٨٢١ - [٢١] (أنس) قوله: (ويركب الحمار) فيه بيان تواضعه، وترك تكلفه،
ونفي الكبر كما هو شأن الملوك والجبابرة.
٥٨٢٢ - [٢٢] (عائشة) قوله: (يخصف نعله) خصف النعل يخصفها: خرزها،
وأصله الضم، والجمع.
٣١١
(٢٩) كتاب الفضائل والشمائل
يَفْلِي ثَوْبَهُ، وَيَحْلُبُ شَاتَهُ، وَيَخْدُمُ نَفْسَهُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٢٥].
٥٨٢٣ - [٢٣] وَعَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: دَخَلَ نَفَرٌ عَلَى
زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فَقَالُوا لَهُ: حَدِّثْنَا أَحَادِيثَ رَسُولِ اللهِ قَالَ: كُنْتُ جَارَهُ،
فَكَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ بَعَثَ إِلَيَّ فَكَتَبْنُهُ لَهُ، فَكَانَ إِذَا ذَكَرْنَ الدُّنْيَا ذَكَرَهَا
مَعَنَا، وَإِذَا ذَكَرْنَاَ الآخِرَةَ ذَكَرَهَا مَعَنَا، وَإِذَا ذَكَرْنَاَ الطَّعَامَ ذَكَرَهُ مَعَنَا، فَكُلُّ
هَذَا أُحَدِّثُكُمْ عَنْ رَسُولِ اللهِنَّهِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٢٦].
وقوله: (يفلي ثوبه) في (القاموس)(١): فلا رأسه يفلي: بحثه عن القمل،
وكذلك في (الصحاح)(٢)، وغيره بهذا فسروه، ولكن نقل في (المواهب) عن بعض
العلماء: لم يقع في ثوبه ◌ّ قمل قط، ولم يصل من بدنه الشريف على ثوبه دنس،
ونقل عن الإمام فخر الدين الرازي: لم يجلس عليه وَ﴿ ذباب، ولم تؤذه بقة، ولكن
لما كان من لازم التفلي وجود شيء من المؤذيات كالقمل أو البرغوث وأمثالهما لم يكن
بد من القول: يتعلق شيء منها بثوبه ولو من خارج لا من بدنه، والله أعلم.
وفي الحديث دليل على أنه وسيم لم يكن ملكاً جباراً متكبراً، فإنه لا يصدر منهم
مثل هذه الأفعال بل نبيًّا مرسلاً متواضعاً واقفاً على حد البشرية، خصه الله سبحانه
بفضله العظيم، بل كان كل ما فعله في الحقيقة تعليماً وإرشاداً للناس الآداب الكريمة
والأخلاق الحميدة وَالله .
٥٨٢٣ - [٢٣] (خارجة بن زيد) قوله: (إذا ذكرنا الدينا ذكرها معنا) المراد
بها ما يتعلق بعادات الناس وأحوالهم مما لا يكره ولا يذم، وأما ما يذم ويكره فحاشاه
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٢١٤).
(٢) ((الصحاح)) (٦ / ٢٤٥٧).
٣١٢
(٣) باب في أخلاقه وشمائله الخ
٥٨٢٤ - [٢٤] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ كَانَ إِذَا صَافَحَ الرَّجُلَ
لَمْ يَنْزِعْ يَدَهُ مِنْ بَدِهِ حَتَّى يَكُونَ هُوَ الَّذِي يَنْزِعُ يَدَهُ، وَلاَ يَصْرِفُ وَجْهَهُ عَنْ
وَجْهِهِ حَتَّى يَكُونَ هُوَ الَّذِي يَصْرِفُ وَجْهَهُ عَنْ وَجْهِهِ، وَلَمْ يُرَ مُقَدِّماً رُكْبَتَيْهِ
بَيْنَ يَدَيْ جَلِيسٍ لَهُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٤٩٠].
٥٨٢٥ - [٢٥] وَعَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ كَانَ لاَ يَدَّخِرُ شَيْئاً لِغَدٍ. رَوَاهُ
التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٣٦٢].
٥٨٢٦ - [٢٦] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّ طَوِيلَ
الصَّمْتِ. رَوَاهُ فِي ((شَرْح السُّنَّةِ)). [شرح السنة: ٣٦٩٥].
أن يذكر في مجلسه وَّ .
٥٨٢٤ - [٢٤] (أنس) قوله: (ولم ير) بلفظ المجهول من الرؤية، (مقدماً) بكسر
الدال وتشديدها من التقديم، قيل: المراد بالركبتين هنا الرجلان، وتقديمهما عبارة
عن مدهما، أي: لم یکن رسول الله آل# يمد رجليه بين يدي جليسه، وقيل: معناه لم
يكن مقدماً ركبته في الجلوس على ركب جلسائه، كما يفعله الجبابرة، بل يجلس
مستوياً في الصف معهم، وقيل: معناه [لا] يرفع ركبته عند من يجالسه بل يحفظها تعظيماً
لجلیسه، وكل ذلك کان لفرط أدبه و تعلیم أصحابه، ولا ینافي هذا أنه قد کان یجلس
رافعاً ركبتيه بالاحتباء وغيره، لأنه يجوز أن يكون في غير المجلس بل في الخلوة، أو
مع بعض الأصحاب، والله أعلم.
٥٨٢٥ - [٢٥] (وعنه) قوله: (كان لا يدخر شيئاً لغد) لنفسه، وإلا فقد ثبت
أنه ادخر نفقة سنة لنسائه .
٥٨٢٦ - [٢٦] (جابر بن سمرة) قوله: (طويل الصمت) أي: كثير السكوت
٣١٣
(٢٩) كتاب الفضائل والشمائل
٥٨٢٧ - [٢٧] وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: كَانَ فِي كَلاَمَ رَسُولِ اللهِنَّه تَرْتِيلٌ
وَتَرْسِيلٌ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٨٣٨].
ءُ
٥٨٢٨ - [٢٨] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا كَانَ رَسُولُ اللهِ وَهِ يَسْرُدُ سَرْدَكُمْ
هَذَا، وَلَكِنَّهُ كَانَ يَتَكَلَّمُ بِكَلَامٍ بَيْنَهُ فَصْلٌ، يَحْفَظُهُ مِن جَلَسَ إِلَيْهِ. رَوَاهُ
التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٦٣٩].
٥٨٢٩ - [٢٩] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ جَزْءٍ قَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَداً
أَكْثَرَ تَبَسُّماً مِنْ رَسُولِ اللهِ نَّهِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٦٤١].
لا يتكلم إلا لحاجة .
٥٨٢٧ - [٢٧] (جابر) قوله: (ترتيل وترسيل) قريب في المعنى، قال في
(القاموس)(١): الرتل محركة: حسن تناسق الشيء، ورتل الكلام ترتيلاً: أحسن تأليفه،
وترتَّلَ فيه: ترسل، وتفسير الترتيل بالتؤدة ضد الاستعجال بتبيين الحروف والحركات
مميزة، ويقال: ترتل في كلامه ومشيه، إذا لم يعجل، ومنه حديث: (إذا أذنت
فترسل)(٢) أي: تأنّ ولا تعجل .
٥٨٢٨ - [٢٨] (عائشة) قوله: (بينه) أي: بين أجزائه وكلماته فصل وفرق،
وفي رواية: (بكلام بيّن فصل) بتشديد الياء، أي: كلام واضح مفصول.
٥٨٢٩ - [٢٩] (عبدالله بن الحارث) قوله: (ابن جزء) بفتح الجيم وسكون
الزاي آخره همزة.
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٩٠٣).
(٢) أخرجه الترمذي في «سننه» (١٩٥).
٣١٤
(٣) باب في أخلاقه وشمائله الحر
٥٨٣٠ - [٣٠] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلاَم قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَِّهِ إِذَا
جَلَسَ يَتَحَدَّثُ يُكْثِرُ أَنْ يَرْفَعَ طَرْفَهُ إِلَى السَّمَاءِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٨٣٧].
الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٥٨٣١ - [٣١] عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَداً كَانَ
أَرْحَمَ بِالْعِيَالِ مِنْ رَسُولِ اللهِنَّهِ، كَانَ إِبْرَاهِيمُ ابْنُهُ مُسْتَرْضَعاً فِي عَوَالِي
الْمَدِينَةِ، فَكَانَ يَنْطَلِقُ وَنَحْنُ مَعَهُ، فَيَدْخُلُ الْبَيْتَ وَإِنَّهُ لَيُّدَّخَنُ، وَكَانَ ظِئْرُهُ
قَيْناً، فَتَأْخُذُهُ فَيُقَبِّلُهُ ثُمَّ يَرْجِعُ. قَالَ عَمْرٌو: فَلَمَّا تُؤُقِّيَ إِنْرَاهِيمُ قَالَ
رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((إِنَّ إِبْرَاهِيمَ ابْنِي، وَإِنَّهُ مَاتَ فِي الَّدْىِ، .
٥٨٣٠ - [٣٠] (عبدالله بن سلام) قوله: (يرفع طرفه إلى السماء) ترقباً لنزول
جبرئيل بالوحي.
الفصل الثالث
٥٨٣١ - [٣١] (عمرو بن سعيد) قوله: (في عوالي المدينة) جمع عالية، والمراد
القرى التي في جانب العلو من المدينة من مسجد قباء، ومنازل بني قريظة وغيرهم.
وقوله: (وإنه ليدخن) بضم الياء وتشديد الدال من الدخان.
وقوله: (وكان ظئره قيناً) الظئر: المرضعة ولد غيرها، من ظأر وأظأر مهموزاً:
عطف على غير ولده، ويقال للذكر أيضاً، وكان زوج ظئر إبراهيم اسمها أم سيف قيناً
بفتح القاف وسكون الياء بمعنی الحداد، ويقال له: أبو سيف.
وقوله: (وإنه مات في الثدي) أي: في مدة الرضاع، قيل: كان ابن ستة عشر
شهراً، وقيل: سبعة عشر، وقيل غير ذلك، وقد سبق ذكره في (باب صلاة الخسوف)،
٣١٥
(٢٩) كتاب الفضائل والشمائل
وَإِنَّ لَهُ لَظِئْرَيْنِ تُكْمِلاَنِ رَضَاعَهُ فِي الْجَنَّةِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٣١٦].
و(تكملان) أي: يتمان من الإكمال.
وقوله: (في الجنة) أي: أنه يدخل الجنة عقيب موته فيتم فيها رضاعه كرامة له.
فائدة: اعلم أنه قد روي: (لو عاش إبراهيم لكان نبياً) قال شيخ بعض شيوخنا
ابن ديبع في كتاب (تمييز الطيب من الخبيث فيما يدور على الألسنة من الأحاديث)(١):
وقال النووي: هذا الحديث باطل وجسارة على الكلام في المغيبات، وهجوم على
أمر عظيم، وقال ابن عبد البر في (تمهيده): لا أدري ما هذا، فقد وَلَدَ نوحٌ عَلَ غَيْرَ
نبي، ولو لم يلد نبي إلا نبياً كان كل واحد نبيًّا لأنه من ولد نبي، قلت: قد أخرجه
ابن ماجه وغيره من حديث ابن عباس قال: (لما مات إبراهيم ابن النبي ◌ِّر، قال: إن
له مرضعاً في الجنة، ولو عاش لكان صديقاً نبيًّا، ولو عاش لأعتقت أخواله من القبط،
وما استرق قبطي)(٢)، وفي سنده أبو شيبة إبراهيم بن عثمان الواسطي وهو ضعيف،
والله أعلم، انتھی.
وفي (شرح الشمائل) للشيخ(٣): قد ورد من طرق ثلاثة عن ثلاثة من الصحابة:
(لو عاش لكان نبيًّا)، وتأويله أن القضية الشرطية لا تستلزم وقوع المقدم، ولا يظن
بالصحابة الهجوم على مثل ذلك بالظن، وأما إنكار النووي كابن عبد البر لذلك فلعدم
ظهور هذا التأويل، وهو ظاهر، انتهى.
أقول: هذا ظاهر غير مخفي، ولكن الكلام في بيان الملازمة، ولا بد من بيانها .
(١) ((تمييز الطيب من الخبيث)) (ص: ١٣٤)، و((تهذيب الأسماء واللغات)) (١ / ١٠٣).
(٢) ((سنن ابن ماجه)) (١٥١١).
(٣) انظر: ((جمع الوسائل)) (٢ / ١٢٤).
٣١٦
(٣) باب في أخلاقه وشمائله {﴾
٥٨٣٢ - [٣٢] وَعَنْ عَلَيٍّ: أَنَّ يَهُودِيًّا كَانَ يُقَالُ لَهُ: فُلاَنٌ، حَيْرٌ،
كَانَ لَهُ عَلَى رَسُولِ اللهِنَّهِ دَتَانِيرُ، فَتَقَاضَى النَّبِيَّ نَّهِ، فَقَالَ لَهُ: ((يَا يَهُودِيُّ!
مَا عِنْدِي مَا أُعْطِيكَ)). قَالَ: فَإِنِّي لاَ أُفَارِقُكَ مَا مُحَمَّدُ حَتَّى تُعْطِيَتِي. فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((إِذاً أَجْلِسُ مَعَكَ)) فَجَلَسَ مَعَهُ، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِنَِّ الظُّهْرَ
وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ الآخِرَةَ وَالْغَدَاةَ، وَكَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ وَل
يَتَهَذَّدُونَهُ وَيَتَوَعَّدُونَهُ، فَفَطِنَ رَسُولُ اللهِهِ مَا الَّذِي يَصْنَعُونَ بِهِ. فَقَالُوا:
يَا رَسُولَ الهِ! يَهُودِيٌّ يَحْبِسُكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((مَنَعَنِي رَبِّي أَنْ أَظْلِمَ
مُعَاهِداً وَغَيْرَهُ»، فَلَمَّا تَرَجَّلَ النَّهَارُ قَالَ الْيَهُودِيُّ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ،
وَأَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ، وَشَطْرُ مَالِي فِي سَبِيلِ اللهِ، أَمَا وَاللهِ مَا فَعَلْتُ بِكَ
الَّذِي فَعَلْتُ بِكَ إِلاَّ لأَنْظُرَ إِلَى نَعْتِكَ فِي التَّوْرَاةِ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، مَوْلِدُهُ
بِمَكَّةَ، وَمُهَاجَرُهُ بِطَيْئَةَ، وَمُلْكُهُ بِالشَّامِ، لَيْسَ بِفَظٍّ وَلاَ غَلِيظِ، وَلاَ سَخَّابٍ
فِي الأَسْوَاقِ،
ولعل المقصود مدح إبراهيم وبيان رتبته واستعداده، يعني أنه كان مستعداً للنبوة لو
عاش، ولكنه لم يعش لختم النبوة عليه ◌َّ، والله أعلم.
٥٨٣٢ - [٣٢] (علي) قوله: (فلما ترجل النهار) أي: ارتفع، في (القاموس)(١):
رجل النهار: ارتفع، و(المهاجر) بفتح الجيم بمعنى الهجرة، و(طيبة) بفتح الطاء وسكون
المثناة التحتية من أسماء المدينة المطهرة، ولها أسماء قريبة من المئة، قد ذكرنا نبذة
منها في (تاريخ المدينة).
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٩٢٣).
٣١٧
(٢٩) كتاب الفضائل والشمائل
وَلاَ مُتَزَيِّ بِالْفُحْشِ، وَلاَ قَوْلِ الْخَنَا، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وَأَنََّكَ رَسُولُ اللهِ،
وَهَذَا مَالِي فَاحْكُمْ فِيهِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ، وَكَانَ الْيُهُودِيُّ كَثِيرَ الْمَالِ. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ
فِي ((دَلَائِل النَّبُوَّةِ)). [دلائل النبوة: ٦ / ٢٨٠].
٥٨٣٣ - [٣٣] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَل
يُكْثِرُ الذِّكْرَ، وَيُقِلُّ اللَّغْوَ، وَيُطِيلُ الصَّلاَةَ، وَيُقَصِّرُ الْخُطْبَةَ، وَلاَ يَأْنَفُ أَنْ
يَمْشِيَ مَعَ الأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ.
وقوله: (ولا متزي) من الزي بمعنى اللباس والهيئة. و(الخنا) بفتح الخاء
المعجمة: الفحش في القول، ناقص لا مهموز، وفي (الصراح)(١): خنى: سخن
بیهوده گفتن.
٥٨٣٣ - [٣٣] (عبدالله بن أبي أوفى) قوله: (ويقل اللغو) في (القاموس)(٢):
اللغو واللغا: ما لا يعتد به من كلام وغيره، وكلمة لاغية: أي: فاحشة، وفي
(الصراح)(٣): لغو: بيهوده كَفتن. ولعل المراد بالقلة العدم، أو المراد باللغو ما سوى
الذكر.
وقوله: (ويقصر الخطبة) من التقصير، مرّ شرحه في (باب الخطبة).
وقوله: (ولا يأنف) من أنف منه كسمع أنفاً وأنفة محركتين: أي: استنكف.
وقوله: (مع الأرملة) بفتح الميم، الأرملة: المرأة التي مات زوجها، والأرمل :
الرجل الذي ماتت زوجته، غنيين أو فقيرين، والجمع الأرامل، وهو بالنساء أخص
(١) (الصراح)) (ص: ٥٥٦).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٢٢٢).
(٣) ((الصراح)) (ص: ٥٨٧).
٣١٨
(٣) باب في أخلاقه وشمائله زَا}
فَيَقْضِيَ لَهُ الْحَاجَةَ. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ. [ن: ١٤١٤، دي: ١ / ٢١٣١].
٥٨٣٤ - [٣٤] وَعَنْ عَلِيٍّ أَنَّ أَبَا جَهْلٍ قَالَ لِلنَّبِيِّ ◌َِّ: إِنَّا لاَ نُكَذِّبِكَ،
وَلَكِنْ نُكَذِّبُ بِمَا جِئْتَ بِهِ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِيهِمْ: ﴿فَهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ
الظَّالِمِينَ بِعَايَتِ اَللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٠٦٤].
وأكثر استعمالاً، وقد يفسر الأرامل بالمساكين من رجال أو نساء، كذا في (النهاية)(١)،
وفي (القاموس)(٢): رجل أرمل وامرأة أرملة: محتاجة أو مسكينة، والجمع أرامل
وأراملة، والأرمل: العزب، وهي بهاء، أو لا يقال للعزبة الموسرة: أرملة، ويقال:
الأرملة: الرجال المحتاجون الضعفاء، انتهى. وعطف المسكين على الأرملة في
الحديث يدل على أن المراد بها الغربة، والله أعلم.
وقوله: (فيقضي له) أي: للمسكين أو لكل واحد.
٥٨٣٤ - [٣٤] (علي) قوله: (إنا لا نكذبك) أي: أنت مشهور بالصدق، وكان
يلقب بالصادق الأمين .
وقوله: (نكذب بما جئت به) أي: الباعث لنا على تكذيبك ونسبتك إلى الكذب
الدینُ الذي جئت به نكذبك بسببه حسداً، فافهم.
(فأنزل الله تعالى فيهم: ﴿فَإِنَهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِثَايَتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴾
[الأنعام: ٣٣])، وجاء في التفسير: أي: أنهم لا يكذبونك في الحقيقة، ولكنهم يجحدون
بآيات الله ويكذبونها، ونحوه قول السيد لغلامه إذا أهانه بعض الناس: إنهم لم يهينوك،
وإنما أهانوني، وقيل: فإنهم لا يكذبونك لأنك عندهم الصادق الموسوم بالصدق،
(١) ((النهاية)) (٢ / ٢٦٦).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٩٢٧).
٣١٩
(٢٩) كتاب الفضائل والشمائل
٥٨٣٥ - [٣٥] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((يَا عَائِشَةُ!
لَوْ شِئْتُ لَسَارَتْ مَعِي جِبَالُ الذَّهَبِ، جَاءَتِي مَلَكٌ وَإِنَّ حُجْزَتَهُ لَتِّسَاوِي
الْكَعْبَةَ، فَقَالَ: إِنَّ رَبَّكَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلاَمَ وَيَقُولُ: إِنْ شِئْتَ نَبِيًّا
عَبْداً، وَإِنْ شِئْتَ نَبِيًّا مَلِكاً، فَنَظَرْتُ إِلَى جِبْرِيلَ عَه فَأَشَارَ إِلَيَّ أَنْ ضَعْ
نَفْسَكَ)).
٥٨٣٦ - [٣٦] وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ: فَالْتَفَتَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ إِلَى
جِبْرِيلَ كَالْمُسْتَشِيرِ لَهُ، فَأَشَارَ جِبْرِيلُ بِيَدِهِ أَنْ تَوَاضَعْ. فَقُلْتُ: ((نَبِيًّا عَبْداً)
قَالَتْ: فَكَانَ رَسُولُ اللهِّهِ بَعْدَ ذَلِكَ لاَ يَأْكُلُ مُتَّكِأَ يَقُولُ:
ولكنهم يجحدون بآيات الله، كذا في (الكشاف)(١)، وهذا القول الأخير يناسب ما في
الحدیث، فافهم.
٥٨٣٥، ٥٨٣٦ - [٣٥، ٣٦] (عائشة) قوله: (وإن حجزته لتساوي الكعبة) بيان
لطول قامة ذلك الملك، والحجزة بضم الحاء وسكون الجيم والزاي: معقد الإزار،
ومن السراويل: موضع التكة.
وقوله: (إن ربك يقرأ عليك السلام) بفتح الياء، وأما قولهم: يقرئك السلام
فبضم الياء، وفي (القاموس) (٢): قرأ عليه السلام: أبلغه كأقرأه، أو لا يقال: أقرأه إلا
إذا كان السلام مكتوباً، وقد ذكرناه في غير هذا الموضع.
وقوله: (ضع نفسك) أمر من وضع يضع، وضع فلان نفسه وضعاً ووضوعاً
(١) ((الكشاف)) (٢ /١٨).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٥٩).
٣٢٠
(٤) باب المبعث وبدء الوحي
(آكُلُ كَمَا يَأْكُلُ الْعَبْدُ، وَأَجْلِسُ كَمَا يَجْلِسُ الْعَبْدُ. رَوَاهُ فِي ((شَرْحِ السُّنَّةِ)).
[شرح السنة: ٣٦٨٣، ٣٦٨٤].
٤ - باب البحث وبدءالوحي
وضَعَةً، أي: أذلها، ووضعه: حط من قدره، والمراد اختيار العبودية دون الملك.
٤ - باب المبعث وبدء الوحي
المبعث مصدر میمي بمعنی البعث من بعثه: إذا أرسله کابتعثه فانبعث، يصح
أن يكون اسم زمان، والظاهر هو الأول، و(بدء) يحتمل أن يكون مهموزاً وناقصاً،
وقد ترجم البخاري في أول صحيحه: (باب كيف كان بدء الوحي).
قال عياض في (المشارق)(١): رويناه مهموزاً من الابتداء، ورواه بعضهم غير
مهموز من البدو بمعنى الظهور، قال أبو مروان بن سراج: والهمز أحسن؛ لأنه يجمع
المعنیین معًا .
وأحاديث الباب تدل على الوجهين؛ لأن فيه بيان كيف يأتيه الوحي ويظهر
عليه، وفيه ابتداء حاله فيه، وأول ما ابتدئ به منه، انتهى. والبدء بالمعنى الأول بفتح
الباء وسكون الدال، وعلى الثاني بضم الباء والدال وتشديد الواو، قال الشيخ ابن
حجر (٢): ويرجح الأول أنه وقع في بعض الروايات: (كيف كان ابتداء الوحي).
(١) ((مشارق الأنوار)) (١ / ٨٠).
(٢) ((فتح الباري)) (١ /١).