Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
(٢٩) كتاب الفضائل والشمائل
٥٧٩٥ - [٢٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: مَا رَأَيْتُ شَيْئاً أَحْسَنَ مِنْ
رَسُولِ اللهِ وَّهِ، كَأَنَّ الشَّمْسَ تَجْرِي فِي وَجْهِهِ، وَمَا رَأَيْتُ أَحَداً أَسْرَعَ فِي
مَشْيِهِ مِنْ رَسُولِ اللهِنَّهِ، كَأَنَّمَا الأَرْضُ تُطْوَى لَهُ، إِنَّا لَنُجْهِدُ أَنْفُسَنَا وَإنَّهُ
لَغَيْرُ مُكْتَرِثٍ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٦٤٨].
٥٧٩٦ - [٢١] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: كَانَ فِي سَاقَيْ رَسُولِ اللهَِه
حُمُوشَةٌ، وَكَانَ لاَ يَضْحَكُ إِلاَّ تَبَسُّماً، وَكُنْتُ إِذَا نَظَرْتُ إِلَيْهِ.
أي: مضيئة، وإفعلان مما قلّ في كلامهم، وإنما قال: (عندي) إظهاراً لتلذذه بجماله ◌َ
فافهم.
٥٧٩٥ - [٢٠] (أبو هريرة) قوله: (إنا لنجهد) بضم النون وفتحها، يقال: جهد
دابته وأجهدها .
وقوله: (وإنه لغير مكترث) أي: غير مبال.
٥٧٩٦ - [٢١] (جابر بن سمرة) قوله: (حموشة) بضم الحاء المهملة وبالشين
المعجمة حموشة الساق: دقتها .
وقوله: (وكان لا يضحك إلا تبسماً) وهذا باعتبار غالب أحواله، فلا ينافي ما جاء
في بعض الأحاديث: فضحك رسول الله پڼ حتى بدت نواجذه، وقد ورد في حديث
أبي هالة: ضحكه التبسم، والتبسم: مبادئ الضحك، والضحك: انبساط الوجه حتى
تظهر الأسنان من السرور، فإن كان بصوت وكان يسمع بحيث يسمع من بعيد فهو القهقهة
وإلا فالضحك، وإن كان بلا صوت فهو التبسم، كذا نقل في (المواهب)(١) عن أهل
اللغة .
(١) ((المواهب اللدنية)) (٢ / ٢٧٩).

٢٨٢
(٢) باب أسماء النبي مليار وصفاته
قُلْتُ: أَكْحَلُ الْعَيْنَيْنِ، وَلَيْسَ بِأَكْحَلَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٦٤٥].
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٥٧٩٧ - [٢٢] عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِلَّهِ أَفْلَجَ الشَِّيََّيْنِ،
إِذَا تَكَلَّمَ رُئِيَ كَالنُّورِ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ ثَنَايَاهُ. رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. [دي: ١ / ٢٠٣،
ح: ٥٩].
وقوله: (قلت: أكحل العينين وليس بأكحل) الظاهر أن المراد ظننت أنه اكتحل،
أي: استعمل الكحل في عينيه، والحال أنه لم يكتحل، بل كان كحل في عينه، فإنه
قد ورد في صفته ◌َّه: (في عينه كحل) بفتحتين، أي: سواد في أجفان العين خلقة،
والرجل أكحل وكحيل، فلفظ الحديث لا يخلو عن إشكال، قال في (القاموس)(١):
الكحل محركة: أن يعلو منابت الأشفار سواد خلقة، فهو أكحل، انتهى. والمراد ما ذكرنا
فلعله جاء أكحل بمعنى المكتحل، والله أعلم.
الفصل الثالث
٥٧٩٧ _ [٢٢] (ابن عباس) قوله: (أفلج الثنيتين) وجاء في رواية: (مفلج
الأسنان)، والمراد منهما الثنايا والثنية، والثنايا من الأسنان الأربعة في مقدم الفم ثنتان
من فوق وثنتان من أسفل، والرباعيات اثنتان حولهما، والفلج بالتحريك: تباعد ما بين
الأسنان، وقال صاحب (النهاية)(٢): إن الفلج بالتحريك: فرجة بين الثنايا والرباعيات،
والفرق: فرجة بين الثنيتين، انتهى. فعلى هذا استعمل (فلج) موضع (فرق)، فتدبر.
وقوله: (رئي) بلفظ المجهول على وزن ضرب، (كالنور) أي: شيء مثل النور
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٩٧٠).
(٢) ((النهاية)) (٣/ ٤٦٨).

٢٨٣
(٢٩) كتاب الفضائل والشمائل
٥٧٩٨ _ [٢٣] وَعَنْ كَعْبٍ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِنَّهِ إِذَا سُرَّ
اسْتَنَارَ وَجْهُهُ، حَتَّى كَأَنَّ وَجْهَهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ، وَكُنَّا نَعْرِفُ ذَلِكَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
[خ: ٣٥٥٦، م: ٢٧٦٩].
٥٧٩٩ - [٢٤] وَعَنْ أَنَسِ أَنَّ غُلاَماً يَهُودِيًّا كَانَ يَخْدُمُ النَّبِيَّ وََّ،
فَمَرِضَ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ◌َهِ يَعُودُهُ، فَوَجَدَ أَبَاهُ عِنْدَ رَأْسِهِ يَقْرَأُ الثَّوْرَاةَ، فَقَالَ لَهُ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((يَا بَهُودِيُّ! أَنْشُدُكَ بِاللهِ الَّذِي أَنْزَلَ الثَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى هَلْ
تَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ نَعْتِي وَصِفَتِي وَمَخْرَجِي؟)). قَالَ: لاَ. قَالَ الْفَتَى: بَلَى وَاللهِ
يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّا نَجِدُ لَكَ فِي التَّوْرَاة نَعْتَكَ وَصِفَتَكَ وَمَخْرَجَكَ، وَإِنِّي
أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ وَأَنََّكَ رَسُولُ اللهِ. فَقَالَ النَّبِيُّ وَّهِ لِأَصْحَابِهِ: ((أَقِيمُوا
هَذَا مِنْ عِنْدِ رَأْسِهِ وَلُوا أَخَاكُمْ))
في الظهور والبيان، أو الكاف زائدة، وهذا أظهر معنى، والضمير في (يخرج) للنور.
٥٧٩٨ - [٢٣] (كعب بن مالك) قوله: (إذا سرّ) بلفظ المجهول من السرور.
وقوله: (قطعة قمر) إنما قال: (قطعة) لقلة استدارته بالنسبة إلى استدارة القمر.
وقوله: (وكنا نعرف ذلك) إشارة إلى أنه كان في غاية الجلاء والظهور.
٥٧٩٩ - [٢٤] (أنس) قوله: (يخدم) من باب نصر وضرب.
وقوله: (نعتي وصفتي) كأن أحدهما عبارة عن الخلق بالفتح، والآخر عن الخلق
بالضم، والظاهر من المخرج المبعث مصدر ميمي أو ظرف مكان أو زمان، ويمكن
أن يراد به الهجرة، والخروج من مكة إلى المدينة، ومجيئهم إليهم.
وقوله: (أقيموا هذا) أي: أخرجوه من عنده، (ولوا أخاكم) (لوا) أمر بلفظ الجمع

٢٨٤
(٢) باب أسماء النبي غير وصفاته
رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي ((دَلاَئِلِ النَّبُوَّة)). [دلائل النبوة: ٦ / ٢٧٢].
٥٨٠٠ - [٢٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِّ وَ أَنَّهُ قَالَ: ((إِنَّمَا أَنَا رَحْمَةٌ
مُهْدَاةٌ)). رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي ((شَعَبِ الإِيمَانِ)). [دي: ١ / ١٦٦، ح:
١٥، شعب الإيمان: ٢/ ٥٢٩، ح: ١٣٣٩].
المذكر من ولي الأمر، و(لِ) واحد، مثل قِ وقوا، أي: تولوا أمره من التمريض
والتجهيز والتكفين.
٥٨٠٠ _ [٢٥] (أبو هريرة) قوله: (إنما أنا رحمة مهداة) كقوله تعالى: ﴿وَمَآ
أَرْسَلْنَكَ إِلَّرَحْمَةُ لِلْعَلَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، وفي قوله: (مهداة) تعظيم وتبجيل لنفسه
الكريمة، وتشريف وتكريم للأمة؛ لأن الإهداء إنما يكون بشيء نفيس إلى من أريد
إکرامه .
تكملة: هذا ما أورده المؤلف من الأحاديث في كمال خلقته وجمال صورته، وفاته
أشياء منها ما جاء في وصف بصره وسمعه، فقد جاء عن ابن عباس: كان رسول الله وَ له
يرى بالليل في الظلمة كما يرى بالنهار، وإنه كان يرى من خلفه ما يرى من أمامه،
واختلف في أنها بآلة في قفاه، أو بعين رأسه، أو لا بهذا ولا بذاك بل كان بطريق العلم،
وفيه كلام طويل ذكر في (المواهب)، وقد ذكرنا طرفاً منه في (باب الإمامة).
وذكر القاضي عياض في (الشفا)(١): أنه ◌ّ يرى في الثريا أحد عشر نجماً، وعند
السهيلي: اثني عشر، وقال ◌َّ: (إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، وإني
(١) ((الشفا بتعريف حقوق المصطفى)) (١ / ١٦٤).

٢٨٥
(٢٩) كتاب الفضائل والشمائل
لأسمع أطيط السماء وحق لها أن تئط، ليس فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع
جبهته ساجداً لله تعالى). وفي رواية: (وما فيها موضع شبر إلا وعليه ملك ساجد أو
قائم)، وجاء في حديث أبي هالة: (خافض الطرف، نظره إلى الأرض أطول من نظره
إلى السماء، جل نظره الملاحظة)، وهي مفاعلة من اللحظ، وهو النظر بشق العين
الذي يلي الصدغ، وأما الذي في جانب الأنف فالموق.
وجاء في حديث علي : (كان رسول الله وَّ﴿ عظيم العينين)، ولعل المراد
به ما فسر به بعضهم: (أشكل العين) بطويل شق العين، والمقصود نفي صغرهما
وغورهما مما ينافي الحسن والجمال، وهذا هو الضابطة في وصفه وجماله أنه كان
في غاية الحسن والاعتدال، وكان رسول الله وملي﴿ واضح الجبين، مقرون الحاجبين
بهذا وصفه علي ظه، فقال: مقرون الحاجبين، صلت الجبين، أي: واضحة، والقرن:
اتصال شعر الحاجبين.
وجاء في وصفه: (رجل حسن الجسم، عظيم الجبهة، دقيق الحاجبین، وورد:
(أزج الحواجب)، وفسر بالقوس، والطويل الوافر الشعر، وورد: من غير قرنٍ بينهما
عِرْقٌ يُدِرُّهُ الغضبُ، أي: يمتلىء، وما إذا غضب كالممتلئ الضرع لبناً إذا أدر. وقوله:
(من غير قرن) ينافي رواية: (مقرون الحاجبين)، والأول هو الصحيح في صفته، يعني
سوابغ من غير قرن، وقد جاء: (أقنى الأنف)، والقنا في الأنف: طوله ودقة أرنبته مع
حدب في وسطه، وفسرها السائل المرتفع وسطه .
وجاء في رواية الترمذي: (أقنى العرنين له نور يعلوه، يحسبه من لم يتأمله أشم)،
و(العرنين) بكسر العين وسكون الراء وكسر النون: أعلى الأنف، وجاء: (كث اللحية

٢٨٦
(٢) باب أسماء النبي مليار وصفاته
عظيم الهامة)، وهو في معنى ما في الكتاب: (ضخم الرأس واللحية)، وجاء: (الواضح
الخدين وسهل الخدين)، وجاء في حديث ابن أبي هالة فقال: (أشنب مفلج الأسنان)،
والشنب: رونق الأسنان وماؤها، وقيل: رقتها وتحديدها، وجاء: (براق الثنايا)، وقال:
(كان رسول الله ﴿ ﴿ أحسن عباد الله شفتين وألطفهم ختم فم)، وقال قائلهم:
ياقوته صدف فيه جواهره
بحر من الشهد في فيه مراشفه
وعن بعض الصحابة أنه قال: بايعنا رسول الله وير أنا وأمي وخالتي، فلما رجعنا
قالت لي أمي وخالتي: يا بني! ما رأينا مثل هذا الرجل أحسن وجهاً، وأنقى ثوباً،
ولا ألين كلاماً، ورأينا كالنور يخرج من فيه.
وأما ريقه رَّ فقد جاء: أتي بدلو من ماء فشرب من الدلو ثم صب في البئر - أو
قال: مج في البئر - ففاح منها مثل رائحة المسك، ولم يكن بئر أعذب منها، وهذا
معجزة، وبصقه ◌َّ في عين علي وهو أرمد وبرؤه كأن لم يكن به وجع، مشهور،
ويأتي في المعجزات إن شاء الله تعالى، ولهذا أمثال مذكورة في موضعه.
وأما فصاحة لسانه، وجوامع کلمه، وبدیع بیانه فمما لا يمكن وصفه حتى كان
كلامه يأخذ القلوب، ويسلب الأرواح.
وأما صوته فلقد كان أحسن الناس صوتاً وأصدقهم لهجة، فعن أنس قال:
ما بعث الله نبيًّا إلا حسن الوجه، حسن الصوت، حتى بعث الله نبيكم ◌َ﴾ فبعث حسن
الوجه حسن الصوت، وقد كان صوته يبلغ حيث لا يبلغه صوت غيره، فعن البراء :
خطبنا رسول الله ﴿ حتى أسمع العوائق في خدورهن، وجاء: خطبنا رسول الله وَله
بمنى ففتحت أسماعنا - وفي رواية: ففتح الله أسماعنا - حتى إن كنا لنسمع ما يقول

٢٨٧
(٢٩) كتاب الفضائل والشمائل
ونحن في منازلنا .
وعن أم هانئ: كنا نسمع قراءة النبي ◌َّ في جوف الليل عند الكعبة وأنا على
عريشي .
وورد: جل ضحكه التبسم، ويفتر عن مثل حب الغمام، أي: يبدي أسنانه
ضاحكاً، وحب الغمام: البرد، وورد: إذا ضحك رسول الله وَ ر تلألأ في الجدر، أي:
يشرق نوره عليها إشراقاً كإشراق الشمس، كذا فسروه.
وكان بكاؤه ◌َّه من جنس ضحكه لم يكن بشهيق ورفع صوت، كما لم يكن
ضحكه بقهقهة، ولكن تدمع عيناه حتى تهملان، ويسمع لصدره أزيز كأزير المرجل
خصوصاً عند سماع القرآن، وأحياناً في صلاة الليل.
وقد حفظه الله من التثاؤب، فورد: ما تثاءب النبي قط، وفي رواية: ما تثاءب
نبي قط، وجاء في وصفه ◌َّر: سائل الأطراف بالمهملة، وفي رواية: شائل الأطراف
بالمعجمة، ويروى: سائن بالنون بدل اللام، وفسروه بطويل الأصابع.
وكان منبسط الوجه، ولم ينقبض وجهه حتى مات، وكان أبيض الإبطين، وهذا
من خصائصه مدير؛ لأن الإبط من جميع الناس يكون متغير اللون، وزاد القرطبي:
ولا شعر عليه، ولم يثبت ذلك، وبياض الإبط لا يستلزم ذلك، وقد ورد في بعض
الروايات: نتف إبطيه، والله أعلم.
وجاء: بادن متماسك سواء البطن والصدر، ووصفت بطنه أم هانئ فقالت:
ما رأيت بطن رسول الله ﴿ إلا ذكرت القراطيس المثنية بعضها على بعض، وجاء:
مفاض البطن، فقيل: واسع البطن، وقيل: مستوى البطن مع الصدر، وجاء عن بعض

٢٨٨
(٢) باب أسماء النبي ◌َّار وصفاته
الصحابة أنه قال: نظرت إلى ظهره كأنه سبيكة فضة، وقد جاء: كان رسول الله وَله
أبيض، كأنما صيغ من فضة، وكان عريض الصدر، وفي رواية: رحب الصدر، وكان
قلبه أنقى القلوب، وأصلحها، وأنورها، وقد غسل مراراً كما جاء في الأخبار.
وأما جماعه ◌َّ فقد كان يدور على نسائه في الليلة الواحدة، وهي إحدى عشرة
امرأة، وقد ورد: أنه أعطي قوة ثلاثين، وفي رواية: قوة أربعين، وزاد أبو نعيم عن
مجاهد: كل رجل من رجال أهل الجنة، وقد يروى أنه يعطى كل رجل في الجنة قوة مئة،
وقد حفظه الله من الاحتلام، فعن ابن عباس ◌َ﴾ قال: ما احتلم نبي قط، وإنما الاحتلام
من الشيطان، رواه الطبراني(١).
وقد مر: أنه كان شئن القدمين، أي: غليظ أصابعهما، وعن بعض الصحابة
أنه قال: رأيت رسول الله ◌َلّ فما نسيت طول أصبع قدميه السبابة على سائر أصابعه،
وكانت خنصره من رجله متظاهرة.
وقد اشتهر على الألسنة أن سبابة النبي ولو كانت أطول من الوسطى، قال الحافظ
ابن حجر: وهو غلط ممن قاله، وإنما ذلك في أصابع رجليه، وكذا قال السخاوي
وبين منشأ غلطه، وقد نقله صاحب (المواهب)(٢)، وورد في حديث ابن أبي هالة عند
الترمذي: خمصان الأخمصين مسيح القدمين(٣)، والأخمص من القدم: الموضع الذي
لا يلصق بالأرض منها عند الوطء، والخمصان: المبالغ فيه، أي: كان ذلك الموضع
(١) أخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (١١/ ٣٠٤، رقم: ١١٨١٢).
(٢) ((المواهب اللدنية)) (٢/ ٢٩٢).
(٣) أخرجه الترمذي في ((الشمائل)) (٧).

٢٨٩
(٢٩) كتاب الفضائل والشمائل
من أسفل قدميه شديد التجافي عن الأرض، وقد ورد في حديث أبي هريرة: كان إذا
وطئ بقدمه وطئ بكلها ليس له أخمص، ويوفق بينهما بأنه كان أخمص، ولكن عند
وطء القدم يطأ على قدمه كلها. ومسيح القدمين: أي ملساوتان لينتان ليس فيهما تكسر
ولا شقاق، فإذا أصابهما الماء نبا عنهما، وورد: أنه كان ◌َلّ أحسن البشر قدماً.
أما طوله فقد عرف أنه كان أقرب إلى الطول من القصر، وورد: ليس بالذاهب
طولاً، وفوق الربعة، إذا جاء مع القوم غمرهم، رواه عبدالله ابن الإمام أحمد رحمة الله
عليهما، وورد: أنه كان ينسب إلى الربعة إذا مشى وحده، ولم يكن على حال يماشيه
أحد من الناس ممن ينسب إلى الطول إلا طاله ويّة، وربما اكتنفه الرجلان الطويلان
فيطولهما؛ فإذا فارقاه نسب إلى الربعة، وهذا معجزة له وَلّ. وجاء في خصائصه: أنه
كان إذا جلس يكون كتفه أعلى من جميع الجالسين .
واختلف في سدله الشعر وفرقه، فقيل: كان يسدل موافقة لأهل الكتاب ثم
فرق، وكلاهما جائز، وقيل: الفرق أفضل، وقالت أم هانئ: قدم رسول الله وَلخير علينا
مكة وله أربع غدائر، والصحيح عند المحدثين أنه ◌َّ لم يخضب، ولم يبلغ شيبه
الخضاب، وكان رسول الله وَّلم يكثر دهن رأسه، وتسريح لحيته، ولم يحلق رأسه في
غير نسك حج أو عمرة، وكان شعره عند أصحابه.
وعن محمد بن سرين قال: قلت لعبيدة: عندنا من شعر النبي وَلّ أصبناه من قبل
أنس، قال: لأن يكون عندي شعرة منه أحب إلي من الدنيا وما فيها، وقال في
(الشفاء)(١): كث اللحية تملأ صدره، وورد: أنه سي كان يأخذ من لحيته من عرضها
(١) ((الشفا بتعريف حقوقه المصطفى)) (١ / ١٤٨).

٢٩٠
(٢) باب أسماء النبي ◌َّ وصفاته
وطولها، رواه الترمذي(١) وقال: حديث غريب، وكان يقص شاربه وقال: (من لم
يأخذ شاربه فليس منا)، والكلام فيه طويل مذكور في موضعه ولا بأس بترك سباليه
فعل ذلك عمر رقڅته.
وأما العانة فقد روي أنه كان يطلأها بالنورة. وجاء في حديث أنس: أنه (وَل * كان
لا يتنور، وكان إذا كثر شعره حلقه، ولكن سنده ضعيف، وكان يأخذ من شاربه وأظفاره
يوم الجمعة، ولم يثبت في كيفيته شيء، وعند البعض في تعيين يوم أيضاً كلام، وكان
لا يفارقه سواكه ومشطه، وكان ينظر في المرآة إذا سرح لحيته، وكانت له مکحلة یکتحل
منها كل ليلة، ثلاثة في هذه وثلاثة في هذه قبل أن ينام.
وأما مشیه فقد عرف حاله، وأما مشیه مع أصحابه فكانوا يمشون بين يديه وهو
خلفهم، وهو معنى ما ورد: كان يسوق أصحابه، ولم يكن له ◌ّ ظل في شمس ولا في
قمر، رواه الحكيم الترمذي عن ذكوان. وقال ابن سبع: كان ◌َّ﴿ نوراً، وكان إذا مشى
في الشمس والقمر لا يظهر له ظل، وقال: ويشهد له قوله {وَّ في دعائه: (واجعلني
نورا)(٢)، قال العبد الضعيف: عجباً من هؤلاء الأعلام كيف فاتهم: ولا عند سراج،
والدليل قائم.
وأما لونه فقد مضى الكلام فيه، واتفقت الروايات على بياضه، قالوا: كان أبيض
مليح الوجه، وعند الطبراني: ما أنسى شدة بياضه في شدة سواد الشعر، وقال عمه أبو
طالب في مدحه :
(١) أخرجه الترمذي في ((سننه)) (٢٧٦٢).
(٢) انظر: ((المواهب اللدنية)) (٢ / ٣٠٧).

٢٩١
(٢٩) كتاب الفضائل والشمائل
ثمال اليتامى عصمة للأرامِل
وأبْيَض يُسْتَسْقَى الغمامُ بوجهه
وأما طيب ريحه فقد ورد فيه عجائب يتحير العقل فيه.
وأما البول والدم: فقد شربهما بعض الناس فلم يمرض أبداً، وجاءت فيه
أحاديث، وفيها دلالة على طهارة بوله ودمه، وقد ورد: أنه إذا كان أراد أن يتغوط
انشقت الأرض وابتلعت بوله وغائطه، وفاحت لذلك رائحة طيبة، ولم يطلع على
ما يخرج منه بشر، وقد يروى: ابتلاع الأرض ما يخرج عن الأنبياء عليهم السلام.
وقال الشيخ الحافظ ابن حجر (١): قد تكاثرت الأدلة على طهارة فضلاته وَالر،
وعد ذلك من خصائصه، فكله حسن وجمال، وكله طهارة ونظافة، وكله فضل
وكمال، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه في كل حين وفي كل حال، وهذا نقلته
من صفاته ﴿ مما فات المؤلف في هذا الباب، وبعض ذلك وإن كان ذكره في أبواب
أخر لكني أردت إيراده متسقاً ومنتظماً شوقاً وغراماً وتمسكاً واعتصاماً، ولا أخاف في
أمثال ذلك من التطويل فأيّ تطويل عند ذكر الحبيب، وهو يصحح العليل ويشفي الغليل،
فعلى الله التوكل، وعلى فضله وكرمه التعويل :
بالحُسْنِ مُشْتَمِلٍ بالبِشْرِ مُتَّسِمٍ
أكرمْ بخلقِ نبيِّ زانهُ خُلُقٌ
والبَحْر في كَرَمِ والدهْرِ في هِمَمٍ
كالزَّهرِ في تَرَفٍ والبَدْرِ في شَرَفٍ
فَجَوْهَرُ الحُسْنِ فِيهِ غيرُ مُنْقَسِمٍ
مُتَّزَّهُ عن شريكٍ في محاسنِهِ
(١) ((فتح الباري)) (١ / ٢٧٣).

٢٩٢
(٣) باب في أخلاقه وشمائله إذا﴾
٣- باب في أخلاق شمالا صلى الله عليه وسلم
٣ - باب في أخلاقه وشمائله وَل
ذكر المؤلف في الباب السابق أسماءه وصفاته الر، وأراد بالصفات ما يتعلق
بصورته الظاهرة التي يقال له: الخلق بفتح الخاء، فعقد باباً في سيرته الباطنة التي تسمى
خلقاً بضم الخاء، قال في (القاموس)(١): الخُلق بالضم وبضمتين: السجية، والطبع،
والمروءة، والدين، وقال في (النهاية)(٢): وحقيقته أنه صورة الإنسان الباطنة، ونقل
صاحب (المواهب) عن الراغب(٣): الخلق والخلق بالفتح والضم في الأصل بمعنى واحد
كالشرب والشرب، لكن خص الخلق الذي بالفتح بالهيئات، والصور المدركة بالبصر،
وخص الخلق الذي بالضم بالقوى والسجايا المدركة بالبصيرة، انتهى.
وقد اختلف أهو - أي حسن الخلق - غريزة أو مكتسب؟ وتمسك من قال بأنه غريزة
بحديث ابن مسعود: (إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم أرزاقكم)، الحديث. رواه
البخاري(٤).
وقال القرطبي(٥): الخلق جبلة في نوع الإنسان، وهم في ذلك متفاوتون، فمن
غلب عليه شيء منها كان محموداً وإلا فهو مأمور بالمجاهدة فيه حتى يصير محموداً،
وكذا إن كان ضعيفاً فيرتاض صاحبه حتى يقوى، والحق أن للارتياض دخلاً في تهذيب
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٨١٢).
(٢) ((النهاية)) (٢ / ٧٠).
(٣) ((المواهب اللدنية)) (٢/ ٣٢٥).
(٤) أخرجه البخاري في ((التاريخ الكبير)) (٤ / ٤١٣).
(٥) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) (١٩ / ٤٦).

٢٩٣
(٢٩) كتاب الفضائل والشمائل
الأخلاق، وليس كما توهم بعضهم أنه لا دخل له فيه، كما في تغير الخلق الظاهر،
وإلا لبطلت فائدة الشرائع وبعث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، لكن ما كان جبليًّا راسخاً
في الطبع صَعُبَ تغيره حتى كاد يعد متعذراً، وإليه الإشارة بقوله بَّهِ: (إذا أخبرتم
بأن جبلاً زال عن مكانه فصدقوه، وإذا أخبرتم بأن رجلاً زال عن خلقه فلا تصدقوا)(١)،
أو كما قال، وما حصل من اعتياد أو صحبة الأشرار فيزول بالرياضة في اعتياد ضده،
وملازمة صحبة الأخيار على أن قول القائل: لا يتغير الخلق الظاهر فلا يتغير الخلق
الباطن؛ الملازمة ممنوعة، وهو قياس فاسد على أنه قد تتغير الصورة الظاهرة بأسباب
وعوارض، فكذا الباطنة، نعم ما رسخ وغلب من الأخلاق والصفات في النفس صَعُبَ
إزالتها وتهذيبها مع ما في الطبع والنفس من شدة المزاحمة والمعارضة لأحكام الشرع
والعقل، فافهم وبالله التوفيق.
والشمائل: جمع شمال بالكسر، وهو الطبع، كذا في (القاموس) (٢)، وفي (شرح
الشفا)(٣): الشمائل جمع شمال بكسر الشين، وهو الخلق، وفي (الصراح)(٤): شمال
بالكسر: دست چبٍ، وخو وعادت، ويجمع الشمال بمعنى ضد اليمين على أشمل
وعلى شمائل أيضاً، كما في قوله تعالى: ﴿عَنِ أَلْيَمِينِ وَالشَّمَآَبِلِ سُجَّدًا﴾ [النحل: ٤٨]،
والشمال بالفتح، وقد يكسر: الريح الذي مهبه بين مطلع الشمس وبنات النعش.
(١) أخرجه أحمد في «مسنده)) (٦ / ٤٤٣).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٩٣٨).
(٣) ((شرح الشفا)) (١ / ٤٤).
(٤) (الصراح)) (ص: ٤٣٢).

٢٩٤
(٣) باب في أخلاقه وشمائله إذاخ
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٥٨٠١ - [١] عَنْ أَنَسٍ قَالَ: خَدَمْتُ النَّبِيَّ وَّعَشْرَ سِنِينَ، فَمَا قَالَ
لِي: أُفٍّ، وَلاَ: لِمَ صَنَعْتَ؟ وَلاَ: أَلَّ صَنَعْتَ؟ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٠٣٨،
م: ٢٣٠٩].
الفصل الأول
٥٨٠١ _ [١] (أنس) قوله: (خدمت) من باب نصر وضرب.
وقوله: (فما قال) أي: فيما يتعلق بالخدمة (أف) هو صوت يدل على التضجر
مما يكره ويستقذر، وقيل: اسم للفعل الذي هو الضجر، وصحح في النسخ بالجر
مشدداً منوناً وغير منون، وقال البيضاوي(١): هو مبني على الكسر لالتقاء الساكنين، يعني
بين الفائين، وتنوينه في قراءة نافع وحفص للتنكير، وقرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب
بالفتح على التخفيف، وقرئ به منوناً وبالضم للإتباع كمنذ منوناً وغير منون، وقال في
(القاموس) (٢): لغاتها أربعون، وعدها، وقد جاء الأف بمعنى: قُلامة الظفر، أو وسخه،
أو وسخ الأذن، وما رفعته من الأرض من عود أو قصبة، أو الأف: وسخ الأذن،
والتُّفُّ: وسخ الظفر، أو الأفُّ معناه: القلة، والتّفُّ: إتباع، كذا في (القاموس).
وقوله: (لم صنعت؟) زجراً عما صنع .
وقوله: (ولا ألا صنعت؟) تحضيضاً على صنعه، يعني مع أنه كان يقع مني
التقصير في الخدمة في بعض الأحيان، وأرتكب أمراً يوجب توجه الاعتراض ما زجرني
ووبخني كما يفهم من حديثه في أول (الفصل الثاني)، وفي هذا كمال خلقه وسماحته وَلّ
(١) (تفسير البيضاوي)) (١ / ٥٦٨).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٧٣١).

٢٩٥
(٢٩) كتاب الفضائل والشمائل
٥٨٠٢ - [٢] وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِنَّهِ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ خُلُقاً،
فَأَرْسَنِي يَوْماً لِحَاجَةٍ، فَقُلْتُ: وَاللهِ لاَ أَذْهَبُ، وَفِي نَفْسِي أَنْ أَذْهَبَ لِمَا
أَمَرَّنِي بِهِ رَسُولُ اللهِوَّهِ، فَخَرَجْتُ حَتَّى أَمُرَّ عَلَى صِبْيَاٍ وَهُمْ يَلْعَبُونَ فِي
السُّوقِ، فَإِذَا رَسُولُ اللهِوَِّ قَدْ قَبَضَ بِقَفَايَ مِنْ وَرَائِي، قَالَ: فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ
وَهُوَ يَضْحَكُ، فَقَالَ: ((يَا أَنَسُ! ذَهَبْتَ حَيْثُ أَمَرْتُكَ؟)). قُلْتُ: نَعَمْ، أَنَ
أَذْهَبُ يَا رَسُولَ اللهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٣١٠].
مع الخدم، قال الطيبي(١) في مدح أنس ◌َظُه: بأنه لم يرتكب أمراً يتوجه إليه من
النبي ◌َ ﴿ اعتراض، ولا يخفى أنه ليس هذا مما يلائم للمقام، نعم يتضمن مدحه
لشفقته وكرمه ◌َ عليه، فافهم.
٥٨٠٢ - [٢] (وعنه) قوله: (فقلت: والله لا أذهب) فإن قلت: كيف قال:
لا أذهب، وقد أمره به رسول الله ◌َ لا؟ قلت: هذا القول صدر عن أنس في صغره وهو
غير مكلف، مع أنه كان صادراً عنه في الظاهر وفي نفسه أن يذهب الأمر، فلذا لم يؤدبه
علیه بل داعبه ورفق به .
وقوله: (حتى أمر) صحح بالنصب والرفع، والنصب أكثر. و(أنيس) تصغير أنس
للترحم والشفقة، وإنما قال: نعم، ولم يذهب بعد بناء على العزم، كذا قال الطيبي(٢)،
ويمكن أن يقال: أنه فهم أنس من قوله ◌َله: (ذهبت حيث أمرتك؟) أن المقصود الأمر
بالذهاب أو الاستفهام عن عزمه على الذهاب.
وقوله: (نعم) إجابة لذلك، ولذا قال: (أنا أذهب) بتقريره الحكم وتقويته،
(١) (شرح الطيبي)) (١١/ ٢٨).
(٢) ((شرح الطيبي)) (١١ / ٢٨).

٢٩٦
(٣) باب في أخلاقه وشمائله إلخ.
٥٨٠٣ _ [٣] وَعَنْهُ قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللهِ نَّهِ، وَعَلَيْهِ بُرْدٌ
نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الْحَاشِبَةِ، فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ، فَجَذَهُ بِدَائِهِ جَبْذَةَ شَدِيدَةً،
وَرَجَعَ نَبِيُّ اللّهِوَّهِ فِي نَحْرِ الأَعْرَابِيِّ.
فانظر إلى فصاحة أنس، وبلاغته في صغره.
٥٨٠٣ - [٣] (وعنه) قوله: (برد نجراني) البرد بالضم: ثوب مخطط، والجمع
أبراد وأبرد وبرود، أكسية يلتحف بها، الواحدة بهاء، ونجران بفتح النون وسكون
الجيم: موضع بين الحجاز والشام واليمن، وأثواب نجرانية منسوبة إليه، كذا في
(النهاية)(١)، وفي (القاموس) (٢): موضع باليمن، فتح سنة عشر، وموضع قرب دمشق،
وموضع بين الكوفة وواسط، وفي (الصحاح)(٣): اسم بلد من اليمن، وفي
(المشارق) (٤): رداء نجراني: منسوب إلى نجران، مدينة معلومة أولها وأخرها نون.
و(الحاشية) طرف الثوب وغيره.
وقوله: (فجبذه بردائه)، في (القاموس)(٥): الجبذ: الجذب، وليس مقلوبه بل
لغة صحيحة، ووهمه الجوهري وغيره.
وقوله: (في نحر الأعرابي) مأخوذ من جعلته في نحر العدو، أي: قبالته وحذائه،
والنحر: موضع القلادة من الصدر، أي: استقبله استقبالاً تامًّا على ما كان من عادته
(١) ((النهاية)) (٥ / ٢١).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٤٤٦).
(٣) («الصحاح)) (٢ / ٨٢٣).
(٤) ((مشارق الأنوار)) (٢ / ٧).
(٥) ((القاموس المحيط)) (ص: ٣١٣).

٢٩٧
(٢٩) كتاب الفضائل والشمائل
حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةٍ عَاتِقِ رَسُولِ اللهِ نَّهِ قَدْ أَثَّرَتْ بِهَا حَاشِيَةُ الْبُرْدِ مِنْ
شِدَّةٍ جَبْذَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدًا مُرْلِي مِنْ مَالِ اللهِالَّذِي عِنْدَكَ، فَالْتَّفَتَ
إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِوَِّ، ثُمَّ ضَحِكَ، ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣١٤٩،
م: ١٠٥٧].
٥٨٠٤ - [٤] وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِّهِ أَحْسَنَ النَّاسِ، وَأَجْوَدَ
النَّاسِ، وَأَشْجَعَ النَّاسِ، وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَانْطَلَقَ النَّاسُ
قِبَلَ الصَّوْتِ، فَاسْتَقْبَلَهُمُ النَّبِيُّ وَلِ قَدْ سَبَقَ النَّاسُ إِلَى الصَّوْتِ هُوَ يَقُولُ:
(لَمْ تُرَاعُوا، لَمْ تُرَاعُوا)) ..
الشريفة إذا التفت التفت جميعاً، و(العاتق) موضع الرداء من المنكب، يعني لم يتغير
ولم يتأثر من سوء أدبه، وإن أثرت بها حاشية البرد من شدة جبذته، وهذا من عادة
جفاة العرب وخشونتهم، وعدم تهذيب أخلاقهم، وقيل: لعله كان من المؤلفة، ولهذا
ناداه باسمه ◌َّ، وفيه أن من ولي على قوم لزمه الاحتمال من أذاهم.
٥٨٠٤ - [٤] (وعنه) قوله: (ولقد فزع أهل المدينة) كأنه كان فزعهم من سارق أو
عدو، والضمير في (فاستقبلهم) لما يفهم من الكلام السابق، أي: العدو الذين كان
الفزع من أجلهم، والضمير في (سبق) للنبي ◌ّ، و(الناس) مفعوله، وفي رواية:
(ثم خرج يركض وحده فركب الناس يركضون خلفه).
وقوله: (لم تراعوا لم تراعوا) مرتين بضم التاء والعين: من الروع بمعنى
الفزع، و(لم) هنا بمعنى: لا، ويروى: (لن)، قالوا: العرب قد تضع (لم) و(لن)
موضع (لا)، نقله الطيبي(١)، فهو خبر أي: لا روع ولا فزع بمعنى الأمر، أي:
(١) ((شرح الطيبي)) (١١ /٢٩).

٢٩٨
(٣) باب في أخلاقه وشمائله إلا
وَهُوَ عَلَى فَرَسٍ لِأَبِي طَلْحَةَ عُرْىٍ مَا عَلَيْهِ سَرْجٌ، وَفِي عُنُقِهِ سَيْفٌ. فَقَالَ:
((لَقَدْ وَجَدْتُهُ بَحْراً)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٦٢٧، م: ٢٣٠٧].
٥٨٠٥ _ [٥] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: مَا سُئِلَ رَسُولُ اللهِ(١) ◌ِ شَيْئاً قَطُّ
فَقَالَ: لاَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٠٣٤، م: ٢٣١١].
لا تفزعوا ولا تخافوا.
وقوله: (وهو على فرس لأبي طلحة) يقال له: المندوب، قال القاضي
عياض(٢): وكان في أفراسه ◌َّليه مندوب فلعله صار إليه بعد أبي طلحة، وقال
النووي(٣): يحتمل أنهما فرسان اتفقا في الاسم، و(عري) بضم العين وسكون الراء
مجرور صفة لفرس .
وقوله: (ما عليه سرج) صفة أخرى وقع بياناً للصفة الأولى، والضمير في (عنقه)
للنبي ێ .
وقوله: (لقد وجدته) أي: الفرس (بحراً) أي: واسع الجري، وزاد في رواية:
(وكان الفرس بطيئاً حروناً)، وفي أخرى: (كان يقطف أو فيه قطاف)، يقال: قطف
الفرس في مشيته: إذا تضايق خطوة، وزاد في رواية: فما سبق بعد ذلك اليوم.
٥٨٠٥ - [٥] (جابر) قوله: (فقال: لا) قال الحافظ أبو الفضل ابن حجر (٤):
المراد أنه كان لا ينطق بالرد بل إن كان عنده أعطاه إن كان الإعطاء سائغاً وإلا سكت،
-
(١) في نسخة: ((النبي)).
(٢) ((مشارق الأنوار)) (٢ / ١٢).
(٣) «شرح النووي)) (١٥/ ٦٨).
(٤) «فتح الباري)) (١٠ / ٤٥٧).

٢٩٩
(٢٩) كتاب الفضائل والشمائل
٥٨٠٦ - [٦] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ النَّبِيَّ ◌َّهِ غَنَماً بَيْنَ جَبَلَيْنِ،
فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ، فَأَتَى قَوْمَهُ فَقَالَ: أَيْ قَوْمٍ! أَسْلِمُوا، فَوَاللهِ إِنَّ مُحَمَّداً لَيُعْطِي
عَطَاءً مَا يَخَافُ الْفَقْرَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٣١٢].
وقد ورد بيان ذلك في حديث مرسل لابن الحنفية عند ابن سعد ولفظه: (إذا سئل فأراد
أن يفعل قال: نعم، وإذا لم يرد أن يفعل سكت)(١)، وهو قريب من حديث أبي هريرة:
(ما عاب طعاماً قط إن اشتهاه أكله وإلا تركه)(٢)، قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام:
معناه لم يقل: لا، منعاً للعطاء، ولا يلزم من ذلك أن لا يقولها اعتذاراً، كما في قوله
تعالى: ﴿قُلْتَ لَآ أَجِدُمَا أَخِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ [التوبة: ٩٢]، ولا يخفى الفرق بين قوله:
(لا أجد ما أحملكم) وبين لا أحملكم، انتهى. كذا نقل في (المواهب)(٣).
٥٨٠٦ - [٦] (أنس) قوله: (غنماً بين الجبلين) غنم اسم جنس، أي: غنماً كثيراً
يملأ ما بين الجبلين.
وقوله: (إن محمداً ليعطي عطاء ما يخاف الفقر) الرجل لما رأى منه وَلخير شيئاً
من جلاله وجماله وما كان يبهر العقول من كماله، ثم رأى مثل هذا السخاء البالغ
الجزيل، جاء يأمر القوم بالإسلام والدخول في ربقة طاعته، وأشار إلى أن طاعته تورث
سعادة الدنيا والآخرة، وقال الطيبي(٤): وجه دلالة هذا الوجه على وجوب الإسلام
أن مقام ادعاء النبوة مع العطاء الجزيل يدل على وثوقه على من أرسله، فافهم.
(١) ((الطبقات الكبرى)) (١ / ٢٧٧).
(٢) أخرجه البزار في «مسنده)) (١٧ / ١٣٨).
(٣) ((المواهب اللدنية)) (٢/ ٣٧٠).
(٤) (شرح الطيبي)) (١١/ ٣١).

٣٠٠
(٣) باب في أخلاقه وشمائله پڼ
٥٨٠٧ - [٧] وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ بَيْنَمَا هُوَ يَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللهِنَّه
مَقْفَلَهُ مِنْ حُنَيْنٍ، فَعَلِقَتِ الأَعْرَابُ يَسْأَلُونَهُ حَتَّى اضْطَرُّوهُ إِلَى سَمُّرَةٍ، فَخَطَفَتْ
رِدَاءَهُ، فَوَقَفَ النَّبِيُّ ◌َ فَقَالَ: ((أَعْطُونِي رِدَائِي، لَوْ كَانَ لِي عَدَدَ هَذِهِ
الْعِضَاِ نَعَمِّ لَقَسَمْتُهُ بَيْنَكُمْ، ثُمَّ لاَ تَجِدُونِي بَخِيلاً وَلاَ كَذُّوْباً وَلاَ جَبَاناً».
رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٨٢١].
٥٨٠٧ - [٧] (جبير بن مطعم) قوله: (مقفله) من القفول بمعنى الرجوع من
السفر، وهو مصدر ميمي أو اسم زمان، وعلى الأول الوقت مقدر قبله، كما في قولهم:
أتيتك خفوق النجم، وفي (مجمع البحار)(١): هو بضم ميم وفتحها وسكون قاف،
فبالفتح مصدر قفل إذا عاد من سفره، وبالضم من أقفل الجيش، يقال: قفلنا وأقفلنا غيرنا
وأُقفلنا مجهولاً، انتهى. هذا والأظهر هو الأول وهو الرواية.
وقوله: (فعلقت) أي: تشبثت .
وقوله: (يسألونه) أي: من الأموال. و(السمرة) بفتح السين وضم الميم: نوع من
الشجرة معروف، والضمير في (خطفت) للسمرة، و(رداءه) مفعول، خطف الشيء:
سلبه، من سمع وضرب، والأول هو الجيد الفصيح.
و(العضاه) بكسرة العين المهملة والضاد جمع عضة كعنب، والعضهة كعنبة :
كل شجر ذات شوك أو ما عظم منها أو طال، ولعل المراد عدد أوراق هذه العضاه.
وقوله: (ثم لا تجدوني ... إلخ)، زيادة في بيان أوصافه الكريمة، وقيل: هو
تتميم لما سبق.
(١) ((مجمع بحار الأنوار)) (٤ / ٣١١).