Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١
(٢٩) كتاب الفضائل والشمائل
وَأَجَارَهُمْ مِنْ ثَلاَثٍ: لاَ يَعُمُّهُمْ بِسَنَةٍ، وَلاَ يَسْتَأْصِلُهُمْ عَدُوٌّ، وَلاَ يَجْمَعُهُمْ
عَلَى ضَلَاَلَةٍ)). رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. [دي: ٥٥].
٥٧٦٤ - [٢٦] وَعَنْ جَابِرِ أَنَّ النَّبِيَّنَلِ قَالَ: ((أَنَا قَائِدُ الْمُرْسَلِينَ
وَلاَ فَخْرَ، وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِّينَ وَلاَ فَخْرَ، وَأَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ وَمُشَفَّعٍ وَلاَ فَخْرَ».
رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. [دي: ٥٠].
٥٧٦٥ - [٢٧] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((أَنَا أَوَّلُ النَّاسِ
خُرُوجاً إِذَا بُعِثُوا، وَأَنَا قَائِدُهُمْ إِذَا وَفَدُوا، وَأَنَا خَطِيبُهُمْ إِذَا أَنْصَنُوا، وَأَنَ
مُسْتَشْفِعُهُمْ.
يذكر للتعميم.
٥٧٦٤ - [٢٦] (جابر) قوله: (أنا قائد المرسلين) أي: مقدمهم، فإن القود
یکون من قدام، والسوق من خلف.
٥٧٦٥ - [٢٧] (أنس) قوله: (إذا وفدوا) أي: جاؤوا إلى حضرة الله وحكمه.
وقوله: (وأنا خطيبهم إذا أنصتوا) أي: أنا المتكلم عنهم إذا سكتوا عن الاعتذار،
أي: يكون لي قدرة على التكلم في ذلك اليوم فأعتذر عن الناس عند الرب تعالى،
والأحسن أن يكون ذلك إشارة إلى سكوت الأنبياء عن الشفاعة، وعدم قدرتهم على
التكلم، فيفتح هو ◌َّ باب الشفاعة، ويحمد الله تعالى، ويثني عليه بما هو أهله،
ويتكلم بالشفاعة .
وقوله: (وأنا مستشفعهم) يروى بفتح الفاء، أي: يطلب الناس مني الشفاعة
إلى الله تعالى، استشفعته إليه، أي: طلبت منه أن يشفع إليه، وبكسرها أي: أسأل الله
أن أشفع لهم إليه.
٢٤٢
(١) باب فضائل سيّد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه
إِذَا حُبِسُوا، وَأَنَا مُبَشِّرُهُمْ إِذَا أَيِسُوا، الْكَرَامَةُ وَالْمَفَاتِحُ يَوْمَئِذٍ بِيَدِي، وَلِوَاءُ
الْحَمْدِ يَوْمَئِذٍ بِيَدِي، وَأَنَا أَكْرَمُ وَلَدِ آدَمَ عَلَى رَبِّي، يَطُوفُ عَلَيَّ أَلْفُ خادِمٍ
كأنَّهُمْ بَيْضٌ مُكْنُونٌ أَوْ لُؤْلُؤٌ مَنْثُورٌ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ:
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٦١١، دي: ٤٩].
وقوله: (إذا حبسوا) أي: في الموقف، وهو أول محال الشفاعة كما عرفت
في (باب الشفاعة).
وقوله: (الكرامة) صحح بالرفع في أكثر النسخ فيكون مبتدأ، (والمفاتيح) أي:
مفاتيح باب كل خير عطفاً عليه، وفي بعضها بالنصب، أي: إذا قنطوا من حصول
الكرامة والرحمة .
وقوله: (ألف خادم) لعل المراد التكثير دون التحديد.
وقوله: (كأنهم بيض مكنون) قال البيضاوي(١) في قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ
مَّكْنُونٌ﴾ [الصافات: ٤٩]: شبههن ببيض النعام المصون عن الغبار ونحوه في الصفاء والبياض
المخلوط بأدنى صفرة، فإنه أحسن ألوان الأبدان، وفي (مجمع البحار)(٢): بيض مكنون:
أي لؤلؤ مصون عن الأيدي والأبصار.
وقال في شرح (لؤلؤ منثور): أي كأنهم في الحسن والصفاء مستورون في
الصدف لم تمسه الأيدي، وفي الحواشي: (أو) للشك، وهو على المعنى الثاني
أظهر .
(١) (تفسير البيضاوي)) (٢/ ٢٩٤).
(٢) ((مجمع بحار الأنوار)) (٤ / ٤٥٠).
٢٤٣
(٢٩) كتاب الفضائل والشمائل
٥٧٦٦ - [٢٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّنَّهِ قَالَ: ((فَأُكْسَى حُلَّةً مِنْ
حُلَلِ الْجَنَّةِ، ثُمَّ أَقُومُ عَنْ يَمِينِ الْعَرْشِ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الْخَلَائِقِ يَقُومُ ذَلِكَ
الْمَقَامَ غَيْرِي)». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَفِي رِوَايَةِ «جَامِعِ الأُصُولِ)) عَنهُ: ((أَنَا أَوَّلُ
مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الأَرْضُ فَأَكْسَى)). [ت: ٣٦١١، جامع الأصول: ٦٣٢٨].
٥٧٦٧ - [٢٩] وَعَنْهُ عَنِ النَّبِّ ◌َ﴿ قَالَ: ((سَلُوا اللهَلِيَ الْوَسِيلَةَ))
قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! وَمَا الْوَسِيلَةُ؟ قَالَ: (أَعْلَى دَرَجَةٍ فِي الْجَنَّةِ لاَ يَلُهَا
إِلَّ رَجُلٌ واحدٌ، وَ(١) أَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت:
٣٦١٢].
٥٧٦٨ - [٣٠] وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنِ النَّبِيِّ ◌َّهِ قَالَ: ((إِذَا كَانَ يَوْمُ
الْقِيَامَةِ كُنْتُ إِمَامَ النَّبِينَ وَخَطِيبَهُمْ.
٥٧٦٦ - [٢٨] (أبو هريرة) قوله: (يقوم ذلك المقام غيري) لعله هو المقام
المحمود.
٥٧٦٧ - [٢٩] (وعنه) قوله: (سلوا الله لي الوسيلة) وهي المذكورة في دعاء
الأذان، وفسر معناه هنالك.
وقوله: (إلا رجل واحد) الإبهام للتواضع والأدب، وأما في قوله: (وأرجو)
تأكيد للوقوع لأنه يتلاير لا يخيب رجاؤه.
٥٧٦٨ - [٣٠] (أبي بن كعب) قوله: (كنت إمام النبيين) بكسر الهمزة والفتح
وإن وافقه حديث كونه قائد المرسلين، لكنهم قالوا: إنه خطأ.
(١) سقطت الواو في نسخة .
٢٤٤
(١) باب فضائل سيّد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه
وَصَاحِبَ شَفَاعَتِهِمْ غَيْرَ فَخْرٍ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٦١٣].
٥٧٦٩ - [٣١] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ◌ِّهِ:
(إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ وُلَةً مِنَ النَّبِيِّينَ، وَإِنَّ وَلِيِّيَ أَبِي وَخَلِيلُ رَبِّي، ثُمَّ قَرَأَ :
﴿ إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِنَِّهِيمَ لَلَّذِينَ أَتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِىُّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَاللّهُ وَلِيُّالْمُؤْمِنِينَ﴾
[آل عمران: ٦٨]. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٩٩٥].
٥٧٧ - [٣٢] وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ قال: ((إِنَّ اللهَ بَعَثَنِي لِتَمَامِ
مَكَارِمِ الأَخْلاَقِ، وَكَمَالِ محَاسِنِ الأَفْعَالِ)). رَوَاهُ فِي ((شَرْحِ السُّنَّةِ). [شرح
السنة: ٣٦٢٣].
وقوله: (وصاحب شفاعتهم) أي: أكون من بينهم صاحب شفاعة مطلقة عامة.
٥٧٦٩ - [٣١] (عبدالله بن مسعود) قوله: (إن لكل نبي ولاة من النبيين) أي:
أحباباً وأخلاء هم أولى وأقرب إليه من غيرهم، وظاهر الحديث يقتضي أن يكون
لكل نبي أولياء متعددة، والمراد أن لكل نبي وليًّا على قصد التوزيع.
وقوله: (وإن وليي أبي) وهو إبراهيم ليل.
وقوله: (وخليل) عطف تفسير له، وفي كتاب (المصابيح): (وإن وليي ربي
وخليل ربي)، قال التُّورِبِشْتِي(١): وهو غلط، ولعل الذي حَرَّفَ هذا دخل عليه الداخل
من قوله سبحانه: ﴿إِنَّ وَلِقِىَ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ١٩٦]، والرواية على ما ذكرنا وهو الصواب،
وإدخال الواو لتغاير الوصفين .
٥٧٧٠ - [٣٢] (جابر) قوله: (لتمام مكارم الأخلاق) المكارم جمع مكرمة،
(١) ((الميسر)) (٤/ ١٢٤٨).
٢٤٥
(٢٩) كتاب الفضائل والشمائل
٥٧٧ _ [٣٣] وَعَنْ كَعْبٍ يَحْكِي عَنِ الثَّوْرَاةِ قَالَ: نَجِدُ مَكْتُوباً:
مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، عَبْدِي الْمُخْتَارُ، لاَ فِظٍّ وَلاَ غَلِيظٌ، وَلاَ سَخَّابٌ فِي
الأَسْوَاقِ، وَلاَ يَجْزِي بِالسَّيَِّةِ السَّيَِّةَ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ، مَوْلِدُهُ بِمَكَّةَ،
وَهِجْرَتُهُ بِطَيِبَةَ، وَمُلْكُهُ بِالشَّامِ، وَأُمَتُهُ الْحَمَّادُونَ، يَحْمَدُونَ اللهَ فِي السَّرَّاءِ
وَالضَّرَّاءِ، يَحْمَدُونَ اللهَ فِي كُلِّ مَنْزِلَةٍ، وَيُكَبِّرُونَهُ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ، رُعَاةٌ
لِلشَّمْسِ، يُصَلَّونَ الصَّلاَةَ إِذَا جَاءَ وَقْتُهَا،
وهي خصلة مرضية يكرم الشخص بها، والمحاسن جمع حسن على غير قياس،
والإضافة من باب جرد قطيفة .
٥٧٧١ - [٣٣] (كعب) قوله: (وملكه بالشام) قيل: أراد بالملك هنا: النبوة
والدين، فإن ذلك يكون بالشام أغلب، وإلا فملكه في جميع الآفاق، وقيل: معناه
الغزو والجهاد ثمة، ولهذا لا ينقطع الجهاد في بلاد الشام أصلاً، وأمر بالمسافرة إليها
لإدراك فضيلة الجهاد .
وقوله: (يحمدون الله في كل منزلة) أي: في كل منزل، والتاء باعتبار البقعة
أي: إذا نزلوا منزلة شكروا الله على أن آواهم وبوأهم، كذا نقل الطيبي(١)، وفي
(الحواشي): أي في مكان أسفل، ويناسبه قوله: (ويكبرونه على كل شرف) أي:
مكان عال كما هو السنة، وقد مر ذكره في (كتاب الدعوات والأذكار)، والحكمة
فيه .
وقوله: (رعاة) بضم الراء: جمع راع، أي: يراقبون طلوع الشمس وغروبها
(١) ((شرح الطيبي)) (١٠ / ٣٦٤).
٢٤٦
(١) باب فضائل سيّد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه
يَتَأَزَّرُونَ عَلَى أَنْصَافِهِمْ، وَيَتَوَضَّؤُونَ عَلَى أَطْرَافِهِمْ، مُنَادِيِهِمْ يُنَادِي فِي جَوِّ
السَّمَاءِ، صَفُّهُمْ فِي الْقِتَالِ وَصَفُّهُمْ فِي الصَّلاَةِ سَوَاءٌ، لَهُمْ بِاللَّيْلِ دَوِيٌّ
كَدَوِيِّ النَّحْلِ. هَذَا لَفْظُ (الْمَصَابِيحِ)). وَرَوَى الدَّارِمِيُّ مَعَ تَغْيِيرٍ يَسِيرٍ .
[دي: ١ / ١٥٦، ح: ٥].
٥٧٧٢ - [٣٤] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلاَم قَالَ: مَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ صِفَةُ
مُحَمَّدٍ، وَعِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يُدْفَنُ مَعَهُ، قَالَ أَبُو مَوْدُودٍ : وَقَدْ بَقِي فِي الْبَيْتِ
مَوضِعُ قَبْرِهِ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٦١٧].
لمعرفة مواقيت الصلاة .
وقوله: (يتأزرون على أنصافهم) أي: يشدون الإزار على أوساطهم، أي: يشدون
مقعده على السرة، والمراد المبالغة في ستر عوراتهم، ويجوز كون (على) بمعنى (إلى)
أي: أزرهم إلى أنصاف سوقهم.
وقوله: (ويتوضؤون على أطرافهم) أي: يسبغون الوضوء، كذا فسروه.
وقوله: (مناديهم ينادي في جو السماء) أي: مؤذنهم ينادي في مواضع
مرتفعة .
وقوله: (دوي) أي: أصوات خفية بالتسبيح، والتهليل، وقراءة القرآن،
والذكر .
٥٧٧٢ - [٣٤] (عبد الله بن سلام) قوله: (عيسى ابن مريم يدفن معه) أي:
ومكتوب هذا وهو أن عيسى ابن مريم يدفن معه، وهذا أحد تأويل قوله وهي: (أنا أولى
بعیسی) كما مر، والله أعلم.
٢٤٧
(٢٩) كتاب الفضائل والشمائل
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٥٧٧٣ - [٣٥] عَنِ ابْنِ عِبَّاس قَالَ: إِنَّ اللهَ تَعَالَى فَضَّلَ مُحَمَّداً وَه
عَلَى الأَنْبِيَاءِ وَعَلَى أَهْلِ السَّمَاءِ، فَقَالُوا: يَا أَبَّ عَبَّاسِ! بِمَ فَضَّلَهُ اللهُ عَلَى
أَهْلِ السَّمَاءِ؟ قَالَ: إِنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ لِأَهْلِ السَّمَاءِ: ﴿وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِّ إِلَهُ
مِّن دُونِهِ، فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّةٌ كَذَلِكَ نَجْزِى الَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٢٩]، وَقَالَ اللهُ
تَعَالَى لِمُحَمَّدٍ نَّهِ: ﴿إِنَّ فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًامُّبِينًا ، لِيَغْفِرَلَكَ اللَّهُ مَاتَّقَدَّمَ مِن ذَتْبِكَ وَمَا
تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ١ - ٢]، قَالُوا: وَمَا فَضْلُهُ عَلَى الأَنْبِيَاءِ؟ قَالَ: قَالَ اللهُ تَعَالَى:
وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ، لِيُبَيِنَ لَمّ فَيُضِلُ اللّهُ مَن يَشَآءُ ﴾ الآيَةَ
[إبراهيم: ٤]، وَقَالَ اللهُ تَعَالَى لِمُحَمَّدٍ نَّهِ: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْتَكَ إِلَّا كَافَّةٌ لِلنَّاسِ﴾
[سبأ: ٢٨]، فَأَرْسَلَهُ إِلَى الْجِنِّ وَالإِنْسِ.
الفصل الثالث
٥٧٧٣ - [٣٥] (ابن عباس) قوله: (إن الله تعالى قال لأهل السماء ... إلخ)،
وجه التفضيل صولة الخطاب وغلظته في مخاطبة أهل السماء وترتيب العذاب الشديد
عليه، وملاطفته في الخطاب معه ێ، وإن ما صدر عنه أو يصدر مغفور.
وقوله: (قال: قال الله تعالى: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا پِلِسَانِ قَوْمِهِ ﴾) هذا
كلام ابن عباس سلطان المفسرين صريح في أن المراد بعموم الرسل في هذه الآية
غير نبينا ◌َّ، وهو الذي يدل عليه صيغة المضي، فيرتفع الإشكال المشهور من توهم
تخصيص رسالته وسي بالعرب، وهذا الكلام كثيراً ما كان يختلج في صدري فالآن ظفرت
به من قبل ابن عباس، والحمد لله.
وقوله: (فأرسله إلى الجن والإنس) لأنه رسول الثقلين، وإنما خص في الآية
٢٤٨
(١) باب فضائل سيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه
٥٧٧٤ _ [٣٦] وَعَنْ أَبِي ذَرِّ الْغِفَارِيِّ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! كَيْفَ
عَلِمْتَ أَنَّكَ نَبِيٌّ حَتَّى اسْتَيْقَنْتَ؟ فَقَالَ: ((يَا أَبَّ ذَرًّا أَثَانِي مَلَكَانٍ وَأَنَا بِبَعْضٍ
بَطْحَاءِ مَكَّةَ، فَوَقَعَ أَحَدُهُمَا عَلَى الأَرْضِ، وَكَانَ الآخَرُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ،
فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: أَهُوَ هُوَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَزِنْهُ بِرَجُلٍ، فَوُزِنْتُ
بِهِ فَوَزَنْتُهُ، ثُمَّ قَالَ: زِنْهُ بِعَشَرَةٍ، فَوُزِنْتُ بِهِمْ فَرَجَحْتُهُمْ، ثُمَّ قَالَ: زِنْهُ
بِمِثَةٍ، فَوُزِنْتُ بِهِمْ فَرَجَحْتُهُمْ، ثُمَّ قَالَ: زِنْهُ بِأَلْفٍ، فُوُزِنْتُ بِهِمْ فَرَجَحْتُهُمْ،
كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَنْتَفِرُونَ عَلَيَّ مِنْ خِفَّةِ الْمِيزَانِ. قَالَ: فَقَالَ أَحَدُهُمَا
لِصَاحِبِهِ: لَوْ وَزَنْتُهُ بِأَمَّتِهِ لَرَجَحَهَا)). رَوَاهُمَا الدَّارِمِيُّ. [دي: ١٩٣١، ح:
٤٧، ١ / ١٦٤، ح: ١٤].
بالناس للأصالة والغلبة، وقد علم في مواضع من القرآن دعوته و 18 وإبلاغه الدين
إياهم، هذا وقد يطلق الناس على ما يشمل الفريقين كما قيل في قوله تعالى: ﴿مِنَ
اُلْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس: ٦] من جعله بياناً للناس، على أن المقصود من الآية بيان
رفع اختصاص رسالته ببعض الناس كالعرب، لا بيان تخصيصه بالناس دون غيرهم،
وقيل: الإرسال إلى الجن علم تبعاً، فافهم، والله أعلم.
٥٧٧٤ - [٣٦] (أبو ذر الغفاري) قوله: (حتى استيقنت) يفهم منه أن اليقين
نهاية مراتب العلم، والعلم أعم منه .
وقوله: (أهو هو؟) هذا موضع الاستدلال، وحصول اليقين وما بعده تتمة له
خصوصاً.
وقوله: (فوزنته) أي: رجحته.
وقوله: (ينتثرون) الضمير للألف الموزون، أي: يتساقطون عليّ من خفة تلك
٢٤٩
(٢٩) كتاب الفضائل والشمائل
٥٧٧٥ - [٣٧] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((كُتِبَ عَلَىَّ
النَّحْرُ وَلَمْ يُكْتَبْ عَلَيْكُمْ، وَأُمِرْتُ بِصَلاَةِ الضُّحَى وَلَمْ تُؤْمَرُوا بِهَا)). رَوَاهُ
الدَّارَ قُطْنِيُّ. [قط: ٤٧٥١].
الكفة، وفي الحديث أن للرسول الله وسل﴿ استدلالاً بالخوارق على معرفة نبوته، والحق
أن علمه بذلك ضروري واقع في القلب، وهذه مؤكدات ومؤيدات لذلك، على أن
الغرض الأصلي من بيان ذلك تعريف الأمة وتعليمهم، والمقصود أنه حصل له العلم
منذ ذلك اليوم، وهذا كما كان يسره ◌َّه موافقته للتوراة، وكان يعجبه وَّ: ﴿إِنَّ هَذَا
لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى مُحُفٍ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [الأعلى: ١٨ -١٩]، وموافقة تميم الداري بخبره
بحال الدجال(١).
٥٧٧٥ - [٣٥] (ابن عباس) قوله: (كتب علي النحر) عنى به قوله {وَ ليم(٢):
﴿ فَصَلِ لِرَبِّكَ وَأَنْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢]، قالوا: النحر كان واجباً على رسول الله وٍَّ وإن
لم يكن غنيًّا بخبر: (ثلاث كتبت عليَّ ولم تكتب عليكم: الضحى والأضحى
والوتر)، كذا في شرح ابن الملك عن شرح (المشارق)، وقال الطيبي(٣): لم يوجد
في الأحاديث ما يدل على وجوب الضحى عليه وَّ ه سوى هذا الحديث، والله
أعلم.
(١) وزاد في (ع) بعد هذا: ((مع الاستدلال، فافهم)).
(٢) كذا في جميع النسخ المخطوطة، ولعل الصواب ((قوله تعالى)).
(٣) (شرح الطيبي) (١٠ / ٣٦٨).
٢٥٠
(٢) باب أسماء النبي أمير وصفاته
٢- باب أسماءالنبي صلى اله عليه وسلم وصفاته
٢ - باب أسماء النبي ◌ُّر وصفاته
المراد بالأسماء ههنا: الأعلام، أعم من أن يكون اسماً أو لقباً أو كنية، واعلم
أن الله تعالى سمى نبيه مسير بأسماء كثيرة في القرآن العظيم وغيره من الكتب السماوية
وفي السنة، وعلى لسان الأنبياء عليهم السلام، ثم إن أشهر أسمائه وَّر محمد، وبه
سماه جده عبد المطلب، وذلك أنه لما قيل: ما سميت ولدك؟ قال: محمداً، فقيل له :
كيف سميته باسم ليس لأحد من آبائك وقومك؟ فقال: لأني أرجو أن يحمده أهل الأرض
كلهم. وفي رواية: أردت أن يحمده الله في السماء، ويحمده الناس في الأرض، ويروى
أنه رأى عبد المطلب في المنام كأن سلسلة من فضة خرجت من ظهره، لها طرف في
السماء وطرف في المشرق وطرف في المغرب، ثم عادت كأنها شجرة على كل ورقة
منها نور، وإذا أهل المشرق والمغرب كأنهم يتعلقون بها، فقصها فعبرت له بمولود
يكون من صلبه، يتبعه أهل المشرق وأهل المغرب، ويحمده أهل السماء والأرض،
فلذلك سماه محمداً مع ما حدثته به آمنة حين قال: إنك حملت بسيد هذه الأمة؛
فإذا وضعته فسميه محمداً.
وورد أنه لم يكن قبله ثير أحد مسمى بهذا الاسم، فلما أخبر أهل الكتاب بأنه
سيبعث نبي آخر الزمان اسمه محمد سمى أربعة من الرجال أبناءهم محمداً طمعاً في
النبوة، فلما كانت هذه التسمية بعد سماعهم اسمه م فكأنه كان بعده، وقد نقل عن
الشيخ ابن حجر خلافاً في ذلك، وعد أشخاصاً اسمهم محمد، ولعله یکون بعد سماع
اسمه ◌َّ، والله أعلم.
وقال في (المواهب اللدنية)(١): وقد جاءت من ألقابه اله وأسمائه في القرآن
(١) ((المواهب اللدنية)) (١ / ٤٤٤).
٢٥١
(٢٩) كتاب الفضائل والشمائل
عدد كثير، وقد تعرض جماعة لتعدادها وبلغوا بها عدداً مخصوصاً، فمنهم من بلغ
تسعة وتسعين موافقة لعدد أسماء الله الحسنى الورادة في الحديث، قال القاضي عياض :
وقد خصه الله تعالى بأن سماه من أسمائه الحسنى بنحو من ثلاثين اسماً، وقال [ابن]
دحية في كتابه (المستوفى): إذا فحص عن جملتها من الكتب المتقدمة والقرآن والحديث
بلغ الثلاث مئة .
ورأيت(١) في كتاب (أحكام القرآن)(٢) للقاضي أبي بكر بن العربي: قال بعض
الصوفية: لله تعالى ألف اسم، وللنبي ◌ّ﴾ ألف اسم، والمراد الأوصاف، فله من كل
وصف اسم، ثم إن منها ما هو مختص به والغالب عليه، ومنها ما هو مشترك، ورأيت
في كلام شيخنا في (القول البديع) والقاضي عياض في (الشفا) وابن العربي وابن سيد
الناس وغيرهم يزيد على الأربع مئة، ذكر هذا كله في (المواهب) ثم سردها مرتبة
على حروف المعجم، وذكر الطيبي(٣) عن بعضهم اثنين وعشرين اسماً وشرحها، وقد
جمع السيوطي في أسمائه وولي كتاباً(٤)، ولم يورد المؤلف إلا عدة أسماء في حديثين،
والمراد بصفاته هنا أحوال حليته الشريفة وصورته الظاهرة، وعقد باباً آخر لبيان أخلاقه
وشمائله .
(١) القائل القسطلاني صاحب ((المواهب اللدنية)).
(٢) ((أحكام القرآن)) لابن العربي (٣/ ٥٨٠).
(٣) ((شرح الطيبي)) (١١ / ٥).
(٤) وهو ((النهجة السوية في الأسماء النبوية))، مطبوع، وللسيوطي كتاب آخر في شرح الأسماء
النبوية، اسمه: ((المرقاة العلية في شرح الأسماء النبوية)).
٢٥٢
(٢) باب أسماء النبي ﴾ وصفاته
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٥٧٧٦ - [١] عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَهِ يَقُولُ:
((إنَّ لِي أَسْمَاءَ: أَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَنَا أَحْمَدُ، وَأَنَا الْمَاحِي الَّذِي يَمْحُو اللهُ بِي
٥ وه
الْكُفْرَ،
الفصل الأول
٥٧٧٦ - [١] (جبير بن معطم) قوله: (أنا محمد وأنا أحمد) وزيد في بعض
الروايات، وقد جاء في أسمائه ◌َ﴿ محمود أيضاً، وكل ذلك مشتق من الحمد،
فمحمود يدل على مطلق كونه محمود الذات والصفات في الدنيا والآخرة، ومحمد
مبني عن صيغة التفعيل المبنية عن التضعيف والتكثير إلى عدد لا ينتهي له الإحصاء،
فمحمد هو الذي يحمد حمداً بعد حمد، ولا يكون مفعل إلا لمن تكرر منه الفعل
مرة بعد أخرى .
وأحمد على صيغة أفعل المبنية عن الانتهاء إلى غاية ليس وراءها منتهى، فمعنى
أحمد: أحمد الحامدين لربه، والأمر كذلك؛ لأنه يفتح عليه في المقام المحمود
محامد لم يفتح على أحد قبله فيحمد ربه بها، ولذلك يعقد له لواء الحمد، ويجوز
أن يكون أحمد بمعنى المفعول، فهو ◌َّ محمود على لسان الأولين والآخرين،
وحمده الله في كلامه القدیم.
وهذا الاسم ذكره به عيسى وموسى عليهما السلام، وأما عيسى فكما في قوله
تعالى: ﴿وَمُبَشِرًا رَسُولٍ يَأْتِ مِنْ بَعْدِى أَسْمُهُ أَخْمَةٌ﴾ [الصف: ٦]، وموسى حين قال له ربه: تلك
أمة أحمد، فقال: اللهم اجعلني من أمة أحمد، ومحمد (١) ومحمود اسم الله سبحانه
(١) قوله: ((ومحمد)) كذا في الأصل، والظاهر حذفه.
٢٥٣
(٢٩) كتاب الفضائل والشمائل
وَأَنَا الْحَاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمَيَّ، وَأَنَ الْعَاقِبُ)). وَالْعَاقِبُ: الَّذِي
لَيْسَ بَعْدَهُ نَبِيٌّ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٥٣٢، م: ٢٣٥٤].
٥٧٧٧ - [٢] وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّ
يُسَمِّي لَنَا نَفْسَهُ أَسْمَاءً فَقَالَ: ((أَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَحْمَدُ، وَالْمُقَفِّي،
سمی به حبيبه، واشتق منه لحبيبه اسمين: محمداً وأحمد، وقال حسان بن ثابت :
من الله من نور يلوح ويشهد
أغر عليه للنبوة خاتم
إذا قال في الخمس المؤذن أشهد
وضم الإله اسم النبي إلى اسمه
فذو العرش محمود وهذا محمد
وشق له من اسمه ليجله
وقد قيل: إن هذا البيت الأخير لعمه أبي طالب أخرجه البخاري في (تاريخه
الصغير) من طريق علي بن زيد ذكره صاحب (المواهب)(١)، والله أعلم.
وقد ورد في حديث أنس بن مالك من طريق أبي نعيم: (إن الله سماه بهذا الاسم
قبل الخلق بألفي ألفي عام(٢)).
وقوله: (وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي) يروى بلفظ الإفراد والتثنية،
ومعناه أنا أول من تنشق عنه الأرض، فسمي حاشراً؛ لأنه لما حشر أولاً تقدم الناس
في ذلك كأنه سبب في حشرهم. و(العاقب) الذي يخلف من كان قبله في الخير
كالعقوب، وهو في معنى خاتم الأنبياء.
٥٧٧٧ - [٢] (أبو موسى الأشعري) قوله: (والمقفي) صحح بصيغة اسم الفاعل
من التقفية، وكل شيء يتبع شيئاً فقد قفاه، فيكون من القفو، والمادة للتأخر والتبعية،
(١) ((المواهب اللدنية)) (١ / ٤٥٣).
(٢) كذا في الأصول، وفي ((المواهب)): ((بألفي ألف عام)).
٢٥٤
(٢) باب أسماء النبي مليار وصفاته
وَالْخَاشِرُ، وَنَبِيُّ التَّوْبَةِ، وَنَبِيُّ الرَّحْمَةِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٣٥٥].
٥٧٧٨ - [٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((أَلَا تَعْجَبُونَ
كَيْفَ يَصْرِفُ اللهُ عَنِّي شَتْمَ قُرَيْشٍ وَلَعْنَهُمْ؟ يَشْتُمُونَ مُذَقَّماً، وَيَلْعَنُونَ مُذَماً،
وَأَنَا مُحَمَّدٌ)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٣٥٣٣].
٥٧٧٩ - [٤] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَِّ قَدْ شَمِطَ
مُقَدَّمُ رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ،
ومنه قافية البيت، وقافية الرأس، والقفا: خلف الوجه، فيكون في معنى آخر الأنبياء
وخاتمهم، ويكون العاقب والمقفي بمعنى واحد.
(ونبي التوبة) أي: تواب كثير التوبة حيث كان يستغفر كل يوم سبعين مرة أو
مئة، وفي تحقيق هذا التوبة والاستغفار وجوه أحسنها أنه كان للأمة، ويجوز أن يكون
المعنى الذي تاب على يده الناس ما لم يتب على يد أحد من الأنبياء والمرسلين
صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين، أو تاب الله عليهم ببركته .
(ونبي الرحمة) لقوله تعالى: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلَّرَحْمَةً لِلْعَلَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]
وقوله: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣]، وقوله ◌َّ: (أنا رحمة مهداة)، أو
تراحم المؤمنون فيما بينهم ببركة ورحمة قوله تعالى: ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩].
٥٧٧٨ - [٣] (أبو هريرة) قوله: (يشتمون مذمماً وأنا محمد) كان المشركون
يسمون رسول الله ﴾ مذمماً ويشتمونه، فقال رسول الله تعالى وَلّ: (قد دفع الله عني
شتمهم فإنه إنما يشتمون مذمماً وأنا محمد).
٥٧٧٩ - [٤] (جابر بن سمرة) قوله: (قد شمط) في (القاموس)(١): الشمط:
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٦٢١).
٢٥٥
(٢٩) كتاب الفضائل والشمائل
وَكَانَ إِذَا الذَّهَنَ لَمْ يَتَبَيّنْ، فَإِذَا شَعِثَ رَأْسُهُ تَبَيَّنَ، وَكَانَ كَثِيرَ شَعْرِ اللِّحْيَةِ،
فَقَالَ رَجُلٌ: وَجْهُهُ مِثْلُ السَّيْفِ؟ .
بياض الرأس يخالط سواده.
وقوله: (وكان إذا ادهن) من الادهان بتشديد الدال، افتعال من دهن بالفتح
يدهن بالحركات الثلاث دهناً ودهنة: بلَّ الشعر وغيره بالدهن بالضم، وقد روي في
حديث الترمذي (١) وغيره: (إذا دهن) من الثلاثي، وهما بمعنى واحد.
وقوله: (لم يتبين) أي: الأبيض من الشعرات؛ إما (٢) لأنها عند الادهان تجتمع
فكان الأبيض منها لقلته غير متبين، (فإذا شعث) بكسر العين، أي: انتشر شعر رأسه،
والشعث محركة في الأصل: انتشار الأمر، يقال: الأشعث للمغبر الرأس، (تبين)
البياض ويتميز من السواد، وقيل: منشأ عدم رؤية الشيب إذا ادهن رأسه؛ لأن الشعر
حينئذ يكون براقاً لامعاً، وهو سبب الاشتباه ومانع عن الامتياز، وقد جاء في شيب
رسول الله ◌َ عن أنس أنه قال: ما عددت في رأس رسول الله وَله إلا أربع عشرة شعرة
بيضاء(٣)، وعن ابن عمر: إنما كان شيب رسول الله وَّ نحو من عشرين شعرة بيضاء (٤)،
وليس بينهما تخالف؛ لأن أربعة عشر نحو من عشرين.
وقوله: (وكان كثير شعر اللحية) كأنه تفسير لما وقع في حديث آخر: (كث
اللحية)، وقالوا في تفسيره: أي غير خفيفة اللحية ولا طويلة، وفي (القاموس)(٥):
(١) ((الشمائل المحمدية)) (ح: ٣٨).
(٢) لفظ ((إما)) كذا في الأصل، والظاهر حذفه.
(٣) أخرجه أحمد في «مسنده)) (٣/ ١٦٥).
(٤) أخرجه ابن ماجه في ((سننه)) (٣٦٣٠).
(٥) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٧٣).
٢٥٦
(٢) باب أسماء النبي ◌َ﴾ وصفاته
قَالَ: لاَ بَلْ كَانَ مِثْلَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، وَكَانَ مُسْتَدِيراً،
الكث: الكثيف، ورجل كث اللحية كثيفها، ولحية كثة وكثاء، وقوم كُثّ بالضم،
ويأتي في (الفصل الثاني): (ضخم الرأس واللحية).
وقوله: (لا بل كان مثل الشمس والقمر) أي: كان مثل الشمس في نهاية البهجة
والإشراق، ومثل القمر في الحسن والملاحة، شبه الرجل وجهه المبارك بالسيف في
الحسن والبريق واللمعان، والسيف قد يوصف بالحسن، ولما كان هذا التشبيه ناقصاً
قال جابر: لم يكن مثل السيف بل مثل الشمس، فيكون التشبيه جامعاً بين الصفتين :
البريق والميل إلى الاستدارة، والأبهة والجلالة.
وقد وقع في حديث الترمذي من البراء بن عازب: لا بل مثل القمر، وفي حديث
كعب بن مالك: كأن وجهه قطعة قمر، وقد قيل في حديث البراء: معناه لم يكن مثل
السيف، بل لم يكن مثل القمر أيضاً، بل كان أحسن منه، ويؤيده ما جاء في (الفصل
الثاني) من حديث جابر بن سمرة: فإذا هو عندي أحسن من القمر، وأما فيما نحن
فيه لا يمكن إجراء هذا المعنى لقوله: بل كان مثل الشمس والقمر، ويأتي في حديث
أبي هريرة: كأن الشمس تجري في وجهه.
وقوله: (وكان مستديراً) فيه تأكيد لنفي التشبيه بالسيف وإثباته بالشمس والقمر،
ولكنه ليس المراد بالاستدارة مثل ما في الشمس والقمر؛ لأنه لم يكن مكلثماً كما
يجيء، بل المراد أنه كان فيه شيء من التدوير مع طول، ولم يكن طويلاً كل الطول،
كما هو اللائق بحال الحسن والجمال، وقد ورد أنه رَّه كان إذا سُرّ فكأنّ وجهه المرآة،
وكان الجدر تلاحك وجهه، والملاحكة: شدة الملائمة، أي: يرى شخص الجدر
في وجهه، وفي حديث ابن لأبي هالة: يتلألأ وجهه تلألأ القمر ليلة البدر.
٢٥٧
(٢٩) كتاب الفضائل والشمائل
وَرَأَيْتُ الْخَاتَمَ عِنْدَ كَتِفِهِ مِثْلَ بَيْضَةِ الْحَمَامَةِ يُشْبِهُ جَسَدَهُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
[م: ٢٣٤٤].
ومن أسمائه و * البدر، ولذا أنشدوا حين قدم المدينة:
من ثنيات الوداع
طلع البدر علينا
ولقد أحسن من قال :
فلا تظنَّّها كافاً لتشبيه
كالبدر والكافُ إن أنصفتَ زائدةٌ
قال صاحب (المواهب)(١) - رحمه الله -: هذه التشبيهات التي وردت في صفاته وَل
إنما هي على عادة الشعراء والعرب، وإلا فلا شيء في [هذه] المحدثات [ما] يعادل
صفاته الخلقية والخلقية، ولله در إمام العارفين سيدي محمد بن وفا:
كم فيه للأرواح راح مسكر
كم فيه للأبصار حسن مدهش
بشراً بأسرار الغيوب يبشر
سبحان من أنشأه من سبحاته
صلى الله عليه وآله وأصحابه وأتباعه أجمعين.
وقوله: (رأيت الخاتم عند كتفه مثل بيضة الحمامة يشبه جسده) أي: في اللون
والصفاء والنورانية، اعلم أنه كان لرسول الله وَّه بين كتفيه شيء ناتٍ من أجزاء جسده
الشريف يسمى خاتم النبوة، إما بكسر التاء فاعل الختم بمعنى الإتمام وبلوغ الآخر،
أو بفتحها بمعنى الطابع، ومعناه الشيء الذي هو دليل على أنه لا نبي بعده، وقيل:
سبب التسمية بذلك أنه نعت في الكتب المقدمة، فكان علامة يعلم بها أنه النبي المبشر
به، وصيانة عن أن يتطرق إليها قدح كالشيء المستوثق عليه بالختم، وكان آية من الله
(١) ((المواهب اللدنية)) (٢ / ١٢).
٢٥٨
(٢) باب أسماء النبي # وصفاته
وسرًّا عظيماً مخصوصاً به ێد .
وقال الحاكم في (المستدرك)(١) عن وهب بن منبه أنه قال: ولم يبعث الله نبيًّا
إلا وقد كانت عليه شامة النبوة في يده اليمنى إلا [أن يكون] نبينا [محمد] وَص ◌ّ، فإن
شامة النبوة كانت بين كتفيه، كذا في حواشي (الشمائل)(٢)، وجاء في بعض الروايات
أنه غاب بعد وفاة رسول الله مَّر، وبغيبوبته عرف موته، ولعلها كانت لتعريفهم موته،
أو لأنه لم تبق حاجة إلى إثبات النبوة الآن، أو لسر آخر لا لأن الأنبياء لم يبقوا أنبياء
بعد موتهم، فإن مرتبة النبوة والرسالة باقية بعد الموت.
وفي (شرح الشيخ): وفي رواية: (کبيضة حمام مكتوب فيه: الله وحده لا شريك
له، توجه حيث كنت فإنك منصور)، وفي رواية: (كان نوراً يتلألأ)، والرواة قد ذكروا
صورته وظاهر شكله، وشبهوها بأشياء يعرفها الناس، فمنها مثل بيضة الحمامة كما
ورد في هذا الحديث، والحمامة واحدة حمام وليست تاؤه للتأنيث. وفي (الصحاح)(٣):
هي عند العرب ذوات الأطواق من نحو الفواخت والقماري وأشباه ذلك، وعند العامة
أنها الدواجن فقط، وفي (القاموس)(٤): حمام كسحاب: طائر بَرّيٌّ لا يألف البيوت،
أو كل ذي طوق.
وفي حديث آخر: (غدة حمراء)، والغدة بضم الغين وتشديد الدال: كل عقدة
(١) ((المستدرك)) (٢ / ٦٣١).
(٢) انظر: ((جمع الوسائل في شرح الشمائل)) لعلي القاري (ص: ٥٩).
(٣) ((الصحاح)) (٥ / ١٩٠٦).
(٤) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٠١٢).
٢٥٩
(٢٩) كتاب الفضائل والشمائل
تكون في الجسد أطاف بها شحم، وكل قطعة صلبة بين العصب، والجمع غدد، والمراد
أنه كان شبيهاً بالغدة، وحمراء بمعنى مائلاً إلى الحمرة فلا ينافي كون لون خاتم النبوة
كلون بدنه ◌َّ، فهذا رد لمن قال: إنه أسود أو أخضر، كذا في (شرح الشيخ للشمائل).
وقد وقع الجمع بين غدة حمراء وبيضة الحمامة بياناً وتفسيراً للغدة.
وفي حديث آخر: (كزر الحجلة) والزر بتقديم الزاي المكسورة على الراء
المشددة: واحد الأزرار التي تكون على جيب القميص، والحجلة بفتح الحاء والجيم
واحد الحجال: بيت كالقبة لها أزرار كبار، وهذا ما عليه الجمهور.
وعن بعضهم الحجلة: طائر معروف وزرها بيضها، ويؤيده حديث جابر بن سمرة:
كبيضة الحمامة، غير أن الزر لم يجئ في كلام العرب بمعنى البيض، إلا أن يحمل
على الاستعارة تشبيهاً لبيضها بأزرار الحجال، كذا في بعض شروح (الشمائل). وذكر
الخطابي أنه روي بتقديم الراء على الزاي والمراد به البيضة من أرزت الجرادة: إذا
غرزت ذنبها في الأرض فباضت، وكذا رزت.
وفي حديث آخر للترمذي: (شعرات مجتمعات)(١)، أي: ذو شعرات، وكان عليه
الشعرات، فظن الراوي أنه الشعرات، وفي آخر له: (كان في ظهره بضعة ناشزة)(٢)،
والبضعة: قطعة من اللحم، و(ناشزة) أي: مرتفعة من جسمه، من النشوز، وهو
الارتفاع، والنشزة: مكان مرتفع كالنشاز بالفتح، ومنه: نشوز أحد الزوجين لتعالي
أحدهما على الآخر، وأيضاً في حديث: (مثل الجمع حولها خيلان كأمثال
(١) أخرجه الترمذي في ((الشمائل)) (١٩).
(٢) أخرجه الترمذي في ((الشمائل)) (٢١).
٢٦٠
(٢) باب أسماء النبي مليار وصفاته
٥٧٨٠ - [٥] وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ سَرْجِسٍ قَالَ: رَأَنْتُ النَّبِيَّ ◌َهِ وَأَكَلْتُ
مَعَهُ خُبْزاً وَلَحْماً - أَوْ قَالَ: ثَرِيداً - ثُمَّ دُرْتُ خَلْفَهُ فَنَظَرْتُ إِلَى خَاتَمِ النُّبُوَّةِ
بَیْنَ كَتِفَيْهِ عِنْدَ نَاَغِضِ کَتِفِهِ الْیُسْرَی، جُمْعاً عَلَیْهِ،
الثآليل)(١)، والجمع بضم الجيم وسكون الميم في الأصل بمعنى المجموع، والمراد
هنا جمع الكف حين يجمع الأصابع ويضمها، والخيلان بالكسر جمع خال، والثآليل
بفتح المثلثة وبالهمزة على وزن مصابيح جمع تؤلول، وهي غدة الحبة التي تظهر في
الجلد مثل حمصة .
وفي (القاموس) (٢): التؤلول كزُنْبور: حلمة الثدي، وَبَثْرٌ صغير صُلبٌ مستدير على
صور شتى، وكله من خِلطٍ غليظ يابس، بَلْغَمِيٍّ أو سوداويٍّ أو مركب منهما، وهذه
كلها بيان لصورته الظاهرة وشكله في رأي العين، ومن دون ذلك سر عظيم مخصوص
به ◌ِّيّ لم يكن لأحد من الأنبياء والمرسلين، والله أعلم.
٥٧٨٠ - [٥] (عبدالله بن سرجس) قوله: (عند ناغض كتفه اليسرى) الناغض
بنون وغين وضاد معجمتين: الكتف، وقيل: عظم رقيق على طرفها، وقيل: أصل
العنق، وقال التُّورِبِشْتِي (٣): الناغض: الغضروف، وهو ما لان من العظم، وأكثر ما وقع
في الروايات (بين كتفيه)، قال التُّورِبِشْتِي(٤): ولا اختلاف بين القولين، فإنه يحتمل
أنه وجد كذلك، والقول الآخر: بين كتفيه لا يقتضي أن يكون بينهما على السواء، بل
(١) أخرجه مسلم في ((صحيحه)) (٢٣٤٦) نحوه.
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٨٩٤).
(٣) ((كتاب الميسر)) (٤ / ١٢٥٠).
(٤) ((كتاب الميسر)) (٤ / ١٢٥٠).