Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٨١ (٢٨) كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق وَيَرْحَمُ اللهُلُوطاً، لَقَدْ كَانَ يَأْوِيٍ إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ، وَلَوْ لَبِئْتُ فِي السِّجْنِ طُولَ مَا لَبِثَ يُوسُفُ لأَجَبْتُ الدَّاعِيَ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٣٧٢، م: ١٥١]. وقوله: (ويرحم الله لوطاً لقد كان يأوي إلى ركن شديد) بيانه أن قوم لوط لما قصدوا أضيافه قال: ﴿لَوَ أَنَّلِ بِكُمْ فُوَّةً﴾، أي: لو قويت بنفسي على دفعكم ﴿أَوْ ءَاوِىّ إِلَى رَكْنِ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨] أي: ألتجئ إلى قوي أتمنع به عنكم، فيحميني منكم، شبه بركن الجبل ونحوه في الشدة، والجزاء محذوف، أي: لمنعتكم عن أضيافي، فاستغرب ◌َّي هذا القول من لوط عليَّ واستعظمه، وأشار إلى تقصيره فيه، فإن التمسك بعصمة الله وحفظه هو الركن الشديد، وأشد الأركان كلها . وقوله: (ويرحم الله) كلمة تذكر في مقام إثبات التقصير، وما لا ينبغي أن يفعل، وقدم على وتيرة قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣]، فإن قلت : لما كان هذا من باب التقصير فلم قرن بقول إبراهيم، ولا تقصير فيه؟ قلنا: لأن قول إبراهيم وقع في صورة التقصير وغفلة عن قدرة الله تعالى، والله أعلم. وقوله: (ولو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف لأجبت الداعي) أي: داعي الملك الذي أتى إليه ليخرجه عن السجن، وهذا القول من رسول الله (صّ في يوسف قد يحمل على ثنائه عليه بالصبر وترك الاستعجال بالخروج عن السجن مع امتداد مدة الحبس، ليزول عن قلب الملك ما كان متهماً من الفاحشة، وهذا الوجه أنسب بما يتبادر من قوله: (ولو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف)، وقيل: بل هو إشارة إلى تقصير يوسف في عدم الاستعجال؛ لأنه كان سبباً في هدايتهم بل قيل: إنه كان رسولاً إليهم، ولذا دعا أهل السجن بقوله: ﴿َأَرْبَابٌ مُتَغَرِّقُونَ﴾ الآيات [يوسف: ٣٩]، ولم يكن له طريق إلى دعوة عزيز مصر، فلما وجد إليه سبيلاً قدم براءة نفسه مما نسب إليه ١٨٢ (٩) باب بدء الخلق وذكر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ٥٧٠٦ _ [٩] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ مُوسَى كَانَ رَجُلاً حَيِيًّا سِتِيراً، لاَ يُرَى مِنْ جِلْدِهِ شَيْءٌ اسْتِحْيَاءً، فَاذَاهُ مَنْ آذَاهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَقَالُوا: مَا تَسَتَّرَ هَذَا الشَّسَتُّرَ إِلَّ مِنْ عَيْبٍ بِجِلْدِهِ؛ إِمَّا بَرَصٌ أَوْ أَدْرَةٌ، وَإِنَّ اللهَ أَرَادَ أَنْ یُیَرِّتَهُ، على حق الله تعالى، وهو دعوة الملك، كذا قالوا، وفيه نظر لأن تقديم براءة نفسه أدخل في أمر الدعوة والإبلاغ كما لا يخفى، فما هو إلا الله. وذكر الشيخ التُّورِبِشْتِي(١) فيه وجهاً آخر: حاصله أن يوسف عليها ترك الاسترسال مع فعل الله تعالى، ودبر في نفسه لدفع التهمة عنها، وكان لبثه في السجن بضع سنين أيضاً لابتغاء الفرج عما هو فيه بالتدبير، وكان الأولى بحاله أن لا يشكو ضُرّه إلا إلى مولاه، ولا يتلقى الفرج قبل مجيئه بل ينظره بالصبر، ولا تعارض ما ظهر منه عند الله تعالى بأمر من عنده وتدبير من نفسه، فأشار ◌َّه إلى أنه لو كان هو مكانه لتلقى الدعوة بالإجابة، وقال: هذا تأويل سلكت فيه مسلك علمائنا من الصوفية قدس الله تعالى أرواحهم. ٥٧٠٦ - [٩] (وعنه) قوله: (حيًّا) بفتح الحاء وكسر الياء الأولى مخففة، وتشديد الثانية، فعيل من الحياء، و(ستيراً) بفتح السين وكسر التاء مخففة، وقد يروى بكسر السين وتشديد التاء كسكيت من الستر، في (الصحاح)(٢): رَجُلٌ سَتيرٌ، أي: عَفيف، والجارية سَتيرَةٌ: عفيفة، و(الأدرة) بضم الهمزة وسكون الدال ويحرك، والآدر والمأدور: من يصيبه فتق في إحدي خصيبه، أَدِرَ كفرح، والاسم: الأدرة، وخصية أَدْرَاءُ: عظيمة (١) ((كتاب الميسر)) (١/ ١٢٣٥). (٢) ((الصحاح)) (٢/ ٦٧٧). ١٨٣ (٢٨) كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق فَخَلاَ يَوْماً وَحْدَهُ لِيَغْتَسِلَ فَوَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى حَجَرٍ، فَفَرَّ الْحَجَرُ بِثَوْبِهِ، فَجَمَحَ مُوسَى فِي إِثْرِهِ يَقُولُ: ثَوْبِي ◌َا حَجَرًا ثَوْبِي بَا حَجَرُ! حَتَّى انْتُهَى إِلَى مَلأٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَرَأَوْهُ عُرْيَاناً أَحْسَنَ مَا خَلَقَ اللهُ، وَقَالُوا: وَاللهِ مَا بِمُوسَى مِنْ بَأْسٍ، وَأَخَذَ ثَوْبَهُ وَطَفِقَ بِالْحَجَرِ ضَرْباً، فَوَاللهِ إِنَّ بِالْحَجَرِ لَنَدَباً مِنْ أَثَرِ ضَرْبِهِ ثَلاَثاً أَوْ أَرْبِعاً أَوْ خَمْساً)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٤٠٤، م: ٣٣٩]. بلا فتق، وفي (النهاية)(١): الأدرة بالضم: نفخة في الخصية. وقوله: (فوضع ثوبه على حجر) فيه جواز الغسل عرياناً في الخلوة، وكان في غسل موسى علي* عرياناً حكمة كان عاقبتها تبرئة ساحته عن الاتهام من النقص. وقوله: (فجمح) أي: أسرع إسراعاً لا يرده شيء، وفي (القاموس)(٢): جمح الرجل: يركب هواه فلا يمكن رده، و(إثره) بكسر الهمزة وسكون المثلثة ويفتحهما، (والندب) بفتحتين جمع الندبة، وكذا أنداب وندوب، هو أثر الجرح الباقي على الجلد، ندب الجرح كفرح: صلبت ندبته، كأندب، كذا في (القاموس)(٣)، وذلك معجزة لموسى عليه . وقوله: (ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً) شك من الراوي متعلق بالضرب أو الندب، كذا في (الحواشي)، ويحتمل أن يكون ترديداً منه وَ لّ من جهة أنه لم يوح إليه متعيناً. (١) ((النهاية)) (١ / ٣١). (٢) ((القاموس)) (ص: ٢١٠). (٣) ((القاموس)) (ص: ٣٢١، ١٣٩). ١٨٤ (٩) باب بدء الخلق وذكر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ٥٧٠٧ _ [١٠] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((بَيْنَا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُزْيَاناً، فَخَرَّ عَلَيْهِ جَرَادٌّ مِنْ ذَهَبٍ، فَجَعَلَ أَيُّوبُ يَحْنِي فِي ثَوْبِهِ، فَنَادَاهُ رَبّهُ: يَا أَيُوبُ! أَلَمْ أَكُنْ أَغْنَيْئُكَ عَمَّا تَرَى؟ قَالَ: بَلَى وَعِزَّتِكَ، وَلَكِن لَاَ غِنَى بِي عَنْ بَرْكَتِكَ)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٢٧٩]. ٥٧٠٨ _ [١١] وَعَنْهُ قَالَ: اسْتَبَّ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَرَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ. فَقَالَ الْمُسْلِمُ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُحَمَّداً عَلَى الْعَالَمِينَ. فَقَالَ الْيَّهُودِيُّ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى الْعَالَمِينَ. فَرَفَعَ الْمُسْلِمُ يَدَهُ عِنْدَ ذَلِكَ فَلَطَمَ وَجْهَ الْيَهُودِيِّ، فَذَهَبَ الْيَهُودِيُّ إِلَى النَّبِيِّ ◌َ، فَأَخْبَرَهُ بِمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ وَأَمْرِ الْمُسْلِمِ، فَدَعَا النَّبِيُّنَ الْمُسْلِمَ فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّ: ((لاَ تُخَيُِّونِي عَلَى مُوسَى، فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَأَصْعَقُ مَعَهُمْ فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ، فَإِذَا مُوسَى بَاطِئٌ بِجَانِبِ الْعَرْشِ، فَلاَ أَدْرِي كَانَ فِيمَنْ صَعِقَ فَأَفَاقَ قَبْلِي، ٥٧٠٧ - [١٠] (وعنه) قوله: (لا غنى بي عن بركتك) وفي رواية: من رحمتك، أو من فضلك، يعني أن ذلك ليس من حرصي على المال والدنيا بل من فرحي بفضلك ورحمتك، وقالوا: فيه جواز الحرص على الاستكثار من الحلال في حق من وثق من نفسه بالشكر وأدائه في الحق، ومن هذه الجهة سمي المال بركة. ٥٧٠٨ - [١١] (وعنه) قوله: (لا تخيروني على موسى) أي: لا تفضلوني علیه، وهذا تواضع منه بَّر، أو قال ذلك قبل أن يوحى إليه أفضليته، ثم عمم الحكم في آخر الحديث، وقال: (لا تفضلوا بين الأنبياء)، والمراد: لا تفضلوا بأهوائكم وآرائكم على وجه يؤدي إلى الازدراء والنقيصة ببعض، أو يفضي إلى خصومة وعصبية، أو ١٨٥ (٢٨) كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق أَوْ كَانَ فِيمَنِ اسْتَثْنَى اللهُ. وَفِي رِوَايَةٍ: ((فَلاَ أَدْرِي أَحُوسِبَ بِصَعْقَةٍ يَوْمٍ الطُّورِ أَوْ بُعِثَ قَبْلِي؟ وَلاَ أَقُولُ: إِنَّ أَحَداً أَفْضَلُ مِنْ يُونُسَ بِنِ مَتَّى)). التفضل من جميع الوجوه، أو في أصل النبوة والرسالة، ثم ذكر لموسى فضلاً جزئياً يوجب فضله وامتيازه من هذه الجهة، بقوله: (فإن الناس يصعقون ... إلخ)، وأصل الصعق: أن يغشى على الرجل من صوت شديد يسمعه، وربما يموت منه، يقال: صعق الرجل: إذا أصابه فزع فأغمي عليه، ثم استعمل في الموت كثيراً، والصعقة: المرة منه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِ اُلُّورِ فَصَعِقَ مَن فِ السَّمَوَتِ وَمَنْ فِ اُلْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٦٨]. والمراد بالصعقة في هذا الحديث: صعقة فزع يكون بعد البعث يصعق به الناس، ويسقط الكل، ولا يسقط موسى اكتفاء بصعقته في الطور لذكر الإفاقة بعده؛ لأن الإفاقة إنما تستعمل في الغشي والبعث في الموت، وليس للصعقة التي يكون بعده البعث إفاقة؛ لأنه * يبعث قبل الكل بلا خلاف في ذلك فكيف يقول: لا أدري؟ وقيل: يحتمل أنه قال قبل أن يعلم أنه أول من ينشق، أو أراد أنه من زمرة هم أوّلهم، وهم زمرة الأنبياء، فيكون المراد بالبعث في رواية: (أو بعث قبلي): الإفاقة؛ جمعاً بین الروایتین . وقوله: (أو كان فيما استثنى الله) بقوله: ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَمَنْ فِ الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَآءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨]، الظاهر من كلام المفسرين أن الاستثناء في الصعقة التي تكون قبل البعث، ويفهم من هذا الحديث أنه يكون في هذه الصعقة أيضاً، والله أعلم. و(صعقة يوم الطور) هو المشار إليه بقوله تعالى: ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقَاً﴾ [الأعراف: ١٤٣]. وقوله: (ولا أقول: إن أحداً أفضل من يونس بن متى) متى هي اسم أم يونس، ١٨٦ (٩) باب بدء الخلق وذكر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ٥٧٠٩ - [١٢] وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: ((لاَ تُخَيِّرُوا بَيْنَ الأَنْبِيَاءِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي هُرَيْرَة: ((لاَ تَفَضِّلُوا بَيْنَ أَنْبِيَاءِ اللهِ)). [خ: ٢٤١١، ٢٤١٢]. ٥٧١٠ - [١٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((مَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ: إِنِّي خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٤١٦، م: ٢٣٧٦]. وَفِي رِوَايَةِ البُخَارِيِّ قَالَ: ((من قَالَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى فَقَدْ كَذَبَ)). [خ: ٤٦٠٤]. كذا في (شرح ابن الملك)(١) نقلاً عن (جامع الأصول)، وقال في (القاموس)(٢): متى کحتی: أبو یونس النبي نعێ. ٥٧٠٩ - [١٢] (أبو سعيد) قوله: (لا تفضلوا) يروى: بصاد مهملة، أي: لا تفرقوا، كما قال: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهٌِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، وبمعجمة. ٥٧١٠ - [١٣] (أبو هريرة) قوله: (إني خير) و(أنا خير) ضمير المتكلم عبارة عن رسول الله وَلي، وهو الموافق لباقي الأحاديث، وقيل: عبارة عن كل قائل يقول ذلك، أي: لا يفضل أحد نفسه على يونس من جهة أنه لم يصبر على أذى الأمة، فإن الولي لا يبلغ درجة النبي، وإن لم يكن من أولي العزم. وقوله: (فقد كذب) قيل: المراد كفر، فإنهم اتفقوا على كفر من يفضل نفسه (١) ((شرح مصابيح السنة)) (٦ / ١٦١). (٢) ((القاموس)) (ص: ١٦٠). ١٨٧ (٢٨) كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق ٥٧١١ - [١٤] وَعَنْ أُبَّيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ◌َِّ: ((إِنَّ الْغُلَمَ الَّذِي قَلَهُ الْخَضِرُ طُبعَ كَافِراً، وَلَوْ عَاشَ لأَرْهَقَ أَبَوَيْهِ طُغْيَاناً وَكُفْراً). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٤٠١، م: ٢٦٦١]. على الأنبياء. ٥٧١١ - [١٤] (أبي بن كعب) قوله: (طبع كافراً) أي: خلق على الكفر، وكان في التقدير الإلهي أن يكون خاتمته على الكفر، وهذا لا ينافي حديث: (كل مولود يولد على الفطرة)، إذ المراد بالفطرة كونه قابلاً ومستعداً لقبول الإسلام، وهو لا ينافي كونه شقيًّا في جبلته، وبالجملة الفطرة غير السابقة، وقد سبق تحقيقه في أول الكتاب في (باب الإيمان بالقدر). وقوله: (ولو عاش لأرهق أبويه) أي: أغشاهما وأعجلهما، رهقه بالكسر: غشيه، وأرهقه: أغشاه، وأرهقني إثماً حتى رهقته: حملني إثماً حتى حملته، في (القاموس)(١): رهقه كفرح: غشيه ولحقه، والرَّهَقُ محركة: السَّفَهُ، والنَّوكُ، وركوب الشر والظلم، واسم من الإرهاق، وهو أن تَحْمِل الإنسان على ما لا يطيقه، والكذب، والعجلة. وقوله: (طغياناً) عليهما، (وكفراً) لنعمتهما بعقوقه فيلحقهما شرًّا، أو المعنى حملهما أن يتبعاه في الطغيان، وكان الخضر مأموراً بالعمل بالحقيقة كلاًّ أو بعضاً، وهذا من جملة أوحى الله إليه، أو ألهمه بأن الغلام كافر في المآل فاقتله، بخلاف موسى عليه فإنه كان مأموراً بالعمل بالظاهر، وقد كان نبينا وَّ﴿ مأموراً بالعمل بالحقيقة في بعض المواضع كما أمر بقتل بعض من كان مسلماً في الظاهر، وعلم منه أنه يموت (١) ((القاموس)) (ص: ٨١٩). ١٨٨ (٩) باب بدء الخلق وذكر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ٥٧١٢ - [١٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِّ ◌َّهِ قَالَ: ((إِنَّمَا سُمِّيَ الْخَضِرُ لِأَنَّهُ جَلَسَ عَلَى فَرْوَةٍ بَيْضَاءَ. على الكفر، كما ذكر في خصائصه ◌َىالله ٥٧١٢ - [١٥] (أبو هريرة) قوله: (إنما سمي الخضر) الخضر بفتح الخاء وكسرها وسكون الضاد وكسرها، كذا قال الكرماني(١)، وقال القسطلاني(٢): الخضر بفتح الخاء وکسر الضاد، وقد تسكن الضاد مع کسر الخاء وفتحها، اسمه بَلِيًّا بن ملکان، وقيل: إنه ابن فرعون صاحب موسى عميلا، وهو غريب جداً، وقيل: ابن مالك، وهو أخو إلياس، وقيل: ابن آدم لصلبه، والصحيح أنه نبي معمر محجوب عن الأبصار، وأنه باق إلى يوم القيامة لشربه من ماء الحياة، وعليه الجماهير واتفاق الصوفية، وكثير من الصالحين، وأنكر جماعة حياته منهم البخاري وابن المبارك والخرقي وابن الجوزي، كذا نقل في (شرح القصيدة الأمالية) تمسكاً بإخباره بقوله مَّى: (أنه لا يعيش أحد على وجه الأرض بعد مئة سنة)، والحق خلاف ما قال المنكرون، والحديث مؤول وكذا حديث: (لو كان الخضر حيًّا لزارني)(٣)، كما بين في موضعه، وكنيته أبو العباس، قيل: كان في زمان إبراهيم الخليل، وقيل: هو من ولد نوح بسبع وسائط، وكان أبوه من الملوك، كذا في (مجمع البحار) (٤)، والله أعلم. وقوله: (على فروة بيضاء) الفروة بفتح الفاء: الأرض اليابسة ليس بها نبات، (١) (شرح الكرماني)) (١٤ / ٥٤). (٢) ((شرح البخاري)) للقسطلا ني (١ / ١٧٣). (٣) انظر: ((كشف الخفاء)) (١ / ٤٨٨، رقم: ١٣٧٠). (٤) ((مجمع بحار الأنوار)) (٢ / ٥٨). ١٨٩ (٢٨) كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق فَإِذَا هِيَ تَهْتَزُّ مِنْ خَلْفِهِ خَضْرَاءَ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٣٤٠٢]. ٥٧١٣ - [١٦] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((جَاءَ مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ فَقَالَ لَهُ: أَجِبْ رَبَّكَ)). قَالَ: ((فَلَطَّمَ مُوسَى عَيْنَ مَلَكِ الْمَوْتِ فَفَقَهَا)) قَالَ: ((فَرَجَعَ الْمَلَكُ إِلَى اللهِ فَقَالَ: إِنَّكَ أَرْسَلْتَنِي إِلَى عَبْدٍ لَكَ لاَ يُرِيدُ الْمَوْتَ وَقَدْ فَقَأَ عَيْنِي)». قَالَ: ((فَرَدَّ اللهُ إِلَيْهِ عَيْنَهُ وَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى عَبْدِي فَقُلْ : الْحَيَاةَ تُرِيدُ؟ وقيل: الحشیش اليابس . وقوله: (خضراء) على وزن فعلاء، أي: أرضاً خضراء، وعند أكثر الرواة: (خضراً) أي: نباتاً أخضر غضاً، قال عياض(١): كلاهما صحيح، وأقول: الأول أنسب بتفسير (الفروة) بالأرض، والثاني بتفسيره بالحشيش. ٥٧١٣ - [١٦] (أبو هريرة) قوله: (فلطم موسى عين ملك الموت ففقأها) أي: كسرها وقلعها، يقال: فقأ العين والبثرة: كسرها أو قلعها، قد يستبعد هذا بأنه كيف كان فقأ عين الملك؟ فيقال: إنه متشابه فيفوض علمه إلى الله، وأن موسى لم يعرف أنه ملك الموت، وظن أنه رجل قصد نفسه، وكأن الملك تمثّل بصورة البشر فدفعه عنها، فأدت مدافعته إلى فقأ عينه، واستبعد هذا الجواب بأن الرجل الداخل لم يقصد المحاربة حتى يدفعه، بل دعاه للموت، ولمجرد هذا القول لا يصدر عن مؤمن صالح مثل هذا الفعل فما ظنك بموسى عليها، وقيل: إن موسى عميلا كان في طبعه حدة، حتى روي: أنه عَ إذا غضب اشتعلت قلنسوته، فإذا هجم عليه رجل فدعاه إلى الهلاك عرف أنه لا يكون إلا بالحرب فدفعه. (١) ((مشارق الأنوار)) (١ / ٢٤٤). ١٩٠ (٩) باب بدء الخلق وذكر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْحَيَاةَ فَضَعْ يَدَكَ عَلَى مَثْنٍ ثَوْرٍ، فَمَا تَوَارَتْ يَدُكَ مِنْ شَعْرَةٍ فَإِنَّكَ تَعِيشُ بِهَا سَنَةً، قَالَ: ثُمَّ مَهْ؟ قَالَ: ثُمَّ تَمُوتُ. قَالَ: فَالآنَ مِنْ قَرِيبٍ، ويحتمل أن يكون ذلك جائزاً في شرعه، أو لأن موسى عليهلا زعم أنه كاذب حين ادعى قبض روحه لزعمه أن بشراً لا يقبض الروح فغضب عليه فلطمه، وكان هذا الغضب لله في الله، فلم يكن مذموماً، ولهذا لم يعاتبه الله على ذلك، وبالجملة إذا صح الحديث وجب الإيمان به، فما أدرك من محامله يحمل عليه، ومالا يدرك وجب التفويض، والله أعلم(١). وقوله: (على متن ثور) أي: ظهره، والمتن في الأصل: الأرض الصلبة من المتانة بمعنى القوة والصلابة، وسمي الظهر متناً لاكتنافه وصلابته بالصلب. وقوله: (فما توارت) هكذا في (صحيح مسلم)، وقال التُّورِبِشْتِي(٢): الصواب: (ما وارت)، و(توارت) غلط وقع عن بعض الرواة في (كتاب مسلم)، ويؤيده ما في (كتاب البخاري): (فله بما غطت يده بكل شعرة سنة)(٣)، وقيل: يحتمل أن يكون (يدك) منصوباً بنزع الخافض، أي: بيدك، وفي (توارت) ضمير راجع إلى (ما)، وإنما أنثه لكون (ما) عبارة عن الشعرة، وهذا تكلف لا يخفى إن صحت الرواية بالنصب، والمشهور الرفع . وقوله: (مه) الهاء للسكت، و(ما) للاستفهام. وقوله: (فالآن من قریب) أي: أختار الموت الآن، أو مُر الملك أن يقبض روحي (١) انظر: ((الكنز المتواري)) (٧ /٢٣٩). (٢) ((الميسر)) (٤ / ١٢٣٧). (٣) أخرجه البخاري في ((صحيحه)) (٣٤٠٧). ١٩١ (٢٨) كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق رَبِّ أَدْنِي مِنَ الأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ». قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((وَاللهِ لَوْ أَنِّي عِنْدَهُ لأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إِلَى جَنْبِ الطَّرِيقِ عِنْدَ الْكَئِبِ الأَحْمَرِ». مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ. [خ: ١٣٣٩، م: ٢٣٧٢]. ٥٧١٤ - [١٧] وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِِّ قَالَ: ((عُرِضَ عَلَيَّ الأَنْبِيَاءُ فَإِذَا مُوسَى ضَرْبٌ مِنَ الرِّجَالِ، الآن، وإنما سأل الإدناء من الأرض المقدسة لشرفها وفضلها على سائر البقاع في ذلك الزمان، وبفضل من فيها من المدفونين من الأنبياء والمرسلين، وفي هذا استحباب الدفن في المواضع الفاضلة والقرب من مدافن الصالحين. وقوله: (رمية بحجر) أي: مقدار ذلك، قيل: إنما لم يسأل نفس بيت المقدس، لأنه خاف أن يكون قبره مشهوراً فيفتتن به الكفار، ويجوز أن يكون معناه: ولو كان مقدار رمية بحجر ولم يكن في نفسه، فتدبر، والله أعلم. وقوله: (عنده) أي: عند بيت المقدس، و(الكثيب) التل من الرمل. ٥٧١٤ - [١٧] (جابر) قوله: (عرض علي الأنبياء) قيل: مثلت أرواحهم متشكلة بما كانوا عليه في الدنيا من الأشكال، وقيل: كوشفت له صور أبدانهم في نوم أو يقظة، والله أعلم. وقوله: (ضرب من الرجال) الضرب: الصنف من الشيء، والخفيف اللحم، كذا في (القاموس)(١)، وقال في (المشارق)(٢): في موسى ضرب من الرجال بسكون الراء، وهو ذو الجسم بين الجسمين لا بالناحل ولا بالمطهم، وقال الخليل: الضرب القليل (١) ((القاموس)) (ص ١١٣). (٢) (مشارق الأنوار)) (٢ / ٩٨). ١٩٢ (٩) باب بدء الخلق وذكر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ، ورأيتُ عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ فَإِذَا أَقْرَبُ مَن رأيتُ بِهِ شَبَهاً عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ، وَرَأَيْتُ إِبْرَاهِيمَ فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهاً صَاحِبُّكُمْ - يَعْنِي نَفْسَهُ -، وَرَأَيْتُ جِبْرِيلَ فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهاً دِحْيَةُ بْنُ خَلِيفَةَ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٦٧]. ٥٧١٥ - [١٨] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ◌َّهِ قَالَ: ((رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْريَ بِي مُوسَى رَجُلاً آدَمَ طُوَالاَ جَعْدَاً كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شنُوءَةَ، وَرَأَيْتُ عِيسَى رَجُلاً مَرْبُوعَ الْخَلْقِ. اللحم، ووقع عند الأصیلی بکسر الراء وسكونها معاً، ولا وجه للکسر، انتهى. وقوله: (شنوءة) بفتح شين معجمة ثم نون ثم واو ثم همزة: قبيلة معروفة، ومنه أزد شنوءة، وهم حي من اليمن. ٥٧١٥ - [١٨] (ابن عباس) قوله: (ليلة أسري بي) بفتح (ليلة) مبنياً مضافة إلى الجملة، وهو جائز البناء، وهنا توافق حركة بنائه وإعرابه، وأما تنوينه بالوصف وحذف الرابطة فمما يرى جوازه في طبائع الإعجام، وليس بكلام عربي، كذا في (شرح الشیخ) في موضع آخر . و(الآدم) الشديد السمرة. و(طوال) بضم الطاء وفتح الواو بمعنى طويل، وهي طوالة وجمعه طوال وطيال بكسرهما، وبتشديد الواو: المفرط الطول. وأما (الجعودة) فالأكثر أنه يكون صفة للشعر، وقيل: أراد هنا جعودة الجسم، وهي اجتماعه واكتنازه، لا ضد سبوط الشعر؛ لأنه روي أنه رجل الشعر، وكذا المراد فيما وقع من الحديث في وصف عيسى، ويحتمل جعودة الشعر بين القطط والسبط، وفي وصف الدجال بمعنى القصير المتردد الخلق، وبمعنى البخيل. و(مربوع الخلق) بمعنى معتدل القامة. ١٩٣ (٢٨) كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق إِلَى الْحُمْرَةِ وَالْبَاضِ، سَبْطَ الرَّأْسِ، وَرَأَيْتُ مَالِكاً خَازِنَ النَّارِ، وَالدَّجَّلَ فِي آيَاتٍ أَرَاهُنَّ اللهُ إِيَّاهُ، فَلاَ تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٢٣٩، م: ١٦٥]. ٥٧١٦ - [١٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((لَيْلَةَ أَسْريَ بِي لَقِيتُ مُوسَى - فَنَعَتَهُ -: فَإِذَا رَجُلٌ مُضْطَرِبٌ. وقوله: (إلى الحمرة) أي: مائلاً إلى الحمرة والبياض. و(السبط) المنبسط المترسل، وفي وصفه ◌َله: (ليس بالسبط ولا بالجعد القطط)، فالقطط: الشديد الجعودة، وقال النووي(١): (السبط) بكسر السين وفتحها مع سكون باء وكسرها وفتحها، ويجيء إن شاء الله تعالى هذه الألفاظ بالتفصيل في شمائله وَ لچر، وهو موضعه. وقوله: (في آيات أراهن الله إياه) قيل: هو من كلام النبي ◌َّ، أي: رأيت المذكور في جملة آيات أراهن الله إياه، وفي (إياه) التفات بوضعه موضع (إياي). وقوله: (فلا تكن في مرية من لقائه) متعلق بقصة موسى ورؤيته، وذکر عیسی وما يتبعه من الآيات استطراد إشارة إلى قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْءَ انِيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ فَلَا تَكُنْ فِىِ مِرْيَةٍ مِّن لِّقَائِهِ، ﴾ [السجدة: ٢٣]، فالخطاب للرسول ◌َّ، ولا يخفى ما في هذا التوجيه من التكلف، وإن كان ذهب إليه جمهور العلماء الذين تكلموا في هذا الحدیث، وقال بعض الشارحين: إن قوله: (في آيات ... إلخ)، من كلام الراوي ألحقه بالحديث، والخطاب عام، أي: لا تكن أيها المخاطب في مرية من لقاء النبي وَل* الأنبياء والخازن والدجال، وهذا أظهر في العبارة، والله أعلم. ٥٧١٦ - [١٩] (أبو هريرة) قوله: (فإذا رجل مضطرب) قد جاء في وصفه علي: (١) ((شرح النووي على صحيح مسلم)) (٢/ ٢٢٧). ١٩٤ (٩) باب بدء الخلق وذكر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام رَجِلُ الشَّعْرِ كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالٍ شَنُوءَةَ، وَلَقِيتُ عِيسَى رَبْعَةً أَحْمَرَ. (ضرب من الرجال) بمعنى ضعيف اللحم، فحمل بعضهم المضطرب على أنه افتعال من الضرب بالمعنى المذكور، لكن التُّورِبِشْتِي(١) قال: إن المضطرب بمعنى الضرب مما لم نجده ولم نعلم له مساغاً في السنة من القياس؛ لأن الأصل في اضطرب افتعل أبدلت التاء طاء، ولم يذكر من الضرب الذي هو خفة اللحم، فالوجه أن يكون عبارة عن الحدة التي كان قد جُبِلٍ عليها، فإن من شأن الحاد أن يكون متحركاً قلقاً، انتھی . ونقل الطيبي(٢): أن المراد أنه كان مستقيم القد حاداً، وقال عياض(٣): المضطرب هو الطويل غير الشديد، وقيل: معناه أنه كان مضطرباً من خشية الله تعالى، وقد جاء أن موسى عليه، كان يصلي مضطرباً متحركاً. قال في (العوارف): ما حاصله أن كان من تموج بحار الأنس، والحضور في باطنه، أو كما قال. و(رجل الشعر) بفتح الراء وكسر الجيم، أي: بين الجعودة والسبوطة، والمراد شديدهما، و(الربع) بفتح الراء وسكون الباء هو المربوع بمعنى معتدل القامة، ويقال: للمرأة: ربعة، والتأنيث بتأويل النفس، كذا قال الشارحون. ويفهم من (القاموس) (٤) أن الربع والربعة كليهما يطلقان على الرجل حيث قال: الربع: الرجل بين الطول والقصر، كالمربوع والربعة، ويحرك، وقال: وهي ربعة، (١) ((كتاب الميسر)) (٤ / ١٢٣٨). (٢) ((شرح الطيبي)) (١٠ / ٣١٧). (٣) ((مشارق الأنوار)) (٢ / ٥٦). (٤) ((القاموس المحيط)) (ص: ٦٦٢). ١٩٥ (٢٨) كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق كَأَنَّمَا خَرَجَ مِنْ دِيمَاسٍ - يَعْنِي الْحَمَّامَ -، وَرَأَيْتُ إِبْرَاهِيمَ وَأَنَا أَشْبَهُ وَلَدِهِ بِهِ)» قَالَ: ((فَأُتِيتُ بِنَاءَيْنٍ)) أَحَدُهُمَا لَبَنٌّ وَالآخَرُ فِيهِ خَمْرٌ. فَقِيلَ لِي: خُذْ أَّهُمَا شِئْتَ. فَأَخَذْتُ اللََّنَ فَشَرِيْتُهُ، فَقِيلَ لِي: هُدِيتَ الْفِطْرَةَ، أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَخَذْتَ الْخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُكَ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٣٩٤، م: ١٦٨]. انتهى. فالربعة يطلق على الرجل والمرأة. وقال في (المشارق)(١): بسكون الباء وفتحها، وفتح الراء، وهو الرجل بين الرجلين في قده وقامته، والمؤنث والمذكر والواحد والجمع فيه سواء . و(الديماس) بكسر الدال وسكون التحتانية، فسره في الحديث بالحمام، وفي (القاموس)(٢): الديماس ويكسر: الكِنُّ والسرب، والحَمَّام، وقال الشيخ(٣): هذا تفسير عبد الرزاق، والمراد وصفه بصفاء اللون ونضارة الجسم وكثرة ماء الوجه. وقوله: (أحدهما لبن والآخر فيه خمر) بحذف (فيه) في الأول، وذكره في الثاني تفنناً، وقيل: إرادة لتكثير اللبن وتقليل الخمر. وقوله: (هديت) بلفظ المجهول من الهداية، والمراد بالفطرة وهو الدين والإسلام، وهي التي فطر الناس عليها، فإن اللبن لما كان ذا خلوص وبياض، وأول ما يحصل به تربية المولود صيغ منه في العالم القدسي مثال الهداية والفطرة التي بها تتم القوة الروحانية، والعالم القدسي يصاغ فيه الصور من العالم الحسي، وهو عالم (١) ((مشارق الأنوار)) (١ / ٢٧٩). (٢) ((القاموس)) (ص: ٥٠٦). (٣) ((فتح الباري)) (٦ / ٤٨٤). ١٩٦ (٩) باب بدء الخلق وذكر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ٥٧١٧ - [٢٠] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِنَّهِ بَيْنَ مَكَّةً وَالْمَدِينَةِ، فَمَرَرْنَ بِوَادٍ، فَقَالَ: ((أَيُّ وَادٍ هَذَا؟)). فَقَالُوا: وَادِي الأَزْرَقِ، قَالَ: (كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مُوسَى)، فَذَكَرَ مِنْ لَوْنِهِ وَشَعْرِهِ شَيْئاً: ((وَاضِعاً أُصْبُعَيْهِ فِي أُذُنَّهِ، لَهُ جُؤَارٌ إِلَى اللهِبِالتَّلْبِيَّةِ مَارًّا بِهَذَا الْوَادِي)). قَالَ: ثُمَّ سِرْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى ثَنِيَّةٍ. فَقَالَ: ((أَيُّ ثَنِيَّةٍ هَذِهِ؟)) قَالُوا: هَرْشَى. الناموس(١) لتدرك بها المعاني، وقد ورد أن من رأى اللبن في المنام يشربه يكون تعبيره الدين والعلم والهداية بخلاف الخمر، فإنها لكونها ذات مفسدة وشر ومضرة في الدنيا والدين صيغ منها الغواية وما يُفسد القوةَ الروحانيةَ. ٥٧١٧ _ [٢٠] (ابن عباس) قوله: (وادي الأزرق) هو موضع بين الحرمين سمي به لزرقته، وقيل: منسوب إلى رجل بعينه زرقة . وقوله: (فذكر من لونه وشعره شيئاً) كما ذكر في الحديث: (آدم رجل الشعر). وقوله: (واضعاً) حال من (موسى)، ولعل ذلك لقصد رفع الصوت - كما في الأذان - في التلبية، وكان في شرعه، وأما أنه هل يجوز لنا ذلك؟ فصحيح على من يقول بشرع من قبلنا ما لم ينسخ. و(الجؤار) بضم الجيم وبالهمزة، أي: صوت وتضرع، يقال: جأر كمنع جأراً وجؤاراً: رفع صوته بالدعاء وتضرع واستغاث، والبقرة والثور: صاحا، و(مارًّا) حال ثانية من (موسى) متداخلة أو مترادفة، والثاني أظهر. و(الثنية) الطريق في الجبل. و(هرشى) بفتح هاء فراء ساكنة وشين معجمة مقصوراً كسكرى: جبل في طريق المدينة (١) ((وهو عالم الناموس)) سقط في (ك)، و(ع)، و(ر). ١٩٧ (٢٨) كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق - أَوْ لِفْتٌ . فَقَالَ: ((كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى يُونُسَ عَلَى نَقَةٍ حَمْرَاءَ، عَلَيْهِ جُبَّةُ صُوفٍ، خِطَامُ نَاقَتِهِ خُلْبَةٌ، مَارَّا بِهَذَا الْوَادِي مُلَبِّا)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٦٦]. ٥٧١٨ - [٢١] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ قَالَ: ((خُفِّفَ عَلَى دَاوُدَ الْقُرْآنُ، قريب الجحفة بضم الجيم وسكون الحاء المهملة. و(اللفت) بالكسر: ثنية جبل قدید بين الحرمين، ويفتح، كذا في (القاموس)(١)، وقيل: يجوز على تقدير الفتح كسر الفاء وفتحها أيضاً. وقوله: (خطام ناقته) الخطم من الدابة: مقدم أنفها وفمها، المخطم كمجلس ومنبر، والخطام بالكسر: حبل يجعل على مخطم البعير ليقتاد به. و(الخلب) بخاء المعجمة بضم أو بضمتين: الليف والحبل منه. ثم اعلم أن رؤيته وَّ﴿ قيل: كناية عن اليقين، يعني: أن لي علماً بأحوالهم وأفعالهم التي كانت لهم [في] حياتهم يقيناً كأني أرى ذلك، وقيل: رؤية منام، وقيل: تمثل وكوشف له وأدخل في حسه المشترك، وأعلى من ذلك أنه رأى ذلك في الوقت الذي كانوا عليها في حياتهم، وذلك في عالم ليس فيه ماض ومستقبل، وتحقيق هذا المعنى يطلب من كلام بعض الصوفية حيثما تكلموا في حقيقة الزمان والمكان، وعلى التقادير كلها ليس هذا عملاً في الدار الآخرة التي هي دار الجزاء دون العمل، أما على الوجوه الثلاثة الأول فظاهر، وأما على الرابع فهو عين العمل الذين كانوا يعملونه في الدنيا في حیاتهم، فافهم. ٥٧١٨ - [٢١] (أبو هريرة) قوله: (خفف على داود القرآن) أي: قراءة القرآن، (١) ((القاموس)) (ص: ٥٦٤، ١٦٠). ١٩٨ (٩) باب بدء الخلق وذكر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فَكَانَ يَأْمُرُ بِدَوَابِّهِ فَتُسْرَجُ، فَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ قَبْلَ أَنْ تُسْرَجَ دَوَابُهُ، وَلاَ يَأْكُلُ إِلاَّ مِنْ عَمَلِ يَدَيْهِ)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٣٤١٧]. ٥٧١٩ - [٢٢] وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ◌َلْ قَالَ: ((كَانَتِ امْرَأْتَانِ مَعَهُمَا ابْنَاهُمَا، جَاءَ الذِّئْبُ فَذَهَبَ بِابْنِ إِحْدَاهُمَا، فَقَالَتْ صَاحِبَتُهَا: إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ، وَقَالَتِ الأُخْرَى: إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ فَتَحَاكَمَتَا إِلَى دَاوُدَ، فَقَضَى بِهِ لِلْكُبْرَى، فَخَرَجَنَا عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ فَأَخْبَرَنَهُ فَقَالَ: ائْتُونِي بِالسِّكِّينِ أَشُقُّهُ بَيْنَكُمَا. فَقَالَتِ الصُّغْرَى: لاَ تَفْعَلْ، يَرْحَمُكَ اللهُ، هُوَ ابْنُهَا، فَقَضَى بِهِ لِلصُّغْرَى)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٤٢٧، م: ١٧٢٠]. وقيل: هو بمعنى المصدر كالغفران بمعنى القراءة، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَهُ فَأَّعْ قُرْءَانَهُ ﴾ [القيامة: ١٨]، أي: قراءته. وقوله: (فكان يأمر بدوابه فتسرج) لا يعرف كم كانت دوابه، وكم يمضي فيه من الزمان، وعلى كل تقدير لم يكن ما يعتاد من الزمان في إتمام قراءة الزبور خصوصاً التوراة مع كثرته وطوله حتى كان حفظه معجزة للأنبياء، وهذا من قبيل طي الزمان وهو أمر مقرر عند العارفين. ٥٧١٩ - [٢٢] (وعنه) قوله: (فقضى به للكبرى) لعله بشبه رآه فيها، أو لكونه في يدها، أو بدليل آخر سنح له في ذلك باجتهاده، ولم يكن هذا الحكم من داود عليا بالوحي وإلا لم يخالفه سليمان، ثم قيل: إن إرادة سليمان شقه بينهما كان لاختبار شفقتهما ليتميز الأم(١)، وهذه حيلة لطيفة إلى معرفة باطن القضية، وأما حكمه للصغرى (١) كذا في الأصل، والظاهر ((ليتميز له الأمر)). كما في ((المرقاة)) (٩/ ٣٦٥٥) نقلاً عن النووي. ١٩٩ (٢٨) كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق ٥٧٢٠ - [٢٣] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((قَالَ سُلَيْمَانُ: لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى تِسْعِينَ امْرَأَةَ - وَفِي رِوَايَةٍ: بِمَِةِ امْرَأَةٍ - كُلُّهُنَّ تَأْتِي بِفَارِسٍ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللهِ. فَقَالَ لَهُ الْمَلَكُ: قُلْ إِنْ شَاءَ اللهُ. فَلَمْ يَقُلْ وَنَسِيَ، فَطَافَ عَلَيْهِنَّ، فَلَمْ تَحْمِلْ مِنْهُنَّ إِلَّ اِمْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ. فكان بإقرار الكبرى بعد ذلك، وقد نقل مثل ذلك عن سيدنا علي څته . وأما نقض سليمان حكم داود، وحكم النبي لا يرد ولا ينقض وإن كان باجتهاد؟ فقيل: إنه لم يكن حكماً من داود ولم يجزم به، وهذا ينافي ظاهر لفظ الحديث، والإقرار بعد الحكم جائز كما اعترف المحكوم له بعد الحكم أن الحق لخصمه، فقضى به للكبرى إلا أن يراد ھَمَّ بأن يحكم وأراده، قيل: لعل نسخ الحكم المجتهد فيه كان جائزاً في شرعهم، والله أعلم. ٥٧٢٠ - [٢٣] (وعنه) قوله: (على تسعين امرأة) وفي رواية: (بمئة امرأة)، كأن هاتين الروايتين أصح الروايات وأقواها، وقد جاءت فيه روايات: (ستون)، و(سبعون)، و(تسعون)، و(تسع وتسعون)، و(مئة)، والجمع أن الستين كن حرائر، وما زاد كنّ سراري، أو بالعكس، وأما السبعون فللمبالغة، وأما التسعون والمئة وفوق التسعين، فمن قال: تسعين ألغى الكسر، ومن قال: مئة جَبَره، كذا قال الشيخ(١)، والله أعلم. وقوله: (كلهن) أي: كل واحدة منهن، ويعلم من هذا أن (كلاً) مضافاً إلى المعرفة أيضاً قد يكون إفرادياً. وقوله: (فلم يقل ونسي) أي: لم يقل حين قال له الملك ولا بعده للنسيان، والاستثناء على المختار إنّما أن يصح ويعمل متصل، وعلى تقدير صحة المنفصل نسي، (١) ((فتح الباري)) (٦ / ٤٦٠). ٢٠٠ (٩) باب بدء الخلق وذكر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام جَاءَتْ بِشِقِّ رَجُلٍ، وَأَيَمُ الَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللهُ لَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَرْسَاناً أَجْمَعُونَ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٤٢٤، م: ١٦٥٤]. ٥٧٢١ - [٢٤] وَعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: ((كَانَ زَكَرِيَّاءُ نَجَّاراً». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٣٧٩]. ٥٧٢٢ - [٢٥] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((أَنَا أَوْلَى النَّاس بِعِيسَى بْنِ مَرْيَمَ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ، الأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ مِنْ عَلَّتٍ وَأُمَّهَاتُهُمْ شتَّى، وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ، وَلَيْسَ بَيْنَا نَبِيٌّ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٤٤٢، م: ٢٣٦٥]. ولم يتيسر له القول، فافهم. وقوله: (بشق رجل) أي: جسده من غير رأس، والشق: قطعة من الشيء. ٥٧٢١ - [٢٤] (أبو هريرة) قوله: (كان زکریاء) ممدود ومقصور. ٥٧٢٢ - [٢٥] (أبو هريرة) قوله: (أنا أولى الناس بعيسى) أي: أقربهم إليه، لأنه ليس بينهما نبي، ولأن عيسى كان مبشراً لقدومه وممهداً لقواعد دينه، وسيكون في آخر الزمان نائبه وخليفته. وقوله: (إخوة من علات) شبه ما هو المقصود من بعثة جملة الأنبياء، وهو إرشاد الخلق بالأب، وشبه شرائعهم المتفاوتة في الصور المتقاربة في العرض بالأمهات، کذا قالوا. وقوله: (ودينهم واحد) يعني: أن الشرائع وإن كانت متعددة مختلفة لكن أصل دينهم وهو التوحيد والطاعة واحد، فكلهم أقارب لي، ولكن عيسى أقرب، ولا ينافي