Indexed OCR Text
Pages 101-120
١٠١ (٢٨) كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق تَجْرِي بِهِمْ أَعْمَالُهُمْ، وَنَبِئُّكُمْ قَائِمٌ عَلَى الصِّرَاطِ يَقُولُ: يَا رَبٌّ! سَلِّمْ سَلِّمْ. حَتَّى تَعْجِزَ أَعْمَالُ الْعِبَادِ، حَتَّى يَجِيءَ الرَّجُلُ فَلاَ يَسْتَطِيعُ السَّيْرَ إِلَّ زَحْفاً). وَقَالَ: ((وَفِي حَافَتَي الصِّرَاطِ كَلَاَلِبُ مُعَلَّقَةٌ مَأْمُورَةٌ، تَأْخُذُ مَنْ أُمِرَتْ بِهِ، فَمَخْدُوشٌ نَاجٍ، وَمُكَرْدَسٌ (١) فِي النَّارِ». وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي هُرَيْرَةَ بَِدِهِ إِنَّ قَعْرَ جَهَنَّمَ لَسَبْعِينَ خَرِيفاً. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩٥]. ٥٦١٠ - [٤٥] وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: ((يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ قَوْمٌ بِالشَّفَاعَةِ كَأَنَّهُمُ الثَّعَارِيرُ)). قُلْنَا: مَا الثَّعَارِيرُ؟ قَالَ: المقام المحمود. وقوله: (تجري بهم أعمالهم) الظاهر أن الباء للتعدية، أي: يجعلهم جائزين، وأما جعلها للملابسة فبعيد. وقوله: (إلا زحفاً) زحف الصبي: إذا دب على استه، ومنه الجيش الكبير الذي یری لکثرته کأنه یزحف. وقوله: (مكردس) وفي بعض النسخ: (ومكدوس)، وقد مر شرحها. وقوله: (إن قعر جهنم لسبعين خريفاً) تقديره: أن مسافة قعر جهنم مسيرة سبعين خريفاً، وفي رواية (لسبعون)، وهو الأظهر؛ لأن الأكثر في حذف المضاف اكتساب المضاف إليه إعرابه، ويمكن أن يكون هذا الإطلاق على سبيل المجاز دون الحذف . ٥٦١٠ - [٤٥] (جابر) قوله: (كأنهم الثعارير) بالثاء المثلثة والعين المهملة: (١) في نسخة: ((مکدوش)). ١٠٢ (٥) باب صفة الجنة وأهلها (إِنَّهُ الضَّغَابِيسُ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٥٥٨، م: ١٩١]. ٥٦١١ - [٤٦] وَعَنْ عُثْمَانَ بْن عَفَّانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((يَشْفَعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلاَثَةٌ: الأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْعُلَمَاءُ، ثمَّ الشُّهَدَاءُ)). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٣٢٦٨]. ٥ - باب صفة الجنة وأهلى جمع ثعرور وهو القثاء الصغير، و(الضغابيس) جمع ضغبوس بضاد وغين معجمتين وموحدة: قنّاء صغير، كذا في (القاموس)(١)، وفي (الحواشي)(٢): نبت في أصول الثمام كالقطن ينبت بالرمل يبسط عليه ويطول . ٥٦١١ - [٤٦] (عثمان بن عفان) قوله: (يشفع يوم القيامة ثلاثة: الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء) تخصيص بالعظماء من أهل الشفاعة، وليست الشفاعة منحصرة في هؤلاء، بل كل أهل الخير من الرسل والأنبياء والأولياء والأخيار والعلماء والشهداء يرجى منهم الشفاعة لأهل الكبائر، ويجب الإيمان به، واشتهرت أحاديثه، وأنكره الخوارج وبعض المعتزلة، وأوّلوا الأحاديث الواردة فيها بكونها مختصةً برفع الدرجات، وهو باطل لكون الأحاديث نصًّا في كونها لرفع العذاب. ٥ - باب صفة الجنة وأهلها الجنة: الحديقة ذات النخل والشجر، كذا في (القاموس)(٣)، قال (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٥١٢). (٢) ((حاشية جمال الدين)) (ص: ٢٢٧). (٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٠٩٤). ١٠٣ (٢٨) كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق * الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٥٦١٢ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَهِ: ((قَالَ اللهُ تَعَالَى: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ مَا لاَ عَيْنٌ رَأَتْ، وَلاَ أُذُنْ سَمِعَتْ، وَلَاَ خَطَرَ عَلَى قَلْبٍ بَشَرٍ. واقْرَؤُوْا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسُ ◌َّا أُخْفِىَ لَهُ مِّن قُرَّةٍ أَعْيُنٍ﴾)) [السجدة: ١٧]. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٢٤٤، م: ٢٨٢٤]. البيضاوي(١): الجنة: المرة من الجن، وهو مصدر جنه: إذا ستره، ومدار التركيب على الستر، سمي به الشجر المظلل لالتفاف أغصانه للمبالغة، كأنه يستر ما تحته سترة واحدة، ثم البستان لما فيه من الأشجار المتكاثفة المظللة، ثم دار الثواب لما فيها من الجنان . الفصل الأول ٥٦١٢ - [١] (أبو هريرة) قوله: (ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر) أي: لم يبصر ذاته عين، ولا سمعت وصفه أذن، ولا خطر ماهيته على قلب، ويحتمل أن يكون المراد بالأولى الصور الحسنة، وبالثانية الأصوات الطيبة، وبالثالثة الخواطر المفرحة. وقوله: (من قرة عين) قرة العين كناية عن الفرح والسرور، والفوز بالبغية، إما من القر بفتح القاف بمعنى القرار والثبات؛ لأن العين بالنظر إلى المحبوب تقر وتطمئن، ولا تلتفت إلى جانب آخر، وكذلك في حال الفرح والسرور تسكن في مكانها، وبالنظر إلى غير المحبوب تتفرق وتلتفت إلى الجوانب، وكذلك في حال الحزن والخوف تتحرك (١) ((تفسير البيضاوي)) (١ / ٦٠). ١٠٤ (٥) باب صفة الجنة وأهلها ٥٦١٣ - [٢] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((مَوْضِعُ سَوْطٍ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١). ٥٦١٤ _ [٣] وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَهِ: ((غَدْوَةٌ فِي سَبِيْلِ اللهِ أَوْ رَوْحَةٌ. وتضطرب كقوله تعالى: ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِى يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْنِ﴾ [الأحزاب: ١٩]، وإما من القر بالضم أخذاً من قوله تعالى: ﴿هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَجِنَا وَذُرِّيَّكِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ﴾ [الفرقان: ٧٤]، بمعنى البرد، وبرد العين ولذتها في مشاهدة المحبوب والفوز بالبغية، وحرها واحتراقها في رؤية الأعداء وحال الاستشراف والانتظار، ولهذا يقال: قرة العين للولد، وقيل: إما من القر بمعنى البرد فهو كناية عن السرور، وحقيقته: أقر الله دمعتك فإن دمعة الفرح باردة، أو من القرار فكناية عن الفوز بالبغية؛ فإن من فاز بها قرّ نفسه، فافهم، وبالوجهين فسر قوله ◌َله: (وجعلت قرة عيني في الصلاة). ٥٦١٣ - [٢] (وعنه) قوله: (موضع سوط في الجنة) أي: أدنى مكان وأقله، وقد جرت العادة بإلقاء الراكب سوطه في موضع يريد النزول، ويجعله علامة اتخاذه منزلاً . ٥٦١٤ - [٣] (أنس) قوله: (غدوة في سبيل الله أو روحة) الغدوة بالفتح: المرة من الغدو وهو السير أول النهار من غدا يغدو غدواً، أو بالضم: البكرة، أو ما بين (١) قال القاري (٩/ ٣٥٧٦): وفي ((الجامع)): رواه البخاري (٣٢٩٥)، والترمذي (١٦٤٨)، وابن ماجه (٤٣٣٠) عن سهل بن سعد، والترمذي (٣٠١٣) عن أبي هريرة، فقول المؤلف: (متفق عليه)) محل توقف من وجهين. وفي ((الجامع)): ((لقيد سوط أحدكم من الجنة خير مما بين السماء والأرض))، رواه أحمد عن أبي هريرة. ١٠٥ (٢٨) كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ الطَّلَعَتْ إِلىَ الأَرْضِ لِأَضَاءَتْ مَا بَيْثَهُمَا، وَلَمَلَأَتْ مَا بَيْنَهُمَا رِيحَاً، وَلَنَصِيفُهَا عَلَى رَأْسِهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٢٧٩٦]. صلاة الغداة وطلوع الشمس، وكذلك الروحة: المرة من الرواح، وهو العشي أو من الزوال إلى الليل، رحنا رواحا وتروحنا: سرنا فيه أو عملنا، والتخصيص بالغدوة والروحة على سبيل العادة، والمراد وقت وساعة مطلقاً لا مقيداً بالغدوة والرواح، و(في سبيل الله) أعم من الجهاد، ويشمل كل ما يبتغى لوجه الله تعالى كالحج، وطلب العلم، والرزق الحلال للعيال . وقوله: (خير من الدنيا) أي: إنفاقها في سبيل الله لو ملكها أو من نفسها لو ملكها وتصور تعميرها لأنه زائل لا محالة. وقوله: (ولو أن امرأة ... إلخ)، لما كان لثواب الغدوة والروحة في سبيل الله الجنة ذكر من نعيمها شيئاً. وقوله: (لأضاءت ما بينهما) أي: بين الأرض والجنة أو بين المشرق والمغرب، والظاهر أن (أضاءت) هنا استعمل متعدياً، والضمير لـ (امرأة) كما في قوله: (ولملأت ما بينهما ريحاً)، ويحتمل أن يكون لازماً، و(ما بينهما) فاعل، والتأنيث باعتبار أن (ما) عبارة عن الأمكنة كما ذكر في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ﴾ [البقرة: ١٧]. وقوله: (ولنصيفها على رأسها) في (القاموس)(١): النصيف كأمير: الخمار والعمامة، وكل ما غطى الرأس، ومن البُرْد: ما له لونان. (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٧٩٠). ١٠٦ (٥) باب صفة الجنة وأهلها ٥٦١٥ - [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِنَةَ عَامٍ لاَ يَقْطَعُهَا، وَلَغَابُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ. ٥٦١٥ - [٤] (أبو هريرة) قوله: (يسير الراكب في ظلها) أي: في كنفها، في (القاموس)(١): هو في ظله، أي: كنفه، وإلا فالظل في العرف: ما يبقى من حر الشمس وليس في الجنة، وبالجملة المقصود السير تحتها كظل العرس. وقال الشيخ ابن حجر(٢): قال ابن الجوزي: ويقال لهذه الشجرة: طوبى، قلت(٣): وشاهد ذلك عند أحمد والطبراني وابن حبان، انتهى . (ولقاب قوس أحدكم في الجنة) وفي (القاموس) (٤): القاب: المقدار كالقيب، كالقاد والقيب، انتهى. وفي (الصراح)(٥): يقال: قاب قوس أي: قدر قوس، وفي (المشارق)(٦): قوله: (قاب قوس أحدكم من الجنة) أي: قدر طولها، ويحتمل قدر رمیتها، يقال: هو قاب رمح، وقاد رمح، وقدی رمح، وقد رمح، وقدة رمح، كله بمعنى، وقيل في قوله تعالى: ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ﴾ [النجم: ٩]: القاب: ما بين المقبض والسِّية، وهو موضع رأس الوتر، ولكل قوس قابان، ولذا قيل: فيه قلب، أي: قابي قوس، وقيل: القوس هنا الذراع بلغة أزد شنوءة، قيل: قدر قوسين، وقيل: القاب: ظفر (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٩٤٦). (٢) انظر: ((فتح الباري)) (٦/ ٣٢٦). (٣) أي: الحافظ ابن حجر. (٤) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٣١). (٥) («الصراح)) (ص: ٥٠). (٦) ((مشارق الأنوار)) (٢ / ١٩٣). ١٠٧ (٢٨) كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق أَوْ تَغْرُبُ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٢٥٢، م: ٢٨٢٦]. ٥٦١٦ - [٥] وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ لِلْمُؤْمِنٍ فِي الْجَنَّةِ لَخَيْمَةً مِنْ لُؤْلُؤَةٍ وَاحِدَةٍ مُجَوَّفَةٍ، عَرْضُهَا - وَفِي رِوَايَةٍ: طُولُهَا - سِتُّونَ مِيلاً، فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ مِنْهَا أَهْلٌ مَا يَرَوْنَ الآخَرِينَ، يَطُوفُ عَلَيْهِم الْمُؤْمِنُونَ، وَجَنَّتَانٍ مِنْ فِضَّةٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبِ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَمَا بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلَّ رِدَاءُ الْكِبْرِيَاءِ عَلَى وَجْهِهِ فِي جِنَّةٍ عَدْذٍ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٢٤٣، م: ٢٨٣٨]. القوس وهو ما وراء معقد الوتر إلى طرفها، وهذا كقوله في الحديث السابق: (موضع سوط في الجنة)، فإن الرجل يلقي قوسه لتعيين المنزل كالراكب سوطه. وقوله: (أو تغرب) بكلمة (أو) للتعميم. ٥٦١٦ - [٥] (أبو موسى) قوله: (يطوف عليهم المؤمنون) وفي بعض الروايات: (المؤمن)، والمراد الجنس. وقوله: (وجنتان) الظاهر أن التقدير: وللمؤمن أو للمؤمنين جنتان، كما في قوله سبحانه: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَيِّهِ، جََّانٍ﴾ [الرحمن: ٤٦]. وقوله: (إلا رداء الكبرياء) أي: لم تبق الحجب المكدرة الجسمانية بل ارتفعت كلها إلا سبحات الجلال والكبرياء، فإذا ارتفعت تلك أيضاً أحياناً رأوه جهاراً، و(العدن) بمعنى الإقامة، والمراد هنا: الخلود، وفي (القاموس)(١): عدن بالبلد يعدن: أقام بها، ومنه ﴿جَنَّتِ عَدْنٍ﴾ [التوبة: ٧٢]. (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١١٢٠). ١٠٨ (٥) باب صفة الجنة وأهلها ٥٦١٧ - [٦] وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((فِي الْجَنَّةِ مِئَةُ دَرَجَةٍ مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، وَالْفِرْدَوْسُ أَعْلَاَهَا دَرَجَةً، مِنْهَا تُفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ الأَرْبَعَةُ، وَمِنْ فَوْقِهَا يَكُونُ الْعَرْشُ، فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَلَمْ أَجِدْهُ فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)) وَلاَ فِي كِتَابِ الْحُمَيْدِيِّ. [ت: ٢٥٣١]. ٥٦١٨ - [٧] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَسُوقاً يَأْتُونَهَا كُلَّ جُمُعَةٍ، فَتَهُبُّ رِيحُ الشَّمَالِ فَتَحْثُو فِي وُجُوهِهِمْ وَثِيَابِهِمْ، فَيَزْدَادُوْنَ حُسْناً وَجَمَالاً، ٥٦١٧ - [٦] (عبادة بن الصامت) قوله: (مئة درجة) حسية أو معنوية. وقوله: (والفردوس أعلاها) في (القاموس)(١): الفردوس: البستان يجمع كُلَّ ما يكون في البساتين، تكون فيه الكروم، وقد تؤنث، عربية، أو رومية، أو سريانية، و(أنهار الجنة) هي أنهار اللبن والماء والخمر والعسل. وقوله: (ولم أجده في الصحيحين) وقد قيل: إنه موجود في (صحيح البخاري) في موضعين؛ الأول: في (كتاب الجهاد) عن أبي هريرة (٢) ﴾، وفيه تفاوت يسير، والثاني: في باب: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ, عَلَى الْمَآءِ﴾، وكذا في (صحيح مسلم) في (باب فضل الجهاد في سبيل الله). ٥٧١٨ - [٧] (أنس) قوله: (فتهب ربح الشمال) هو بالفتح: ضد الجنوب، (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٥٢٠). (٢) «صحيح البخاري)) (٢٧٩٠، ٤٦٨٤). ١٠٩ (٢٨) كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق فَيَرْجِعُوْنَ إِلى أَهْلِهِمْ وَقَدِ ازْدَادُوا حُسُناً وَجَمَالاً، فَيَقُولُ لَهُمْ أَهْلُوهُمْ: وَاللهِ لَقَدِ ازْدَدْتُمْ بَعْدَنَا حُسْناً وَجَمَالاَ، فَيَقُولُونَ: وَأَنْتُمْ وَاللهِ لَقَدِ ازْدَدْتُمْ حُسْناً وَجَمَالاً)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٨٣٣]. ٥٦١٩ - [٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((إِنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، ثُمَّ الَّذِينَ سو ٥ يَلُونَهُمْ. وفي (القاموس): هو بالفتح وتكسر: الريح التي تهب من قبل الحِجْر، أو ما استقبلك عن يمينك وأنت مستقبل، والصحيح أن ما مهبُّهُ بين مطلع الشمس، وبنات النعش، أو من مطلع الشمس إلى مسقط النسر الطائر، ويكون اسماً وصفة، ولا تكاد تهب(١) إلا ليلاً، انتهى. وكان المراد هنا ريح تكون كريح الشمال. وقوله: (أنتم والله لقد ازددتم بعدنا حسناً وجمالاً) يعني أن الحسن والجمال يشملهم وأهاليهم يصل إليهن في بيوتهن، أو يصل من أنوارهم وأضوائهم إليهن بعلامة المصاحبة والمباشرة والمخالطة، أو أن الله تعالى لما جعل في أبصارهم وبصائرهم من نور المعرفة والشهود يرون كل من وراءهم حسناً وجميلاً، ويشاهدون أنوار صفات الله وذاته في كل شيء، والله أعلم. وقوله: (فتحثو) أي: تنتشر المسك وأنواع الطيب. ٥٦١٩ - [٨] (أبو هريرة) قوله: (على صورة القمر ليلة البدر) في الحسن والنورانية والهيئة. (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٩٣٨)، وفيه: ((ولا تكاد تهب ليلاً)). ١١٠ (٥) باب صفة الجنة وأهلها كَأَشَدِّ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ فِي السَّمَاءِ إِضَاءَةً، قُلُوبُهُمْ عَلَى قَلْبٍ رَجُلٍ وَاحِدٍ، لاَ اخْتِلاَفَ بَيْنَهُمْ وَلاَ تَبَّاغُضَ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانٍ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، يُرَى مُخُّ سُوقِهِنَّ مِنْ وَرَاءِ الْعَظْمِ وَاللَّحْمِ مِنَ الْحُسْنِ، يُسَبِّحُونَ اللهَ بُكْرَةً وَعَشِيًّا، لاَ يَسْقَمُونُ، وَلاَ يَبُولُونَ، وَلاَ يَتَغَوَّطُونَ، وَلاَ يَتْفُلُونَ، وَلاَ يَمْتَخِطُونَ، آنِيَتُهُمُ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ، وقوله: (كأشد كوكب دري) أي: في الضوء كما بينه بقوله: (إضاءة)، و(كوكب دري): مضيء، ويثلَّثُ، والدرة: اللؤلؤة العظيمة، والجمع: دُرَرٌ ودُرَّاتٌ، كذا في (القاموس)(١)، وفي (النهاية)(٢): الكوكب الدري: الشديد الإنارة، وكأنه نسب إلى الدر تشبيهاً به لصفاته الغراء، هو عند العرب العظيم المقدار، وقيل: هو أحد الكواكب الخمسة السيارة، وقال البيضاوي(٣): هو منسوب إلى الدرء، وفعيل من الدرء، فإنه يدفع الظلام بضوئه، أو بعض ضوئه بعضاً من لمعانه إلا أنه قلبت همزته ياء، ويدل عليه قراءة حمزة وأبي بكر على الأصل. وقوله: (زوجتان من الحور العين) الحور: جمع حوراء، وهي الشدید بیاض العين، شديد سوادها، و(العين) بكسر العين جمع عيناء، وهي الواسعة العين، والإضافة من إضافة الموصوف إلى الصفة، يدل عليه وقوع حور عين في القرآن بالوصف، والمراد لكل امرئ زوجتان بهذه الصفة، ولا ينافي ذلك أن يكون له زوجات أخر، نعم لو ثبت أن لكل واحد من أهل الجنة أو لبعضهم زوجات كثيرة من الحور العين لأشكل ولكنه (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٣٦٥). (٢) ((النهاية)) (٢ / ١١٣). (٣) ((تفسير البيضاوي)) (٢ / ١٢٤). ١١١ (٢٨) كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق وَأَمْشَاطُهُمُ الذَّهَبُ، وَوَقُودُ مَجَامِرِ هِمُ الأَلُوَّةُ، لم يثبت، فافهم، والله أعلم. وقيل: المراد من التشبيه التكرير. وقوله: (وأمشاطهم الذهب) الأمشاط لا يلزم أن يكون لتلبد الشعور ووسخها، بل فيه تزيين ورفاهية، وكذا التبخر لا يلزم أن يكون لدفع النتن وخبث الرائحة، بل يكون لزيادة التطيب والتنعم، فلا يرد أنه لا حاجة لأهل الجنة إلى الامتشاط والتبخر لعدم تلبد شعورهم ولا وسخ فيها، وريحهم أطيب من المسك . وقوله: (ووقود مجامرهم الألوة) الوقود بالضم بمعنى المصدر كالوقد بمعنى إيقاد النار، وبالفتح اسم ما يوقد به النار، وقد جاء المصدر بالفتح والاسم بالضم، ذكره البيضاوي(١)، ففي الحديث بالفتح كذا الرواية والمصحح في النسخ المعتمدة، وقد صحح في بعض النسخ بالضم، ولو اعتمد عليه كان مبنياً على ما ذكره البيضاوي من مجيء استعمال الاسم بالضم، وفي (المشارق)(٢): (وقود مجامرهم) بفتح الواو معناه ما يوقد به، أي: حطبها، قال الله تعالى: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالِحِجَارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤]، ويضم الواو: اسم للفعل من وقدت ومصدره، والمجامر: جمع مجمر، وهو كمنبر: الذي يوضع فيه الجمر بالدخنة ويؤنث كالمجمرة، والعود نفسه كالمجمر بالضم فيهما، كذا في (القاموس)(٣)، وقيل: المجمر بالفتح: ما يوضع فيه الجمر، وبكسرها: الآلة، وعلى كل تقدير المراد هنا موضع وضع النار، لا ما يتبخر على ما ذكر في بعض الشروح، ولعله سهو من قائله. (١) ((تفسير البيضاوي)) (١ / ٥٨). (٢) ((مشارق الأنوار)) (٢ / ٢٩٣). (٣) (القاموس المحيط)) (ص: ٣٤٤). ١١٢ (٥) باب صفة الجنة وأهلها وَرَشْحُهُمُ الْمِسْكُ، عَلَى خُلُقِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، عَلَى صُورَةٍ أَبِهِمْ آدَمَ سِتُّونَ ذِرَاعاً فِي السَّمَاءِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٢٤٥، م: ٢٨٣٤]. و(الألوة) بفتح الهمزة وضمها وضم اللام وتشديد الواو: عود يتبخر به، وهذا بخلاف مجامر الدنيا فإن وقودها قطع الحطب، ومجامر الجنة وقودها العود الذي يتبخر به، وقد جاء في بعض الأحاديث: (ومجامرهم الألوة) بحذف وقود، وأريد بالمجمر: هو اسم الآلة التي يتبخر بها البخور الذي هو العود، كذا في (المشارق)(١). و(الرشح) العرق، رشح كمنع: عرق، والمراد أن عرقهم كالمسك في طيب الرائحة، أو المراد أن عرقهم المسك المذاب، والمصحح في النسخ وهو المعلوم من كتب اللغة أنها بفتح الراء وسكون الشين، وفي (مجمع البحار)(٢) عن الكرماني: هو بفتحتين، وكذا في حديث: (بلغ الرشح آذانهم). وقال في (المشارق)(٣): في حديث: (يقوم أحدهم في رشحه) أي: عرقه، وبكسرها للأصيلي وهو الاسم، والفتح هنا أوجه، انتھی . وقوله: (على خلق رجل واحد) قال في (المشارق)(٤): كذا هو بفتح الخاء وسكون اللام لجماعتهم عن البخاري، وفي رواية النسفي: (على خلق) بضمهما، وقد ذكر مسلم الروايتين بالضم عن ابن أبي شيبة، وبالسكون عن أبي كريب، وكلاهما صحيح، لكن الرواية بضم اللام [أصح] لقوله قبلها: (أخلاقهم) أي: أنهم على خلق (١) ((مشارق الأنوار)) (١ / ١٥٢). (٢) («مجمع بحار الأنوار)) (٢ / ٣٣١). (٣) ((مشارق الأنوار)) (١ / ٣٠٠). (٤) ((مشارق الأنوار)) (١ / ٢٣٩ - ٢٤٠). ١١٣ (٢٨) كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق ٥٦٢٠ - [٩] وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَأْكُلُونَ فِيهَا وَيَشْرَبُونَ، وَلاَ يَتْقُلُونَ وَلاَ يَبُولُونَ وَلاَ يَتَغَوَّطُونَ وَلاَ يَمْتَخِطُونَ». قَالُوا: فَمَا بَالُ الطَّعَامِ؟ قَالَ: ((جُشَاءٌ وَرَشْحٌ كَرَشْحِ الْمِسْكِ، يُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ وَالتَّحْمِيدَ كَمَا تُلْهَمُونَ النَّفَسَ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٨٣٥]. ٥٦٢١ - [١٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يَنْعَمُ، وَلاَ يَبْأَسُ، وَلاَ يَبْلَى ثِيَابُهُ،. رجل واحد من التودد وحسن الخلق والموافقة ليس في أحد منهم خلق مذموم كما قال في الحديث الآخر: (لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم قلب واحد)، ويكون قوله بعد: (على صورة أبيهم آدم) ابتداء كلام آخر، انتهى. قال العبد الضعيف - عفا الله عنه -: الأرجح الفتح؛ رواية لكونه رواية الجماعة، ودراية لكونه شاملاً للخلق الظاهر والباطن، فإن الخلق بالفتح: الإبداع والتقدير الذي معناه آفريدن أي آفريده شده، ويشمل القبيلين وإنما يفرق بينه وبين الضم إذا قوبل به، نعم الخلق بالضم يختص بالصفات الباطنة، فهو كالفذلكة للمجموع على ما قال الطيبي(١)، والله أعلم. ٥٦٢٠ - [٩] (جابر) قوله: (فما بال الطعام) أي: فما بال فضل الطعام. و(الجشاء) بضم الجيم: تنفس المعدة من الامتلاء، ويقال بالفارسية: آروغ. وقوله: (كما تلهمون النفس) مشاكلة. ٥٦٢١ - [١٠] (أبو هريرة) قوله: (ينعم ولا ييأس ... إلخ)، يعني ليس في الجنة (١) ((شرح الطيبي)) (١٠ / ٢٤٠). ١١٤ (٥) باب صفة الجنة وأهلها وَلاَ يَفْنىَ شَبَابُهُ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٨٣٦]. ٥٦٢٢، ٥٦٢٣ - [١١، ١٢] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ﴿ قَالَ: ((يُنَادِي مُنَادٍ: إِنَّ لَكُمْ أَنْ تَصِخُوا فَلاَ تَسْقَمُوا أَبَداً، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَحْيَوْا فَلاَ تَمُوتُوا أَبَداً، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَشِبُّوا فَلاَ تَهْرَمُوا أَبَداً، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَنْعَمُوا فَلاَ تَبَأَسُوا أَبَداً). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٨٣٧]. ٥٦٢٤ - [١٣] وَعَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ قَالَ: ((إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَتَرَاءَوْنَ أَهْلَ الْغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ، كَمَا تَتَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الْغَابِرَ فِي الأُفُقِ. بؤس ومشقة وشدة وتغير وفساد. ٥٦٢٢، ٥٦٢٣ - [١١، ١٢] (أبو سعيد، وأبو هريرة) قوله: (أن تصحوا فلا تسقموا .. . إلخ)، سقم كفرح وكرم، (شب) كضرب، و(هرم) يهرم كسمع . ٥٦٢٤ - [١٣] (أبو سعيد الخدري) قوله: (يتراءون) تراءَوا: رأى بعضهم بعضاً، و(الغرف) بضم الغين وفتح الراء: جمع غرفة بالضم والسكون، وهو القصر الرفيع، قيل: الجنة طبقات أعاليها للسابقين، وأوساطها للمقتصدين، وأسافلها للمخلطين. و(الغابر) من غبر: مكث وذهب، ضد، غبر الشيء بالضم: بقيته، والمعنى الكوكب الدري الذاهب الماضي المستبقي والباقي في الأفق في جانب الشرق أو الغرب، فإنه يرى فيه مضيئاً جداً مع البعد والرفعة، ويروى: (الغائر) من الغور، والمراد المستشرف على الغور: الداخل في الغروب، ومع ذلك لا يصح في المشرق إلا أن يراد بالغور الانحطاط والتسفل، والحق أنه تصحيف، وكذا الحال في رواية: (الغارب) بتقديم الراء على الباء، وروي: (العازب) بالعين المهملة والزاي بمعنى البعيد الذاهب، ١١٥ (٢٨) كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق مِنَ الْمَشْرِقِ أَو الْمَغْرِبِ، لِتَفَاضُلِ مَا بَيْنَهُمْ) قَالُوا: يَا رَسُولَ الهِ! تِلْكَ مَنَازِلُ الأَنْبِيَاءِ، لاَ يَبْلُغُهَا غَيْرُهُمْ. قَالَ: ((بَلَى، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، رِجَالٌ آمَنُوا بِاللهِ وَصَدَّقُوا الْمُرْسَلِينَ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٢٥٦، م: ٢٨٣١]. ٥٦٢٥ - [١٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَقْوَامٌ أَفْئِدَتُهُمْ مِثْلُ أَفْئِدَةِ الطَّيْرِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٨٤٠]. والرواية المشهورة هي (الغابر) بالمعجمة قبل الموحدة، والله أعلم. وقوله: (من المشرق أو المغرب) بـ (أو) في أكثر الروايات، وفي بعضها بالواو وهو الموجود في نسخ (المصابيح). وقوله: (قال: بلى) أي: بلى يبلغها غيرهم لمتابعتهم ومحبتهم؛ لأن المرء مع من أحب، ولكن التفاوت في القرب المعنوي بالباطن باق. ٥٦٢٥ - [١٤] (أبو هريرة) قوله: (أفئدتهم) جمع فؤاد وهو القلب، وفي (المشارق)(١): قيل: الفؤاد عبارة عن باطن القلب، وقيل: الفؤاد عين القلب، وفي (القاموس)(٢): التفؤد: التحرق، والتوقد، ومنه الفؤاد للقلب، والجمع أفئدة، قال الطيبي(٣): والقريحة إذا أريد وصفها بشدة الإدراك وصفت بالوقود، انتهى، ومنه شعلة الإدراك، ويقال لمن مات متوقداً متيقظاً، ومات شابًا: مات بشعلة الإدراك. وقوله: (مثل أفئدة الطير) يريد في الرقة واللين، كذا في (المشارق) (٤)، وقيل: (١) ((مشارق الأنوار)) (٢ / ١٤٤). (٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٢٩٠). (٣) ((شرح الطيبي)) (١٠ / ٢٤٤). (٤) ((مشارق الأنوار)) (٢ / ١٤٤). ١١٦ (٥) باب صفة الجنة وأهلها ٥٦٢٦ - [١٥] وَعَنْ أَبِى سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ: يَا أهلَ الْجَنَّةِ فَيَقُولُونَ: لَبَيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَئِكَ، فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيِتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: وَمَا لَنَا لاَ نَرْضَى يَا رَبِّ! وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَداً مِنْ خَلْقِكَ؟ فَيَقُولُ: أَلَ أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُونَ: يَا رَبِّ! وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ: أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي، فَلاَ أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدا). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٥٤٩، م: ٢٨٢٩]. في الخوف من الله تعالى، فإن الطير أكثر الحيوانات خوفاً، وقيل: الخروج إلى طلب الرزق متوكلاً على الله تعالى كما ورد: (تغدو خماصاً وتروح بطاناً)، ومما ذكرنا ظهر أن وجه ذكر الأفئدة دون القلوب كونها أعلاها وأتم، وقال في (المشارق) أيضاً: إنه قيل: القلب أخص من الفؤاد، وقيل: الفؤاد غشاء القلب، والقلب جثته، وعلى هذا فالظاهر أنه ذكر الفؤاد هنا لكونه أدنى وأنقص، يعني أنهم بأدنى مرتبتهم يستأهلون دخول الجنة فكيف بأعلاها، والله أعلم. ٥٦٢٦ - [١٥] (أبو سعيد) قوله: (أحل عليكم رضواني) أي: أنزله وأورده عليكم كالوافد ينزل على الملك العظيم ويأتيه بأنواع من الهدايا والتحف والأخبار من ملك آخر لما سأل عن رضاهم عنه وأخبروه بوجوده أتم وأكمل ما يكون أخبرهم برضاه عنهم؛ تنبيهاً على أن رضا المولى تعالى علامته ودليله رضا العبد عنه، كما روي أن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين كانوا يبحثون عما يعرف رضا الله عن العبد فيجمعون على أنه إذا رضي عنه تعالى فليعلم أنه تعالى راض عنه، فذلك دليل هذا، ثم بشرهم بأن رضاه عنهم دائم باق لا يفنى ولا يتبدل بالسخط أبداً، وهذا غاية المطالب ١١٧ (٢٨) كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق ٥٦٢٧ - [١٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ: ((إِنَّ أَدْنَى مَفْعَدِ أَحَدِكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ أَنْ يَقُولَ لَهُ: تَمَنَّ، فَيَتَمَّنَّى وَيَتَمَنَّى، فَيَقُولُ لَهُ: هَلْ تَمَنَّيْتَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيَقُولُ لَهُ: فَإِنَّ لَكَ مَا تَمَنَّيْتَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨٢]. ٥٦٢٨ - [١٧] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: ((سَيْحَانُ وَجَيْحَانُ وَالْقُرَّاتُ وَالنِّيلُ كُلٌّ مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّة)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٨٣٩]. وأعظم الرغائب، وبه يتم الفوز بالمقصود، كيف ورضوان قليل منه أكبر من الجنان وما فيها، فكيف بالدائم الأبدي، ورؤيته سبحانه وتعالى من أثره ونتيجته، فافهم. ٥٦٢٧ - [١٦] (أبو هريرة) قوله: (إن أدنى مقعد أحدكم ... إلخ)، أي: أدنى منزل أحدكم في الجنة أن ينال أمانيه كلها مع زيادة ومضاعفة. ٥٦٢٨ - [١٧] (وعنه) قوله: (سيحان وجيحان والفرات والنيل كل من أنهار الجنة): قد اختلف كلماتهم في تعيين سيحان وجيحان، قال الطيبي(١): سيحان وجيحان نهران بالعواصم عند المصيصة وطرطوس، هذا هو الصواب، انتهى، وقيل: سيحان نهر بالشام، وجيحان نهر بلخ، وقيل غير ذلك، وسيحان وجيحان غير سيحون نهر الترك، وجیحون نهر بلخ، وقيل: جيحون نهر خراسان، وسيحون نهر بالسند، والفرات نهر الكوفة، والنيل نهر مصر، وفي (القاموس)(٢): سيحان: نهر بالشام، وآخر بالبصرة، ويقال فيها: ساحين، وسيحون: نهر بما وراء النهر، ونهر بالهند، وقال: جيحون: نهر خوارزم، وجيحان: نهر بين الشام والروم، وإنما خص الأربعة لعذوبة مائها وكثرته (١) ((شرح الطيبي)) (١٠ / ٢٤٦). (٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٢١٩، ١٠٩٢). ١١٨ (٥) باب صفة الجنة وأهلها ٥٦٢٩ - [١٨] وَعَنْ عُتْبَةَ بْنِ غَزْوَانَ قَالَ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ الْحَجَرَ بُلْقَى مِنْ شَفَةٍ جَهَنَّمَ، فَيَهْوِي فِيهَا سَبْعِينَ خَرِيفاً، لاَ يُدْرِكُ لَهَا قَعْراً، وَاللهِ لَتُمْلأَنَّ، وَلَقَدْ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ مَا بَيْنَ مِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ مَسِيرَةُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَلَيَأْتِيَنَّ عَلَيْهَا يَوْمٌ وَهُوَ كَظِيظٌ مِنَ الزِّحَامِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٩٦٧]. كأنها من أنهار الجنة، وقيل: سمي أنهار الجنة بأسامي أنهار الدنيا إشارة إلى أن ما في الدنيا من المنافع أنموذجات لما في الآخرة، وقيل: معنى كونها من أنهار الجنة أن الإيمان يعم بلادها وأن شاربيها صائرة إليها، والأصح أنه على ظاهرها وأن لها مادة من الجنة، فقد ذكر مسلم أن الفرات والنيل يجريان من الجنة، وفي (صحيح البخاري) من أصل سدرة المنتهى، وفي (معالم التنزيل): إن الله تعالى أبرز هذه الأربعة من الجنة استودعها الجبال وأجراها في الأرض كذا ذكر الطيبي(١)، والله أعلم بحقيقة الحال. ٥٦٢٩ - [١٨] (عتبة بن غزوان) قوله: (وعن عتبة) بالتاء (ابن غزوان) بفتح الغين المعجمة وسكون الزاي. وقوله: (من شفة جهنم) شفة الراكي: حافة البئر. وقوله: (فيهوي) أي: يسقط، هوى يهوي بمعنى السقوط من ضرب يضرب، وبمعنى المحبة من سمع يسمع . وقوله: (وهو كظيظ) أي: ممتلئ، وكظ الطعام: ملأه حتى لا يطيق النفسَ، فاکتظ، لازم ومتعد. (١) ((شرح الطيبي)) (١٠ / ٢٤٦ - ٢٤٧). ١١٩ (٢٨) كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق الْفَصْلُ الثَّانِي: * ٥٦٣ - [١٩] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! مِمَّ خُلِقَ الْخَلْقُ؟ قَالَ: ((مِنَ الْمَاءِ) قُلْنَا (١): الْجَنَّةُ مَا بِنَاؤُهَا؟ قَالَ: ((لَبِنَّةٌ مِنْ ذَهَبٍ وَلَبِنَّةٌ مِنْ فِضَّةٍ، وَمِلاَطُهَا الْمِسْكُ الأَذْفَرُ، الفصل الثاني ٥٦٣٠ - [١٩] (أبو هريرة) قوله: (قال: من الماء) قد اختلف العقلاء في أول ما خلق من الأجسام، فالأكثرون على أنه الماء؛ لأنه قابل لكل الصور، ثم جعل الأرض منه بالتكثيف والانجماد، والنار والهواء بالتلطيف، فإن الماء إذا لطف صار هواء، وتكونت النار من صفوة الماء، والسماء تكونت من دخان النار، وهذا الحديث يصلح دليلاً عليه، وقيل: جاء في السفر الأول من التوراة: أن الله تعالى خلق جوهراً، فنظر إليه نظر الهيبة، فذابت أجزاؤه فصارت ماء، ثم ارتفع منها بخار كدخان فخلق منه السماوات، فظهر على وجه الماء زبد فخلق منه الأرض، ثم أرساها الجبال، وأما ما ذكر في الحواشي أن المراد بالماء النطفة، فيقتضي أن يراد بالخلق: كل شيء حي، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ كُلّ شَىْءٍ حَيٌّ﴾ [الأنبياء: ٣٠]، والله أعلم. وقوله: (لبنة من ذهب) اللبنة بفتح اللام وكسر باء واحدة اللبن، وهي ما يبنى بها الجدار، ويقال: بکسر اللام وسكون باء. وقوله: (والملاط) بكسر الميم: طين يوضع بين اللبنات، وفي (القاموس)(٢): الملاط ككتاب: الطين الذي يجعل بين ساقي البناء، ويملط به الحائط، وملط (١) في نسخة: ((قلت)). (٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٦٣٤). ١٢٠ (٥) باب صفة الجنة وأهلها وَحَصْبَاؤُهَا اللُّؤْلُزُ وَالْيَاقُوتُ، وَتُرْتُهَا الزَّعْفَرَانُ، مَنْ يَدْخُلُهَا يَنْعَمُ وَلاَ يَبْأَسُ، وَيَخْلُدُ وَلاَ يَمُوتُ، وَلاَ يَبْلَى ثِيَابُهُمْ، وَلاَ يَفْنَى شَبَابُهُمْ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ. [حم: ٢/ ٣٠٥، ت: ٢٥٢٦، دي: ٢/ ٣٣٣]. ٥٦٣١ - [٢٠] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَا فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةٌ إِلَّ وَسَاقُهَا مِنْ ذَهَبٍ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٥٢٥]. ٥٦٣٢ - [٢١] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِئَةَ دَرَجَةٍ، مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ مِئَةُ عَامٍ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٥٢٩]. ٥٦٣٣ - [٢٢] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِئَةَ دَرَجَةٍ، لَوْ أَنَّ الْعَالَمِينَ اجْتَمَعُوا فِي إِحْدَاهُنَّ لَوَسِعَتْهُمْ)) الحائط : طلاه. وقوله: (وحصباؤها) أي: الحصى الذي في الأنهار أو في غيرها. ٥٦٣١ - [٢٠] (وعنه) قوله: (إلا وساقها) ساق الشجر: جذعها، والجذع ما بين العرق والغصن. ٥٦٣٢ - [٢١] (وعنه) قوله: (إن في الجنة مئة درجة) الحديث، قد سبق في (الفصل الأول) من حديث عبادة: (ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض)، الجنات المتعددة تتفاوت درجاتها، أو المراد المبالغة في التكثير كما قيل في ﴿عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَاُلْأَرْضُ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، والله أعلم. ٥٦٣٣ - [٢٢] (أبو سعيد) قوله: (لو أن العالمين اجتمعوا في إحداهن لوسعتهم)