Indexed OCR Text

Pages 601-620

٦٠١
(٢٧) كتاب الفتن
٥٣٨٨ _ [١٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهَِِّ: ((هَلَكَةُ أُمَّتِي
عَلَى يَدَي غِلْمَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٣٦٠٥].
٥٣٨٨ - [١٠] (أبو هريرة) قوله: (هلكة أمتي) في (القاموس)(١): هلك كضرب
ومنع وعلم هُلكاً بالضم، وتُهلوكاً وهُلوكاً بضمهما، ومهلكة وتهلكة مثلثتي اللام:
مات، والهلكة محركة: الهلاك، (غلمة) بكسر الغين وسكون اللام جمع غلام كغلمان
بالكسر: الشاب والكهل، ضد، كذا في (القاموس)(٢). وفي (الصراح)(٣): غلام كودك،
وأصل معنى اللفظ: غلبة الشهوة وهيجانها، من غلم كفرح واغتلم: غلبته شهوته، وقال
الطيبي (٤) في تفسيره: أي أحداث السن الذين لا مبالاة لهم بأصحاب الوقار وذوي النهى.
وقال في (مجمع البحار)(٥): وكان أبو هريرة به يعرف أسماءهم وأعيانهم،
وسكت عن تعيينهم مخافة مفاسد، وكأنهم يزيد بن معاوية، وعبيدالله بن زياد ونحوهما
من أحداث ملوك بني أمية، فقد صدر عنهم من قتل أهل بيت النبي ◌َّه وسبيهم وقتل
خيار المهاجرين والأنصار، وما صدر عن الحجاج وسليمان بن عبد الملك وولده(٦)
من سفك الدماء وإتلاف الأموال فغير خاف.
وأقول: لما كان الحجاج من أمراء عبد الملك بن مروان كان ما فعله من
الفساد منسوباً إليهم وإن لم يكن هو من قريش.
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٠٣٠).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٨٦٢).
(٣) ((الصراح)) (ص: ٤٨٥).
(٤) ((شرح الطيبي)) (١١ / ٣٤٠٨).
(٥) ((مجمع بحار الأنوار)) (٤ / ٥٩).
(٦) كذا في ((مجمع بحار الأنوار))، والظاهر: ((عبد الملك وولده الوليد))، والله أعلم.

٦٠٢
(٢٧) كتاب الفتن
٥٣٨٩ _ [١١] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ،
وَيُقْبَضُ الْعِلْمُ، وَتَظْهَرُ الْفِتَنُ، وَيُلْقَى الشُّخُ، وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ»، قَالُوا:
وَمَا الْهَرْجُ؟ قَالَ: ((الْقَتْلُ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٨٥، م: ١٥٧].
٥٣٩٠ - [١٢] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ
لاَ تَذْهَبُ الدُّنْيًا حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَ بَدْرِي الْقَاتِلُ فِيمَ قَتَلَ؟ وَلاَ الْمَقْتُولُ فِيمَ
قُئِلَ؟)) فَقِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ؟ قَالَ: ((الْهَرْجُ، الْقَائِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ)).
رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٩٠٨].
٥٣٨٩ - [١١] (وعنه) قوله: (يتقارب الزمان) قد يراد به اقتراب الساعة، وقد
يراد تقارب أهل الزمان بعضهم من بعض في الشر والفتنة، أو تقارب الزمان في نفسه
حتى يشبه أوله آخره، أو قصر أعمار أهله، أو قصر مدة الأيام والليالي حتى تكون السنة
كالشهر والشهر كالأسبوع، أو تسارع الدول إلى الانقضاء فتتقارب أزمنتها، وقد ذكرنا
في (كتاب الرؤيا) في شرح صدق الرؤيا عند اقتراب الزمان وجوهاً أخر، والحق أن هذا
اللفظ له معاني متعددة بعضها أنسب بحديث الرؤيا، وبعضها بهذا الحديث، فتدبر.
وقوله: (ويقبض العلم) أي: يقبض العلماء كما جاء في الحديث.
وقوله: (ويلقى الشح) المراد به غلبته وعمومه على طوائف الناس وإطاعتهم له،
كالغني يبخل بماله، والعالم بعلمه، والصانع بصنعه، وإلا فوجود أصل الشح من طبيعة
الإنسان .
و(الهرج) بفتح الهاء وسكون الراء: الفتنة والاختلاط، فتفسيره بالقتل لأنه سببه.
٥٣٩٠ - [١٢] (وعنه) قوله: (القاتل والمقتول في النار) وإنما كان المقتول
في النار لكونه حريصاً عازماً على قتل صاحبه، وهذا إذا كان يقاتل من غير شبهة

٦٠٣
(٢٧) كتاب الفتن
٥٣٩١ - [١٣] وَعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِّهِ: ((الْعِبَادَةُ
فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٩٤٨].
٥٣٩٢ - [١٤] وَعَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ قَالَ: أَتَيْنَا أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، فَشَكَوْنَاَ
إِلَيْهِ مَا نَلْقَى مِنَ الْحَجَّاجِ، فَقَالَ: ((اصْبِرُوا فَإِنَّهُ لاَ يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ إِلاَّ
الَّذِي بَعْدَهُ أَشَرُّ مِنْهُ حَتَّى تَلْقَوْا رَبَّكُمْ))، سَمِعْتُهُ مِنْ نَبَيِّكُمْ وَهَـ رَوَاهُ
الْبُخَارِيُّ. [خ: ٧٠٦٨].
الْفَصْلُ الثَّانِي:
٥٣٩٣ - [١٥] عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: وَاللهِ مَا أَدْرِي أَنَسِيَ أَصْحَابِي أَمْ
تَنَاسَوْا؟ وَاللهِ مَا تَرَكَ رَسُولُ اللهِنَّهِ مِنْ قَائِدٍ فِتْنَةٍ.
وتأويل کما يشعر به سياق الحديث.
٥٣٩١ - [١٣] (معقل بن يسار) قوله: (العبادة في الهرج كهجرة إليّ) لوجود
المانع الصارف، فلا تتيسر إلا بخروجه من موطن الطبيعة، وخروجه من بين الناس
واجتماعهم.
٥٣٩٢ - [١٤] (الزبير بن عدي) قوله: (إلا الذي بعده أشر منه) استشكل هذا
بزمن عمر بن عبد العزيز بعد زمن إخوانه من بني أمية، وبزمن المهدي وعيسى بعد
زمن الدجال، وأجيب بحمله على الأكثر والأغلب.
وقوله: (أشر) ورد على الأصل المتروك.
الفصل الثاني
٥٣٩٣ - [١٥] (حذيفة) قوله: (من قائد فتنة) كمن يأمر الناس بالبدعة ويدعوهم

٦٠٤
(٢٧) كتاب الفتن
إِلَى أَنْ تَنْقَضِيَ الدُّنْيَا يَبْلَغُ مَنْ مَعَهُ ثَلاَثَ مِئَةٍ فَصَاعِدَاً إِلَّ قَدْ سَمَّاهُ لَنَا بِاسْمِهِ
وَاسْمٍ أَبِيهِ وَاسْمٍ قَبِيلَتِهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. [د: ٤٢٤٣].
٥٣٩٤ - [١٦] وَعَنْ ثَوْيَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّمَا أَخَافُ عَلَى
أُمَّتِي الأَئِمَّةَ الْمُضِلِّينَ، وَإِذَا وُضِعَ السَّفُ فِي أُمَّتِي لَمْ يُرْفَعْ عَنْهُمْ إِلَى يَوْمِ
الْقِيَامَةِ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ. [د: ٤٢٥٢، ت: ٢٢٢٩].
٥٣٩٥ - [١٧] وَعَنْ سَفِينَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَهِ يَقُولُ: ((الْخِلاَفَةُ
ثَلاثُونَ سَنَةً،
إليها، وكمن يحارب المسلمين. وقوله: (يبلغ) صفة (قائد)، و(من معه) فاعل (يبلغ)،
و(ثلاث مئة) مفعوله، والمراد تابعوه، ومعنى التقييد بهذا الوصف كما يظهر الآن
أنه ◌َّ* ذكر من قواد الفتنة من تكون فتنته شائعة في هذا العدد أو أزيد منه، فإنها إذا
بلغت إليه شاعت وانتشرت، وعاد ضررها إلى الناس، بخلاف ما لو كانت في أقل
من هذا العدد فلم يذكرها ولم يعتبر[ها]، والله أعلم.
٥٣٩٤ - [١٦] (ثوبان) قوله: (وإذا وضع السيف في أمتي ... إلخ)، أي:
إذا ظهرت الحرب بين أمتي تبقى إلى يوم القيامة، وبقاؤها إلى يوم القيامة مرتب على
وجود الأئمة المضلين وشرهم، فظهر الربط بين الجملتين، وترتبت الثانية على الأولى،
هذا ما ذكروه، والظاهر أنهما إخباران مستعملان على انفرادهما، وأول وضع السيف
فيما بينهم وقعة قتل عثمان ظه، ثم لم تزل المحاربة إلى يوم القيامة.
٥٣٩٥ - [١٧] (سفينة) قوله: (وعن سفينة) هو سفينة مولى رسول الله وَ ل،
وقيل: مولى أم سلمة، وقوله: (الخلافة ثلاثون سنة) أي: الخلافة الكاملة المرضية
الموافقة للسنة للذين استحقوا إطلاق هذا الاسم عليهم حقًّا، ومن بعدهم ملوك وأمراء

٦٠٥
(٢٧) كتاب الفتن
ثُمَّ تَكُونُ مُلْكَا))، ثُمَّ يَقُولُ سَفِينَةُ: أَمْسِكْ: خِلاَفَةَ أَبِي بَكْرٍ سَتَيْنٍ، وَخِلاَفَةَ
عُمَرَ عَشْرَةَ، وَعُثْمَانَ اثْتَيْ(١) عَشْرَةَ، وَعَلِيٍّ سِنَّةً. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو
دَاوُدَ. [حم: ٥/ ٢٢٠، د: ٤٦٤٦، ت: ٢٢٦].
وإن سمّوا بذلك مجازاً، ولكونهم خلفاً لمن مضى وقائمين مقامهم.
وقوله: (ثم تكون) صحح بالتاء والياء، فإن كان بالتاء فالضمير للخلافة، أي:
تصير، أي: تتبدل، وإن كان بالياء فالضمير للأمر أو نحوه.
وقوله: (أمسك خلافة أبي بكر سنتين ... إلخ)، المذكور في (جامع الأصول)(٢):
كانت خلافته # سنتين وأربعة أشهر، وخلافة عمر ه عشر سنين ونصفاً، وخلافة
عثمان به اثنتي عشرة سنة إلا أياماً، وخلافة علي ظ أربع سنين وتسعة أشهر،
انتھی .
وعلى هذا يتم خلافة الخلفاء الأربعة في تسعة وعشرين سنة وسبعة أشهر،
وتبقى خمسة أشهر في ثلاثين سنة، وتتم بالحسن بن علي ﴾، وهو متمم الخلافة
الكبرى، والمشار إليها بهذا الحديث، وفي (مجمع البحار)(٣) لأبي بكر سنتان وثلاثة
أشهر وتسع ليال، ولعمر عشر سنين ونصف وخمس ليال، ولعثمان اثنتا عشرة سنة
إلا اثنتي عشرة ليلة، ولعلي # خمس سنين إلا ثلاثة أشهر، وللحسن من رمضان
سنة أربعين إلى نصف جمادى الأولى سنة إحدى وأربعين، فذا ثلاثون سنة، انتهى.
فعلى هذا تبقى ستة أشهر وثلاث ليال وتتم بالحسن المجتبى
(١) في نسخة: ((اثني)).
(٢) ((جامع الأصول)) (١٢/ ١٢١، ١٢٢، ١٢٤، ١٢٥).
(٣) ((مجمع بحار الأنوار)) (٢/ ٨٨).

٦٠٦
(٢٧) كتاب الفتن
٥٣٩٦ - [١٨] وَعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَيَكُونُ بَعْدَ
هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ كَمَا كَانَ قَبْلَهُ شَرٌ؟ قَالَ: (نَعَمْ))، قُلْتُ: فَمَا الْعِصْمَةُ؟
قَالَ: ((السَّيْفُ))، قُلْتُ: وَهَلْ بَعْدَ السَّيْفِ بَقِيَّةٌ؟ قَالَ: ((نعمْ، تكونُ إِمارةٌ
عَلَى أَقْذَاءٍ وَهُذْنَةٌ عَلَى دَخَنٍ»، قُلْتُ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: ((ثُمَّ يَنْشَأُ دُعَاءُ
الضَّلاَلِ،
٥٣٩٦ - [١٨] (حذيفة) قوله: (أيكون بعد هذا الخير) أي: يبقى بعد ظهور
الإسلام (شر) أي: كفر كما كان قبله.
وقوله: (فما العصمة؟) أي: ما طريق النجاة من ذلك الشر؟ (قال: السيف) أي:
طريق النجاة أن تقاتلهم وتضربهم بالسيف، وقد يحمل ذلك على أهل الردة الذين
كانوا في زمن الصديق.
وقوله: (وهل بعد السيف بقية؟) أي: هل يبقى أهل الإسلام بعد مقابلتنا
إياهم؟ وهل يصلح أهل ذلك الزمان للإمارة؟ (قال: نعم) يبقون ويصلحون للإمارة،
(على أقذاء) جمع قذىّ، وهو ما يقع في العين وفي الشراب من غبار ووسخ ونحوهما،
قذيت عينه كرضي قذى وقَذَياناً: وقع فيها القذى، أي: يكون اجتماع الناس على من
جعل أميراً بكراهة وفساد وإنكار في القلوب لا بطيبها، ويقال: فعلت كذا وفي
العين قذى، والأولى أن يكون معناه: أنه تكون إمارة مع ارتكاب المناهي وظهور
البدع؛ ليكون قوله: (هدنة على دخن) كالتأسيس، و(هدنة) بضم الهاء وسكون
الدال المهملة: الصلح، يقال: هدن يهدن هدونا: سكن وأسكن، والصبي: أرضاه،
و(دخن) بفتحتين: الدخان، وقد مر معناه، وحاصله أنه يكون صلح مع خداع وخيانة
ونفاق .

٦٠٧
(٢٧) كتاب الفتن
فَإِنْ كَانَ لِلَّهِ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةٌ جَلَدَ ظَهْرَكَ وَأَخَذَ مَالَكَ فَأَطِعْهُ، وَإِلَّ فَمُتْ
وَأَنْتَ عَاضنٌّ عَلَى جَذْلِ شَجَرَةٍ»، قُلْتُ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: (ثُمَّ يَخْرُجُ الدَّجَّالُ
بَعْدَ ذَلِكَ مَعَهُ نَهْرٌ وَنَارٌ، فَمَنْ وَقَعَ فِي نَارِهِ وَجَبَ أَجْرُهُ وَحُطَ وِزْرُهُ، وَمَنْ
وَقَعَ فِي نَهْرِهِ وَجَبَ وِزْرُهُ وَخُطَّ أَجْرُهُ»، قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ:
ثُمَّ .
(فإن كان الله في الأرض خليفة) أي: أمير وحاكم فأطعه، وإن جلد ظهرك وأخذ
مالك أي: ظلمك في نفسك ومالك، (وإلا) أي: وإن لم يكن خليفة وأمير فاعتزل
ومت علی ذلك.
وقوله: (وأنت عاض على جذل شجرة) قد أمضينا الكلام فيه في (الفصل
الأول)، وقيل: (وإلا) أي: لم تطعه (فمت) أمر في معنى الخبر، وفي بعض النسخ:
(قمت) من القيام، خبر بمعنى الأمر على الوجهين، أي: اذهب واخرج من بينهم،
و(الجذل) بالكسر: أصل الشجر وغيرها بعد ذهاب الفرع، وما عظم من أصول الشجر،
و[ما] على مثال شماريخ النخل من العيدان، ويفتح فيهن.
وقوله: (ثم يخرج الدجال) سمي به لتمويهه وتلبيسه وكذبه، والدجل: الكذب
والتمويه، وسيجيء وجوه أخر في تسميته بذلك في (باب أشراط الساعة) إن شاء الله
تعالی.
وقوله: (معه نهر ونار) الظاهر أنهما على الحقيقة، ويحتمل أن يراد أن معه لطفاً
وقهراً ووعداً ووعيداً، (فمن وقع في ناره) أي: خالفه طمعاً في ثواب الله وأجره حتى
يلقيه في ناره، ويدخله في معرض قهره، وجب أجره على الله؛ جزاء على صبره وثباته
على دينه، (ومن وقع في نهره) أي: أطاعه ووافقه طمعاً في الدنيا وحبًّا لحياتها .

٦٠٨
(٢٧) كتاب الفتن
يُنْتَجُ الْمُهْرُ فَلاَ يُرْكِبُ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ)).
وَفِي رِوَايَة: قال: ((هُدْنَةٌ عَلَى دَخَنٍ وَجَمَاعَةٌ عَلَى أَقْذَاءِ»، قُلْتُ:
يَا رَسُولَ اللهِ! الْهُدْنَةُ عَلَى الدَّخَنِ مَا هِيَ؟ قَالَ: ((لاَ تَرْجِعُ قُلُوبُ أَقْوَامِ
عَلَى الَّذِي كَانَتْ عَلَيْهِ»، قُلْتُ: بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ شَرّ؟ قَالَ: ((فِتْنَةٌ عَمْيَاءُ ...
وقوله: (ينتج المهر فلا يركب): (ينتج) على صيغة المجهول من النتج، وهكذا
يستعمل مجهولاً، من نتجت الناقة: إذا ولدتها، وكذلك يقال: نتجت الناقة والفرس
بلفظ المجهول، ونتجها أهلها نتجاً، وسبق الكلام في تحقيق هذا اللفظ (في الفصل
الأول) من (كتاب الإيمان بالقدر) في حديث شرح الفطرة. و(المهر) بضم الميم وسكون
الهاء: ولد الفرس، أو أول ما نتج منه ومن غيره، والجمع أمهار ومِهار ومهارة.
و(لا يركب) بضم الياء وكسر الكاف، أركب المهر: حان أن يركب، فهو مركب
بكسر الكاف، والمراد زمن عيسى عليه، إذ ذاك لا يركب المهر إلى يوم القيامة؛ لعدم
احتياج الناس فيه إلى المحاربة والقتال، أو المراد أن بعد خروج الدجال لا يكون زمان
طويل حتى تقوم الساعة، أي: يكون حينئذ قيام الساعة قريباً قدر انتاج المهر وإركابه،
هذا هو الأظهر كما جاء في حديث آخر: (لو نتج رجل مهراً لم يركب حتى تقوم
الساعة)(١).
وقوله: (لا ترجع قلوب) بالرفع فاعل (ترجع) بلفظ التذكير والتأنيث، وقد
أعرب في بعض النسخ بالنصب، وكأنه على أنه مفعول (ترجع) من الرجع متعدياً،
والفاعل ضمير (الهدنة).
وقوله: (عمياء) أي: يعمى فيها الإنسان عن أن يرى الحق، (صماء) أي:
(١) أخرجه أبو الشيخ الأصفهاني في ((العظمة)) (٤ / ١١٧٦).

٦٠٩
(٢٧) كتاب الفتن
صَمَّاءُ، عَلَيْهَا دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ النَّارِ، فَإِنْ مُثَّ يَا حُذَيْفَةُ وَأَنْتَ عَاضٍّ عَلَى
جَذْلٍ خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَتَبعَ أَحَداً مِنْهُمْ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٢٤٤].
٥٣٩٧ - [١٩] وَعَنْ أَبِي ذَرِّ قَالَ: كُنْتُ رَدِيفاً خَلْفَ رَسُولِ اللهِ وَه
يَوْماً عَلَى حِمَارٍ، فَلَمَّا جَاوَزْنَا بُيُوتَ الْمَدِينَةِ قَالَ: ((كَيْفَ بِكَ يَا أَبَا ذَرٍّ إِذَا
كَانَ بِالْمَدِينَةِ جُوعٌ تَقُومُ عَنْ فِرَاشِكَ وَلاَ تَبْلُغُ مَسْجِدَكَ حَتَّى يُجْهِدَكَ الْجُوعُ؟!
قَالَ: قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ((تَعَفَّفْ يَا أَبَّا ذَرٍّ)، قَالَ: ((كَيْفَ بِكَ
يَا أَبَا ذَرُّ إِذَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ مَوْتٌ يَبْلُغُ الْبَيْتُ الْعَبْدَ.
يصم عن أن يسمع فيها النصح، فالإسناد إلى الفتنة مجازي، وزاد أبو هريرة في روايته :
(بكماء) كما سيأتي.
٥٣٩٧ - [١٩] (أبو ذر) قوله: (كيف بك) الباء زائدة في المبتدأ، أي: كيف
أنت، ولما زيدت الباء بدل الضمير المرفوع المنفصل مجروراً متصلاً.
وقوله: (تعفف) أي: لازم العفة وتكلف بها، واصبر على أذى الجوع والتقوى
والكف عن الحرام وعن سؤال الناس، في (القاموس)(١): عف: كف عما لا يحل،
وتعفف: تكلفها.
وقوله: (إذا كان في المدينة موت يبلغ البيت العبد): (البيت) فاعل (يبلغ)،
و(العبد) مفعول، وقيل: في معناه وجوه:
أحدها: أن المراد بالبيت هو القبر، يعني يباع موضع قبر بعبد لضيق مواضع
القبر لكثرة الموت، فیغلو ثمنه.
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٧٥٥).

٦١٠
(٢٧) كتاب الفتن
حَتَّى إِنَّهُ يُبَاعُ الْقَبْرُ بِالْعَبْدِ؟))، قَالَ: قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ((تَصَبَّرْ
يَا أَبَا ذَرِّ)، قَالَ: ((كَيْفَ بِكَ يَا أَبَا ذَرٍّ .
وثانيها: أن البيت هو القبر، والمراد أجرة حفر القبر قيمة العبد لكثرة الموتى
وقلة الحفار، وترتب قوله: (حتى إنه يباع القبر بالعبد) على المعنى الأول ظاهر، وعلى
الثاني بإرادة استئجار الحافر من بيع القبر.
وثالثها: أن البيوت تصير رخيصة لكثرة الموت وقلة من يسكنها، فيباع بيت
بعبد مع أن قيمة البيت على ما هو الغالب المتعارف تكون أكثر من قيمة العبد، فیراد
بالقبر البيت.
ورابعها: أنه لا يبقى في البيت إلا عبد يقوم بمصالح أهل ذلك البيت.
وقال الطيبي(١): على هذين الوجهين الأخيرين لا يحسن موقع (حتى) حسنُها
على الوجهين الأولین، انتهى.
وحقيقة الحال أنه لا يصح موقع (حتى) على الوجه الأول من هذين الوجهين
الأخيرين لعدم المناسبة بينهما، وأما على الوجه الأخير فيجوز أن يقال: إنه لما ماتوا
ولم يتركوا مالاً ولم يبق من الأموال إلا هذا العبد، فإذا مات أحد من أهل البيت يباع
هذا العبد في اشتراء موضع القبر وأجرة الحفر، فيباع موضع القبر بالعبد، ويتخذ في
أجرة حفره، فافهم.
وقوله: (تصبر) على لفظ الأمر من باب التفعل، وفي بعض النسخ: (تصبر) على
صيغة المضارع من الصبر.
(١) ((شرح الطيبي)) (١٠ / ٦١).

٦١١
(٢٧) كتاب الفتن
إِذَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ قَتْلٌ تَغْمُرُ الدِّمَاءُ أَحْجَارَ الزَّيْتِ؟)) قَالَ: قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ
أَعْلَمُ، قَالَ: ((تَأْتِي مَنْ أَنْتَ مِنْهُ))، قَالَ: قُلْتُ: وَأَلْبَسُ السَّلاَحَ؟ قَالَ:
(شَارَكْتَ الْقَوْمَ إِذاً)، قُلْتُ: فَكَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((إِنْ خَشِيتَ
أَنْ يَنْهَرَكَ شُعَاعُ السَّيْفِ فَلْقِ نَحِيَّةَ ثَوْبِكَ عَلَى وَجْهِكَ لِيَبُوءَ بِثْمِكَ وَإِثْمِهِ».
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٢٦١].
وقوله: (قتل تغمر الدماء أحجار الزيت) الغمر: الماء الكثير، غمره الماء غمراً
واغتمر: غطاه، تغطي الدماء وتستر وتعلو أحجار الزيت، وهو اسم موضع بالمدينة
فيه أحجار سود كأنها طليت بالزيت، والعائد إلى الموصوف محذوف، أو يقال: إن
الدماء في معنى القتل واللام بدل من الإضافة، وهذا إخبار عن وقعة الحرة، وهي من
أشنع الوقائع وأقبحها، وقعت في زمن يزيد بن معاوية، أرسل جيشاً إلى مدينة
الرسول ﴿ سنة ثلاث وستين بعد وقعة قتل أمير المؤمنين الإمام الشهيد الحسين بن
علي ◌ًا، فاستباح حرم المدينة، وهتك حرمة مسجده ◌َلي، وربط فيه الدواب، وقتل
من الصحابة والتابعين من يبلغ ألوفاً، وغير ذلك من الشنائع، وقد ذكرناها في تاريخ
المدينة فليطلب ثمة، وذلك في ذي الحجة في سنة ثلاث وستين.
وقوله: (تأتي من أنت منه) قيل: أي ارجع إلى من خرجت من عنده، يعني
أهلك وعشيرتك، وقيل: ارجع إلى إمامك ومن بايعته.
وقوله: (أن يبهرك) البهر: الإضاءة والغلبة، وهو كناية عن استعمال السيف.
واعلم أنه ينبغي أن تحمل هذه الأخبار على أنه مَّي لم يكشف له عن تعيين
أوقات هذه الوقائع، فأخبر أبا ذر بالصبر فيها باحتمال أنه لعله يكون مدركاً لها، وإلا
◌ُّه،
فأبو ذر ظُه لم يكن باقياً إلى وقعة الحرة؛ لأنه مات اثنين وثلاثين في خلافة عثمان .

٦١٢
(٢٧) كتاب الفتن
٥٣٩٨ - [٢٠] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ النَّبِيَّ وَّهِ قَالَ:
(كَيْفَ بِكَ إِذَا أُبْقِيتَ(١) فِي حُثَالَةٍ مِنَ النَّاسِ، مَرِجَتْ عُهُودُهُمْ وَأَمَانَتُهُمْ؟
وَاخْتَلَفُوا فَكَانُوا هَكَذَا؟)) وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، قَالَ: فَبِمَ تَأْمُرُنِي؟ قَالَ:
((عَلَيْكَ بِمَا تَعْرِفُ وَدَعْ مَا تُنْكِرُ، وَعَلَيْكَ بِخَاصَّةٍ نَفْسِكَ وَإِيَّاكَ وَعَوَامَّهُمْ))
وَفِي رِوَايَةٍ :
وأما وقوع الجوع والموت في المدينة يحتمل أنه أدركها أبو ذر؛ لأنه قد وقع قحط
وموت بها كما في عام الرماد وغيره، أو يكون حالها أيضاً كذلك، والله أعلم.
٥٣٩٨ - [٢٠] (عبدالله بن عمرو) قوله: (في حثالة من الناس) بضم الحاء
المهملة: القشارة، وما لا خير فيه، والرديء من كل شيء.
وقوله: (مرجت عهودهم) بكسر الراء على صيغة المعلوم، أي: اختلطت
وفسدت، وقوله تعالى: ﴿ وَخَلَقَ الْجَانَ مِن مَّارِجٍ مِّن ثَارٍ﴾ [الرحمن: ١٥] أي: لهبها
المختلط بسوادها، ومرج الأمر: لم يف به، وفي (الصحاح)(٢): مرج الأمر، أي:
اختلط واضطرب، وقد صحح في بعض النسخ (مرجت) بلفظ المجهول، من المرج
متحركاً بمعنى الخلط، من قوله تعالى: ﴿مَرَجَ اُلْبَحْرَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٩].
وقوله: (قال: عليك بما تعرف، ودع ما تنكر وعليك بخاصة نفسك ... إلخ)،
ولقد اتبع ه ما أمره النبي وَّر، وكان وصاه أيضاً باسترضاء والده، فكان بحكم
الضرورة مع أبيه ومعاوية في الظاهر، مختلطاً معهم في الظاهر، ولم يكن معهم
بالقلب، ولم يكن مخالفاً لهم ظاهراً لرضا الوالد، وكانوا يقولون: لست منا، فأمره وله
(١) في نسخة: ((بقيت)).
(٢) («الصحاح)) (١ / ٣٤١).

٦١٣
(٢٧) كتاب الفتن
(لْزَمْ بَيْتَكَ وَأَمْلِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَخُذْ مَا تَعْرِفُ وَدَعْ مَا تُنْكِرُ، وَعَلَيْكَ بِأَمْرِ
خَاصَّةِ نَفْسِكَ وَدَعْ أَمْرَ الْعَامَّةِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ(١) وَصَخَّحَهُ.
٥٣٩٩ - [٢١] وَعَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ أَنَّهُ قَالَ: ((إِنَّ بَيْنَ يَدَي
السَّاعَةِ فِتَنَأَ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِناً وَيُمْسِي كَافِراً،
وَيُمْسِي مُؤْمِناً وَيُصْبِحُ كَافِراً، الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ، وَالْمَاشِي فِيهَا
خَيْرٌ مِنَ السَّاعِ، فَكَسِّرُوا فِيهَا قِسِتَّكُمْ،
بالاجتماع مع الناس والتزام العزلة بالكلية، أمر الكل ما يليق بحاله ويتيسر له، وهو
المرشد الحكيم العارف بمصالح أمته التى .
وقوله: (الزم بيتك) وفي رواية: (وليسعك بيتك) أي: لا تخرج منه إلا لضرورة،
(وأملك عليك لسانك) صحح بفتح الهمزة وكسر اللام، من الإملاك، وفسر الطيبي (٢):
الإملاك بالسد والإحكام، يعني سدّ لسانك ولا تتكلم في أحوال الناس؛ كيلا يؤذوك.
وفسره في (مجمع البحار)(٣): أي لا تُجْرِه إلا بما يكون لك لا عليك، وقال:
هو أمر من الثلاثي، أي: احفظها عما لا خير فيه، وفي الحديث رخصة في ترك الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر إذا قوي الأشرار وضعف الأخيار.
٥٣٩٩ - [٢١] (أبو موسى) قوله: (فكسروا فيها قسيكم) القسي بكسر القاف
وتشديد الياء جمع قوس، والقوس يذكر ويؤنث، وفي (الصحاح)(٤): أصل قسي (فليع)
(١) لم أجده في ((سنن الترمذي)) وأخرجه أبو داود في ((سننه)) (٤٣٤٢، ٤٣٤٣).
(٢) ((شرح الطيبي)) (١٠ / ٦٣).
(٣) ((مجمع بحار الأنوار)) (٤ / ٦٢٨).
(٤) ((الصحاح)) (٣ / ٩٦٧).

٦١٤
(٢٧) كتاب الفتن
وَقَطِّعُوا فِيهَا أَوْتَارَكُمْ، وَاضْرِبُوا سُيُوفَكُمْ بِالْحِجَارَةِ، فَإِنْ دُخِلَ عَلَى أَحَدٍ
مِنْكُمْ فَلْيَكُنْ كَخَيْرِ ابْنَيْ آدَمَ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٢٥٩].
وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: ذَكَرَ إِلَى قَوْلِهِ: ((خَيْرٌ مِنَ السَّاعِ))، ثُمَّ قَالُوا: فَمَا تَأْمُنَ؟
قَالَ: ((كُونُوا أَحْلاَسَ بُيُوتِكُمْ)).
وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَّهِ قَالَ فِي الْفِتْنَةِ: ((كَسِّرُوا فِيهَا
قِسِيَّكُمْ، وَقَطَّعُوا فِيهَا أَوْتَارَكُمْ، وَالْزَمُوا فِيهَا أَجْوَافَ بُيُوتِكُمْ، وَكُونُوا كَابْنِ
آدَمَ)». وَقَالَ: هَذَا حديثٌ صحيحٌ غريبٌ. [ت: ٢٢٠٤].
٥٤٠٠ - [٢٢] وَعَنْ أَمِّ مَالِكِ البَهْزِيَّةِ قَالَتْ: ذَكَرَ رَسُولُ اللهِوَلِ فِتْنَةً ..
كان أجوف فصارت ناقصاً، فإذا نسبت إليها قلت قسوي؛ لأنها (فلوع) مغير من
(فعول).
وقوله: (فإن دخل) على صيغة المجهول مسند إلى قوله: (على أحد).
وقوله: (كخير ابني آدم) وهو هابيل حين استسلم للقتل وقال لأخيه قابيل :
﴿مَآ أَنْ بِبَاسِطٍ يَدِىَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكِّ إِنَّ أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَلَمِينَ (٨) إِّ أُرِيدُ أَنْ تَبُوَّأَ بِئْمِى
وَإِنَّكَ﴾ [المائدة: ٢٨ -٢٩].
وقوله: (كونوا أحلاس بيوتكم) جمع حلس بالكسر: كساء على ظهر البعير
تحت البرذعة، ويبسط في البيت تحت حُرِّ الثياب، ويحرك، كذا في (القاموس)(١).
٥٤٠٠ _ [٢٢] (أم مالك) قوله: (البهزية) بفتح الموحدة وسكون الهاء وبالزاي،
نسبة إلى بهز بن امرئ القيس.
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٤٨٥).

٦١٥
(٢٧) كتاب الفتن
فَقَرَّبَهَا، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَنْ خَيْرُ النَّاسِ فِيهَا؟ قَالَ: ((رَجُلٌ فِي مَاشِيَتِهِ
يُؤَدِّي حَقَّهَا وَيَعْبُدُ رَّهُ، وَرَجُلٌ آخِذٌ بِرَأْسٍ فَرَسِهِ يُخِيفُ الْعَدُوَّ وَيُخَوِّفُونَهَ)).
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢١٧٧]
٥٤٠١ - [٢٣] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍ و قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ◌َّتِ:
((سَتَكُونُ فِتْنَةٌ تَسْتَنْظِفُ الْعَرَبَ، قَتْلاَهَا فِي النَّارِ،
وقوله: (فقربها) أي: جعلها قريباً وقوعها، وقال الطيبي(١): أي وصفها وصفاً
بليغاً، فإن من وصف شيئاً عند أحد وصفاً بليغاً فكأنه قربه إلیه، انتهى.
لعله أراد أنه وصفها وصفاً بليغاً اتضح عنده وحضر في ذهنه فتخيله واقعاً،
ويمكن أن يكون المراد تقريبها إلى أذهانهم وخيالاتهم، والله أعلم.
وقوله: (يخيف العدو) من الإخافة، والمراد بالعدو الكفار، أي: هرب من الفتنة
وقتال المسلمين وقصد ثغراً من الثغور يقاتل فيه الكفار، فيبقى سالماً منها غانماً.
٥٤٠١ - [٢٣] (عبدالله بن عمرو) قوله: (تستنظف العرب) أي: تستوعبهم وتصل
إلى جميعهم، يقال: استنظف الوالي ما عليه من الخراج: استوفى، واستنظف الشيء:
أخذه کله.
وقوله: (قتلاها) جمع قتيل كمرضى جمع مريض، والظاهر من اللفظ يشمل
الفريقين، وإنما يكون كذلك إذا كان قصدهم بالمقاتلة الطمع في الملك والمال لا إعلاء
الدين، أما إذا كان أحدهما محقًّا والآخر مبطلاً من غير شبهة وتأويل، فالآخر هو
الذي قتلاه في النار، وإذا كان بشبهة وتأويل، واجتهاد، ولو كان مخطئاً، فليس أحد
(١) ((شرح الطيبي)) (١٠ / ٦٤).

٦١٦
(٢٧) كتاب الفتن
اللِّسَانُ فِيهَا أَشَدُّ مِنْ وَقْعِ السَّيْفِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنِ مَاجَه. [ت: ٧٨
جه: ٣٩٦٧].
٥٤٠٢ - [٢٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ قَالَ: ((سَتَكُونُ
فِتْنَةٌ صَمَّاءُ بَكْمَاءُ عَمْيَاءُ، مَنْ أَشْرَفَ لَهَا اسْتَشْرَفَتْ لَهُ، وَإِشْرَافُ اللِّسَانِ فِيهَا
كَوُقُوعِ السَّيْفِ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٢٦٤].
٥٤٠٣ - [٢٥] وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: كُنَّا قُعُوداً عِنْدَ النَّبِيِّ وَّو
فَذَكَرَ الْفِتَنَ، فَأَكْثَرَ فِي ذِكْرِهَا حَتَّى ذَكَرَ فِتْنَةَ الأَحْلاَسِ، قَالَ(١) قَائِلٌ:
وَمَا فِتْنَةُ الأَحْلاَسِ؟.
منهما في النار، وقيل: قاله زجراً وتوبيخاً ومبالغةً في النهي عن المقاتلة وإثارة الفتنة.
وقوله: (اللسان فيها أشدّ من وقع السيف) لأنهم مسلمون، وغيبة المسلمين
بدعة شنيعة على طبق قوله: (الغيبة أشد من الزنا) خصوصاً إذا كان من الصحابة،
ويحتمل أن يكون المراد أن إطالة القول في ذمهم وغيبتهم يفضي إلى القتل فإنهم لو
سمعوه لربما قتلوا المغتاب والذام، وربما ينشأ من ذلك النهب والجلاء والمفاسد
العظيمة أكثر مما ينشأ من نفس الفتنة.
٥٤٠٢ - [٢٤] (أبو هريرة) قوله: (صماء بكماء عمياء) قد عرفت أنها وصفت
بهذه الأوصاف بأوصاف أصحابها، أي: لا يسمع فيها الحق، ولا ينطق به، ولا يتضح
الباطل عن الحق.
٥٤٠٣ - [٢٥] (عبدالله بن عمر) قوله: (فتنة الأحلاس) قد علم معنى الحلس،
(١) في نسخة: ((فقال)).

٦١٧
(٢٧) كتاب الفتن
قَالَ: ((هِيَ هَرَبٌ وَحَرَبٌ، ثُمَّ فِتْنَةُ السَّرَّاءِ دَخَنُهَا مِنْ تَحْتِ قَدَمَيْ رَجُلٍ مِنْ
أَهْلِ بَيْتِي، يَزْعُمُ أَنَّهُ مِنِّي وَلَيْسَ مِنِّي، إِنَّمَا أَوْلِيَائِ الْمُتَّقُونَ، ثُمَّ يَصْطَلِحُ
النَّاسُ عَلَى رَجُلٍ كَوَرِئٍ عَلَى ضِلْعِ، .
وإنما أضيفت الفتنة إليها لدوامها؛ لأن الحلس يبقى تحت الثياب دائماً، أو تشبيهاً به
في الكدرة والرداءة، أو بمجرد أن الأحلاس تفرش وتبسط في البيوت، ففيه إشارة
إلى التزام البيوت والعزلة في ذلك الزمان.
وقوله: (هرب وحرب) كلاهما بفتح الراء، و(الحرب) بالحركة: نهب مال
الإنسان وتركه لا شيء له، كذا قال الطيبي(١)، والحارب: المسلح الغاصب الناهب
الذي يعري الناس ثيابهم، والهرب: الفرار، هرب هرباً بالتحريك: فرّ، (وفتنة السراء
دخنها من تحت قدمي رجل ... إلخ)، الرواية في (فتنة السراء) بالرفع، و(دخنها)
خبره، فهو عطف على جملة (وهي هرب وحرب)، ويروى بالنصب، وهو الظاهر،
أي: ثم ذكر فتنة السراء.
وقوله: (دخنها من تحت قدمي) جملة مستأنفة لبيانها، أي: السبب في وقوعها
السرور لسبب كثرة النعم وفضول الأموال، أو لأنها تسر الكفار لوقوع الخلل في
الدين والضرة في المسلمين.
وقوله: (رجل من أهل بيتي) لعل هذه الفتنة بل هذه الفتن كلها تكون في آخر
الزمان كما ينبئ عنه قوله: (فإذا كان ذلك فانتظروا الدجال من يومه أو من غده)،
فتدبر.
وقوله: (كورك) بفتح الواو وكسر الراء، (على ضلع) بكسر الضاد وفتح اللام،
(١) ((شرح الطيبي)) (١٠ / ٦٦).

٦١٨
(٢٧) كتاب الفتن
ثُمَّ فِتْنَةُ الدُّهَيْمَاءِ، لاَ تَدَعُ أَحَداً مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ إِلَّ لَطَمَتْهُ لَطْمَةً، فَإِذَا قِيلَ:
انْقَضَتْ تَمَادَتْ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِناً وَيُمْسِي كَافِراً، حَتَّى يَصِيرَ النَّاسُ
إِلَى فُسْطَاطَيْنِ: فُسْطَاطِ إِيمَانٍ لاَ نِفَاقَ فِيهِ، وَفُسطَاطِ نِفَاقٍ لاَ إِيمَانَ فِيهِ، فَإِذَا
كَانَ ذَلِكَ فَانْتُظِرُوا الدَّجَّالَ أَوْ مِنْ غَدِهِ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٢٤٢].
٥٤٠٤ _ [٢٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ نَّهِ قَالَ: ((وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ
شَرِّ قَدِ اقْتَرَبَ، أَفْلَحَ مَنْ كَفَّ يَدَهُ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٢٤٩].
وفي (القاموس)(١): كعنب وجذع، أي: على رجل لا استقامة له ولا نظام، لأن
الورك لا يستقيم على الضلع ولا يتركب عليه.
(ثم فتنة الدهيماء) تصغير الدهماء، وهي الداهية السوداء المظلمة، من إضافة
الموصوف إلى الصفة، وقيل: هي اسم ناقة غزا عليها سبعة إخوة، فقتلوا عن آخرهم،
وحملوا عليها [حتى رجعت بهم]، فصارت مثلاً في كل داهية، كذا قال الطيبي(٢)،
فلا يكون من إضافة الموصوف إلى الصفة، وقال في (القاموس)(٣): الدهماء: العدد
الكثير وجماعة الناس، فيحتمل أن يكون المعنى: فتنة يجتمع فيها الناس، أو تكون
سبباً لاجتماع الناس للشر والنهب. و(الفسطاط) بالضم: مجتمع أهل الكورة، والسرادق
من الأبنية، ويكسر، كذا في (القاموس) (٤).
٥٤٠٤ _ [٢٦] (أبو هريرة) قوله: (من شر قد اقترب) الظاهر أنه إشارة إلى
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٦٦٨).
(٢) ((شرح الطيبي)) (١٠ / ٦٧).
(٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٠٠٠).
(٤) ((القاموس المحيط)) (ص: ٦١٣).

٦١٩
(٢٧) كتاب الفتن
٥٤٠٥ - [٢٧] وَعَنِ الْمِقْدَادِ بْنِ الأَسْوَدِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّل
يُقُولُ: (إِنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الْفِتَنَ، إِنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الْفِتَنَ، إِنَّ السَّعِيدَ
لَمَنْ جُنُّبَ الْفِتَنَ، وَلِمَنِ ابْتُلِيَ فَصَبَرَ فَوَاهاً)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٢٦٣].
٥٤٠٦ - [٢٨] وَعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((إِذَا وُضِعَ السَّيْفُ
فِي أُمَّتِي لَمْ يُرْفَعْ عَنْهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَلاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَلْحَقَ قَبَائِلُ
مِنْ أُمَّتِي بِالْمُشْرِكِينَ، وَحَتَّى تَعْبُدَ قَبَائِلُ مِنْ أُمَّتِي الأَوْثَانَ، وَإِنَّهُ سَيَكُونُ فِي
أُمَِّي كَذَّابُونَ ثَلاثُونَ، كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيُّ اللهِ، وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِين لاَ نَبِيَّ
بِعْدِي، وَلاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ.
وقعة عثمان ظريته، بل شامل لما وقع بعده بين علي ومعاوية أيضاً، والله أعلم.
٥٤٠٥ - [٢٧] (المقداد بن الأسود) قوله: (إن السعيد لمن جنب الفتن) كرر
ثلاث مرات، و(جنب) بلفظ المجهول بلفظ التفعيل إشارة إلى أنه ابتلاء من الله،
ومنه تبعيد من يشاء من عباده لطفاً منه تعالى .
وقوله: (ولمن ابتلي فصبر) بفتح اللام عطف على قوله: (لمن جنب).
وقوله: (فواهاً) منقطع عنه، ومعناه التلهف والتحسر، أي: واهاً لمن باشر الفتنة
وسعى فيها، وقيل: معناه الإعجاب والاستطابة، و(لمن) بكسر اللام؛ أي: ما أحسن
وأطيب صبر من صبر عليها، ولا يخفى أنه لو حمل على معنى التعجب لصح بالفتح أيضاً.
٥٤٠٦ - [٢٨] (ثوبان) قوله: (كلهم يزعم) أي: كل واحد، ولذا وحد الضمير،
أو هو باعتبار لفظ (كل).
وقوله: (أنه نبي الله) أي: يدعون النبوة، وقد وجد منهم كثيرون في الأمصار
فأهلكهم الله تعالى، وكذلك يفعل بمن بقي إن شاء الله تعالى، والدجال الأكبر خارج

٦٢٠
(٢٧) كتاب الفتن
لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللّهِ). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ. [د:
٤٢٥٢، ت: ٢٢٠٢، ٢٢١٩، ٢٢٢٩].
٥٤٠٧ - [٢٩] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ قَالَ: ((تَدُورُ
رَحَى الإِسْلاَمِ لِخَمْسٍ وَثَلاَئِينَ أَوْ سِتٍّ وَثَلاَئِينَ أَوْ سَبْعٍ وَثَلاَئِينَ،
عن هذا العدد، وهو يدعي الألوهية، وبه فارق الدجالين .
٥٤٠٧ - [٢٩] (عبدالله بن مسعود) قوله: (تدور رحى الإسلام لخمس وثلاثين
أو ست وثلاثين أو سبع وثلاثين)(١) أي: أمر الإسلام يستقر وينتظم على ما ينبغي
هذه المدة، واللام في الخمس) بمعنی (في)، وفي خمس وثلاثین کان مقتل عثمان ێ،
وهو أول فتنة وقعت في الإسلام، وفي ست وثلاثين وقعة الجمل، وفي سبع وثلاثين
حرب صفين، فابتداء الأمر معتبر من الهجرة التي هي مبدأ ظهور دولة الإسلام،
ويحتمل أنه قد قال رسول الله﴿ هذا القول وقد بقيت من عمره السنون الزائدة على
الثلاثين باختلاف الروايات، فإذا انضمت إلى مدة الخلافة - وهي ثلاثون سنة - كانت
بالغة ذلك المبلغ، وهذا أولى إن أريد الاستقرر والانتظام باعتبار عدم تطرق البدعة،
وخلاف ما كان عليه الأمر في الابتداء والأول إن أريد باعتبار تطرق الفتنة والمحاربة،
ويحتمل أن يعتبر من ابتداء ظهور الوحي، فيتم عدد خمس وثلاثين بانقضاء خلافة
الفاروق، فإنه لا شك أن أمر الأمن والإيمان والسنة كان أنظم وأسلم في خلافة الشيخين،
وقد تطرق في خلافة عثمان أو بعد سنة أو سنتين منها ما صار سبباً للوحشة وإثارة
الفتنة، والله أعلم.
(١) حمله الحافظ في ((الفتح)) (١٣ / ٢١٣) على زمن بني أمية بعد إخراج زمن معاوية حظ، وهو
أحسن المحتملات في معناه، كذا في ((التقرير)).