Indexed OCR Text

Pages 521-540

٥٢١
(٢٦) كتاب الرقاق
٥٣١٣ - [١٩] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّل
يَحْكِي نَبِيًّا مِنَ الأَنْبِيَاءِ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فَأَدْمَوْهُ وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ
وَيَقُولُ: ((اللهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٤٧٧،
م: ١٧٩٢].
٥- باب الرياء والسمعة
٥٣١٣ - [١٩] (ابن مسعود) قوله: (يحكي نبيًّا) قال الشيخ ابن حجر: لم أقف
علی تعیین هذا النبي صريحاً، ویحتمل أن یکون نوحاً بعێ، وقيل: بل أراد به نفسه
الكريمة {وَل ذكره بطريق الإبهام.
وقوله: (نبياً من الأنبياء ضربه) الظاهر أنه مفعول (يحكي)، أي: يحكي حاله،
و(ضربه) صفة أو استئناف، ويحتمل أن يكون منصوباً على شريطة التفسير.
٥ - باب الرياء والسمعة
(الرياء) من الرؤية، راءى يرائي مراءاة ورياء، فهو مراءٍ وهم مراؤون، وقال
البيضاوي في سورة النساء(١): المراءاة مفاعلة بمعنى التفعيل، كنعم وناعم، أو
للمقابلة، فإن المرائي يري من يرائيه عمله وهو يريه استحسانه، وقال في سورة
الماعون(٢): يرون الناس أعمالهم ليروهم الثناء عليهم. وفي (الصراح)(٣): رياء بالكسر
(١) ((تفسير البيضاوي)) (٢/ ٢١).
(٢) ((تفسير البيضاوي)) (٥/ ٤٢٠).
(٣) ((الصراح)) (ص: ٥٥٩).

٥٢٢
(٥) باب الرياء والسمعة
والمد: خويشتن را به نيكي بخلق نمودن، وهو طلب المنزلة عند الناس بالعبادة،
فيختص بعمل الظاهر، وما لا يكون من قسم العبادة لا يكون فيه رياء، ككثرة المال
والأتباع، وحفظ الأشعار، وحسن الرمي، وإنما هو تكبر وافتخار، وكذلك ما لا يطلب
منه المنزلة والجاه عند الناس، كاستمالة قلوب المريدين وترغيبهم وحثهم الاتباع،
وفي ذلك قيل: رياء الصديقين خير من إخلاص المريدين .
قال بعض المشايخ: الرياء أن يكون في شخص كمال في الواقع ويريد به
الناس، ويحب أن يظهر ذلك علیهم، وأما إذا لم یکن فيه ذلك ویریه الناس ويحب
أن يعلموه منه فذلك كذب ونفاق لا رياء، على قياس ما يقال: إن الغيبة أن تقول ما في
أخيك من العيب، وأما إذا لم يكن فيه ذلك فذلك بهتان وافتراء، وأفحش الرياء وأقبحها
أن لا يريد الثواب أصلاً، وهو في غاية المقت، حتى قيل: إنه لا يبرئ الذمة ويجب
القضاء، ثم ما فيه إرادتان والرياء غالب، وهو بقربه، ثم ما استويا فيه، والظاهر فيه أن
لا يكون له ولا عليه، ويرجى العفو، على قياس قوله تعالى: ﴿خَلَطُواْ عَمَلًا صَالِحًاوَءَآخَرَ
سَبِّئًا عَسَى اللهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٢]، ولكن الأحاديث والآثار ناظرة في الوعد عليه
وعدم القبول، والله أعلم. ثم ما ترجح فيه نية الثواب، والظاهر فيه النقصان لا البطلان،
أو الثواب والعقاب بحسب القصدين.
ثم قد فرقوا بين وجود الرياء في ابتداء العمل وعروضه في أثنائه ولحوقه بعد
تمامه، والأول أشنع، ثم الثاني، والثالث أدنى لا يبطل ما تقدم، وأيضاً فرق بين قوته
والتصميم عليه وبين خطوره والوقوع فيه، وههنا حالة أخرى، وهي الفرح والسرور
بفضل الله ورحمته وحسن لطفه تعالى بإخفاء الذنوب وإظهار الطاعات أو باقتداء من

٥٢٣
(٢٦) كتاب الرقاق
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٣٥ ٥
٥٣١٤ _ [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((إِنَّ اللهَ لاَ يَنْظُرُ
إِلَى صُوَرِكُمْ وَلاَ أَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ)). رَوَاهُ
مُسْلِمٌ. [م: ٢٥٦٣].
رآه، وهي محمودة ليست من باب الرياء كما سيأتي في (الفصل الثاني) من حديث
أبي هريرة، والمسألة غامضة، فيها تفاصيل، ولم يتعرض لها الفقهاء، وتحقيقها في
كلام القوم خصوصاً في كتاب (إحياء العلوم)، فليرجع إليه.
و(السمعة) بضم السين وسكون الميم، تذكر مع الرياء، يقال: فعله رياء وسمعة،
أي: ليراه الناس ويسمعوه، كذا في (الصحاح)(١)، وقال في (القاموس)(٢): فعله رياء
وسمعة، ويضم ويحرك، وهي ما نُؤَّه بذكره ليرى ويسمع، وقال الكرماني(٣): السمعة
بضم سين: ما يتعلق بحاسة السمع، والرياء بحاسة البصر.
الفصل الأول
٥٣١٤ - [١] (أبو هريرة) قوله: (إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن
ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) أي: لا ينظر نظر الرحمة إلى صوركم المجردة عن السيرة
المرضية، وأموالكم العارية عن الخيرات والإنفاق في سبيل الله تعالى، ولكن ينظر
إلى قلوبكم التي هي محل التقوى، وأعمالكم التي يتقرب بها إليه سبحانه، في
(١) ((الصحاح)) (٣/ ١٢٣٢).
(٢) (القاموس)) (ص: ٦٥٧).
(٣) انظر: ((مجمع بحار الأنوار)) (٣/ ١١٩).

٥٢٤
(٥) باب الرياء والسمعة
٥٣١٥ - [٢] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((قَالَ اللهُ تَعَالَى: أَنَا
أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلاً أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ
وَشِرْكَهُ))، وَفِي رِوَايَةٍ: ((فَأَنَا مِنْهُ بَرِيءٌ هُوَ لِلَّذِي عَمِلَهُ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م:
٢٩٨٥].
٥٣١٦ - [٣] وَعَنْ جُنْدُبِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َهِ:
(النهاية)(١): النظر ههنا الاختيار والرحمة والعطف، وقال النووي(٢): نظر الله مجازاته
ومحاسبته، فلا يكون إلا على القلوب دون الصور الظاهرة، ويحتج به على كون العقل
في القلب.
٥٣١٥ - [٢] (وعنه) قوله: (أنا أغنى الشركاء) جمع شريك، والمراد به من
يدعى له الشريك، وليس في الواقع.
وقوله: (تركته وشركه) يجوز فيه العطف، وكون الواو بمعنى (مع)، قالوا:
هذا في القسمين من الأقسام المذكورة، وهو ما لم يقصد الثواب أصلاً، أو كان قصد
الشرك غالباً، والله أعلم.
وقيل: في الحديث دليل على أنه لا يجوز الأضحية ببدنة إذا كان فيها شركة
لحم .
٥٣١٦ - [٣] (جندب) قوله: (وعن جندب) هو اسم أبي ذر الغفاري
بضم الدال وفتحها .
(١) ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) (٥ / ٧٧).
(٢) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (٨ / ٣٦٤).

٥٢٥
(٢٦) كتاب الرقاق
(مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللهُ بِهِ، وَمَنْ يُرَائِي يُرَائِي اللهُ بِهِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٤٩٩،
م: ٢٩٨٧].
٥٣١٧ - [٤] وَعَنْ أَبِي ذَرِّ قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ اللهِوَّهِ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ
يَعْمَلُ الْخَيْرَ وَيَحْمَدُهُ النَّاسُ عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةٍ: يُحِبُّهُ النَّاسُ عَلَيْهِ، قَالَ:
(تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٦٤٢].
وقوله: (من سمع) في (القاموس) (١): التسميع: التشنيع والتشهير، وإزالة الخمول
بنشر الذكر، والإسماع، أي: من شهر نفسه وقصد التشهير، أو من سمع الناس فضائله
وأحواله شهر الله عيوبه يوم القيامة وفضحه، يقال: سمعت به تسميعاً وسمعته: إذا
شهرته، وقد جاء لفظ يوم القيامة صريحاً في حديث جندب في أول (الفصل الثالث)،
وقيل: يظهر سريرته للناس في الدنيا، أي: أعماله السيئة التي يخفيها، أو نيته الفاسدة
وغرضه الباطل، ويظهر للناس أن عمله لم يكن خالصاً، وقيل: أراد من سمع الناس
بعمله أسمعه الله به وأراه ثوابه من غير أن يعطيه، وقيل: أراد من سمع الناس بعمله
أسمعه الله الناس، وكان ذلك ثوابه، وقيل: يريد من نسب إلى نفسه عملاً صالحاً لم
يفعله وادعى خيراً لم يصنعه؛ فإن الله يفضحه ويظهر كذبه.
وقوله: (ومن يرائي) أي: يعمل رياء يجزه الله جزاء المرائي، بأن يقول:
اطلب جزاء عملك ممن عملت لأجله، ويحتمل أن يكون هذا الجزاء في الدنيا
أيضاً.
٥٣١٧ - [٤] (أبو ذر) قوله: (يعمل عمل الخير) أي: لوجه الله وثوابه بدون
(١) ((القاموس)) (ص: ٦٥٨).

٥٢٦
(٥) باب الرياء والسمعة
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٥٣١٨ - [٥] عَنْ أَبِي سَعْدِ (١) بْنِ أَبِي فَضَالَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِنَ ◌ّهِ قَالَ:
((إِذَا جَمَعَ اللهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِيَوْمٍ لاَ رَيْبَ فِيهِ نَدَى مُنَادٍ: مَنْ كانَ أشركَ
فِي عَمَلٍ عَمِلَهُ لِلَّهِ أَحَداً فَلْيَطْلُبْ ثَوَابَهُ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ؛ فَإِنَّ اللهَأَغْنَى الشُّرَكَاءِ
عَنِ الشِّرْكِ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٣/ ٤٦٦].
٥٣١٩ - [٦] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِوَهِ يَقُولُ:
((مَنْ سَمَّعَ النَّاسَ بِعَمَلِهِ سَمَّعَ اللهُ بِهِ أَسَامِعَ خَلْقِهِ، وَحَقَّرَهُ وَصَغَّرَهُ)). رَوَاهُ
الْبَيْهَقِيُّ فِي ((شَعَبِ الإِيمَانِ)). [شعب: ٦٤٠٢].
رياء، فيجزيه الله في الدنيا والآخرة.
الفصل الثاني
٥٣١٨ - [٥] (أبو سعد) قوله: (أبي سعد) الحارثي الأنصاري اسمه كنيته، كذا
في (جامع الأصول)(٢).
وقوله: (ليوم لا ريب فيه) بدل من (يوم القيامة)، ذكره لبيان أنه مما لا بد في
وقوعه، ويتعدى (جمع) بـ (في) وباللام.
قوله: (عمله لله) فكيف بمن عمله لغير الله خالصاً؟
٥٣١٩ - [٦] (عبدالله بن عمرو) قوله: (سمع الله به أسامع خلقه): (سمع)
(١) في النسخة الهندية: ((أبو سعيد))، قال القاري (٨/ ٣٣٣٣): وفي نسخ ((المصابيح)): ((أبو
سعيد)) بياء بعد العين، قال الجزري: هو تصحيف.
(٢) ((جامع الأصول)) (١٢ / ٤٨٥).

٥٢٧
(٢٦) كتاب الرقاق
٥٣٢٠ - [٧] وَعَنْ أَنَسِ أَنَّ النَّبِيَّ وَ﴿ قَالَ: ((مَنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ طَلَبَ
الآخِرَةِ جَعَلَ اللهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَأَنَتَهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ،
وَمَنْ كَانَتْ نِيَتُهُ طَلَبَ الدُّنْيَا جَعَلَ اللهُ الْفَقْرَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَشَتَتَ عَلَيْهِ أَمْرَهُ،
وَلاَ يَأْتِيهِ مِنْهَا إِلَّ مَا كُتِبَ لَهُ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ.
٥٣٢١ - [٨] وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالدَّارِمِيُّ عَنْ أَبَانَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ.
[حم: ٢١٥٩٠، دي: ٢٣٥].
من التسميع، و(أسامع) جمع أسمع جمع سميع كأكالب وأكلب، وروي (سامع)
مرفوعاً بلفظ اسم الفاعل من السمع، والمراد به الله تعالى، أي: سمع الله به الذي هو
سامع خلقه، أي: فضحه به، أو منصوباً، أي: من كان له سمع من خلقه، وأما على
رواية (أسامع) فهو منصوب، أي: سمع الله به أسماع خلقه، ويفضحه يوم القيامة وفي
الدنيا .
٥٣٢٠ - [٧] (أنس) قوله: (جمع له شمله) أي: أموره المتفرقة، أي: جعله
مجموع الخاطر بتهيئة أسبابه من حيث لا يدري.
وقوله: (وهي راغمة) ذليلة حقيرة لا يحتاج في طلبها إلى سعي كثير شاءت أو
لم تشأ، وفي (القاموس)(١): الرغم: الكره، رَغِمَه كَعَلِمَه ومنعه: كرهه، والتراب،
كالرغام، والقسر، والذل.
٥٣٢١ - [٨] قوله: (أبان) بن عثمان ظه بفتح همزة وخفة موحدة وبنون،
بصرف وتركه، والصرف أكثر.
(١) ((القاموس)) (ص: ١٠٠٥).

٥٢٨
(٥) باب الرياء والسمعة
٥٣٢٢ - [٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! بَيْنَا أَنَا فِي
بَيْتِي فِي مُصَلاَّيَ إِذْ دَخَلَ عَلَيَّ رَجُلٌ، فَأَعْجَبَتِي الْحَالُ الَّتِي رَآنِي عَلَيْهَا،
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: ((رَحِمَكَ اللهُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، لَكَ أَجْرَانِ: أَجْرُ السِّرِّ وَأَجْرُ
الْعَلَاَنِيَةِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٣٨٤].
٥٣٢٣ _ [١٠] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((يَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ
رِجَالٌ يَخْتِلُونَ الدُّنْيَا بِالدِّينِ، يَلْبَسُونَ لِلنَّاسِ جُلُودَ الضَّأْنِ مِنَ اللَّيْنِ، أَلْسِئُهُمْ
أَحْلَى مِنَ السُّكَّرِ وَقُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الذِّثَابِ، يَقُولُ اللهُ: أَبِي يَغْتَزُّونَ أَمْ عليّ
يَجْتَرِنُونَ؟
٥٣٢٢ - [٩] (أبو هريرة) قوله: (فأعجبني الحال التي رآني عليها) وذلك للفرح
والسرور بفضل الله ورحمته؛ لكونه موسوماً بالعبادة بين المسلمين، وكون الرائي
شاهداً على ذلك، أو ليقتدي به كما ذكرنا في شرح الترجمة .
٥٣٢٣ - [١٠] (وعنه) قوله: (يختلون) بكسر التاء، أي: يخدعون، في
(القاموس)(١): ختله يختِله ويختُله ختلاً وختلاناً: خدعه، والذئب الصيد: تَخَفَّى له،
فهو خاتل وختول.
وقوله: (من اللين) أي: لأجل إظهار اللين.
وقوله: (أبي) أي: بإمهالي إياهم (يغترون).
وقوله: (أم علي) قال الطيبي(٢): (أم) منقطعة، إضراب عن اعتذارهم بالله على
اغترارهم عليه سبحانه.
(١) ((القاموس)) (ص: ٨٩٢).
(٢) ((شرح الطيبي)) (١٠/ ١٠).

٥٢٩
(٢٦) كتاب الرقاق
فَبِ حَلَفْتُ لأَبْعَثَنَّ عَلَى أُولَئِكَ مِنْهُمْ فِتْنَةٌ تَدَعُ الْحَلِيمَ فِيهِمْ حَيْرَانَ)). رَوَاهُ
التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٤٠٤].
٥٣٢٤ - [١١] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّنَ﴿ قَالَ: ((إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ
وَتَعَالَى قَالَ: لَقَدْ خَلَقْتُ خَلْقاً أَلْسِتُّهُمْ أَحْلَى مِنَ السُّكَّرِ، وَقُلُوبُهُمْ أَمَرُّ مِنَ
الصَّبِرِ، فَبِي حَلَفْتُ لأُتِيحَنَّهُمْ فِتْنَةً تَدَعُ الْحَلِمَ فِيهِمْ خَيْرَانَ، فَيِي
يَغْتَرُّونَ أَمْ عَلَيَّ يَجْتَرِتُونَ؟)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حديثٌ غَرِيبٌ.
[ت: ٢٤٠٥].
وقوله: (لأبعثن على أولئك منهم) أي: من أنفسهم أو من قبل الناس، و(من)
للابتداء، أي: ناشئة منهم، وكونه للتبيين كما ذكره الطيبي بعيد كما لا يخفى.
وقوله: (تدع الحليم) أي: العاقل الحازم، وفي بعض نسخ (المصابيح) :
(الحكيم) بالكاف.
وقوله: (حيران) أي: يتحير على دفع ذلك العذاب عنه؛ لشدته وصعوبته فضلاً
عن غير الحازم.
٥٣٢٤ - [١١] (ابن عمر) قوله: (من الصبر) في (القاموس)(١): بكسر الباء:
عصارة شجر مرٍّ.
وقوله: (لأتيحنهم) في (النهاية)(٢): أتاحه الله وأتاح له، أي: قدره [له] وأنزله
به، انتهى. وفي (القاموس)(٣): المتاح: الأمر المقدر.
(١) ((القاموس)) (ص: ٣٨٠).
(٢) ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) (١ / ٢٠٢).
(٣) ((القاموس)) (ص: ١٩٥).

٥٣٠
(٥) باب الرياء والسمعة
٥٣٢٥ _ [١٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َّ: ((إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ
شِرَّةٌ، وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةٌ، فَإِنْ صَاحِبُهَا سَدَّدَ وَقَارَبَ فَارْجُوهُ، وَإِنْ أَشِيرَ إِلَيْهِ
بِالأَصَابِعِ فَلاَ تَعُدُّوهُ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٤٥٣]
٥٣٢٥ - [١٢] (أبو هريرة) قوله: (إن لكل شيء شرة) الشرة بكسر الشين
وتشديد الراء آخره تاء: الحرص والنشاط، وشرة الشباب: نشاطه، ذكروه في باب
الراء في مادة الشر ضد الخير، وأما الشره بفتحتين والهاء فهو بمعنى شدة الحرص،
ذكروه في باب الهاء، و(الفترة) بفتح فاء وسكون تاء: الضعف والانكسار، فتر يفتر
ويفتر فتوراً وفتاراً: سكن بعد حدة، ولان بعد شدة، ومادته للضعف والسكون،
والمراد بالشرة هنا: جانب الإفراط وبالفترة: التفريط، فلكل من الأعمال والأخلاق
طرفين: الإفراط والتفريط، والمحمود هو التوسط كما بُيِّن في موضعه، وأشار إلى
التوسط والاقتصار بقوله: (فإن صاحبها سدد)، و(إن) شرطية والفعل مقدر بعدها
على وتيرة: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ أُسْتَجَارَكَ ﴾ [التوبة: ٦]، أي: سلك طريق السداد
والصواب، و(قارب) أي: لم يبعد ولم يذهب إلى أحد الجانبين، (فارجوه) أي: ارجوا
فوزه وفلاحه .
(وإن أشير إليه بالأصابع) بأن سلك طريق الإفراط، فلا تعدوه من الفائزين،
هكذا ذكر الطيبي(١)، ويمكن أن تجعل الإشارة بالأصابع شاملةً لكل من طرفي الإفراط
والتفريط؛ فإن الاشتهار كما يكون بالذهاب والإغراق في جانب الإفراط كذلك يكون
في جانب التفريط، ولعله إنما خصه بجانب الإفراط؛ لأن عدم العد من الفائزين في
جانب التفريط أظهر من أن يذكر، وإنما يحتاج ذكره في جانب الإفراط لأنه قد يتوهم
(١) ((شرح الطيبي)) (١٠ / ١١).

٥٣١
(٢٦) كتاب الرقاق
٥٣٢٦ - [١٣] وَعَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ◌َلْ قَالَ: ((بِحَسْبِ امْرِىءٍ مِنَ
الشَّرِّ أَنْ يُشَارَ إِلَيْهِ بِالأَصَابِعِ فِي دِينٍ أَوْ دُنْيَا إِلَّ مَنْ عَصَمَهُ اللهُ. رَوَاهُ الْبَيْهَقِىُّ
فِي ((شَعَبِ الإِيمَانِ)). [شعب: ٦٥٨٠].
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٥٣٢١ _ [١٤] عَنْ أَبِي تَمِيمَةَ قَالَ:
كونه كمالاً، وفي الحقيقة ليس بكمال، وإنما الكمال هو التوسط، وفي قوله: (فارجوه)
(ولا تعدوه) إشارة إلى إبهام العاقبة لعدم العلم بالسابقة، وإنما الحكم على الظاهر
بالظن الغالب، فافهم.
٥٣٢٦ - [١٣] (أنس) قوله: (أن يشار إليه بالأصابع في دين أو دنيا) أما في
الدنيا فظاهر، وأما في الدين فلأنه مظنة الوقوع في شبكة الرياء، وحب الرياسة، واعتقاد
الناس وتعظيمهم، والشهوات الخفية النفسانية، ومكائد النفس وغوائليها، ومكر
الشيطان، مما قل أن ينجو عنها إلا الصديقون، فالخمول والذبول هو الأولى والأسلم،
ولذا قيد بقوله: (إلا من عصمه الله)، ﴿وَمَن يَعْنَصِمِ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِىَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْنَقِيمٍ﴾
[آل عمران: ١٠١]، قيل للحسن البصري: إن الناس قد أشاروا إليك بالأصابع، فقال:
لا يعني النبي ◌َّ ذلك، وإنما عنى به المبتدع في دينه الفاسق في دنياه، فالحاصل أن
ذلك فيمن يحب الرياسة والجاه في قلوب الناس بالباطل، وأما من عصمه الله فغير
داخل فيه، وقد قال الله تعالى حكاية عن حال خواص عباده: إنهم يدعونه ويقولون:
﴿وَأَجْعَلْنَا لِلْمُنَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: ٧٤]، والله أعلم.
الفصل الثالث
٥٣٢٧ - [١٤] (أبو تميمة) قوله: (عن أبي تميمة) هو أبو تميمة خالد الهجيمي

٥٣٢
(٥) باب الرياء والسمعة
شَهِدْتُ صَفْوَانَ وَأَصْحَابَهُ وَجُنْدُبٌ يُوصِيهِمْ، فَقَالُوا: هَلْ سَمِعْتَ مِنْ
رَسُولِ اللهِوَ﴿ِ شَيْئاً؟ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِنَّهِ يَقُولُ: ((مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللهُ
بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَ: وَمَنْ شَاقَّ شَقَّ اللهُ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ))، قَالُوا: أَوْصِنَا،
فَقَالَ: ((إِنَّ أَوَّلَ مَا يُنِْنُ مِنَ الإِنْسَانِ بَطْنُهُ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لاَ يَأْكُلَ إِلَّ طَيِّباً
فَلْيَفْعَلْ، وَمَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لاَ يَحُولَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ مِلْءُ كَفٍّ مِنْ دَمِ أَهَرَاقَهُ
فَلْيُفْعَلِ)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٧١٥٢].
البصري، بضم الهاء وفتح الجيم، نسبة إلى هجيم بن عمرو.
(ومن شاقّ شقَّ الله عليه) في (القاموس)(١): شق عليه: أوقعه في المشقة، وفي
بعض النسخ: (شاق الله عليه)، والأول أصح وأكثر، ولقوله ◌َّر: (لولا أن أشق على
أمتي)) أي: لولا أثقل عليهم، من المشقة، وهي الشدة، أي: من يحمل الناس على أمر
شاق ويكلفهم بما فوق طاقتهم، أو يكون في شق منهم وناحية بالخلاف لهم، شق
الله، أي: ثقله وأوقعه في شدة، وفي حديث آخر: (من ضار ضار الله به، ومن شاق
شاق الله عليه)، والضرر: إتلاف مال أحد، والمشقة: إيصال أذية إلى بدنه بتكليفه عملاً
شاقًّا، والمشاقة منه، أو من الشقاق بمعنى النزاع، كذا في (مجمع البحار)(٢).
وقوله: (أول ما ينتن) بضم الياء من أنتن فهو منتن، صار نتناً.
وقوله: (بطنه) كناية عن مسه النار بسبب أكل الحرام المفضي لدخول النار،
فاجتنبوا ذلك بأكل الحلال .
وقوله: (ملء كف) فاعل (لا يحول)، قلّله إشارة إلى أن القليل من القتل
(١) ((القاموس)) (ص: ٨٠٨).
(٢) ((مجمع بحار الأنوار)) (٣/ ٢٤٤، ٣٩٩).

٥٣٣
(٢٦) كتاب الرقاق
٥٣٢٨ - [١٥] وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: أَنَّهُ خَرَجَ يَوْماً إِلَى مَسْجِدٍ
رَسُولِ اللهِن ◌َّهِ، فَوَجَدَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ قَاعِدَاً عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ ◌َِّ يَبْكِي،
فَقَالَ: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: يُيْكِينِي شَيْءٌ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِنَّهِ، سَمِعْتُ
رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ: ((إِنَّ يَسِيرَ الرِّيَاءِ شِرْكٌ، وَمَنْ عَادَى لِلَّهِ وَلِيَّا فَقَدْ بَارَزَ اللهَ
بِالْمُحَارَبَةِ، إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الأَبْرَارَ الأَنْقِيَاءَ الأَخْفِيَاءَ الَّذِينَ إِذَا غَابُوا لَمْ يُتَفَقَّدُوا،
وَإِنْ حَضَرُوا لَمْ يُدْعَوْا وَلَمْ يُقَرَّبُوا، قُلُوبُهُمْ مَصَابِيحُ الْهُدَى، يَخْرُجُونَ مِنْ
كُلِّ غَبْرَاءَ مُظْلِمَةٍ)). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي ((شَعَبِ الإِيمَانِ)). [جه:
٣٩٨٩، شعب: ٦٣٩٣].
بأن يكون قتل نفس واحد مثل الحول فكيف بالكثير وقتل نفوس متعددة؟ وقيل :
قلّله تسفيهاً لرأي من ارتكب هذا المحظور الجنس الحقير وفوّت على نفسه
الجنة .
٥٣٢٨ - [١٥] (عمر بن الخطاب) قوله: (لم يتفقدوا) على صيغة المجهول،
في (القاموس)(١): تفقده: طلبه عند غيبته.
وقوله: (وإن حضروا لم يدعوا) من الدعوة، أي: إلى ضيافته ومائدته.
وقوله: (ولم يقربوا) من التقريب بلفظ المجهول أيضاً، أي: وإذا دعوا لم يقربوا
بل تركوا في صف النعال.
وقوله: (غبراء مظلمة) صفة لمساكينهم.
(١) ((القاموس)) (ص: ٢٧٨).

٥٣٤
(٥) باب الرياء والسمعة
٥٣٢٩ - [١٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((إِنَّ الْعَبْدَ
إِذَا صَلَّى فِي الْعَلَائِيَةِ فَأَحْسَنَ وَصَلَّى فِي السِّرِّ فَأَحْسَنَ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: هَذَا
عَبْدِي حَقًّا)). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٤٢٠٠].
٥٣٣٠ - [١٧] وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ﴾ قَالَ: «يَكُونُ فِي آخِر
الزَّمَانِ أَقْوَاٌ إِخْوَانُ الْعَلَاَنِيَةِ أَعْدَاءُ السَّرِيرَةِ»، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ وَكَيْفَ
يَكُونُ ذَلِكَ؟ قَالَ: ((ذَلِكَ بِرَغْبَةِ بَعْضِهِمْ إِلَى بَعْضٍ وَرَهْبَةٍ بَعْضِهِمْ مِنْ
بَعْضٍ)).
٥٣٣١ - [١٨] وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ إِلَّه
يَقُول: ((مَنْ صَلَّى يُرَائِي فَقَدْ أَشْرَكَ، وَمَنْ صَامَ يُرَائِي فَقَدْ أَشْرَكَ، وَمَنْ
تَصَدَّقَ يُرَائِي فَقَدْ أَشْرَكَ)). رَوَاهُمَا أَحْمَدُ. [حم: ٢٣٥/٥، ١٢٥/٤].
٥٣٣١ - [١٩] وَعَنْهُ أَنَّهُ بَكَى، فَقِيلَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ:
٥٣٢٩ - [١٦] (أبو هريرة) قوله: (إذا صلى في العلانية) يعني لا يرائي، ويحسن
سره و علانيته .
٥٣٣٠ - [١٧] (معاذ بن جبل) قوله: (برغبة بعضهم إلى بعض، ورهبة بعضهم
من بعض) أي: أمورهم معللة بالأغراض، فتارة يرغبون بالأغراض فيظهرون الصداقة،
وتارة يكرهون لأغراض فيعادون.
٥٣٣١ - [١٨] (شداد بن أوس) قوله: (فقد أشرك) وذلك هو الشرك الأصغر
كما ورد في الحديث.
٥٣٣٢ -[١٩] (و عنه) قوله:

٥٣٥
(٢٦) كتاب الرقاق
شَيْءٌ سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ يَقُولُ فَذَكَرْتُهُ فَأَبْكَانِي، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ إِلَيه
يَقُول: ((أَتَخوَّفُ على أمتِي الشِّرْكَ وَالشَّهْوَةَ الْخَفِيَّةَ»، قَالَ: قُلْتُ:
يَا رَسُولَ اللهِ! أَتُشْرِكُ أُمَّنُكَ مِنْ بَعْدِكَ؟ قَالَ: ((نَعَمْ، أَمَا إِنَّهُمْ لاَ يَعْبُدُونَ
شَمْساً وَلاَ قَمَراً وَلاَ حَجَراً وَلاَ وَثَنَاً، وَلَكِنْ يُرَاؤُونَ بِأَعْمَالِهِمْ، وَالشَّهْوَةُ
الْخَفِيَّةُ أَنْ يُصْبِحَ أَحَدُهُمْ صَائِماً، فَتَعْرِضُ لَهُ شَهْوَةٌ مِنْ شَهَوَاتِهِ فَيَتْرُكُ
صَوْمَهُ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيّ فِي ((شَعَبِ الإِيمَانِ)). [حم: ١٧١٢٠، شعب:
٦٤١١].
٥٣٣٣ - [٢٠] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ(١) قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا
رَسُولُ اللهِ﴿ وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ، فَقَالَ: ((أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِمَا هُوَ
أَخْوَفُ عَلَيْكُمْ عِنْدِي مِنَ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ؟)) فَقُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ:
((الشِّرْكُ الْخَفِيُّ: أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ فَيُصَلِّيَّ فَيَزِيدَ صَلاَتَهُ لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ
رجلٍ)). رَوَاهُ ابْن مَاجَهْ. [جه: ٤٢٠٤].
(والشهوة الخفية أن يصبح أحدهم ... إلخ)، أي: الكامنة في نفسه، الظاهرة عند
معارضة الطاعة، كأنها كانت مختفية في نفسه عند نية الصوم، وقال الطيبي(٢): سمي
خفيًّا بخفاء هلاكه، أو لمشاكلة الشرك؛ لأن المراد منه الشرك الخفي.
٥٣٣٣ _ [٢٠] (أبو سعيد الخدري) قوله: (فيصلي فيزيد) هذا على سبيل التمثيل
وليس الرياء منحصراً فيه، وإنما كان هذا أخوف؛ لأن في الدجال علامات ظاهرة
(١) ((الخدري)) سقط في نسخة .
(٢) ((شرح الطيبي)) (١٠ / ١٥).

٥٣٦
(٥) باب الرياء والسمعة
٥٣٣٤ - [٢١] وَعَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ قَالَ: ((إِنَّ أَخْوَفَ
مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الأَصْغَرُ))، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا الشِّرْكُ الأَصْغَرُ؟
قَالَ: ((الرِّيَاءُ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ.
وَزَادَ الْبَيْهَقِيُّ فِي ((شُعَبِ الإِيمَانِ)): (يَقُولُ اللهُ لَهُمْ يَوْمَ يُجَازِي الْعِبَادَ
بِأَعْمَالِهِمْ: اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاؤُونَ فِي الدُّنْيَا فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ
عِنْدَهُمْ جَزَاءً وَخَيْراً؟)). [حم: ٢٣٦٣، شعب: ٦٤١٢].
٥٣٣٥ - [٢٢] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَّهِ:
(لَوْ أَنَّ رَجُلاً عَمِلَ عَمَلاً فِي صَخْرَةٍ لاَ بَابَ لَهَا وَلاَ كَوَّةَ خَرَجَ عَمَلُهُ إِلى النَّاسِ
كَائِناً مَا كَانَ (١)).
تدل على كذبه عند أهل العلم، وأما الرياء فخفي أمره غاية الخفاء، والنفس لها
مكايد خفية يعسر إدراكها، قال بعض المشايخ: إدراك الرياء أصعب من رؤية دبيب
النمل في الليلة الظلماء على الحجر الأسود، أو كما قال.
٥٣٣٤ - [٢١] (محمود بن لبيد) قوله: (قال الرياء) وقد فسر قوله تعالى: ﴿فَلْيَعْمَلْ
عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَا﴾ [الكهف: ١١٠] بالرياء، وقيل: إن العمل الصالح الذي
يصلح لقبول جناب الحق سبحانه هو الذي يخلص عن الرياء.
٥٣٣٥ _ [٢٢] (أبو سعيد الخدري) قوله: (ولا كوة) بتشديد الواو، والكوة
بالفتح إذا كانت غير نافذة، وبالضم إذا كانت نافذة، كذا في (الحواشي)، وفي
(القاموس)(٢): الكوة بالفتح ويضم: الخرق في الحائط، أو التذكير للكبير، والتأنيث
(١) في نسخة: ((من كان)).
(٢) ((القاموس)) (ص: ١١٩٦).

٥٣٧
(٢٦) كتاب الرقاق
٥٣٣٦ - [٢٣] وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: (مَنْ
كَانَتْ لَهُ سَرِيرَةٌ صَالِحَةً أَوْ سَيِّئَةً أَظْهَرَ الهُ مِنْهَا رِدَاءً يُعْرَفُ بِهِ» .
٥٣٣٧ - [٢٤] وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَنِ النَّبِيِّنَّهِ قَالَ: ((إِنَّمَا أَخَافُ
عَلَى هَذِهِ الأُمَّةِ كُلَّ مُنَافِقٍ يَتَكَلَّمُ بِالْحِكْمَةِ وَيَعْمَلُ بِالْجَوْرِ)). رَوَى الْبَيْهَقِيُّ
الأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ فِي ((شَعَبِ الإِيمَانِ)). [شعب: ٦٥٤١، ٦٥٤٣، ٤١١].
٥٣٣٨ - [٢٥] وَعَنِ الْمُهَاجِرِ بْنِ حَبِيبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ◌َّهِ:
((قَالَ اللهُ تَعَالَى:
للصغير، وقال الكرماني: الكوة بفتح الكاف: ثقب البيت، وحكي الضم، ومعنى
الحديث: أنه لا حاجة إلى إظهار العمل وإفشائه فيكون رياء، بل الله يظهره إذا كان لله
خالصاً وأراد الله إظهاره، ورأى فيه مصلحة، أو المعنى - والله أعلم - ينبغي أن يحتاط
العبد المخلص في إخفاء العمل ويتكلف فيه؛ فإنه قد يشيع من حيث لا يدري، والله
أعلم.
٥٣٣٦ - [٢٣] (عثمان بن عفان) قوله: (من كانت له سريرة) السريرة: السر،
وهو ما یکتم، والجمع سرائر وأسرار.
وقوله: (أظهر الله منها رداء يعرف به) المراد بالرداء هنا علامة يعرف بها كما
يعرف بالرداء كون الرجل من الأعيان، كذا في الحواشي.
٥٣٣٧ - [٢٤] (عمر بن الخطاب) قوله: (ويعمل بالجور) أي: يكون جابراً
مائلاً عن طريق الاستقامة .
٥٣٣٨ _ [٢٥] (المهاجر) قوله: (وعن المهاجر بن حبيب) بالحاء المهملة

٥٣٨
(٦) باب البكاء والخوف
إِنِّي لَسْتُ كُلَّ كَلاَمِ الْحَكِيمِ أتقبَّلُ، وَلَكِنِّي أَتَقَبَّلُ هَمَّهُ وَهَوَاهُ، فَإِنْ كَانَ هَمُّهُ
وَهَوَاهُ فِي طَاعَتِي جَعَلْتُ صَمْتَهُ حَمْداً لِي وَوَقَاراً وإِنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ)). رَوَاهُ
الدَّارِمِيُّ. [دي: ٢٥٨].
٦- باب البكاء والخوف
على وزن (فعيل).
٦ - باب البكاء والخوف
بكى يبكي بُكَاءً فهو باكٍ، والجمع بُكاةٌ وبُكِيٌّ، والتَّبْكَاءُ: كثرته، وأبكاه: فَعَلَ
به ما يوجب بكاءه، والتباكي: التكلف في البكاء، والبكاء کشداد: كثير البكاء، وفي
(الصراح)(١): بكاء بالمد: گريه بآواز، وبالقصر: آب جشم باريدن، يقال: بكيته
وبكيت عليه، والخوف: الفزع، خاف يخاف خوفاً وخيفاً ومخافة وخيفة بالكسر: فزع،
والخوف أيضاً: القتل، ومنه: ﴿وَلَنَبْلُؤَنَّكُم بِشَىْءٍ مِّنَ اْخَوْفِ﴾ [البقرة: ١٥٥]، ومنه: ﴿فَإِذَا
جَاءَ الْخَوْفُ﴾ [الأحزاب: ١٩]، والعلم، ومنه: ﴿وَإِنِ أَمْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا﴾ [النساء: ١٢٨]،
وتخوف عليه شيئاً: فاته، والشيء تخوفه: تنقصه، ومنه: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَ تَخَوُفٍ﴾
[النحل: ٤٧]، ورجل خافٍ، أي: شديد الخوف، كما يقال: رجل صات، أي: شديد
الصوت.
(١) ((الصراح)) (ص: ٥٤٥).

٥٣٩
(٢٦) كتاب الرقاق
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٥٣٣٩ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمَِِّ: ((وَالَّذِي نَفْسِي
بِيَدِهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَبَكَيُّتُمْ كَثِيراً وَلَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
[خ: ٦٦٣٧].
٥٣٤٠ - [٢] وَعَنْ أُمِّ الْعَلَاَءِ الأَنْصَارِيَّةِ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ◌ِِّ:
(وَاللهِ لاَ أَدْرِي وَاللهِ لاَ أَدْرِي وَأَنَا رَسُولُ اللهِ مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ)). رَوَاهُ
البُخَارِيُّ. [خ: ١٢٤٣].
الفصل الأول
٥٣٣٩ - [١] (أبو هريرة) قوله: (لو تعلمون ما أعلم) من أحوال القيامة وأهوالها،
وحقيقة المبدأ والمعاد، وصفات الباري تعالى ما يورث الخوف والهيبة، فيعرض
من أجل ذلك غم على قلبه الشريف لأجل الأمة، وهذا حث منه الم للأمة على كثرة
البكاء واستحضار ما يورثه من خوف الله وخشيته، واستشعار عظمته وهيبته تعالى،
والاجتناب عن الضحك، فإنه دأب الجاهلين الغافلين عما ذكر وإن كان رجاء العفو
والمغفرة أيضاً متصوراً في الجملة.
٥٣٤٠ _ [٢] (أم العلاء الأنصارية) قوله: (والله لا أدري والله لا أدري وأنا
رسول الله ما يفعل بي ولا بكم) قيل: مورد الحديث أنه لما مات عثمان بن مظعون،
وهو أول من مات من المهاجرين بالمدينة، فحضر رسول الله صل﴿ موته، وقبل بين
عينيه، فقالت امرأة: هنيئاً لك الجنة، فقال له هذا القول زجراً لها على سوء الأدب
بالحكم على الغيب والجزم به، فكان خلاصة المقصود الكناية عن عدم التصريح
بعلم الغيب تأدّباً، أو مراده وي ليه بنفي الدراية ليس تردداً في عاقبة أمره؛ فإنه منفي

٥٤٠
(٦) باب البكاء والخوف
٥٣٤١ - [٣] وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((عُرِضَتْ عَلَيَّ
النَّارُ، فَرَأَيْتُ فِيهَا امْرَأَةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ تُعَذَّبُ فِي هِرَّةٍ لَهَا رَبَطَتْهَا، فَلَمْ
تُطْعِمْهَا وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ حَتَّى مَاتَتْ جُوعاً، .
بالدلائل القطعية، وإنما المراد الدراية التفصيلية، إذ لا علم له بالغيب إلا بتعليم الله
تعالى، وقيل: لا أدري أموت أو أقتل، وقيل: هو في الأمور الدنياوية، وقيل:
هو إشارة إلى فتح مكة وعزته عند الله وهوان المشركين فيه، وهو لا يلائم المورد
على ما قيل، وقيل: قاله قبل نزول قوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ [الفتح: ٢]، وهو
الأظهر.
٥٣٤١ - [٣] (جابر) قوله: (خشاش الأرض) الخشاش بالكسر: ما لا دماغ له
من دواب الأرض، ومن الطير، مثلثة: حشرات الأرض، والعصافير ونحوها، كذا في
(القاموس)(١)، وفي (الصراح)(٢): خشاش حشرات زمين، وبالفتح أيضاً خشاشة مكي،
وفي (مجمع البحار)(٣) عن (النهاية): خشاش الأرض، أي: هوامها وحشراتها، وروي
(خشيشها) بمعناه، ويروى بحاء مهملة، وهو يابس النبات، وهو وهم، وقيل: إنما
هو خشیش مصغر خشاش على الحذف، أو خشیش بتشديد الياء وبتركه، وعن النووي:
فتح خاء (خشاش) أشهر الثلاثة، وإعجامه أصوب، وهي الهوام، وقيل: ضعاف الطير،
وقال الكرماني: في الحديث أن بعضهم معذب في جهنم اليوم، انتهى. ويمكن أنه وقل له
كوشف وأريت له الأحوال الآتية وتمثلت، والله أعلم.
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٥٣٢).
(٢) ((الصراح)) (ص: ٢٥٧).
(٣) ((مجمع بحار الأنوار)) (٢ / ٤٠).