Indexed OCR Text

Pages 501-520

٥٠١
(٢٦) كتاب الرقاق
رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٤ / ٦٩].
٥٢٩١ - [٨] وَعَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ قَالَ: كَانَ الْمَالُ فِيمَا مَضَى يُكْرَهُ،
فَأَمَّا الْيَوْمَ فَهُوَ تُرْسُ الْمُؤْمِنٍ، وَقَالَ: لَوْلاَ هَذِهِ الدَّنَنِيرُ لَتَمَنْدَلَ بِنَا هَؤُلاَءِ
الْمُلُوكُ، وَقَالَ: مَنْ كَانَ فِي يَدِهِ مِنْ هَذِهِ شَيْءٌ فَلْيُصْلِحْهُ، فَإِنَّهُ زَمَانٌ إِنِ
احْتَاجَ كَانَ أَوَّلَ مَنْ يَبْذُلُ دِينَهُ، وَقَالَ: الْحَلَاَلُ لاَ يَحْتَمِلُ السَّرَفَ. رَوَاهُ فِي
((شَرْحِ السُّنَّةِ)). [شرح السنة: ٤٠٩٨].
وجب الشكر عليها، وفي الحواشي: أي من النعم المسؤول عنها المذكورة في قوله
تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَيِذٍ عَنِ التَّعِيمِ ﴾ [التكاثر: ٨].
٥٢٩١ _ [٨] (سفيان الثوري) قوله: (لتمندل بنا) في (القاموس)(١): الندل:
الوسخ، والمنديل بالكسر والفتح وکمنبر: الذي يتمسح به، وتندل به وتمندل: تمسح،
وهو كناية عن الابتذال.
وقوله: (فليصلحه) أي: يربيه وينميه حتى ينفق في مصالحه حيث شاء.
وقوله: (إن احتاج) الضمير لـ (من) في (من كان)، وكذا في (كان)، أي:
کان ذلك الشخص أول شخص (یبدل دينه) فیما یحتاج إليه .
وقوله: (الحلال لا يحتمل السرف): و(السرف) محركة: ضد القصد، والإسراف:
التبذير، أو ما أنفق في غير طاعة، والمراد أن الحلال لا ينبغي أن يسرف فيه، ويليق
أن يحفظ ويرى القصد في إنفاقه ليبقى مدة، وقيل: معناه الحلال لا يكون كثيراً، فلا
یحتمل الإسراف، فتدبر.
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٩٥٦).

٥٠٢
(٣) باب استحباب المال والعمر للطاعة
٥٢٩٢ - [٩] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: يُنَادِي مُنَادِ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَيْنَ أَبْنَاءُ السِتِّينَ؟ وَهُوَ الْعُمُرُ الَّذِي قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرَّكُمْ
مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرُ وَجَاءَ كُمُ النَّذِيِّ ﴾ [فاطر: ٣٧]. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي ((شُعَبٍ
الإِيمَانِ)). [شعب: ٩٧٧٣].
٥٢٩٣ - [١٠] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَدَّدٍ قَالَ: إِنَّ نَفَراً مِنْ بَنِي عُذْرَةَ ثَلاثَةٌ
أَتَوُا النَّبِيَّ ◌َِّ فَأَسْلَمُوا،
٥٢٩٢ - [٩] (ابن عباس) قوله: (﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرَّكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ﴾) أي:
عمراً يتعظ فيه من شأنه الاتعاظ، قال البيضاوي(١): ﴿مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ﴾ متناول كل
عمر يمكن المكلف فيه من التفكر والتذكر، وقيل: ما بين العشرين إلى الستين، انتهى.
وهذا الحديث يدل على أنه الستون، فإن صح يتعين أنه المراد، وما ذكره البيضاوي
محتمل اللفظ .
وقوله: (﴿وَجَآءَ كُمُ النَّذِيرُ﴾) يدل على أنه لا يعاقب قبل الشريعة كما هو مذهب
الأشعري، وإن خص بالفروع كان موافقاً لمذهب الماتريدية أيضاً، وقد روى الشيخ
ابن الهمام عن أبي حنيفة رحمه الله ما يوافق مذهب الأشعري، والله أعلم. وهذا
الحديث أوفق بالباب الأول في حديث: (أعذر الله إلى امرئ أخر أجله حتى بلغه
ستين سنة).
٥٢٩٣ - [١٠] (عبدالله بن شداد) قوله: (من بني عذرة) بضم العين المهملة
وسكون الذال المعجمة .
(١) ((تفسير البيضاوي)) (٤ / ٢٦٠).

٥٠٣
(٢٦) كتاب الرقاق
قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((مَنْ يَكْفِينِيهِمْ؟)) قَالَ طَلْحَةُ: أَنَا، فَكَانُوا عِنْدَهُ، فَبَعَثَ
النَّبِيُّ ◌َهَ بَعْنَاً، فَخَرَجَ فِيهِ أَحَدُهُمْ فَاسْتُشْهِدَ، ثُمَّ بَعَثَ بَعْئاً فَخَرَجَ فِيهِ الآخَرُ
فَاسْتُشْهِدَ، ثُمَّ مَاتَ الثَّالِثُ عَلَى فِرَاشِهِ، قَالَ: قَالَ طَلْحَةُ: فَرَأَيْتُ هَؤُلَاءٍ
الثّلاثَةَ فِي الْجَنَّةِ، وَرَأَيْتُ الْمَيِّتَ عَلَى فِرَاشِهِ أَمَامَهُمْ، وَالَّذِي اسْتُشْهِدَ
آخِرَاً يَلِيهِ، وَأَوَّلَهُمْ يَلِيهِ، فَدَخَلَنِي مِنْ ذَلِكَ، فَذَكَرْتُ لِلنَّبِّ(١)وَ فَقَالَ:
((وَمَا أَنْكَرْتَ مِنْ ذَلِكَ؟ لَيْسَ أَحَدٌ أَفْضَلَ عِنْدَ اللهِ مِنْ مُؤْمِنٍ .
وقوله: (من يكفينيهم) أي: يكفيني مؤنتهم من الرزق والسلاح وغيرهما، في
(القاموس)(٢): كفاه مؤنته يكفيه كفاية، وكفاك الشيء، وفي (الصراح): كفايت
كارگذاري كردن اكتفاء بسنده كردن، والمعنى: لزم علي مؤنتهم، فهل منكم من
يمونهم حتى أكتفي؟
وقوله: (قال طلحة: فرأيت هؤلاء الثلاثة) أي: في المنام.
وقوله: (أمامهم) بفتح الهمزة، أي: المقدم فيما بينهم على نحو يوسف أحسن
إخوته .
وقوله: (فدخلني من ذلك) أي: تعجب وإنكار، يعني كان القياس أن يستوي
الشهيدان في المرتبة، أو يتقدم الأول لسبقه إلى الخير ويتأخر عنهما الثالث الذي
مات على فراشه.
وقوله: (وما أنكرت من ذلك؟) أيّ شيء أنكرت، أي: لا تنكر شيئاً من
ذلك.
(١) في نسخة: ((النبي)).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ١١٩٥).

٥٠٤
(٤) باب التوكل والصبر
يُعَمَّرُ فِي الإِسْلاَمِ لِتَسْبِيحِهِ وَتَكْبِيرِهِ وَتَهْلِيلِهِ».
٥٢٩٤ - [١١] وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَمِيرَةَ - وَكَانَ مِنْ أَصْحَاب
رَسُولِ اللهِ وَهِ - قَالَ: إِنَّ عَبْدَاً لَوْ خَرَّ عَلَى وَجْهِهِ مِنْ يَوْمَ وُلِدَ إِلَى أَنْ يَمُوتَ
هَرِماً فِي طَاعَةِ اللهِ لَحَقَّرَهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَلَوَذَّ أَنَّهُ رُقَّ إِلَى الدُّنْيًا كَيْمَا يَزْدَادَ
مِنَ الأَجْرِ وَالثَّوَابِ. رَوَاهُمَا أَحْمَدُ. [حم: ١ / ١٦٣، ٤/ ١٨٥].
٤- باب التوكل والصبر
٥٢٩٤ - [١١] (محمد بن أبي عميرة) قوله: (وعن محمد بن أبي عميرة) على
وزن البصيرة .
وقوله: (من يوم) بالجر والفتح، و(هرماً) بفتح الراء وكسرها.
وقوله: (من يوم ولد) فرض ومبالغة.
وقوله: (لحقره) أي: قلل عمله مع كونه كثيراً في تلك المرتبة من الكثرة
بالنسبة إلی ما یری من جزائه.
٤ - باب التوكل والصبر
في (القاموس)(١): وَكَل بالله يَكِل، وتوكَّل عليه واتّكل: استسلم إليه، ووكَل
إليه الأمر وكلاً ووكولاً: سلّمه وتركه، ورجل وَكَلٌ وتُكَلَةٌ مثال هُمَزَةٍ، أي: عاجزٌ
يَكِل أمرَه إلى غيره، والاسم الوكالة بالفتح ويكسر، والتوكل: إظهار العجز والاعتماد
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٩٦٣).

٥٠٥
(٢٦) كتاب الرقاق
على الغير، والتكلان بالضم اسم فيه .
وقال في (العوارف)(١): قال السري: التوكل الانخلاع من الحول والقوة،
وقال الجنيد: التوکل أن تكون للہ کما لم تکن، فیکون الله لك کما لم يزل، وقال ذو
النون: ترك تدبير النفس والانخلاع من الحول والقوة، وقال حمدون القصار: التوكل
هو الاعتصام بالله، وقال الشيخ نجم الدين الكُبرى(٢): التوكل هو الخروج عن الأسباب،
والتسبب بالكلية ثقة بالله، انتهى.
ثم التوكل عام شامل لجميع أفعال العبد وأحواله، والشائع استعماله في أمر
الرزق كما نطقت به الأحاديث، وحقيقة التوكل هو العلم بضمانية الله سبحانه للرزق
والثقة به، وأما ترك الأسباب فإنما يكون بتحقيق مقام التوكل حتى يحصل العلم
المذكور بالتجربة، وهو في حال الابتداء، ثم بعد حصوله لا حاجة إلى ترك
الأسباب، بل ربما يقع التشبث بها تعبداً وامتثالاً للأمر الحقيقي الذي في ضمن خلق
الأسباب.
وأما الصبر فهو في اللغة: الحبس، صبره يصبره: حبسه، والصبر نقيض الجزع،
وفي الشرع: ترجيح داعية الحق على داعية الهوى عند معارضتهما، وقال الشيخ
نجم الدين قدس سره(٣): هو الخروج من حظوظ النفس بالمجاهدة والمكابدة،
والثبات على فطامها عن مألوفاتها ومحبوباتها، وخمود شهواتها والاستقامة على
(١) (عوارف المعارف)) (ص: ٢٣٧ - ٢٣٨).
(٢) انظر: مقدمة ((فوائح الجمال وفواتح الجمال)) (ص: ٩١).
(٣) المصدر السابق (ص: ٩٤).

٥٠٦
(٤) باب التوكل والصبر
الطريقة المثلى بتصفية القلب وتجلية الروح.
وقال في (العوارف)(١): أفضل الصبر الصبر على الله بعكوف الهم عليه، وصدق
المراقبة بالقلب، وحسم مواد الخواطر، والصبر ينقسم إلى فرض وفضل، فالفرض
كالصبر على أداء المفترضات، والصبر عن المحرمات، ومن الصبر الذي هو فضل:
[الصبر] على الفقر، والصبر عند الصدمة الأولى، وكتمان المصائب والأوجاع، وترك
الشكوى، والصبر على إخفاء الفقر، والصبر على كتم المنح والكرامات، ووجوه
الصبر فرضاً وفضلاً كثيرة، وكثير من الناس يقوم بهذه الأقسام من الصبر ويضيق عن
الصبر على الله بلزوم صحبة المراقبة والرعاية ونفي الخواطر، انتهى.
وقال غوث الثقلين الشيخ محيي الدين عبد القادر الجيلاني: الصبر هو الوقوف
مع البلاء بحسن الأدب، والثبات مع الله تعالى، وتلقي موافقته بالرحب والسعة على
أحكام الكتاب والسنة، وينقسم أقساماً: صبر لله، وهو الثبات على أوامره، والانتهاء
عن نهيه، وصبر مع الله تعالى، وهو السكون تحت جريان قضائه، وصبر على الله،
وهو الركون لما وعده في كل شيء، والمصير من الدنيا إلى الآخرة، والصبر مع الله
أشد، والفقير الصابر أفضل من الغني الشاكر، والفقير الشاكر أفضل منهما، انتهى
كلامه الأقدس .
ثم الصبر أيضاً مع كثرة أقسامه يخصص في الاستعمال بالصبر على البلايا
والمصائب والمكروهات كالشكر في أمر الرزق، والأحاديث مذكورة فيه.
(١) ((عوارف المعارف)) (ص: ٢٢٩).

٥٠٧
(٢٦) كتاب الرقاق
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٥٢٩٥ - [١] عَنِ ابْنِ عَبَّاس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((يَدْخُلُ الْجَنَّةَ
مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفاً بِغَيْرِ حِسَابٍ، هُمُ الَّذِينَ لاَ يَسْتَرْقُونَ، وَلاَ يَتَطَرُونَ،
وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٤٧٢، م: ٢٢٠].
الفصل الأول
٥٢٩٥ _ [١] (ابن عباس) قوله: (يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفاً) قال السيوطي
في حاشية (صحيح مسلم): وقد جاء في بعض الروايات من غير مسلم: (سبعون ألفاً
مع كل واحد منهم سبعون ألفاً)، كذا في (الحواشي).
وقوله: (لا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون) قال الطيبي(١): هذا
من صفة الأولياء المعرضين عن أسباب الدنيا، الذين لا يلتفتون إلى شيء من علائقها،
وتلك درجة الخواص لا يبلغها غيرهم، وأما العوام فرخص لهم في التداوي
والمعالجات، ومن صبر على البلاء وانتظر الفرج من الله تعالى بالدعاء كان من جملة
الخواص والأولياء، ومن لم يصبر رخص له في الرقية والعلاج والدواء، انتهى.
دل هذا الكلام على أن ترك التداوي والعلاج وسائر الأسباب التي خلقها الله
تعالى بحكمه هو العزيمة، ودرجة الخواص والكاملين من الأولياء والمقربين، وأما
التشبث بها فمرتبة العوام الذين لا يصبرون عنها، رخص لهم لضعفهم وعدم صبرهم،
وهذا صحيح بالنسبة إلى من دونهم، وليس على الإطلاق؛ لثبوت العمل بها من
النبي ◌َّ وأكابر الصحابة رضوان الله عليهم، فالحق أن ما ورد في الحديث مرتبة
السالكين المتوسطين من تاركي الأسباب لتحقيق مقام التوكل بتركها؛ لوقوع نظرهم
(١) ((شرح الطيبي)) (٣٥٩/٩).

٥٠٨
(٤) باب التوكل والصبر
عليها، وخوف اعتقادهم تأثيرها، فتركوها ليسقط النظر عنها ويتحقق مقام التوكل،
وهذه فضيلة ودرجة عالية في سلوك طريق الحق ومجاهدة النفس وقمع هواها،
فجُوزُوا بدخول الجنة بغير حساب .
وأما أرباب الانتهاء المقربون الواصلون إلى مرتبة حق اليقين، المشاهدون
قدرة الحق على كل حال في وجود الأسباب وعدمها، بل في وجودها أتم وأكمل؛
الكمال القدرة في خلقها، فلا عليهم أن يتشبثوا بالأسباب ويتمسكوا بها، ونظرهم
ساقط عنها في ذلك، وهذه درجة أعلى من الأولى، وهم قد قطعوا الدرجة الأولى وارتقوا
منها، فلهم الجزاء المذكور، وحصلت لهم الحسنى وزيادة، وفعل النبي ◌َّر وأكابر
الصحابة من هذا القبيل، وهذا هو حقيقة التوكل والتفويض ونهايته، وهو أعلى من
الصبر وانتظار الفرج بالدعاء، وهو حقيقة مقام الرضا والتسليم، وهذا الكلام موافق
لما ذكره السادة من الصوفية الصفية قدس الله أسرارهم، ولا ينافيه الحديث، فتدبر،
والله الموفق.
ثم احتجاج البعض بهذا الحديث على كراهة التداوي والمعالجات غلط؛ لأنه
لا يفهم منه كراهتها، غاية ما يفهم منه كونها مرتبة أدنى ورخصة كما لا يخفى.
ثم اعلم أن في الحديث وجهاً آخر هو الأظهر عند التأمل، وهو أن المنفي هو
الاسترقاء برقى الجاهلية التي لا يؤمن فيها من الشرك بقرينة قوله: (ولا يتطيرون)،
فإن التطير والتشاؤم من عادة الجاهلية، فالمراد أنهم يتركون أعمال الجاهلية، وهذه
ينبغي أن تكون مرتبة عوام المسلمين؛ لورود النهي عنها، ومع ذلك فيهما فضيلة
ولهما جزاء ذكر؛ لأن أكثر المسلمين مبتلون بارتكاب الأسباب وإن كانت جاهلية،

٥٠٩
(٢٦) كتاب الرقاق
٥٢٩٦ - [٢] وَعَنْهُ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِنَّهِ يَوْماً فَقَالَ: عُرِضَتْ عَلَيَّ
الأُمَمُ، فَجَعَلَ يَمُرُّ النَّبِيُّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ، وَالنَّبِيُّ وَمَعَهُ الرَّجُلاَنِ، وَالنَّبِيُّ
وَمَعَهُ الرَّهْطُ، وَالنَّبِيُّ وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ، فَرَأَيْتُ سَوَاداً كَثِيراً سَدَّ الأُفُقَ،
فَرَجَوْتُ أَنْ يَكُونَ أُمَّتِي، فَقِيلَ: هَذَا مُوسَى فِي قَوْمِهِ، ثُمَّ قِيلَ لِي: انْظُرْ
فَرَأَيْتُ سَوَاداً كَثِيراً سَدَّ الأُفُقَ، فَقِيلَ لِي: انْظُرْ هَكَذَا وَهَكَذَا، فَرَأَيْتُ سَوَاداً
كَثِيراً سَدَّ الأُفْقِ، فَقِيلَ: هَؤُلاءِ أُمَنُكَ، وَمَعَ هَؤُلاءِ سَبْعُونَ أَلّفاً قُدَّامَهُمْ يَدْخُلُونَ
الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، هُمُ الَّذِينَ لاَ يَتَطَيَّرُونَ، وَلاَ يَسْتَرْقُونَ، وَلاَ يَكْتَوُونَ،
وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ،.
وهي من درجات التوكل، وفوق ذلك ترك الاسترقاء مطلقاً والمعالجات وإن كانت
مشروعة غير منهي عنها، وهو النهاية، وذلك مرتبة قطع الأسباب ومجاهدة النفس
لتحقيق مقام التوكل، وفوق ذلك مرتبة أخرى أشرنا إليها، وهي المشار إليها بقولهم:
النهاية هي الرجوع إلى البداية، فلیفهم.
٥٢٩٦ - [٢] (وعنه) قوله: (هكذا وهكذا) أي: إلى اليمين وإلى الشمال.
وقوله: (ومع هؤلاء سبعون ألفاً) الظاهر أن هؤلاء السبعون الألف وراء المرئيين
الذي سدوا الأفق وأشير إليهم بهؤلاء أمتك.
وقوله: (ولا يكتوون) قالوا: الكي من الأسباب الوهمية التي تنافي التوكل، وقد
ورد النهي عنه، وعمل بعض الأصحاب به بإذنه وَّة، فقيل: النهي لتوغل العرب في
اعتقاد حصول الشفاء به، حتى قيل: آخر الدواء الكي، وقيل: يباح عند الضرورة مع
اعتقاده أن الشفاء من الله تعالى، والمختار أنه مكروه، وقد بسطنا الكلام فيه في (شرح
سفر السعادة)، فلينظر ثمة .

٥١٠
(٤) باب التوكل والصبر
فَقَامَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ فَقَالَ: ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ «اللهُمَّ اجْعَلْهُ
مِنْهُمْ)، ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ: ((سَبَقَكَ بِهَا
عُكَّاشَةُ)). مُتَّفق عَلَيْهِ. [خ: ٥٧٥٢، م: ٢٢٠].
٥٢٩٧ _ [٣] وَعَنْ صُهَيْبٍ قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللهِوَلِ: ((عَجَباً لِأَمْرِ
الْمُؤْمِنٍ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ إِلَّ لِمُؤْمِنٍ، إِنْ أَصَابَتْهُ
سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ)). رَوَاهُ
مُسْلِمٌ. [م: ٢٩٩٩].
٥٢٩٨ - [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((الْمُؤْمِنُ
الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى الهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلِّ خَيْرٌ،
وقوله: (فقام عكاشة) تشديد الكاف فيه أكثر من تخفيفها، و(محصن) بكسر
الميم وفتح الصاد.
وقوله: (سبقك بها عكاشة) أي: كأنه بهذه المسألة لم يؤذن له في ذلك المجلس
بالدعاء إلا لواحد، أو لم يكن الثاني ممن يستحق تلك المنزلة، ومع ذلك كره أن
يقول: لست أهلاً لها؛ فأجاب بكلام مشترك يشعر بأن السبب في تخصيصه سبقه
بذلك، وقيل: كان منافقاً فأجاب بكلام محتمل لحسن خلقه وَّ، وقيل: سبقك عكاشة
بوحي به، وصوب هذا القول؛ لما روي أن الثاني كان سعد بن عبادة، وفي الحديث
دلالة على المسارعة إلى الخيرات وطلب الدعاء من الصالحين.
٥٢٩٧ - [٣] (صهيب) قوله: (إن أصابته) بمنزلة الصفة والقيد له، أو المراد
المؤمن الكامل.
٥٢٩٨ - [٤] (أبو هريرة) قوله: (المؤمن القوي) أي: في الاعتقاد بالله، والثقة

٥١١
(٢٦) كتاب الرقاق
احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلاَ تَعْجِزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلاَ تَقُلْ
لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَّرَ اللهُ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ
عَمَلَ الشَّيْطَانِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٦٦٤].
* الْفَصْلُ الثَّانِ:
٥٢٩٩ - [٥] عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهَِهِ يَقُولُ:
(لَوْ أَنَّكُمْ تَتَوَكَّلُونَ عَلَى اللهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ،
به، والصبر على الطاعة، وفي قوة العزائم على الخير، وتقوية الدين بالجهاد، والأمر
بالمعروف، ونحو ذلك، وقيل: أراد من صبر على محاسبة الناس، وتحمل أذاهم في
تعليمهم الخير .
وقوله: (فإن لو تفتح عمل الشيطان) أي: من معارضة القدر والوسوسة، وذلك
إذا تكلم بها بطريق معارضة القدر ونسبة الحول والقوة إلى النفس واعتقاد ذلك حقًّا،
وإلا فقد وقع في الأحاديث منه وَ ل﴿ كقوله في الحج: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت)
لتطبيب قلوب الصحابة، وكذلك قول من قاله تأسفاً على ما فات منه من الطاعة،
وأمثال ذلك.
الفصل الثاني
٥٢٩٩ - [٥] (عمر بن الخطاب) قوله: (حق توكله) فسره الطيبي(١): بأن يعلم
يقيناً أن لا فاعل إلا الله، ثم يسعى في الطلب على الوجه الجميل، قال: ولذلك شبهه
بالطير، واستند في ذلك بما قال الإمام الغزالي: من ظن أن معنى التوكل ترك الكسب
(١) ((شرح الطيبي)) (٩ / ٣٦٢).

٥١٢
(٤) باب التوكل والصبر
تَغْدُو خِمَاصاً وَتَرُوحُ بِطَاناً)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٢٣٤٤، جه:
٤١٦٤].
٥٣٠٠ - [٦] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّةِ: ((أَيّهَا النَّاسُ
لَيْسَ مِنْ شَيْءٍ يُقَرُِّكُمْ إِلَى الْجَنَّةِ وَيُبَاعِدُكُمْ مِنَ النَّارِ إِلَّ قَدْ أَمَرُّئُكُمْ بِهِ،
وَلَيْسَ شَيْءٌ(١) يُقَرُِّكُمْ مِنَ النَّارِ وَيُبَاعِدُكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ إِلَّ قَدْ نَهَيْئُكُمْ عَنْهُ،
وَإِنَّ الرُّوحَ الأَمِينَ - وَفِي روايةٍ: وَإِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ - نَفَثَ فِي رُوعِي أَنَّ نَفْساً
لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَهَا،
[بالبدن، وترك التدبير بالقلب]، والسقوط على الأرض كالخرقة الملقاة، فهو جاهل،
وبما قال الإمام أبو القاسم القشيري: اعلم أن التوكل محله القلب، وإنما الحركة
بالظاهر، فلا تنافي التوكل بعد ما تحقق [العبد] الثقة.
وقوله: (تغدو خماصاً) الغدوة بالضم: البكرة، أو ما بين صلاة الفجر وطلوع
الشمس كالغداة، غدا عليه غدواً وغدوة بالضم: بكرة، والخمصة: الجوع، والمخمصة:
المجاعة، وخميص الحشى: ضامر البطن، والخماص بالكسر جمع خميص، و(الرواح)
العشي من الزوال إلى الليل، و(البطان) بالكسر جمع بطين، ورجل بطين: عظيم
البطن، ضد الخميص، وبطن ككرم.
٥٣٠٠ - [٦] (ابن مسعود) قوله: (وإن الروح الأمين) بالتوصيف، والمراد به
جبرئيل ، وكذا بـ (روح القدس) بالإضافة، والقدس بالضم وبضمتين: الطهر،
اسم ومصدر؛ لأنه خلق من طهارة روح، فالإضافة لزيادة الاختصاص مثل حاتم الجود،
(١) في نسخة: ((من شيء)).

٥١٣
(٢٦) كتاب الرقاق
أَلَا فَاتَّقُوا اللهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، وَلاَ يَحْمِلَنَّكُمُ اسْتِبْطَاءُ الرِّزْقِ أَنْ تَطْلُبُوهُ
بِمَعَاصِي اللهِ؛ فَإِنَّهُ لاَ يُدْرَكُ مَا عِنْدَ اللهِ إِلَّ بِطَاعَتِهِ)). رَوَاهُ فِي ((شَرْح السُّنَّةِ))
وَالْبَيْهَقِيُّ فِي ((شُعَبِ الإِيمَانِ)).
وقيل: المصدر بمعنى المفعول، وهو من إضافة الموصوف إلى الصفة، وفيه تكلف،
والنفث: النفخ، والروع بالضم: القلب، والمراد بنفث روح القدس في الروع الوحي
الخفي، (وأجملوا في الطلب) في (القاموس)(١): أجمل في الطلب: اعتدل فلم يفرط،
وذلك بأن يكون على الوجه المشروع غير مخل بالحقوق والآداب من غير حرص
ولا اضطراب.
وقوله: (ولا يحملنكم استبطاء الرزق) يعني إذا أبطأ وصول الرزق - وهو كذلك
كان مقدراً فاستبطأتموه، أي: عددتموه بطيئاً في الوصول، وذلك لتوهمكم وصوله
كل يوم مثلاً - فلا يحملنكم ذلك على اضطرابكم وإفراطكم في الطلب وارتكاب المعصية
في ذلك ظنًّا منكم أنه يصل بهذا السبب، وهو لا يصل به، ولا يحصل إلا المعصية،
فاجتنبوها، و(لا يدرك ما عند الله) تعالى - وهو الرزق الحلال - (إلا بطاعته) أي:
داوموا على طاعته واستقيموا ولا تضطربوا، فإن الرزق الذي قدر لكم واصل إليكم
وتمدحون بذلك، وإن عصيتم لا يصل الرزق ويرجع الذم إليكم، هذا حاصل معنى
الحديث، وقيل: المراد بـ (ما عند الله) الجنة، كذا في (الحواشي)، وفي الحديث دليل
على أن الرزق واصل البتة، وهو قد يكون حلالاً إذا حصل بواسطة الطاعة، ويكون
حراماً إذا حصل بالمعصية كما هو المذهب.
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٨٨١).

٥١٤
(٤) باب التوكل والصبر
٥ ٩ ھ
إِلاَّ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ: ((وَإِنَّ رُوحَ الْقَدُسِ)). [شرح السنة: ٤١١١، ٤١١٢، ٤١١٣،
شعب: ٩٨٩١].
٥٣٠١ - [٧] وَعَنْ أَبِ ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ: ((الزَّهَادَةُ فِي الدُّنْيَا
لَيْسَتْ بِتَحْرِيمِ الْحَلاَلِ وَلاَ إِضَاعَةِ الْمَالِ، وَلَكِنَّ الزَّهَادَةَ فِي الدُّنْيَا أَنْ لاَ تَكُونَ
بِمَا فِي بَدَيْكَ أَوْثَقَ بِمَا فِي يَدِ الهِ، وَأَنْ تَكُونَ فِي ثَوَابِ الْمُصِيبَةِ إِذَا أَنْتَ
أُصِبْتَ بِهَا أَرْغَبَ فِيهَا لَوْ أَنَّهَا أُنْقِيَتْ لَكَ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ
التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَعَمْرُو بْنُ وَاقِدِ الرَّاوِي مُنْكَرُ الحَدِيثِ.
[ت: ٢٣٤٠، جه: ٤١٠٠].
وقوله: (إلا أنه لم يذكر: وإن روح القدس) يعني أنه لم يذكره بدلاً عن قوله:
(وإن الروح الأمين) في رواية، بل ذكر (وإن الروح الأمين نفث في روعي) من غير
ذکر قوله: وفي رواية: وإن روح القدس.
٥٣٠١ - [٧] (أبو ذر) قوله: (الزهادة في الدنيا ليست بتحريم الحلال ولا إضاعة
المال ... إلخ)، قالوا: الزهد في الدنيا هو عدم الرغبة فيها، والخروج عن متاعها
وشهواتها ومالها وجاهها، فأشار ◌َلهو أنه لا يتم مقام الزهد بهذا؛ لأن غايته ترك
اللذات والأموال، وإسقاطها وإخراجها عن اليد؛ لأنه في الحقيقة تحريم الحلال وإضاعة
المال، قال: هذا تنقیصاً له وحطًا لرتبته.
وقوله: (ولكن الزهادة في الدنيا ... إلخ) يشير إلى أن مقام الزهد إنما يتحقق
بالتوكل على الله، والثقة به، والاعتماد عليه وعلى ما عنده بالصبر على المصائب؛
رغبة في ثواب الآخرة.
ومعنى (أبقيت) أي: المصيبة (لك) منعت وأخرت عنك ما أصبت بها، والحاصل

٥١٥
(٢٦) كتاب الرقاق
٥٣٠٢ - [٨] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاس قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللهِ وَلِ يَوْماً
فَقَالَ: ((يَا غُلاَمُ احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، وَإِذَا سَأَلْتَ
فَاسْأَلِ اللهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى
أَنْ يَتْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى
أَنْ يَضُرُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلاَمُ
وَجَفَّتِ الصُّحُفُ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ. [حم: ١ /٢٩٣، ت: ٢٥١٦].
٥٣٠٣ - [٩] وَعَنْ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مِنْ سَعَادَةِ ابْنِ
آدَمَ رِضَاهُ بِمَا قَضَى اللهُلَهُ،
أن رغبتك في المصيبة لأجل ثوابها أكثر من رغبتك في عدمها.
٥٣٠٢ - [٨] (ابن عباس) قوله: (احفظ الله يحفظك) أي: احفظ حق الله وراعِهِ
يحفظك الله من مكاره الدنيا والآخرة.
وقوله: (تجاهك) أي: مقابلك، والتاء بدل من الواو، وفي الحديث زيادات في
غير رواية أحمد والترمذي نقلها الطيبي وشرحها(١).
وقوله: (رفعت الأقلام وجفت الصحف) كناية عن معنى القضاء وثبوت القدر
لا يتغير ولا يتبدل.
٥٣٠٣ - [٩] (سعد) قوله: (من سعادة ابن آدم رضاه بما قضى الله له) لأداء
حقوق العبودية وامتثال الأمر الإرادي، ولأن فيه سلامة القلب، وجمعية الخاطر،
وفراغ الوقت من الاضطراب والتدبير والتشعب في أودية الهموم، وأما الاستخارة
(١) انظر: ((شرح الطيبي)) (١٠ / ٣٣٣٨).

٥١٦
(٤) باب التوكل والصبر
وَمِنْ شَقَاوَةِ ابْنِ آدَمَ تَرْكُهُ اسْتِخَارَةَ اللهِ، وَمِنْ شَقَاوَةِ ابْنِ آدَمَ سَخَطُهُ بِمَا
قَضَى اللهُ لَهُ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [حم:
١ / ١٦٨، ت: ٢١٥١].
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٥٣٠٤ - [١٠] عَنْ جَابِرِ: أَنَّهُ غَزَا مَعَ النَّبِيِّ ◌َهِ قِبَلَ نَجْدٍ، فَلَمَّا قَفَلَ
رَسُولُ اللهِ ﴿ قَفَلَ مَعَهُ، فَأَدْرَكَتْهُمُ الْقَائِلَةُ.
فهي مأمور بها، ففيها امتثال الأمر التشريعي كما في سائر الأوامر والنواهي، ولها فوائد
ومنافع في تسهيل الأقدار وحصول الخيرة من الله، وهي أيضاً من الأسباب القدرية
كالدعاء، ووراء ذلك سر لا ينكشف، وقيل: الاستخارة طلب الخير، ومعنى تركه ذلك
أن لا يرضى لما اختاره الله ويتركه، وفيه خفاء، فافهم.
وقوله: (تركه استخارة الله) الاستخارة طلب الخير، ومعنى تركه ذلك أن لا يرضى
بما اختاره الله ويتركه، لما كان الرضا بما قضى الله على الإطلاق يشمل الرضا بما
قدر الله تعالى له من المعاصي، وجب أن يطلب الخير؛ رجاء أن يقدر له الخير، ويذهب
به مذهب الخير .
الفصل الثالث
٥٣٠٤ - [١٠] (جابر) قوله: (قبل نجد) النجد: ما أشرف من الأرض، وبلاد
العرب، وهو تهامة، وكل ما ارتفع من تهامة إلى أرض العراق فهو نجد.
وقوله: (فأدركتهم القائلة) في (القاموس) (١): القائلة: نصف النهار، وقال قيلاً
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٩٤٧).

٥١٧
(٢٦) كتاب الرقاق
فِي وَادٍ كَثِيرِ الْعِضَاءِ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ وَتَفَرَّقَ النَّاسُ يَسْتَظِلُونَ بِالشَّجَرِ،
فَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ وَهِ تَحْتَ سَمُرَةٍ، فَعَلَّقَ بِهَا سَيْفَهُ، وَنِمْنَا نَوْمَةً، فَإِذَا
رَسُولُ اللهِ ﴿ يَدْعُونَا وَإِذَا عِنْدَهُ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: ((إِنَّ هَذَا اخْتَرَطَ عَلَيَّ سَيْقِي
وَأَنَا نَائِمٌ، فَاسْتَيْقَظْتُ وَهُوَ فِي بَدِهِ صَلْتاً)، قَالَ: مَا يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ فَقُلْتُ:
((اللهُ ثَلاَثَاً، وَلَمْ يُعَاقِبْهُ وَجَلَسَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٩١٠، م: ٨٤٣].
٥٣٠٥ - [١١] وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي بَكْرِ الإِسْمَاعِيلِيِّ فِي ((صَحِيحِهِ)):
فَقَالَ(١): مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: ((الله)، فَسَقَطَ السيفُ مِنْ يَدِهِ، فَأَخَذَ
رَسُولُ اللهِّهِ السَّيْفَ فَقَالَ: ((مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟)) فَقَالَ: كُنْ خَيْرَ آخِذٍ، فَقَالَ:
(تَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ وَأَنّي رَسُولُ اللهِ»؟ قَالَ: لاَ، وَلَكِنِّي أُعَاهِدُكَ عَلَى
أَنْ لاَ أُقَاتِلَكَ وَلاَ أَكُونَ مَعَ قَوْمٍ يُقَاتِلُونَكَ، فَخَلَّى سَبِيلَهُ،
وقائلة وقَيلولة ومَقيلاً ومَقالاً وتَفَيَّل: نام فيه، فهو قائل. (كثير العضاه) في (القاموس)(٢):
العضاهة بالكسر: أعظم الشجر، أو الخمط، أو كل ذات شوك، أو ما عظم منها وطال،
كالعضه كعنب، والعِضَهَة كعنبة، والجمع عضاه. و(السمرة) بفتح السين وضم الميم
واحدة سَمُر: شجر الطلح، والطلح: شجر عظام، كالطلاح ككتاب. و(اخترط السيف)
سلَّه من غمده. (صلتاً) الصلت بالفتح: السيف الصيقل الماضي، والسكين الكبير،
ويضم. وقال الطيبي(٣): صلتاً، أي: مسلولاً.
٥٣٠٥ _ [١١] (أبو بكر الإسماعيلي) قوله:
(١) في نسخة: ((قال)).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ١١٢٥).
(٣) ((شرح الطيبي)) (٩ / ٣٦٧).

٥١٨
(٤) باب التوكل والصبر
فَأَتَى أَصْحَابَهُ فَقَالَ: جِسْكُمْ مِنْ عِنْدِ خَيْرِ النَّاسِ. هَكَذَا فِي ((كِتَابِ الْحُمَيْدِيِّ)
وَفِي ((الرِّيَاضٍ)). [الجمع بين الصحيحن: ١٥٢٦، رياض: ٧٨].
٥٣٠٦ - [١٢] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ قَالَ: ((إِنِّي لأَعْلَمُ آيَةً
لَوْ أَخَذَ النَّاسُ بِهَا لَكَفَتْهُمْ: ﴿وَمَنْ يَتَِّ اَللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجً ا وَيَرْزُقَّهُ مِنْ حَيْثُ لَا
يَحْتَسِبٌ﴾)). [الطلاق: ٢ -٣]. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنِ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [حم: ١٧٩/٥،
جه: ٤٢٧٣، دي: ٢٧٢٥].
٥٣٠٧ _ [١٣] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: أَقْرَأَنِي رَسُولُ اللهِوَّ ◌ِ: (إني
أنا الرَّزَّاقُ ذُو القُوَّةِ الْمَتِينُ). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ
حَسَنٌ صَحِيحٌ. [د: ٣٩٩٣، ت: ٢٩٤٠].
٥٣٠٨ - [١٤] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ أَخَوَانِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ لَّهِ،
فَكَانَ أَحَدُهُمَا يَأْتِي النَّبِيَّ ◌َّهِ وَالآخَرُ يَخْتَرِفُ، فَشَكَا الْمُحْتَرِفُ أَخَاهُ إِلَى
النَّبِيِّ وَّ،
(في الرياض) أي (رياض الصالحين) تصنيف الشيخ محيي الدين النووي.
٥٣٠٦ - [١٢] (أبو ذر) قوله: (لو أخذ الناس بها) أي: عملوا بها واتقوا،
(لكفتهم) من طلب الرزق والتعب في أسبابها، قال بعض المشايخ: لكل قوم حرفة،
وحرفتنا التقوى والتوكل، أو كما قال.
٥٣٠٧ - [١٣] (ابن مسعود) قوله: (إني أنا الرزاق) قراءة شاذة في قوله تعالى:
﴿ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ﴾ [الذاريات: ٥٨].
٥٣٠٨ _ [١٤] (أنس) قوله: (فشكا المحترف أخاه) أي: عن إنفاقه على ذلك
الأخ، (النبي و ) أي: إلى النبي ◌َله بحذف الخافض، يقال: شكا أمره إلى الله شكوى،

٥١٩
(٢٦) كتاب الرقاق
فَقَالَ: (لَعَلَّكَ تُرْزَقُ بِهِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ.
[ت: ٢٣٤٥].
٥٣٠٩ - [١٥] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((إِنَّ
قَلْبَ ابْنِ آدَمَ بِكُلِّ وَادِ شُعْبَةٌ، فَمَنْ أَنْبَعَ قَلْبَهُ الشُّعَبَ كُلَّهَا لَمْ يُبَالِ اللهُبِأَيِّ وَادٍ
أَهْلَكَهُ، وَمَنْ تَوَكَّلَ عَلَى اللهِ كَفَاهُ الشُّعَبُ)). رَوَاهُ ابْنِ مَاجَهْ. [جه: ٤٢١٨].
٥٣١٠ - [١٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ﴿ قَالَ: ((قَالَ رَبِّكُمْ رَّ:
لَوْ أَنَّ عَبِيدِي أَطَاعُونِي لأَسْقَيْتُهُمُ الْمَطَرَ بِاللَّيْلِ، وَأَطْلَعْتُ عَلَيْهِمُ الشَّمْسَ
بِالنَّهَارِ، وَلَمْ أَسْمِعْهُمْ صَوْتَ الرَّعِدِ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٣٥٩/٢].
٥٣١١ - [١٧] وَعَنْهُ قَالَ: دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى أَهْلِهِ، فَلَمَّا رَأَى مَا بِهِمْ مِنَ
الْحَاجَةِ خَرَجَ إِلَى الْبَرِيَّةِ،
وينون، كذا في (القاموس)(١).
٥٣٠٩ _ [١٥] (عمرو بن العاص) قوله: (بكل واد شعبة) أي: في كل هم له
قطعة، كناية عن تشعب همومه وتفرقها في أسباب رزقه وتحصيله، ومن فوض أموره
إلى الله تعالى كفاه مؤن حاجاته المتشعبة، ومن يتوكل على الله فهو حسبه.
٥٣١٠ - [١٦] (أبو هريرة) قوله: (ولم أسمعهم صوت الرعد) كناية عن الأمن
والسلامة الخالصة عن خوف الهلاك كما يكون في السحاب من الخوف بالرعد
والبرق .
٥٣١١ - [١٧] (وعنه) قوله: (خرج إلى البرية) أي: ليحصل له شيء فيجيء به
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١١٧).

٥٢٠
(٤) باب التوكل والصبر
فَلَمَّا رَأَتِ امْرَأَنْهُ قَامَتْ إِلَى الرَّحَى فَوَضَعَنْهَا وَإِلَى النَّورِ فَسَجَرَتْهُ، ثُمَّ قَالَتْ:
اللهُمَّ ارْزُقْنَا، فَنَظَرَتْ فَإِذَا الْجَفْنَةُ قَدِ امْتَلَأَتْ، قَالَ: وَذَهَبَتْ إِلَى التَّنُّورِ
فَوَجَدَتْهُ مُمْتَلِئاً، قَالَ: فَرَجَعَ الزَّوْجُ، قَالَ: أَصَبْتُمْ بَعْدِي شَيْئاً؟ قَالَتِ امْرَأَتُهُ:
نَعَمْ مِنْ رَبِّنَا، وَقَامَ إِلَى الرَّحَى، فَذُكِرَ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ ◌َِّفَقَالَ: ((أَمَا إِنَّهُ لَوْ
لَمْ يَرْفَعْهَا لَمْ تَزَلْ تَدُورُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَة)). رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٥١٣/٢].
٥٣١٢ - [١٨] وَعَنْ أَبِيِ الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ
الرِّزْقَ لَيَطْلُبُ الْعَبْدَ كَمَا يَطْلُبُهُ أَجَلُهُ)). رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي ((الْحِلْية). [حلية:
٦ / ٨٦].
إلى الأهل، و(البرية) بتشديد الراء والياء: الصحراء، (فلما رأت امرأته) أي: حالة
الزوج وخروجه لطلب الرزق (قامت إلى الرحى ووضعتها) أي: وضعت الرحى بين
يديها لتدورها، أو وضعت أحد شقي الرحى على الأخرى رجاء أن يجيء زوجها
بشيء من الحبوب فتطحنها.
وقوله: (فسجرته) سجر التنور: أحماه، و(الجفنة) القصعة الكبيرة، والمراد
هنا ما يوضع تحت الرحى ليجتمع فيها الدقيق، (فوجدته ممتلئاً) أي: وجدت التنور
ممتلئاً من الخبز من غير أن تعجن وتخبز، (فقام) أي: الزوج (إلى الرحى) أي: ثم
رفعها .
وقوله: (أما إنه لو لم يرفعها ... إلخ)، فإن النظر إلى الأسباب وتفتيشها يورث
الخلل في اليقين والفتور فيه، وذلك كثير في المعجزات.
٥٣١٢ - [١٨] (أبو الدرداء) قوله: (إن الرزق ليطلب العبد كما يطلبه أجله)
فالرزق يصل إليه ما لم يصل الأجل؛ فإذا جاء الأجل انقطع الرزق.