Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤٠١
(٢٦) كتاب الرقاق
وَإِنِ اسْتَأْذَنَ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، وَإِنْ شَفَعَ لَمْ يُشَفَّعْ)). رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٨٨٧].
٥١٦٢ - [٨] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهَِ﴿ قَالَ: «إِنَّ
مِمَّا أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي مَا يُفْتَحُ عَلَيْكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا))، فَقَالَ
رجلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ! أوَيَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ؟ فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ يُنْزَلُ عَلَيْهِ،
قَالَ: فَمَسَحَ عَنْهُ الرُّحَضَاءَ وَقَالَ:
وقوله: (إن استأذن) أي: الناس في دخوله عليهم وجلوسه مجلسهم (لم يؤذن
له) لحقارته في أعين أهل الظاهر، وهو مقرب حضرة الله ومعزز عنده، (وإن شفع)
الناس في أمر (لم يشفع) لم تقبل شفاعته؛ لعدم مبالاة الناس به، وهو بحيث لو أقسم
على الله لأبره.
٥١٦٢ - [٨] (أبو سعيد الخدري) قوله: (أويأتي الخير بالشر؟) الباء للتعدية،
أي: حصول المال بالغنائم لنا خير، وهل يكون ذلك الخير سبباً للشر وترك الطاعة؟
وقوله: (فمسح عنه الرحضاء) بضم الراء وفتح الحاء المهملة والضاد المعجمة
ممدوداً، كذا في (مشارق الأنوار)(١)، وفي (القاموس) (٢): هي عرق إثر الحمى، أو عرق
يغسل الجلد كثرةً، وقد رحض المحموم كعني، والرحاض بالضم اسم منه، وفي
(النهاية)(٣): الرحض الغسل، وفي حديث أواني المشركين: (إن لم تجدوا غيرها
فارحضوها بالماء)، والرحيض: الثوب المغسول، والرحضاء: هو عرق يغسل الجلد
لكثرته، وكثيراً ما يستعمل في عرق الحمى والمرض.
(١) ((مشارق الأنوار)) (١ / ٤٥٥).
(٢) ((القاموس)) (ص: ٥٩٣).
(٣) ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) (٢/ ٢٠٨).

٤٠٢
(٢٦) كتاب الرقاق
((أَيْنَ السَّائِلُ؟)) وَكَأَنَّهُ حَمِدَهُ، فَقَالَ: ((إِنَّهُ لاَ يَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ، وَإِنَّ مِمَّا
يُثْبِتُ الرَّبِيعُ مَا يَقْتُلُ حَبَطاً أَوْ يُلِمُّ، إِلَّ آكِلَةَ الْخَضِرِ أَكَلَتْ حَتَّى امْتَدَّتْ
خَاصِرَتَاهَا اسْتَقْبَلَتْ عَيْنَ الشَّمْسِ.
وقوله: (وكأنه حمده) جعلوا المضمر المرفوع للنبي ◌ّر والمنصوب للسائل،
أي: أثنى عليه في سؤاله، فأجابه لأنه كان محل السؤال والاستفسار.
وقوله: (إنه لا يأتي الخير بالشر) إشارة إلى أن المال وإن كثر فهو خير، وإنما
يصير شرًّا بعارض البخل والإسراف، كالربيع ما أنبت إلا ما هو خير في نفسه، والهلاك
للإفراط في الأكل كما بينه بقوله: (وإن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطاً) والحبط بفتحتين:
التخمة، وفي (القاموس) (١): وجع ببطن البعير من كلا يكثر منه فتنتفخ منه، فلا يخرج
منه شيء، حبط كفرح، أو انتفاخ البطن عن أكل الذُّرق، وفي (الصراح)(٢): حبط
بالتحريك: شكم برآمدن ستور را از خردن، ويروى من الخاء المعجمة من التخبط،
وهو الاضطراب، كذا في (مجمع البحار)(٣)، ولا شك أن الأول أقرب وأنسب،
والله أعلم.
وقوله: (أو يلم) من الإلمام، وهو المقاربة، في (القاموس)(٤): وغلام مُلِمٌّ،
بضم أوله: قارب البلوغ، فالمعنى ما يقارب القتل.
وقوله: (إلا آكلة الخضر) استثناء مفرغ، أي: يقتل آكليه كلهم إلا آكل الخضر
بالصفة المذكورة المبنية بقوله: (أكلت حتى امتدت ... إلى آخره)، و(آكلة) على
(١) ((القاموس)) (ص: ٦٠٩).
(٢) ((الصراح)) (ص: ٢٨٨).
(٣) ((مجمع بحار الأنوار)) (١ / ٤٨٨).
(٤) ((القاموس)) (ص: ١٠٦٨).

٤٠٣
(٢٦) كتاب الرقاق
فَثَلَطَتْ وَبَالَتْ، ثُمَّ عَادَتْ فَأَكَلَتْ،
لفظ اسم الفاعل، وتأنيثه بتقدير موصوفه مؤنثاً، أي: دابة آكلة، أو جماعة آكلة، أو
التاء للمبالغة، والاستثناء المفرغ في الكلام الموجب صحيح عند إرادة العموم،
و(الخضر) بكسر الضاد: من النبات الرخص الغض، قال الأزهري: والخضر هنا ضرب
من الجنبة، والجَنْبة: ما له أصل غامض في الأرض، فالماشية تشتهيه وتكثر منه؛
لأنه يبقى فيه خضرة ورطوبة بعد يبس البقول وهيجها، واحده خضرة، كذا في (مشارق
الأنوار)(١)، وفي (القاموس)(٢): الخضر ككتف: الغصن والزرع والبقلة الخضراء
كالخضرة والخضير، وضرب من الجنبة، واحدته بهاء، وسعف النخل، وجريده
الأخضر، واختُضِرَ: أُخِذَ غَضًّا، ثم إنه جاء عند العذري في حديث أبي الطاهر:
(الخضرة) بزيادة التاء، أي: النبات الأخضر الناعم، وعند الطبري وبعضهم: الخضر
بضم الخاء وسكون الضاد، والرواية الأولى أعرف، وكذا في أكثر الأحاديث والروايات،
كذا قال القاضي عياض، وقال الكرماني: الخضراء بسكون ضاد ومد، أي: من جملة
ما ينبته الربيع شيء يقتل إلا خضراء إذا اقتصد فيه آكله، وروي (ألا) بخفة لام استفتاحية،
أي: ألا انظروا لآكله واعتبروا بها(٣).
وقوله: (فثلطت) أي: ألقت ما في بطنها رقيقاً، إذا شبعت فثقل عليها ما أكلت،
فتحيلت في دفعه بأن تستقبل الشمس فتحمي بها فسهل خروجه؛ فإذا خرج زال الانتفاخ
فسلمت، يعني المقتصد المحمود العاقبة وإن جاوز حد الاقتصاد في بعض الأحيان
(١) ((مشارق الأنوار)) (١ / ٣٨٣).
(٢) ((القاموس)) (ص: ٣٦٠).
(٣) انظر: ((مجمع بحار الأنوار)) (٢ / ٥٣).

٤٠٤
(٢٦) كتاب الرقاق
وَإِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِحَقِّهِ وَوَضَعَهُ فِي حَقِّهِ فَنِعْمَ
الْمَعُونَةُ هُوَ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ كَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلاَ يَشْبَعُ، وَيَكُونُ
شَهِيداً عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٤٦٥، م: ١٠٥٢].
وقرب من السرف المذموم لغلبة الشهوة المركوزة في الإنسان لكنه يرجع عن قريب
عن ذلك الحد المذموم ولا يثبت عليه، بل يلتجئ إلى التوبة وعلاج نفسه بما يطهره
ويزكيه، فهذا إشارة إلى الاقتصاد في شهوات الدنيا كما أن الأول المذكور في قوله :
(يقتل حبطاً) إشارة إلى الإسراف والتجاوز عن الحد، بل لا يبعد أن يدّعى أن في الحديث
تلويحاً إلى قسم ثالث، وهو الزهد في الدنيا وزينتها مطلقاً، فالمفرط السرف الذي
هلك في لذات الدنيا وشهواتها مثال للكافر، والذي أسرف لكنه قد يتحرى في إزالة
ذلك ويحتال في دفع مضرتها مثال للمؤمن العاصي، والذي يزهد فيها ولا يلتفت إلى
الدنيا وزهرتها مثال للزهد، ولو جعلت الأمثلة الثلاثة للمؤمنين، الأول لمرتكب
المعاصي المصرّ عليها، والثاني لمن يفعل ويرجع ثم يقع ويتردد حاله تارةً فتارةً
للمؤمن المتوسط الحال، والثالث للزاهد المتقي المشار إليه بقوله تعالى: ﴿ ثُمَّأَوْرَقْنَا
اَلْكِتَبَ الَّذِينَ اصْطَفَيَّنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَتِ﴾
[فاطر: ٣٢] لم یبعد، فتدبر.
ثم بَيَّنَ سبب الوقوع في الإسراف وثبات من يثبت وزلة من زلّ بقوله: (وإن
هذا المال خضرة حلوة ... إلخ)، قال القاضي عياض(١): (خضرة) بفتح الخاء وكسر
الضاد، كذا وقع للأصيلي بزيادة التاء في (كتاب الوصايا)، و(كتاب الخمس)، وفي
غير هذا الموضع: (خضر حلو) بغير تاء، والخضر بكسر الضاد: من النبات الرخص
(١) ((مشارق الأنوار)) (١ / ٣٨٣).

٤٠٥
(٢٦) كتاب الرقاق
٥١٦٣ - [٩] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَهِ: ((فَوَاللهِ
لَ الْفَقْرُ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنْ أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَاكَمَا
بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا
أَهْلَكَتْهُمْ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٠١٥، م: ٢٩٦١].
الغض، والبقلة الخضراء: التي علت من الريّ، واحدته خضرة، وعلى رواية (خضرة)
فالتأنيث بمعنى تأنيث الدنيا، أي: الفتنة بها، أو تأنيث المشبه بها، أي: كالخضرة،
وقال ثابت: معناه أن المال شهي كالبقلة الخضرة، أو يكون بمعنى فائدة المال، كأنه
قال: الحياة به أو العيشة فيه خضرة، أي: ناعمة مشتهاة، أو يكون المال بمعنى
الدنیا، انتھی .
٥١٦٣ - [٩] (عمرو بن عوف) قوله: (فتنافسوها) أصله تتنافسوا، والتنافس :
الرغبة في الشيء، وشيء نفیس ومنفوس ومنفس کمخرج: یتنافس فيه ويرغب، وقد
نفس ككرم نفاسة ونفاساً، والنهي عن الرغبة فيه إما لأنها تبعث على جمعها وإمساكها،
وإما لأنه يؤدي إلى المنازعة والمقاتلة، كذا قال الطيبي(١)، وفي (القاموس)(٢): نفس
به كفرح: ضَنَّ، ونفس عليه: حسد، وهذان المعنيان أيضاً يصح إرادتهما، وعلى
كل تقدير الضمير في (تنافسوها) منصوب على نزع الخافض، إما في أو الباء أو
على .
وقوله: (كما تنافسوها) على صيغة الماضي، والضمير فيه لـ (من كان
قبلكم).
(١) ((شرح الطيبي)) (٩ / ٢٩٣).
(٢) ((القاموس)) (ص: ٥٣٤).

٤٠٦
(٢٦) كتاب الرقاق
٥١٦٤ - [١٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ قَالَ: («اللهُمَّ اجْعَلْ
رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتاً»، وَفِي رِوَايَةٍ ((كَفَافاً)). مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ. [خ: ٦٤٦٠، م:
١٠٥٥].
٥١٦٤ - [١٠] (أبو هريرة) قوله: (اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً، وفي
رواية: كفافاً) في (القاموس)(١): القوت بالضم والقيت والقيتة بكسرهما: الْمُسْكة
من الرزق، وقاتهم قَوتاً وقُوتاً وقِياتةً، فاقتاتوا، ومن العيش: الكفاية، وفي (الصراح) (٢):
قوت قياتة: خورش دادن من نصر ينصر، قاته أهله يقوته، والاسم قوت بالضم،
وهو ما يقوم به بدن الإنسان من الطعام، ويقال: ما عنده قوت ليلة وقيتة ليلة،
ويقال: قُتُّهُ فاقتات، كما يقال: رزقته فارتزق، وهو في قائت من العيش، أي: في
کفایة .
وفي (مجمع البحار)(٣): (اللهم اجعل رزق محمد قوتاً) أي: بقدر ما يمسك
الرمق من المطعم، وقيل: أي كفاية من غير إسراف، والكفاف كسحاب من الرزق :
ما كف عن الناس وأغنى، كذا في (القاموس) (٤)، قال في (الصراح)(٥): كفاف بالفتح:
اندازه ومانند وروز گذار، وفي الحديث: (اللهم اجعل رزق آل محمد كفافاً)، وفي
(مجمع البحار) (٦): في حديث: (من أسلم ورزق كفافاً) أي: قوتاً يكفه عن الجوع
(١) ((القاموس)) (ص: ١٥٨).
(٢) ((الصراح)) (ص: ٦٧).
(٣) ((مجمع بحار الأنوار)) (٤ / ٣٣٥).
(٤) ((القاموس)) (ص: ٧٨٤).
(٥) ((الصراح)) (ص: ٣٦٢).
(٦) ((مجمع بحار الأنوار)) (٤ / ٤٣٠).

٤٠٧
(٢٦) كتاب الرقاق
أو عن السؤال، وقال في حديث عمر ته: وددت أني أسلمت - وفي رواية: نجوت -
من الخلافة كفافاً لا عليّ ولا لي.
الكفاف: ما لا يفضل عن الشيء، ويكون بقدر الحاجة، وقيل: أراد مكفوفاً
عني شرها، وقيل: أي: تنال مني ولا أنال منها، أي: تكف عني وأكف عنها.
وقال في (مشارق الأنوار)(١) في هذا الحديث: القوت بالضم: ما يمسك رمق
الإنسان، وهي الغنية، قال صاحب (العين): هو المسكة من الرزق، قال ابن دريد:
يقال: قات أهله قوتاً بالفتح، وأقاتهم أيضاً، وهي البلغة من العيش.
إذا عرفت معنى القوت والكفاف عرفت أنهما متحدان أو قريبان في المعنى،
وأنه يفهم من بعض عباراتهم أن القوت بمعنى ما يسدّ الرمق، والكفاف بمعنى القدر
المحتاج إليه، ومع ذلك المراد في الحديث هو الكفاف، وكذا قال الطيبي (٢): هذه
الرواية مفسرة للرواية الأولى، ثم اعلم أن الكفاف يختلف باختلاف الأشخاص والأزمان
والأحوال، فمنهم من يعتاد قلة الأكل حتى إنه يكاد يصبر يوماً أو يومين، ومنهم من
يعتاد الأكل في يوم مرة أو مرتين، ومنهم من له عيال قليل أو كثير، ومنهم من لا عيال
له، ويختلف باختلاف الأزمان وحال الضعف والمرض، ففي زمان الجدب والعسر
يكفي الأدنى، وحال اليسر والقوة يزيد على ذلك، فمقدار الكفاف غير مضبوط،
والمحمود ما يتقوى به على الطاعة والحركات العادية، وقال الطيبي: فيه إرشاد للأمة
إلى أن الزيادة على الكفاف لا ينبغي أن يتعب الرجل في طلبه لأنه لا خير فيه، فكثرة
(١) ((مشارق الأنوار)) (٢ / ٣٢٧).
(٢) ((شرح الطيبي)) (٩ / ٢٩٤).

٤٠٨
(٢٦) كتاب الرقاق
٥١٦٥ - [١١] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((قَدْ
أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ وَرُزِقَ كَفَافاً، وَقَنَّعَهُ اللهُ بِمَا آتَاهُ). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٠٥٤].
٥١٦٦ - [١٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((يَقُولُ
الْعَبْدُ: مَالِي مَالِي، وَإِنَّ مَا لَهُ مِنْ مَالِهِ ثَلاَثٌ: مَا أَكَلَ فَأَقْنَى، أَوْ لَبِسَ
فَأَبْلَى، أَوْ أَعْطَى فَاقْتَنَى،
المال تلهي وقلته تنسي، فما قل منه وكفى خير مما كثر وألهى. وأقول: يمكن أن يراد
بالآل الأمة، وبالقوة على ما هو معناه الأصلي، وإن أريد أهله كما هو الظاهر فالحكم
في غيرهم يثبت بالدلالة، والله أعلم.
٥١٦٥ _ [١١] (عبدالله بن عمرو) قوله: (من أسلم) أي: آمن، أو استسلم في
جميع ما قضى الله، كقوله: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١].
وقوله: (وقنعه الله بما آتاه) في (القاموس) (١): القناعة: الرضا بالقسم، كالقنع
محركة، والفعل كفرح، فهو قَنِعٌ وقانع وقَنوع وقَنيع، القنوع بالضم: السؤال والتذلل
والرضا بالقسم، ضد، والفعل كمنع، ومن دعائهم: نسأل الله القناعة ونعوذ به من
القنوع، [وفي المثل: خير الغنى القنوع، ] وشر الفقر الخضوع.
٥١٦٦ - [١٢] (أبو هريرة) قوله: (وإن ما له من ماله): (ما) موصولة، أي :
الذي له من المنافع من ماله، ولذلك أنث (ثلاث).
وقوله: (فاقتنى) أي: جمع وادخر، أشار إلى أن جمع المال في الحقيقة هو
أن يعطي ويتصدق؛ لأنه ادخر ثوابه لنفسه ليوم الحاجة .
(١) ((القاموس)) (ص: ٦٩٨).

٤٠٩
(٢٦) كتاب الرقاق
وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ ذَاهِبٌ وَتَارِكُهُ لِلنَّاسِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٦٥٩].
٥١٦٧ - [١٣] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((يَتْبَعُ الْمَيِّتَ
ثَلاَثَةٌ: فَيَرْجِعُ اثْنَانِ وَبَيْقَى مَعَهُ وَاحِدٌ، يَتْبَعُهُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَعَمَلُهُ، فَيَرْجِعُ
أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَيَبْقَى عَمَلُهُ)). مُتَفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٥١٤، م: ٢٩٦٠].
٥١٦٨ - [١٤] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وٍَّ:
(أَيْكُمْ مَالُ وَارِثِهِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهِ؟)) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ مَا مِنَّا أَحَدٌ إِلاَّ
مَالُهُ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالٍ وَارِثِهِ، قَالَ: (فَإِنَّ مَالَهُ مَا قَدَّمَ وَمَالَ وَارِثِهِ مَا أَخَّر)).
رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٤٤٢].
٥١٦٩ - [١٥] وَعَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ أَبِهِ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ وَلِهِ وَهُوَ يقْرَأْ:
﴿أَلْهَنْكُمُ الْتَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر: ١] قَالَ: ((يَقُولُ ابْنُ آدَمَ: مَالِي مَالِي))، قَالَ: ((وَهَلْ
لَكَ يَا بْنَ آدَمَ إِلَّ مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ،
وقوله: (وتار که) أي: صاحبه تاركه (للناس).
٥١٦٧ - [١٣] (أنس) قوله: (يتبع الميت ثلاثة) تبعه: مشى خلفه، ومرّ به
فمضى معه، هذا حقيقة، والمراد هنا معنى مجازي عام، وهو تعلقها به بعده، و کونها
معه إلى حين، كأنها تمشي خلفه وتمضي معه، فيرجع الأهل والمال وينقطع التعلق
بينهما وبينه، ویبقی معه متصلاً به العمل، فافهم.
٥١٦٨ - [١٤] (عبدالله بن مسعود) قوله: (فإن ماله) أي: النافع له: (ما قدم)
أي: تصدق.
٥١٦٩-[١٥] (مطرف) قوله:

٤١٠
(٢٦) كتاب الرقاق
أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ؟)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٩٥٨].
٥١٧٠ - [١٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((لَيْسَ
الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ، وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٤٤٦،
م: ١٠٥١].
* الْفَصْلُ الثَّانِي :
٥١٧١ - [١٧] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((من يَأْخُذُ
عَنِّي هَؤُلاءِ الْكَلِمَاتِ فَيَعْمَلُ بِهِنَّ،
(فأمضيت) في (القاموس)(١): أمضاه: أنفذه، وقيل: معناه أمضيته من الإفناء والإبلاء
وأبقيته للآخرة .
٥١٧٠ - [١٦] (أبو هريرة) قوله: (عن كثرة العرض) و(العرض) محركة:
متاع الدنيا وحطامها نقداً كان أو غيره، وجمعه أعراض، قيل: كأنه من العرض المقابل
للجوهر، وهو لا يبقى زمانين عند الأشاعرة، وبالسكون ما سوى النقدين، وجمعه
عروض، وفي (الصراح)(٢): عرض بالسكون: رخت وهرچه زر وسیم باشد، عرض
بالتحريك: مال دنيا، أعراض جماعت، ويفهم من (القاموس)(٣) أن ما هو بمعنى
ما سوی النقدین قد يحرك.
الفصل الثاني
٥١٧١ - [١٧] (أبو هريرة) قوله: (هؤلاء الكلمات) في (المصابيح): (هذه
(١) ((القاموس)) (ص: ١٢٢٥).
(٢) ((الصراح)) (ص: ٢٨٠).
(٣) ((القاموس)) (ص: ٥٩٥).

٤١١
(٢٦) كتاب الرقاق
أَوْ يُعَلِّمُ مَنْ يَعْمَلُ بِهِنَّ؟)) قُلْتُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ، فَأَخَذَ بِيَدِي، فَعَدَّ خَمْساً
فَقَالَ: ((اتَّقِ الْمَحَارِمَ تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ، وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللهُ لَكَ تَكُنْ أَغْنَى
النَّاسِ، وَأَحْسِنْ إِلَى جَارِكَ تَكُنْ مُؤْمِناً، وَأَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ تَكُنْ
مُسْلِماً، وَلاَ تُكْثِرِ الضَّحِكَ؛ فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ الْقَلْبَ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ
وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [حم: ٢/ ٣١٠، ت: ٢٣٠٥].
الكلمات).
وقوله: (أو يعلم) يدل على أن الأصل أن تعمل، فإنه المقصد الأصلي من العلم،
وإن وقع التقصير في العمل فثواب التعليم باق، فلا ينبغي أن تخلو عنهما، فإن جمعا
فهو الأتم والأكمل، وقال الطيبي(١): (أو) بمعنى الواو.
وقوله: (اتق المحارم تكن أعبد الناس) فإن قلت: العبادة على قسمين: امتثالية
واجتنابية، فما معنى هذه العبارة؟ قلت: هي تنبيه على الاهتمام بشأن الاجتناب، يعني
أن العبادة الامتثالية إنما تتم وتكمل بالاجتناب عن المحارم، فمن لم يستقص في
الامتثاليات النوافل والمندوبات، ولكنه يتق المحارم، ويجتنب عنها، ويبالغ في ذلك،
فهو أعبد من الذي يستقصي في الامتثال ويقصر في الاجتناب، هكذا قال المشايخ.
وقوله: (تكن مؤمناً) إشارة إلى قوله: (حتى يأمن جاره).
وقوله: (تكن مسلماً) يؤخذ من الحديث أن الإسلام والإيمان واحد مع ما ورد:
(ولا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه).
وقوله: (ولا تكثر الضحك) في (القاموس)(٢): ضحك ضحكاً بالفتح وبالكسر
(١) ((شرح الطيبي)) (٩ / ٢٩٧).
(٢) ((القاموس)) (ص: ٨٧٢).

٤١٢
(٢٦) كتاب الرقاق
٥١٧٢ - [١٨] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((إِنَّ اللهَ يَقُولُ: ابْنَ آدَمَ
تَفَرَّغْ لِعِبَادَتِي أَمْلأْ صَدْرَكَ غِنَّى وَأَسُدَّ فَقْرَكَ، وَإِنْ لاَ تَفْعَلْ مَلأْتُ يَدَكَ شُغُلاً
وَلَمْ أَسُدَّ فَقْرَكَ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنِ مَاجَهْ. [حم: ٢/ ٣٥٨، جه: ٤١٠٧].
٥١٧٣ - [١٩] وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: ذُكِرَ رَجُلٌ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ بِعِبَادَةٍ
وَاجْتِهَادٍ، وَذُكِرَ آخَرُ بِرِعَةٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َهِ: ((لاَ تَعْدِلْ بِالرِّعَةِ))، يَعْنِي
الْوَرَعَ. رَوَاهُ التِّرْ مِذِيُّ. [ت: ٢٥١٩].
ويكسرتين وككتف، ولعل المراد به القهقهة، والعلة الغفلة؛ فإن حياة القلب في
ذكر الله .
٥١٧٢ - [١٨] (وعنه) قوله: (أملأ صدرك) أي: باطنك بالرضا عني فأغنيك
عن الناس .
وقوله: (ملأت يدك) أي: ظاهرك بالمال وتشتغل، وكنت مشتغلاً به فقيراً إليه،
فالغنى إنما هو بالقلب لا بالمال، وذلك ثمرة القصد والتقوى، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ.
مَخْرَجًا﴾ الآية [الطلاق: ٢].
٥١٧٣ - [١٩] (جابر) قوله: (برعة): (الرعة) بكسر الراء وفتح العين: الورع
والتقوى، مصدر ورع یرع، من باب ضرب يضرب، کالعدة من وعد یعد.
وقوله: (لا تعدل) يروى على وجهين: بلفظ نهي المخاطب المعلوم، وفي
بعض نسخ (المصابيح): (لا تعدل بالرعة شيئاً)، ونفي المضارع المجهول المذكر.
والتقوى والورع أعلاهما الاقتصار على الضرورة، وهي لقمة يسد بها الجوع،
وخرقة يستر بها العورة، وحفرة ينفي بها الحر والبرد، وذلك لأخص الخواص، ثم
الاقتصار على المباح وذلك للخواص، ثم الكف عن المحارم مع ارتكاب الشبهات،

٤١٣
(٢٦) كتاب الرقاق
٥١٧ - [٢٠] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونِ الأَوْدِيِّ قَالَ:
وهذا لأوساط عوام المؤمنين، والرجل إذا جاوز الضرورة وقع في المباحات، وإذا
اتسع في المباحات وقع في الشبهات والمكروهات، وإذا وقع فيها ولم يكف عنها وقع
في المحرمات، وإذا انهمك فيها كاد أن يقع في الكفر، نعوذ بالله منه ومما يفضي إليه.
ولقد وضع شيخ شيخنا علي المتقي رحمة الله عليه في بعض رسائله جدولاً
لتصوير هذه المراتب، فيه خمس بيوت، أثبت في البيت الأول الضرورة، وفي الثانية
المباح، وفي الثالثة المكروه، وفي الرابعة الحرام، وفي الخامسة الكفر بهذه الصورة:
الضرورة
المباح
المكروه
الحرام
الکفر
أقول: هذه مراتب التنزل، وفي مقابلتها مدارج الترقي، وهي الفرائض والواجبات
والسنن والمستحبات والاستقامة، وبالله التوفيق.
فإن قلت: الأنبياء صلوات الله عليهم أخص أخص الخواص وكانوا لا يكتفون
بحد الضرورة؟ قلت: هم معصومون من الوقوع في المعصية، وفعلهم للتشريع والتعليم
لئلا تقع الأمة في ضيق وحرج.
٥١٧٤ _ [٢٠] (عمرو بن ميمون) قوله: (الأودي) بهمزة مفتوحة وسكون واو
وبدال مهملة، منسوب إلى أود بن صعب.

٤١٤
(٢٦) كتاب الرقاق
قَالَ رَسُولُ اللهََِّ لِرَجُلٍ وَهُوَ يَعِظُهُ: ((اغْتَنِمْ خَمْساً قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ
هَرَمِكَ، وَصِخَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ،
وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ مُرْسلاً.
٥١٧٥ _ [٢١] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ نَِّ قَالَ: ((مَا يَنْتَظِرُ أَحَدُكُمْ
إِلَّ غِنِّى مُطْغِياً، أَوْ فَقْراً مُنْسِياً، أَوْ مَرَضاً مُفْسِداً، أَوْ هَرَماً مُفْنِداً، .....
وقوله: (اغتنم) من الغنيمة، وهو الفيء، وهو المال الذي يحصل من حرب
الكفار، وقد يجيء بمعنى الفوز بالشيء بلا مشقة، واغتنمه: عدَّه غنيمة.
٥١٧٥ - [٢١] (أبو هريرة) قوله: (ما ينتظر أحدكم إلا ... إلخ)، يعني لما
لم يغتنم الفرصة ولم يعبد الله عند الفراغ عن الشواغل فكأنه ينتظر هذه الأمور الشاغلة
عن العبادات، وإذا لم يعبد عند قوة البدن وقلة الشواغل كيف يعبد معها؟
وقوله: (إلا غنى مطغياً) في (القاموس)(١): طَغِي، طَغياً وطغياناً بالضم
والكسر: جاوز القدر، وارتفع، وغلا في الكفر، وأسرف في المعاصي والظلم،
وفي (الصراح)(٢): طغيان: از حد در گذشتن، طاغي نعت منه.
(أو فقراً منسياً) أي: يجعل صاحبه مشغولاً مدهوشاً، فينسيه الطاعةَ من الجوع
والعري وهمّ القوت، (أو مرضاً مفسداً) أي: للبدن لشدته، أو الدين للضعف والكسل
الحاصل به. (أو هرماً مفنداً بالتخفيف من الإفناد، أي: الموقع في الفند، و(الهرم)
محركة: أقصى الكبر وشدة الشيخوخة، هرم كفرح، فهو هرم بكسر الراء، وفي
(١) ((القاموس)) (ص: ١٢٠٠).
(٢) ((الصراح)) (ص: ٥٧٢).

٤١٥
(٢٦) كتاب الرقاق
أَوْ مَوْتاً مُجْهِزاً، أَوِ الدَّجَّالَ،
(القاموس)(١): الفند بالتحريك: الخَرَفُ، وإنكار العقل لهرم أو مرض، والخطأ في
القول والرأي، والكذب كالإفناد، ولا تقل: عجوز مفندة؛ لأنها لم تكن ذات رأي
أبداً، وفَّده تفنيداً: كذّبه، وعجَّزه، وخطًأ رأيه، كأفنده، وفي (الصراح)(٢): فند:
دروغ وسست رأي، إفناد: دروغ گفتن وخرف شدن، انتهى.
والظاهر أن المراد في الحديث معنى الخرافة وضعف الرأي، فلا حاجة إلى اعتبار
تشبيههم بالكاذب، كما نقل الطيبي(٣): قالوا للشيخ إذا هرم: قد أفند؛ لأنه يتكلم
بالمحرف من الكلام عن سنن الصحة، فشبه بالكاذب في تحريفه، وكذا قوله: الفند
في الأصل: الكذب، وأفند: تكلم بالفند، ليس على ما ينبغي، فافهم.
وقوله: (أو موتاً مجهزاً) بالتخفيف أيضاً، في (القاموس) (٤): جهز على الجريح،
کمنع، وأجهز: أثبت قتله، وأسرعه، وتمّم عليه، وموت مُجْهِز وجهیز: سريع، وفرس
جهيز، وفي (الصراح)(٥): إجهاز خسته را كشتن، يقال: أجهزه وعليه، فرس جهیز:
أسپ سخت دونده، والمراد الموت بغتة بحيث لا يقدر على التوبة.
وقوله: (أو الدجال) أي: أو ما ينتظر إلا الدجال، لما ذكر ◌ّله الشواغل المانعة
عن العبادة والثبات على الإسلام، وذكر منها الأحوال من الغنى والفقر، والمرض
والموت، ذكر الدجال الذي يكون في آخر الزمان؛ فإنه أيضاً بلاء شاغل مزلزل للإنسان
(١) ((القاموس)) (ص: ٢٩٢).
(٢) ((الصراح)) (ص: ١٤٢).
(٣) ((شرح الطيبي)) (٢٩٩/٩).
(٤) ((القاموس)) (ص: ٤٧٠).
(٥) ((الصراح)) (ص: ٢٢٣).

٤١٦
(٢٦) كتاب الرقاق
فَالدَّجَّالُ شَرُّ غَائِبِ يُنْتَظَرُ، أَوِ السَّاعَةَ، وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ
وَالنَّسَائِيُّ(١). [ت: ٢٣٠٦].
٥١٧٦ - [٢٢] وَعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: ((أَلاَ إِنَّ الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ،
مَلْعُونٌ مَا فِيهَا إِلَّ ذِكْرُ اللهِ وَمَا وَالاَهُ،
عن الاستقامة، وقال: إنه (شر غائب ينتظر) فقوله: (ينتظر) صفة لـ (غائب)، و(شر)
مضاف إليه، أي: شر الأشياء الغائبة التي ينتظر وجودها، ثم ذكر آخر الأواخر - وهي
الساعة -، وقال: (والساعة أدهى وأمر) و(أدهى) أفعل تفضيل، من دهته الداهية،
والداهية: أمر فظيع لا يهتدى لزواله، و(أمرّ) أيضاً أفعل، من مرّ يمرّ مرارة، ضد
الحلاوة .
٥١٧٦ - [٢٢] (وعنه) قوله: (وما والاه) ذكروا في توجيهه ثلاثة أوجه:
إحداها: أن (والاه) من الولي بمعنى المحبة، والمستكن في (والاه) لله والبارز
لـ (ما)، والمراد بما والاه الله ما أحبه الله من القرب والطاعات.
وثانيها: أنه من الولي بمعنى القرب، والضمير المستكن لـ (الذكر) والبارز لـ (ما)،
أو على العكس، أي: ما قاربه وشابهه، والمراد به ذكر خير، يعني من غير ذكر الله.
وثالثها: أنه من الموالاة بمعنى المتابعة، والمستكن والبارز لـ (الذكر)، أي:
ما تابع الذكر ولازمه، وكان من مقتضيات الذكر اتباع أمره ونهيه تعالى، وهذه الوجوه
كلها إنما تتم إذا أريد بالذكر ذكر اسمه سبحانه، وأما إذا أريد به ما يشمل كل عمل
خير يعمل بنية التقرب، فالطاعات والعبادات كلها داخلة في الذكر، فيمكن أن يراد
(١) لم أجده في ((سنن النسائي) لا في ((الصغرى)) ولا في ((الكبرى))، بل أخرجه ابن المبارك في
((الزهد)) (٧) واللفظ له.

٤١٧
(٢٦) كتاب الرقاق
وَعَالِمٌ أَوْ مُتَعَلِّمٌ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٢٣٢٢، جه: ٤١١٢].
٥١٧٧ - [٢٣] وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((لَوْ
كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِراً مِنْهَا شَرْبَةً)). رَوَاهُ
أَحْمِدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنِ مَاجَهْ. [ت: ٢٣٢٠، جه: ٤١١٠].
٥١٧٨ - [٢٤] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((لاَ تَّخِذُوا
الضَّيْعَةَ فَتَرْغَبُوا فِي الدُّنْ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي ((شُعَبِ الإِيمَانِ)).
[ت: ٢٣٢٨، شعب: ٩٩٠٦].
بما والاه الأسباب التي تتولى أمر الذكر وتعين عليه من كفاف المعيشة والضروريات
الأخر، أو يكون المراد الذاكرين، والتعبير بـ (ما) لإرادة الصفة، كما يقال في تفسير
أمثال قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بََّهَا﴾ [الشمس: ٥]، ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْنَى﴾ [الليل: ٣]، أو لأنها
أعم تستعمل على ذوي العقل وغيرهم كما قال ابن الحاجب، فافهم.
وقوله: (وعالم أو متعلم) هكذا في أكثر الروايات، والظاهر النصب كما في
(سنن ابن ماجه) مع إبدال الواو بـ (أو) مكررة؛ لأنه عطف على (ذكر الله)، وهو منصوب
على الاستثناء من الكلام الموجب، وقد يرفع (إلا ذكر الله) أيضاً بناءً على المعنى أي:
لا یحمد إلا ذكر الله وعالم أو متعلم.
٥١٧٧ - [٢٣] (سهل بن سعد) قوله: (ما سقى كافراً منها شربة) في نسخ
(المصابيح): (شربة ماء).
٥١٧٨ - [٢٤] (ابن مسعود) قوله: (لا تتخذوا الضيعة) بالفتح: حرفة الرجل
وصناعته وتجارته، والمراد النهي عن التوغل في اتخاذها فتلهوا [بها] عن ذكر الله،

٤١٨
(٢٦) كتاب الرقاق
٥١٧٩ - [٢٥] وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((مَنْ أَحَبَّ
دُنْيَاهُ أَضَرَّ بِآخِرَتِهِ، وَمَنْ أَحَبَّ آخِرَّتَهُ أَضَرَّ بِدُنْيَاهُ، فَآَثِرُوا مَا يَبْقَى عَلَى
مَا يَفْنَى)). رَوَاهُ أَحْمِدُ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي ((شَعَبِ الإِيمَانِ)). [حم: ١٩٦٩٧، شعب:
٩٨٥٤].
٥١٨٠ - [٢٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ◌َلْ قَالَ: ((لُعِنَ عَبْدُ الدِّينَرِ،
وَلُعِنَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٣٧٥].
وفي (مجمع البحار)(١): هي البساتين والمزرعة والقرية؛ لأن في أخذها يحصل الحرص
على طلب الزيادة، يقال: رجل مضيع: كثير الضيعة، وفي الحديث: (عافسنا الأزواج
والضيعات) أي: المعايش، وهذا فيمن يكتسب التوكل، ويمنعه التلبس بالأسباب
عن شهود المسبب، فعليه بترك الأسباب حتى يستقيم في مقام التوكل، وبعد حصوله
لا تشغله الأسباب ولا تلهيه، وكلا المعنيين يحتمل قوله سبحانه: ﴿رِجَالٌ لَّا نُلْهِمْ
تِحَةٌ وَلَا بَيْعُ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٧] أي: ليس لهم تجارة ولا بيع حتى تلهياه، أو لا تلهيانه
مع وجودهما، والثاني هو الموافق لقوله: ﴿ وَإِقَامِ الصَّلَوةِ وَإِنَِّ الزَّكَوَةِ﴾ [النور: ٣٧]،
فافهم.
٥١٧٩ - [٢٥] (أبو موسى) قوله: (من أحب دنياه أضر بآخرته) لأنه إذا أحب
الدنيا انهمك في التفكر في تحصيلها، وأولع بذكرها، وتوغل في تحصيلها، فما تفرغ
للتفكر في أمر الآخرة وتحصيلها وذکرها، وكذلك العكس.
٥١٨٠ - [٢٦] (أبو هريرة) قوله: (لعن عبد الدينار، ولعن عبد الدرهم) مضى
شرحه في (الفصل الأول) مع تبديل (تعس) بـ (لعن)، وهو أشد، والتخصيص بالدينار
(١) ((مجمع بحار الأنوار)) (٣/ ٤٢٨).

٤١٩
(٢٦) كتاب الرقاق
٥١٨١ - [٢٧] وَعَنْ كَعْبٍ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ:
((مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلاَ فِي غَنَمٍ بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ الْمَرْءِ عَلَى الْمَالِ
وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ). رَوَاهُ التِّرْ مِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ٢٣٧٧، دي: ٢٧٧٢].
٥١٨٢ - [٢٨] وَعَنْ خَبَّابٍ عَنْ رَسُولِ اللهِنَّهِ قَالَ: ((مَا أَنْفَقَ مُؤْمِنٌ
مِنْ نَفَقَةٍ إِلاَّ أُجِرَ فِيهَا إِلاَّ نَفَقَتَهُ فِي هَذَا التُّرَابِ )). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ.
[ت: ٢٤٨٣، جه: ٤١٦٣].
والدرهم لأنهما الأصل في أموال الدنيا وحطامها، وقد ورد أنهما عجل هذه وصنمها.
٥١٨١ - [٢٧] (كعب بن مالك) قوله: (وعن كعب بن مالك عن أبيه) هكذا
في أكثر نسخ (المشكاة)، والصواب: عن ابن كعب بن مالك كما وقع في أصل الترمذي،
أو عن كعب بن مالك بدون (عن أبيه)، وما وقع في الكتاب يقتضي إسلام أبيه مالك
ولم يصح، وروي في (الجامع الصغير)(١) للسيوطي عن كعب بن مالك بدون (عن
أبيه)، ولا ینافي ذلك أن یکون عن أبيه.
وقوله: (بأفسد) أفعل تفضيل من الإفساد، وقد جوزه بعض النحاة، أو هو مؤول
بأشد إفساداً، والمراد بـ (الشرف) الجاه، و(لدينه) متعلق بـ (أفسد) في معنى أصل الفعل،
يعني أن حب المال والجاه مفسد للدين أو مهلك له أشد الإفساد؛ لأنه يفضي إلى
البخل والحرص والتكبر والطغيان .
٥١٨٢ - [٢٨] (خباب) قوله: (ما أنفق مؤمن من نفقة) أي: في مصارف معايشه
وحوائجه .
وقوله: (إلا نفقته) بالنصب، إذ المنفي صار موجباً بالانتقاص، والمعنى: لا أجر
(١) ((الجامع الصغير)) (١٠٥٥٧).

٤٢٠
(٢٦) كتاب الرقاق
٥١٨٣ - [٢٩] وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((النَّفَقَةُ كُلّهَا فِي
وي
سَبِيلِ اللهِ إِلاَّ الْبِنَاءَ، فَلاَ خَيْرَ فِيهِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ
غَرِيبٌ. [ت: ٢٤٨٢].
٥١٨٤ - [٣٠] وَعَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ خَرَجَ يَوْماً وَنَحْنُ مَعَهُ، فَرَأَى
قُبَّةً مُشْرِفَةً فَقَالَ: ((مَا هَذِهِ؟)) قَالَ أَصْحَابُهُ: هَذِهِ لِفُلانٍ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ،
فَسَكَتَ وَحَمَلَهَا فِي نَفْسِهِ، حَتَّى لَمَّا (١) جَاءَ صَاحِبُهَا فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فِي النَّاسِ،
فَأَعْرَضَ عَنْهُ، .
لمن يصرف ماله في بناء البيوت والقصور من غير حاجة فخراً واستعلاءً، لا ما فيه
حاجة، ولا بقاع الخير من المساجد والمدارس والرباطات.
٥١٨٣ - [٢٩] (أنس) قوله: (إلا البناء) الحديث مطلق، ولا بد من تقييده بما
لم يكن حاجة أو غرض ديني كما يأتي في الحديث الآتي.
٥١٨٤ - [٣٠] (وعنه) قوله: (فرأى قبّة) (القبة): بناء مدور، في (الصراح)(٢):
قبة بالضم: بنا گرد برآورده، وقد يطلق على الخيم.
وقوله: (وحملها) أي: أضمر تلك الفعلة غضباً عليه، أو الضمير للكراهة
المفهومة من المقام، أو للقبة، أو للكلمة التي قال أصحابه.
وقوله: (فأعرض عنه) جواب لـ (ما) بالفاء على القلة، أو عطف على جواب
مقدر، أي: كرهه فأعرض عنه، كذا في (مجمع البحار)(٣).
(١) كذا في النسخة الهندية و((المرقاة))، وفي ((سنن أبي داود)): ((إذا)) بدل ((لما)).
(٢) ((الصراح)) (ص: ٤٨).
(٣) (مجمع بحار الأنوار)) (١ / ٥٦٤).