Indexed OCR Text
Pages 321-340
٣٢١ (٢٥) كتاب الآداب * الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٥٠٦٨ _ [١] عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ: ((إِنَّ اللهَ تَعَالَى رَفِيقٌ يُحِبُّ الرَّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرَّفْقِ مَا لاَ يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ، وَمَا لاَ يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ قَالَ لِعَائِشَةَ: ((عَلَيْكِ بِالرَّفْقِ، وَإِيَّاكِ وَالْعُنْفَ وَالْفُحْشَ، إِنَّ الرَّفْقَ لاَ يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّ زَانَهُ، وَلاَ يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّ شَانَهُ)). [م: ٢٥٩٣]. الفصل الأول ٥٠٦٨ _ [١] (عائشة) قوله: (إن الله تعالى رفيق) أي: لطيف بعباده، ويريد بهم اليسر، ولا يكلفهم إلا وسعهم، ولا يحملهم ما لا طاقة لهم به، و(يحب الرفق) من العباد ليرفق بعضهم بعضاً، ويعملوا في مصالحهم من طلب الرزق وغيره بالرفق واللطف ولا يعنفوا، ثم أشار إلى استعمال الرفق في طلب الرفق وتحصيل المطالب، ورغب فيه بقوله: (ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف)، ورجحه عليه بكونه أعون على حصول المطلب وأنجح للمرام، ثم عمم وأشار إلى ترجيحه على سائر الأسباب مطلقاً بقوله: (وما لا يعطي على ما سواه) أي: ما سوى الرفق، ويحتمل أن يكون الضمير في (ما سواه) للعنف على معنى: لا يعطي على ما سوى العنف من الأسباب أيضاً، ولا يختص الحكم بالعنف، هذا هو المفهوم من تقرير كلامهم، والظاهر أن الرفق والعنف كل منهما طريق تحصيل المطالب وكيفية طلبه، لا أنهما سببان مستقلان مقابلان بالأسباب، فالمباشرة بالأسباب لا تخلو إما أن تكون بالرفق أو بالعنف؛ فإن كان بالرفق فلا وجه لترجيحه عليها، وإن كان بالعنف فقد رجحه عليه، فالمغايرة بين ٣٢٢ (١٩) باب الرفق والحياء وحسن الخلق ٥٠٦٩ _ [٢] وَعَنْ جَرِيرٍ عَنِ النَّبِّ ◌َّهِ: ((مَنْ يُحْرَمِ الرَّفْقَ يُخْرَمِ الْخَيْرَ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٥٩٢]. ٥٠٧٠ _ [٣] وَعَنِ ابْنٍ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَِّ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((دَعْهُ، فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنَ الإِيمَانِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٤، م: ٣٦]. ٥٠٧١ - [٤] وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهَِّهِ: «الْحَيَاءُ لاَ يَأْتِي إِلاَّ بِخَيْرٍ). وَفِي رِوَايَةٍ: ((الْحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢١١٧، م: ٣٧]. المعطوف والمعطوف عليه ليس إلا في البيان والعبارة خصوصاً وعموماً، لا يقال: لعله لا يكون بالرفق ولا بالعنف؛ لأن الرفق والعنف ضدان، والضدان يمكن ارتفاعهما؛ لأنا نقول: إذا كان أحد الضدين مساوياً لنقيض الآخر لا يرتفعان، وهناك كذلك، وأيضاً الرفق والعنف إضافيان، ففي كل مرتبة لا يخلو عن رفق أو عنف، فافهم. ٥٠٦٩ _ [٢] (جرير) قوله: (من يحرم الرفق يحرم الخير) يجوز أن يراد بالخير المطالب المرغوبة؛ فإن الرفق لما كان وسيلة إليها؛ فإذا حرم منه حرم منها، وأن يراد بالخير الرفق، والمآل واحد . ٥٠٧٠ _ [٣] (ابن عمر) قوله: (وهو يعظ أخاه) أي: يعاتبه عليه ويزجره عنه. ٥٠٧١ - [٤] (عمران بن حصين) قوله: (الحياء لا يأتي إلا بخير) الباء للتعدية . وقوله: (الحياء خير كله) قال الطيبي(١): قد يشكل على بعض الناس هذا الحديث (١) ((شرح الطيبي)) (٩ / ٢٣٣). ٣٢٣ (٢٥) كتاب الآداب ٥٠٧٢ _ [٥] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلاَمِ النُُّؤَّةِ الأُولَى: من حيث إن الحياء قد يخل ببعض الحقوق ويمنع عنها، كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والسؤال عن العلم مثلاً، والجواب أن هذا المعنى الذي ذكرتموه ليس بحياء حقيقة، بل هو عجز وجبن، ويسمى حياء بحسب اللغة، وحقيقة الحياء في الشرع: خلق يبعث على ترك القبيح الشرعي، انتهى. ولعل الصواب أن معنى الحياء انقباض النفس عن ارتكاب القبيح طبعاً وشرعاً، لكن المحمود والممدوح في الشرع أن يكون القبيح شرعيًّا حراماً أو مكروهاً أو ترك الأولى، فالأظهر في الجواب ما ذكر في بعض الحواشي أن هذه الكلية - أعني الحياء خير كله - مخصوصة بأن يكون موافقاً لرضا الحق، فتدبر. وأما استحياؤه و ﴿ من الأمر بإخراج الذين استأنسوا بالحديث بعد الطعام مع أنه كان حقًّا كما أخبر الله سبحانه، فإنما كان قبل أن يوحى إليه، وكان ◌َّفي مأموراً بائتلافهم وإيناسهم، وإنما كان يفوته حق نفسه من التفرغ لأهله، فكان قبيحاً عنده، فاستحيا منه، فلما أخبر أنه يؤذيه، وإيذاؤه ◌َّر حرام، كف عن الاستحياء وتركه، وهو المراد من قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيء مِنَ الْحَقِّ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، واستحياؤه من عثمان څُ بستر فخذه بعد أن تركها مكشوفة عند دخول أبي بكر وعمر وع﴿4﴾ فإنما كان من جهة أن عثمان كان حييًّا كما ذكره ◌َله، وكان يتأذى من رؤيتها مكشوفة، فكان كشفها عنده خلاف الأولى؛ فاستحيا منه، فافهم، والله الموفق. ٥٠٧٢ _ [٥] (ابن مسعود) قوله: (إن مما أدرك الناس) بالرفع أو بالنصب على الفاعلية أو المفعولية . ٣٢٤ (١٩) باب الرفق والحياء وحسن الخلق إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٦١٢٠]. ٥٠٧٣ - [٦] وَعَن النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ وَّ عَنِ الْبِرِّ وَالإِثْمِ، فَقَالَ: ((الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلَقِ، وَالإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ. :機 وقوله: (إذا لم تستح فاصنع ما شئت) المراد بلفظ الأمر الخبر، كما في قوله ؟ ((فليتبوأ مقعده من النار))، ومعناه أن المانع من ارتكاب القبائح الحياء، وإذا لم تستح فعلت ما شئت، أو هو أمر تهديد ووعيد لمن ترك الحياء، كما في ﴿ أَعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]، أي: اصنع ما شئت، فإنك ستجازى عليه، أو المراد ما لا يستحيا من الله ولا من الناس في فعله فإذا ظهر فافعله، فهو قاعدة لجواز الفعل فيما فيه شبهة، وذلك لمن له قلب صحيح لا يستحي إلا استحياء صحيحاً، أو ورد ذلك في فعل الطاعات إذا تركها استحياء من الخلق وخوفاً من تطرق الرياء، فقال: إنها مما لا يستحيا فيها من الله تعالى ورسوله، فما استحياؤك من الخلق؟ فاصنعها ولا تستح من أحد، وتب واستغفر إن تطرق رياء، وهذا المعنى الأخير لا يخلو فهمه من العبارة عن خفاء. ٥٠٧٣ - [٦] (النواس بن سمعان) قوله: (وعن النواس) بفتح نون وواء مشددة، وقيل: بكسر نون وواو مخففة، كذا في (المغني)(١)، (ابن سمعان) بكسر السين وفتحها، فافهم . وقوله: (البر حسن الخلق) أي: العمدة فيه وأفضل أقسامه ذلك. وقوله: (والإثم ما حاك في صدرك) أي: أثر فيه وأوقعك في التردد، ولم يطمئن قلبك، فإن ذلك أمارة أن في ذلك شيئاً من الإثم والكراهة، وهذا هو المراد بقوله الكلي : (استفت قلبك)، وهذا في حق من شرح الله صدره ونور قلبه، ومع ذلك فيما لم يكن (١) ((المغني)) (ص: ٢٨١). ٣٢٥ (٢٥) كتاب الآداب وَكَرِهْتَ أَن يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٥٥٣]. ٥٠٧٤ _ [٧] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ أَحْسَنَكُمْ أَخْلاَقاً). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٣٧٥٩]. ٥٠٧٥ _ [٨] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهَِّهِ: ((إِنَّ مِنْ خِيَارِكُمْ أَحْسَنَكُمْ أَخْلاَقاً)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٥٥٩، م: ٢٣٢١]. * الْفَصْلُ الثَّانِي : ٥٠٧٦ - [٩] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ النَّبِّ ◌ََّ: «مَنْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ أُعْطِي حَظَّهُ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، فيه نص من الشارع وإجماع من العلماء، فكانت النصوص متعارضة والأقوال مختلفة، فيختار أحدها بفتوى القلب. وقوله: (وكرهت أن يطلع عليه الناس) معناه ما ذكر في توجيه الحديث السابق من الوجه الثالث، فهذا يؤيده. ٥٠٧٤ _ [٧] (عبدالله بن عمرو) قوله: (إن من أحبكم إلي) وما كان محبوباً إليه ◌َ﴿﴿ كان محبوباً إلى الله ؛ لقوله تعالى: ﴿فَتَّبِعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]، وقد جعله الله على خلق عظيم . ٥٠٧٥ _ [٨] (عنه) قوله: (إن من خياركم أحسنكم أخلاقاً) ومعناه معنى الحديث السابق، والفرق أن الخيرية بحسب الذات، والأحبية بالنسبة إليه قتله . الفصل الثاني ٥٠٧٦ _ [٩] (عائشة) قوله: (من أعطي حظه من الرفق ... إلخ)، يعني أن ٣٢٦ (١٩) باب الرفق والحياء وحسن الخلق وَمَنْ حُرِمَ حَظّهُ مِنَ الرِّفْقِ حُرِمَ حَظّهُ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ». رَوَاهُ فِي (شَرْح السُنَّةِ)). [شرح السنة: ٣٤٩١]. ٥٠٧٧ _ [١٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: ((الْحَيَاءُ مِنَ الإِيمَانِ، وَالإِيمَانُ فِي الْجَنَّةِ، وَالْبَذَاءُ مِنَ الْجَفَاءِ، وَالْجَفَاءُ فِي النَّار)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ. [حم: ٢/ ٥٠١، ت: ٣٠٠٩]. ٥٠٧٨ _ [١١] وَعَنْ رَجُلٍ مِنْ مُزَيْنَةَ قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا خَيْرُ مَا أُعْطِيَ الإِنْسَانُ؟ قَالَ: (الْخُلُقُ الْحَسَنُ)). رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي ((شُعَبٍ الإِيمَانِ)). [شعب: ٣ / ١٠٧]. نصيب الرجل من الخير على قدر نصيبه من الرفق، وحرمانه منه على قدر حرمانه منه . ٥٠٧٧ - [١٠] (أبو هريرة) قوله: (البذاء من الجفاء): (البذاء): الكلام القبيح، والبذيء: الرجل الفاحش، وفي (المجمع)(١): البذاء: الفحش في القول، والمباذاة: المفاحشة، والجفاء نقيض البر والصلة، ويقصر، وفي (الصراح)(٢): بذاء بالمد: بيهوده گفتن، وأصله بذاءة فحذفت الهاء؛ لأن مصادر المضموم العين إنما هي بالهاء، مثل خطب خطابة، وصلب صلابة، وهو بذيء اللسان، والمرأة بذيئة، وبذيت وأبذیت، انتهى. كأنه يريد ما جاء من مصادره على (فعال) مثل كرامة وشرافة لا مطلقاً. ٥٠٧٨ - [١١] (رجل من مزينة) قوله: (ما أعطي الإنسان) بالرفع والنصب. (١) ((مجمع بحار الأنوار)) (١ / ١٦٥). (٢) ((الصراح)) (ص: ٥٤٤). ٣٢٧ (٢٥) كتاب الآداب ٥٠٧٠ _ [١٢] وَفِي ((شَرْحِ السُّنَّةِ) عَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ. [شرح السنة: ٣٢٢٦]. ٥٠٨٠ - [١٣] وَعَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَّى : ((لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ الْجَوَّاظُ وَلاَ الْجَعْظَرِيُّ) قَالَ: وَالْجَوَّاظُ: الْغَلِيظُ الْفَظُ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي ((سُنَتِهِ). وَالْبَيْهَِيُّ فِي ((شُعَبِ الإِيمَانِ))، وَصَاحِبُ ((جَامِع الأُصُولِ)) فِيهِ عَنْ حَارِثَةَ. وَكَذَا فِي ((شَرْحِ السُّنَّةِ)) عَنْهُ، وَلَفْظُهُ قَالَ: ((لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ الْجَوَّاظُ الْجَعْظَرِيُّ)». يُقَالُ: الْجَعْظَرِيُّ: الْفَظُّ الْغَلِيظُ. وَفِي نُسَخِ (الْمَصَابِيحِ)) عَنْ عِكْرِمَةَ بْنٍ وَهْبٍ، وَلَفْظُهُ قَالَ: وَالْجَوَّاظُ : الَّذِي جَمَعَ وَمَنَعَ، وَالْجَعْظَرِيُّ: الغَلِيظَ الْفَظّ. [د: ٤٨٠١، شعب: ٧٨٢٣]. ٥٠٨١ - [١٤] وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنِ النَّبِيِّ ◌َلْ قَالَ: ((إِنَّ أَثْقَلَ شَيْءٍ يُوضَعُ فِي مِيزَانِ الْمُؤْمِنِ يَومَ الْقِيَامَةِ خُلُقٌ حَسَنٌ، وَإِنَّ اللهَ يُبْغِضُ الْفَاحِشَ الْبَذِيءَ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. ٥٠٧٩ _ [١٢] (أسامة بن شريك) قوله: (شريك) على وزن کریم. ٥٠٨٠ _ [١٣] (حارثة بن وهب) قوله: (لا يدخل الجنة الجواظ ولا الجعظري): (الجواظ) بالظاء المعجمة على وزن شداد، و(الجعظري) على وزن العبقري، وقد جاء في تفسيرهما ما يدل على ترادفهما وما يدل على تباينهما، وحاصلهما معنى: الغليظ الفظ، والمتكبر، والبخيل، وسيئ الخلق. وقوله: (وفي نسخ المصابيح) أي: في بعضها. ٥٠٨١ _ [١٤] (أبو الدرداء) قوله: (في ميزان المؤمن) دليل على أن الكافر ٣٢٨ (١٩) باب الرفق والحياء وحسن الخلق وَرَوَىَ أَبُو دَاوُدَ الْفَصْلَ الأَوَّلَ. [ت: ٢٠٠٢ [ت: ٢٠٠٢، ٥: ٤٧٩٩]. ٥٠٨٢ - [١٥] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَِّ يَقُولُ: (إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيِّدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ قَائِمِ اللَّيْلِ وَصَائِمِ النَّهَارِ». رَوَاهُ أَبُّو دَاوُدَ. [د: ٤٧٩٨]. ٥٠٨٣ - [١٦] وَعَنْ أَبِي ذَرَّ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((اتَّقِ اللهَ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَنْبِعِ السَّيََّةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ. [حم: ١٥٣/٥، ت: ١٩٨٧، دي: ٢٨٣٣]. ٥٠٨٤ - [١٧] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((أَلَ أُخْبِرُكُمْ بِمَنْ يَحْرُمُ عَلَى النَّارِ وَبِمَنْ تَخْرُمُ النَّارُ عَلَيْهِ؟ عَلَى كُلِّ هَيِّنٍ لَيِّنٍ .. لا اعتداد بمحاسن أخلاقه وأفعاله. ٥٠٨٢ - [١٥] (عائشة) قوله: (درجة قائم الليل وصائم النهار) يدل على علو درجتهما وإن لم يجتمع(١) بحسن الخلق. ٥٠٨٣ _ [١٦] (أبو ذر) قوله: (وأتبع) من باب الإفعال، (السيئة) أي: افعل الحسنة لنفسك أو لغيرك. وقوله: (خالق) أي: خالط وعامل. ٥٠٨٤ - [١٧] (عبدالله بن مسعود) قوله: (هين لين) بكسر الياء مشددة وسكونها، كميت وميت، و(الهين) من الهون، وهو السهولة، (لين) أي: حليم، ضد الخشونة، وقيل: هما يطلقان على الإنسان بالتثقيل والتخفيف، وعلى غيره بالتشديد على الأصل، (١) كذا في الأصل، والظاهر: ((وإن لم يجتمعا)). ٣٢٩ (٢٥) كتاب الآداب قَرِيبٍ سَهْلٍ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْ مِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [حم: ١ / ٤١٥، ت: ٢٤٨٨]. ٥٠٨٥ - [١٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ◌َهِ قَالَ: ((الْمُؤْمِنُ غِرّ كَرِيمٌ، وَالْفَاجِرُ خِبٌّ لَئِيمٌ)). وعن الأعرابي بالتخفيف للمدح، وبالتشديد للذم، (قريب) أي: من الناس بمجالستهم وملاطفتهم، (سهل) أي: في قضاء حوائجهم، وتمشية أمرهم، وإعانتهم، كذا في بعض الحواشي . وفي (القاموس)(١): الهون بالفتح: السكينة والوقار، وبالضم: الخزي، ولاَنَ يلين لينا ولياناً بالفتح فهو ليّن ولين، كميت وميت، والمخففة في المدح خاصة، وفي (الصراح)(٢): الهون: آرام وآهستكي كردن، ومنه قوله تعالى: ﴿يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنَا﴾ [الفرقان: ٦٣]، ورجل سهل الخلق: نرم خو. ثم اعلم أنه أتي في السؤال بكلا الشقين - أعني حرمة الشخص على النار، وحرمة النار على الشخص - تأكيداً ومبالغة في بُعده عنها، ولما كان مآل العبارتين إلى معنى واحد اقتصر في الجواب على أحدهما؛ لقربه ولكونه المتعارف في العبارة عن ذلك المعنى . ٥٠٨٥ - [١٨] (أبو هريرة) قوله: (المؤمن غر كريم، والفاجر خب لئيم) في (القاموس)(٣): غره غراً وغروراً وغرة، بالكسر، فهو مغرور وغَرير: خدعه، وأطمعه (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١١٤٢، و١١٣٦). (٢) ((الصراح)) (ص: ٥٣١). (٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ٨٥، ٤١٨). ٣٣٠ (١٩) باب الرفق والحياء وحسن الخلق رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٢ / ٣٩٤، ت: ١٩٦٤، د: ٤٧٩]. بالباطل، فاغتر هو، والغِّر بالكسر، والخب بالفتح: الخدّاعِ الجرْبُزُ، ويكسر، وفي (الصراح)(١): غر بالكسر: كار نا آزموده، خب بالفتح والكسر: مرد فريبنده وکرپُزْ، وفي (النهاية)(٢): الخب بالفتح: الخداع، وهو الجربز الذي يسعى بين الناس بالفساد، وقد تكسر خاؤه، والمصدر بالكسر لا غير، ومعنى الحديث على ما قرر في (النهاية): أن المؤمن ليس بذي مكر فهو ينخدع لانقياده ولينه، أي: المؤمن المحمود من طبعه الغرارة وقلة الفطنة للشر، وترك التجنب عنه، وليس ذلك منه لجهله، بل لكرمه وحسن خلقه . وقد تقرر بأنه سليم الصدر وحسن الظن بالناس، ولم يجرب بواطن الأمور، ولم يطلع على دخائل الصدور، وهذا يكون في أمور الدنيا وما يتعلق بحقوق نفسه، ويعد الأمر في ذلك سهلاً، ولا يبالي ولا يهتم به، وأما في أمر الآخرة فهو متيقظ مشتغل بإصلاح دينه، والتردد لمعاده، ومع ذلك نبه ◌َّه بقوله: (لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين)، أنه لا ينبغي له أن ينخدع، تعليماً للجزم، وقد سبق أنه عام في أمر الدنيا والآخرة، وقيل: ذلك مخصوص بأمر الآخرة، وأما المنافق فهو خداع مكار يسعى بين الناس بالفساد والمخادعة والمكر، مفتش فتان لا يسامح ولا ينخدع ولا يرضى به عن نفسه، وإن انخدع أحياناً، فليس ذلك لعلمه واختياره ورضاه . (١) ((الصراح)) (ص: ٢٦، و٢٠٣). (٢) ((النهاية)) (٢ / ٤). ٣٣١ (٢٥) كتاب الآداب ٥٠٨٦ - [١٩] وَعَنْ مَكْحُولٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَهِ: ((الْمُؤْمِنُونَ هَيُِّونَ لَيِّئُونَ كَالْجَمَلِ الأَنِفِ، إِنْ قِيدَ انْقَادَ، وَإِنْ أُنِيخَ عَلَى صَخْرَةٍ استَنَاخَ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ(١) مُرْسَلاً. ٥٠٨٦ _ [١٩] (مكحول) قوله: (كالجمل الأنف) في (المفاتيح شرح المصابيح)(٢): أنف بمفتوحة مقصورة وكسر نون، وفي (القاموس)(٣): أنف البعير كفرح: اشتكى أنفه من البُرَةِ، فهو أنف ککتف وصاحب، والأول: أصح وأفصح، وفي (الصراح)(٤): أنف: درد مند شدن بيني شتر از چوبك مهار، إيناف: دردمند كردن بيني شتر را، أنف نعت منه، وهو شاذ، والقياس مأنوف كالمصدور الذي يشتكي صدره، والمبطون الذي يشتكي بطنه، انتهى. ويروى (كالجمل الآنف)، وهو أيضاً بمعنى المأنوف، ويحتمل أن يكون صيغة النسبة . ونقل الطيبي(٥) أن الأنف بمعنى الذلول، وهو لازم الإيناف، ومعنى الحديث: أن المؤمن شديد الانقياد للشارع في أوامره ونواهيه، متحمل للمشاق فيه، ويجوز أن یکون ذلك إشارة إلى تذللهم وانقیادهم فيما بينهم، وعدم کونهم متکبرین مختالین، وهو في المقصود إطاعة لأمر الله سبحانه . (١) لم نجده في ((سنن الترمذي))، بل رواه ابن المبارك في ((الزهد والرقائق)) (٣٨٧)، والبيهقي في ((الشعب)) (٧٧٧٧). (٢) ((المفاتيح شرح المصابيح)) (٥/ ٢٥٣). (٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ٧٣٢). (٤) ((الصراح)) (ص: ٣٤١). (٥) ((شرح الطيبي)) (٩ / ٢٤١). ٣٣٢ (١٩) باب الرفق والحياء وحسن الخلق ٥٠٨٧ _ [٢٠] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ نَ﴿ قَالَ: ((الْمُسْلِمُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصُبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ أَفْضَلُ مِنَ الَّذِي لاَ يُخَالِطُهُمْ وَلاَ يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وابِنْ مَاجَه. [ت: ٢٥٠٧، جه: ٤٠٣٢]. ٥٠٨٨ - [٢١] وَعَن سَهْلِ بْنِ مُعَاذٍ عَنْ أَبِهِ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ قَالَ: ((مَنْ كَظَمَ غَيْظاً وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يُنَفِّذَهُ دَعَاهُ اللهُ عَلَى رُؤُوْسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ فِي أَيِّ الْخُورِ شَاءَ». رَوَاءُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٠٢١، د: ٤٧٧٧]. ٥٠٨٩ - [٢٢] وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ عَنْ سُوَيْدِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَبْنَاءِ أَصْحَابِ النَّبِّ ◌ََّ عَنْ أَبِيهِ ثَالَ: «مَلأَ اللهُ قَلبَهُ أَمْناً وإِيْمَاناً)). وَذُكِرَ حَدِيثُ سُوْيَدٍ: ((مَنْ تَرَكَ لُّبْسَ ثَوْبٍ جَمَالٍ)) فِي (كَتَابِ اللََّاسِ). [د: ٤٧٧٨]. ٥٠٨٧ - [٢٠] (ابن عمر) قوله: (أفضل من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم) هذا الحديث يدل على أفضلية الصحبة من العزلة، وجاء في فضل العزلة أيضاً أخبار وآثار، وفيه تفصيل ذكره القوم في كتبهم، وقد استوفي ذلك في كتاب (إحياء العلوم) فارجع إليه . ٥٠٨٨، ٥٠٨٩ - [٢١، ٢٢] (سهل بن معاذ) قوله: (من كظم غيظاً) في (القاموس)(١): كظم غيظه: رده وحبسه، والباب: أغلقه، والنهر والخوخة: سدهما . (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٠٦٤). ٣٣٣ (٢٥) كتاب الآداب * الْفَضْلُ الثَّالِثُ: ٥٠٩٠ - [٢٣] عَنْ زَيْدِ بْن طَلْحَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((إِنَّ لِكُلِّ دِينٍ خُلُقاً، وَخُلُقُ الإِسْلاَمِ الْحَيَاءُ)). رَوَاهُ مَالِكٌ مُرْسلاً. [م: ٩٥/٢]. ٥٠٩١، ٥٠٩٢ - [٢٤، ٢٥] وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي ((شَعَبٍ الإِيمَانِ)) عَنْ أَنَسٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ. [جه: ٤٢٣٤، شعب: ٧٣١٨]. الفصل الثالث ٥٠٩٠، ٥٠٩١، ٥٠٩٢ - [٢٣، ٢٤، ٢٥] (زيد بن طلحة) قوله: (زيد بن طلحة) تابعي، قيل: صوابه يزيد بن طلحة، والذي في (جامع الأصول) (١): زيد بن طلحة بن ركانة، أخرج حديثه [مالك في] ((الموطأ))(٢) في الحياء. وقوله: (وخلق الإسلام الحياء): (الإسلام) اسم لهذا الدين القيم الذي أتى به محمد ◌َّ، وللحياء كمال تعلق وغلبته(٣) في هذا الدين؛ لأنه شعبة عظيمة من الإيمان، وعليها مدار الإتيان بالمحاسن، والكف عن القبائح، وهذا الدين أعظم الأديان وأكملها، قد تمت فيه مكارم الأخلاق ومكارمها (٤)، وقال السيوطي(٥): أي فيما شُرِعٍ فيه الحياء بخلاف ما لم يشرع كتعلم العلم، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والحكم، وأداء الشهادات على وجهها، أقول: الحياء حقيقة هو الحياء من الله في ترك القبائح (١) ((جامع الأصول)) (٣/ ٦٢٢). (٢) انظر: ((الموطأ)» للإمام مالك (٢ / ٩٠٥). (٣) كذا في نسخة (ك) و(ب)، وفي نسخة (ع): ((وللحياء كما ذكر تعلق وغلبة في هذا الدين)). (٤) كذا في الأصل والظاهر: ((ومحاسنها)). (٥) ((تنوير الحوالك)) (٢/ ٢١٢). ٣٣٤ (١٩) باب الرفق والحياء وحسن الخلق ٥٠٩٣ - [٢٦] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ(١) وَ﴿ قَالَ: ((إِنَّ الْحَيَاءَ وَالإِيمَانَ قُرَنَاءُ جَمِيعاً، فإِذَا رُفِعَ أَحَدُهُمَا رُفِعَ الآخَرُ)). ٥٠٩٤ - [٢٧] وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسِ: ((فَإِذَا سُلِبَ أَحَدُهُمَا تَبِعَهُ الآخَرُ)). رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي ((شَعَبِ الإِيمَانِ)). [شعب: ٧٣٣١، ٧٣٣٠]. ٥٠٩٥ - [٢٨] وَعَنْ مُعاذٍ قَالَ: كانَ آخِرُ مَا وصَّاني بِهِ رَسُولُ اللهِ وَه حِينَ وَضَعْتُ رِجْلِي فِي الْغَرْزِ أَنْ قَالَ: ((يَا مُعَاذُ !. الشرعية، وقد مر تحقيقه في قوله: (الحياء خير كله)، فلا حاجة إلى التقييد. ٥٠٩٣، ٥٠٩٤ _ [٢٦، ٢٧] (ابن عمر) قوله: (إن الحياء والإيمان قرناء) قال الطيبي(٢): فيه دليل لمن يقول: إن أقل الجمع اثنان، وفي بعض النسخ (قُرِنا) على صيغة التثنية بلفظ المجهول، فلا دليل، ويطابقه قوله: (فإذا رفع) بلفظ المجهول. ٥٠٩٥ - [٢٨] (معاذ) قوله: (كان آخر ما وصاني به) حين وجهه لقضاء اليمن. وقوله: (حين وضعت رجلي في الغرز) بمعجمة مفتوحة، فراء ساكنة، فزاي: موضع الركاب من رحل البعير، كالركاب للسرج، قاله الباجي(٣)، وفي (القاموس)(٤): غرز رجله في الغرز - وهو ركاب من جلد -: وضعها فيه، وفي (الصراح)(٥): غرز: رکاب چرمین که بر پالان نهند، يقال: غرزت رجلي في الغرز، وپائ در ركاب آوردن. (١) في نسخة: ((رسول الله)). (٢) ((شرح الطيبي)) (٩ / ٢٤٤). (٣) انظر: ((تنوير الحوالك)) (٢ / ٢٠٩). (٤) ((القاموس المحيط)) (ص: ٤٨١). (٥) ((الصراح)) (ص: ٢٢٨). ٣٣٥ (٢٥) كتاب الآداب أَحْسِنْ خُلُقَكَ لِلنَّاسِ)). رَوَاهُ مَالِكٌ. [م: ٩٠٢/٢]. ٥٠٩٦ - [٢٩] وَعَنْ مَالِكِ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ: ((بُعِثْتُ لِأَتَمِّمَ حُسْنَ الأَخْلاَقِ)). رَوَاهُ فِي ((الْمُوَطَّ)). [م: ٢ /٩٠٤]. ٥٠٩٧ _ [٣٠] وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. [حم: ٣٨١/٢]. وقوله: (أحسن خلقك للناس) أي: افعل بكل منهم ما يليق ويحسن بحاله، وما يوصله إلى الكمال والسعادة، والجهاد مع الكافرين والمنافقين، والتغليظ حيث ينفع التغليظ وتليين القول في مقامه من تحسين الخلق معهم. ٥٠٩٦، ٥٠٩٧ - [٢٩، ٣٠] (مالك) قوله: (بعثت لأتمم حسن الأخلاق) وفي بعض الروايات: مكارم الأخلاق، قال السيوطي(١): كانت العرب أحسن أخلاقاً بما بقي عندهم من آثار شريعة إبراهيم ، ولكنهم قد ضلوا بالكفر عن كثير منها، وخلطوا بها أحكام الجاهلية، فبعث ◌ّ﴾ ليتمم محاسن الأخلاق، انتهى. قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى بَعَثَ فِ آلْأُمَّيِّئِنَ رَسُولَا مِنْهُمْ يَتْلُواْعَلَيْهِمْ ءَايَِهِ، وَيُزَكِهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ اَلْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوْ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلٍ مُّبِينٍ﴾ [الجمعة: ٢]، وهو يَّ كان جامعاً لجميع خصائل الأنبياء وكمالاتهم صلوات الله عليهم أجمعين، مع ما يخص به من الفضائل والكرامات، وقد تمت به دائرة النبوة، وختمت به، فلم يبق شيء من الكمالات التي تترقب للإنسان، فلا حاجة إلى بعث نبي آخر، وإنما بقي الاحتياج إلى من يحفظه، وهم علماء أمته الحافظون لشريعته، كأنبياء بني إسرائيل الذين حفظوا دين موسى، وأقاموا أحكام التوراة بعده، بل الحافظ في الحقيقة والمتكفل لحفظ هذا الدين القويم هو الله سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَفِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، قالوا: وَكَّلَ الله تعالى (١) ((تنوير الحوالك)) (٢/ ٢١١). ٣٣٦ (١٩) باب الرفق والحياء وحسن الخلق ٥٠٩٨ - [٣١] وَعَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيِهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَهُ إِذَا نَظَرَ فِي الْمِرْآةٍ قَالَ: ((الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي حَسَّنَ خَلْقِي وَخُلُقِي، وَزَانَ مِنِّي مَا شَانَ مِنْ غَيْرِي)). رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي ((شُعَبِ الإِيمَان)) مُرْسَلاً. [شعب: ٤١٤٥]. ٥٠٩٩ - [٣٢] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَهِ يَقُولُ: («اللهُمَّ حسَّنْتَ خَلْقِي فَأَحْسِنْ خُلُقِي)). حفظ التوراة إلى الأحبار والربانيين الذين استحفظوا من كتاب الله، فلا جرم تطرق إليه التحريف والتغيير . وقال سبحانه في القرآن المجيد: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَفِظُونَ ﴾ [الحجر: ٩]، فلم يتطرق إليه التغير بالزيادة والنقصان إلى يوم القيامة، فتتميمه ﴿ مكارم الأخلاق ومحاسن الأفعال بالزيادة بعد النقصان، وبالجمع بعد التفريق إلى أن نزل قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكُمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَنْتَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَمَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، فارتحل ﴿ من هذ العالم، وترك بعده خلفاء رضوان الله عليهم أجمعين. ٥٠٩٨ - [٣١] (جعفر بن محمد) قوله: (الحمد لله الذي حسن خلقي وخلقي، وزان مني ما شان من غيري) هذا صادق في حقه وَّر على الإطلاق كمالاً وتماماً، وهو مضمون قوله: (بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)، وأما الأمة فإن قالوا اتباعاً واقتداء به ◌َّ صح، كما قيل في قوله: (وأنا أول المسلمين) على قصد التلاوة مع أنه صادق في الجملة، ولعل الأحسن للأمة العمل بما في الحديث الآتي. ٥٠٩٩ - [٣٢] (عائشة) قوله: (اللهم حسنت خلقي فأحسن خلقي) وفي رواية ٣٣٧ (٢٥) كتاب الآداب رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٦ / ٦٨]. ٥١٠٠ - [٣٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((أَلاَ أَنْبِئُكُمْ بِخِيَارِكُمْ؟)) قَالُوا: بَلَى، قَالَ: ((خِيَارُكُمْ أَطْوَلُكُمْ أَعْمَاراً، وَأَحْسَنُكُمْ أَخْلاَقاً). رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٢ /٤٠٣]. ٥١٠١ - [٣٤] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَاناً أَحْسَنُهُمْ خُلُقاً)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ. [د: ٤٦٨٢، دي: ٢٨٣٤]. (كما حسنت)، هذا الدعاء منه * كما أشار إليه الطيبي(١)، إما لطلب الكمال وإتمام النعمة بإكمال دينه، ووجهه أن تهذيب أخلاقه وَّله وتحيسنها كان بالقرآن، كما أشارت إليه عائشة: كان خلقه القرآن، فكان طلب إحسان خلقه طلب مزيد نزول القرآن، فافهم. أو لطلب الدوام والثبات، كما قالوا في ﴿أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦]، انتهى. ويحتمل أن يكون للتشريع وتعليم الأمة وإرشادهم إليه . ٥١٠٠ - [٣٣] (أبو هريرة) قوله: (أحسنكم أخلاقاً) وفي حديث آخر: (من طال عمره وحسن عمله). ٥١٠١ - [٣٤] (عنه) قوله: (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً) فبين كمال الإيمان وحسن الخلق تلازم وتعاكس، فكلما كمل الإيمان حسن الخلق، وكلما ازداد حسن الخلق ازداد كمال الإيمان، وكذلك العمل مع الإيمان تتعاكس أنوارهما . (١) انظر: ((شرح الطيبي)) (٩ / ٢٤٦). ٣٣٨ (١٩) باب الرفق والحياء وحسن الخلق ٥١٠٢ - [٣٥] وَعَنْهُ: أَنَّ رَجُلاً شَتَمَ أَبَّا بَكْرِ وَالنَّبِيُّ وَّ جَالِسٌ يَتَعَجَّبُ وَيَتَبَّمُ، فَلَمَّا أَكْثَرَ رَدَّ عَلَيْهِ بَعْضَ قَوْلِهِ، فَغَضِبَ النَّبِيُّ ◌َهِ وَقَامَ، فَلَحِقَهُ أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! كَانَ يَشْتُمُنِي وَأَنْتَ جَالِسٌ، فَلَمَّا رَدَدْتُ عَلَيْهِ بَعْضَ قَوْلِهِ غَضِبْتَ وَقُمْتَ؟ قَالَ: ((كَانَ مَعَكَ مَلَكٌ يَرُدُّ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَدَدْتَ عَلَيْهِ وَقَعَ الشَّيْطَانُ))، ثُمَّ قَالَ: (يَا أَبَّا بَكْرٍ! ثَلاَثٌ كُلُّهُنَّ حقٍّ : مَا مِنْ عَبْدِ ظُلِمَ بِمَظْلِمَةٍ فَيُغْضِ عَنْهَا لِلَّهِ تَتْ إِلَّ أَعَزَّ اللهُ بِهَا نَصْرَهُ، وَمَا فَتَحَ رَجُلٌ بَابَ عَطِيَّةٍ يُرِيدُ بِهَا صِلَةً إِلَّ زَادَ اللهُ بِهَا كَثْرَةً» . ٥١٠٢ - [٣٥] (أبو هريرة) قوله: (بمظلمة) في (القاموس)(١): هو بكسر اللام، وفي (الصراح)(٢): مظلمة بكسر اللام: شتم كردن، وقال الشيخ ابن حجر(٣): بكسر اللام على المشهور، وقيل: بفتحها أيضاً، وأنكره بعض، وحكى القزاز(٤) الضم أيضاً، وقال في (مجمع البحار)(٥) نقلاً عن الكرماني: مظلمة مصدر ظلم، واسم ما أخذ منك بغير حق، وهو بكسر اللام وفتحها، وقد ينكر الفتح، وقيل: بضم اللام أيضاً، وقيل: جمع مظلم بكسر اللام. وقوله: (فيغضي عنها) أي: يفعو ويتجاوز، في (مجمع البحار)(٦): والإغضاء: (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٠٤٥). (٢) ((الصراح)) (ص: ٤٨١). (٣) ((فتح الباري)) (٥ / ١٠١). (٤) كان في جميع النسخ المخطوطة ((الفرّاء)). (٥) («مجمع بحار الأنوار)) (٣ / ٤٩٨). (٦) ((مجمع بحار الأنوار)) (٤/ ٤٨). ٣٣٩ (٢٥) كتاب الآداب وَمَا فَتَحَ رَجُلٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ يُرِيدُ بِهَا كَثْرَةَ إِلاَّ زَادَ اللهُ بِهَا قِلَّةً)). رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٢ / ٤٣٦]. ٥١٠٣ - [٣٦] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لاَ يُرِيدُ اللهُ بِأَهْلِ بَيْتٍ رِفْقاً إِلَّ نَفَعَهُمْ، وَلاَ يَحْرِمُهُمْ إِيَّاهُ إِلَّ ضَرَّهُمْ)). رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي ((شُعَبِ الإِيمَانِ)). [شعب: ٦١٣٧]. ٢٠- باب الغضب والكبر التغافل، وقيل: إدناء الجفون، وفي (القاموس)(١): أغضى عنه طرفه: سده أو صرفه، وفيه: تغاضى عنه: تغافل، وأغضى الجفون: أدنى، وصحح في بعض النسخ بالفاء دون الغين المعجمة، ولم نجد في اللغة له من معنى ما يناسب المقام، والله أعلم. ٥١٠٣ - [٣٦] (عائشة) قوله: (عائشة قالت: قال رسول الله وَله: لا يريد الله بأهل بيت رفقاً إلا نفعهم، ولا يحرمهم إياه إلا ضرهم) يعني لا يوفق أحداً للرفق بالناس إلا نفعهم ذلك في الدنيا والآخرة، وقد عرف معنى الرفق في شرح ترجمة الباب. ٢٠ - باب الغضب والكبر (الغضب) بفتحتين ضد الرضا، غضب عليه وله كسمع: إذا كان حيًّا، وغضب به: إذا كان ميتاً، وهو غَضِبٌ وغضوب وغضبان، وقالوا: الغضب حركة النفس، مبدؤها إرادة الانتقام، أي: حالة تعرض للنفس توجب حركة للنفس إلى نحو الخارج، (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٢١٠). ٣٤٠ (٢٠) باب الغضب والكبر سببها الباعث عليها إرادة الانتقام، فإن الروح الحيوانية تميل في الغضب إلى جانب المغضوب عليه لتنتقم منه، ولذلك يحمر الوجه وتنتفخ الأوداج عنده، وكذلك في الفرح والسرور تخرج إلى جانب الخارج لتتلقى المحبوب. ومن ثم كاد أن يهلك الرجل من الغضب والسرور إذا كانا مفرطين؛ لخروج الروح الحيوانية إلى الخارج بالكلية، فتنقطع رابطة تعلقها بالبدن، وفي الغم والخوف تذهب إلى جانب الداخل، ولذا يصفر الوجه ويذبل البدن فيهما، وذلك أيضاً مظنة الهلاك عند الإفراط؛ لدخولها إلى الداخل وانطفائها مطلقاً، ومثل هذا هو السبب في حمرة الخجل، فإنه إذا صدر من أحد ما يُستحيا منه واطلع عليه آخر تنقبض النفس أولاً مثل الخائف، فتعرض الصفرة، ثم تسمعه النفس فتستحيي على حالة، فتميل إلى الخارج بسبب التشجيع فيحمر. وضد الغضب الحلم، وهو أن تكون النفس مطمئنة لا يحركها الغضب بسهولة ولا تضطرب عند إصابة المكروه، كذا قالوا. قلت: بل عند وصول المحبوب أيضاً، كما يظهر من حديث أشج عبد القيس؛ فإنه لم يضطرب عند رؤية النبي ◌َّ﴾، وقد وصفه وَّ بالحلم والوقار، فالأولى أن يفسر الحلم بعدم تحرك النفس عند وجود المزعج والمقلق، تأمل. والغضب مذموم إذا لم يكن للحق موافقاً للشرع، وأما إذا كان للحق فهو محمود من صفات الكمال كما ورد في وصفه بَّر: وكان لا يقوم يغضب لنفسه؛ فإذا انتهك من محارم الله غضب، ولا يقوم لغضبه أحد، والمقصود من الرياضة ليس إزالة الغضب مطلقاً وقمعه، ولا يمكن أيضاً، بل كسره وجعله موافقاً للحق، ولو فرضا لم يكن