Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
(٢٥) كتاب الآداب
٥٠٤١ - [٢١] وَعَنِ الْمُسْتَوْرِدِ عَنِ النَّبِيِّ ◌َهِ قَالَ: ((مَنْ أَكَلَ بِرَجُلِ
مُسْلِمٍ أُكْلَةً فَإِنَّ اللهَيُطْعِمُهِ مِثْلَهَا مِنْ جَهَنَّمَ، ومَنْ كَسَا ثَوْباً بِرَجُلٍ مُسْلِمٍ،
....
فَإِنَّ اللهَ يَكْسُوهُ مِثْلَهُ مِنْ جَهَنَّمَ، وَمَنْ قَامَ بِرَجُلِ مَقَامَ سُمْعَةٍ وَرِيَاءٍ، .
كان خمش الوجه والصدر من صفات النساء النائحات، جعلهما جزاء من يغتاب ويفري
من أعراض المسلمين؛ إشعاراً بأنهما ليسا من صفات الرجال، بل هما من صفات النساء،
فلا يخلو عن بعد، والله أعلم.
٥٠٤٧ - [٢١] (المستورد) قوله: (من أكل برجل مسلم أكلة) أي: من أكل
بسبب رجل يعني بسبب اغتيابه، بأن يغتاب رجلاً عند عدوه يعطيه شيئاً، فجعل الاغتياب
سبباً ووسيلة للإعطاء، و(الأكلة) بالضم: اللقمة، وبالفتح المرة، ويروى بهما.
وقوله: (ومن كسا ثوباً برجل مسلم) الباء فيه للسببية، والتقدير: كسا نفسه ثوباً،
وإن كانت للتعدية فسد المعنى؛ فإن الله لا يكسو الكاسي مثله من جهنم، كذا قال
الطيبي(١)، وهذا إذا كان (كسا) مبنياً للفاعل، وأما إذا كان مبنياً للمفعول كما صحح في
النسخ فلا إشكال، والباء للسببية، ومعناها ما ذكر في القرينة الأولى.
نعم الظاهر كونه مبنيًّا للفاعل كما في قرينته، ولو التزم أن الكاسي يعذب لاستماعه
الغيبة وإعطائه الجائزة على ذلك لم يبعد، ولكن لا يوافق الأولى، فتدبر.
وقوله: (ومن قام برجل مقام سمعة ورياء ... إلخ)، ذكروا لهذه العبارة
معنیین :
أحدهما: أن الباء للتعدية، أي: من أقام رجلاً مقام سمعة ورياء، ووصفه بالصلاح
والتقوى والكرامات وشهره بها، وجعله وسيلة إلى تحصيل أغراض نفسه وحطام الدنيا؛
(١) ((شرح الطيبي)) (٩ /٢٢٠).

٣٠٢
(١٧) باب ما ينهى عنه من التهاجر والتقاطع واتباع العورات
فَإِنَّ اللهَ يَقُومُ لَهُ مَقَامَ سُمْعَةٍ وَرِيَاءٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د:
٤٨٨١].
٥٠٤٨ - [٢٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((حُسْنُ
الظَّنِّ مِنْ حُسْنِ العِبَادَةِ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٢/ ٢٩٧، د:
٤٩٩٣].
(فإن الله تعالى يقوم له) أي: لعذابه وتشهيره، أي: يزيد تعذيبه وتشهيره، ويأمر
الملائكة أن يقوموا ويتهيؤوا ويستعدوا لتشهيره، وينادوا بين الملأ على رؤوس
الأشهاد: إنه كان كذاباً، قد شهر رجلاً بما لم يكن فيه لغرض الدنيا، ثم يعذبه عذاب
الکذابین.
وثانيهما: أن الباء للسببية، وقيل: وهو أقوى وأنسب، أي: من قام لسبب رجل
من العظماء من أهل المال والجاه مقاماً يتظاهر فيه بالصلاح والتقوى ليعتقد فيه، ويصرف
إليه المال والجاه، أقامه الله تعالى يوم القيامة مثل مقامه ذلك، ويفضحه، ويأمر الملائكة
بأن ينادوا: إنه كان مرائياً، ثم يعذبه عذاب المرائين.
و(السمعة) بضم السين: ما يتعلق بحاسة السمع من الأخبار والحكايات، و(الرياء)
بحاسة البصر من الأوضاع والعبادات، يقال: فعله رياء وسمعة، أي: ليراه الناس
ويسمعونه .
٥٠٤٨ _ [٢٢] (أبو هريرة) قوله: (حسن الظن من حسن العبادة) أي: حسن
الظن بعباد الله من جملة العبادات الحسنة، أو ناشىء من حسن العبادة، أي: من كان
يحسن العبادة يحسن ظنه بالخلق، يعني إنما يحسن الظن من كان محسناً ويسيئه من
كان مسيئاً.

٣٠٣
(٢٥) كتاب الآداب
٥٠٤٩ _ [٢٣] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: اعْتَلَّ بَعِيرٌ لِصَفِيَّةَ، وَعِنْدَ زَيْنَبَ
فَضْلُ ظَهْرٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَهْ لِزَيْنَبَ: ((أَعْطِيهَا بَعِيراً)، فَقَالَتْ: أَنَا أُعْطِي
تِلْكَ الْيَهُودِيَّةَ؟ فَغَضِبَ رَسُولُ اللهِوَ﴿ِ، فَهَجَرَهَا ذَا الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمَ وَبَعْضَ
صَفَرٍ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَذُكِرَ حَدِيثُ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ: ((مَنْ حَمَى مُؤْمِناً) فِي
(بَابِ الشَّفَقَةِ وَالرَّحْمَة). [د: ٤٦٠٢].
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٥٠٥٠ - [٢٤] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((رَأَى عِيسَى
ابْنُ مَرْیَمَ رَجُلاً يَسْرِقُ،
٥٠٤٩ - [٢٣] (عائشة) قوله: (أنا أعطي تلك اليهودية؟) على طريقة الاستفهام
الإنكاري، وصفية ﴾ كانت من اليهود، بنت حيي بن أخطب اليهودي، ولكنها
كانت من أولاد هارون النبي أخي موسى عليهما السلام، أُسِرَت في غزوة خيبر على يد
دحية الكلبي، ثم اصطفاها رسول الله وَله لنفسه فأعتقها وتزوجها، وكان لبعض الأزواج
المطهرة معها سوء مزاج، منهن عائشة ية، وجاء في الحديث: أن عائشة ◌َّ قالت
لها: يهودية، فاشتكت إلى رسول الله وَّ، فقال: (قولي لعائشة: أنا بنت نبي، وأنت
بنت أبي بكر ظُ).
وقوله: (فهجرها ذا الحجة والمحرم وبعض صفر) ففيه جواز الهجران فوق
ثلاثة أيام.
الفصل الثالث
٥٠٥٠ _ [٢٤] (أبو هريرة) قوله: (رأى عيسى) أي: ظن، ويحتمل حمله على
الحقيقة .

٣٠٤
(١٧) باب ما ينهى عنه من التهاجر والتقاطع واتباع العورات
فَقَالَ لَهُ عِيسَى(١): سَرَقْتَ؟ قَالَ: كَلَّ، وَالَّذِي لاَ إِلَهَ إِلَّ هُوَ، فَقَالَ عِيسَى:
آمَنْتُ بِاللهِ وَكَذَّبْتُ نَفْسِي)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٣٦٨].
٥٠٥١ _ [٢٥] وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: («كَادَ الْفَقْرُ أَنْ
يَكُونَ كُفْراً، وَكَادَ الْحَسَدُ أَنْ يَغْلِبَ الْقَدَرَ».
٥٠٥٢ _ [٢٦] وَعَنْ جَابِرٍ عَنْ رَسُولِ اللهِنَ ◌ّهِ قَالَ: ((مَنِ اعْتَذَرَ إِلَى
أَخِيهِ فَلَمْ يَعْذِرْهُ أَوْ لَمْ يَقْبَلْ عُذْرَهُ كَانَ عَلَيْهِ مثلُ خَطِيئَةِ صَاحِبٍ مَكْسٍ)).
رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ فِي ((شُعَبِ الإِيمَانِ))، .
وقوله: (آمنت بالله) أي: صدقتك في حلفك بالله واتهمت نفسي بالكذب.
وفيه أن من حلف بالله تعالى وإن كان كاذباً يقبل حلفه في الأحكام، ولا يعمل
بالظن بل بالعلم أيضاً، فافهم.
٥٠٥١ _ [٢٥] (أنس) قوله: (وكاد الحسد أن يغلب القدر) أي: لو فرض أن
شيئاً يغلب القدر لكان هو الحسد، وهذا كما قيل في تأويل قوله بمصر: (لو كان شيء
سابق القدر لسبقته العين)، كما مر في (كتاب الطب والرقى).
٥٠٥٢ - [٢٦] (جابر) قوله: (فلم يعذره) أي: لم يجعله معذوراً، وأنكر عذره،
واتهمه بالكذب في دعوى العذر، أو لم يقبل عذره؛ بأن قال: وإن كنت معذوراً لم
أقبل عذرك، ولم أنته عن التكليف بهذا الأمر.
وقوله: (صاحب مكس) في (القاموس)(٢): مكس في البيع يمكس: إذا جَبَى
(١) في نسخة: ((عيسى بن مريم)).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٥٣٢).

٣٠٥
(٢٥) كتاب الآداب
وَقَالَ: الْمَكَّاسُ: الْعَشَّارُ. [شعب: ٦١٨٨، ٧٩٨٥].
١٨ - باب الحذر والتأتي في الأمور
مالاً، والْمَكْسُ: النقص، والظلم، وفي (الصراح)(١): مکس: خراج گرفتن، وفي
الحديث: (لا يدخل صاحب مكس في الجنة)، ماكس: ده يك كيرنده، مكس أيضاً
خراج وعشر، وفي (مجمع البحار)(٢): في حديث: (لا يدخل صاحب مكس في
الجنة)، المكس: الضريبة التي يأخذها الماكس، وهو العشار، أي: من يأخذ من التجار
إذا مروا مكساً، أي: ضريبة باسم العشر، فأما الساعي الذي يأخذ الصدقة وعشر أهل
الذمة الذين صولحوا عليه فهو محتسب ما لم يتعد، وفيه: أن المكس أعظم الذنوب،
وذلك لكثرة مطالبات الناس ومظلماتهم وصرفها في غير وجهها، وقال أيضاً: المكس:
النقصان، والماكس من العمال: من ينقص من حقوق المساكين ولا يعطيها بتمامها،
قاله البيهقي، انتھی.
١٨ - باب الحذر والتأني في الأمور
(الحذر): بفتحتين ويكسر فسكون من باب علم: الاحتراز والاتقاء، ورجل حذر
بفتح فكسر: رجل متيقظ شديد، وفي (الصراح)(٣): حذر: مرد بيدار، قوله تعالى:
﴿خُذُ واْ حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ٧١] أي: احذروا واحترزوا من العدو، و(التأني): التثبت،
(١) ((الصراح)) (ص: ٢٥١).
(٢) ((مجمع بحار الأنوار)) (٤ / ٦١٨).
(٣) ((الصراح)) (ص: ١٧٠).

٣٠٦
(١٨) باب الحذر والتأني في الأمور
الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٥٠٥٣ _ [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((لاَ يُلْدَعُ الْمُؤْمِنُ
مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنٍ)). مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ. [خ: ٦١٣٣، م: ٢٩٩٨].
وترك الاستعجال، يقال: تأنى في الأمر واستأنى: تثبت وتوقف، وانتظر، وأنِيَ كرضي:
تأخر وأبطأ، كأنَّى تأنية، وآنيته إيناء، والاسم أناة كقناة، كالأَنى بمعنى الحلم والوقار،
والحلم عدم الاستعجال والتراخي في الأمور حتى ينظر في مصالحه وعواقبه، وقد
يجيء الحلم بمعنى تأخير مكافأة الظالم، وهو فرد منه.
الفصل الأول
٥٠٥٣ _ [١] (أبو هريرة) قوله: (لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين) في
(القاموس)(١): لدغته العقرب والحية، كمنع، لَدغاً وتَلَداغاً، فهو مَلدُوغ ولَديغ. والجحر
بتقديم الجيم على الحاء: كل شيء يحتفره الهوام والسباع لأنفسها، كالْجُحْران، وجَحَرَ
الضبُّ، كمنع: دخله، وفي رواية: (لا يلسع)، واللسع: اللدغ. وفي (النهاية)(٢): يروى
بضم الآخر وكسره خبراً ونهياً، هذا يصلح لأمر الدنيا والآخرة، يريد أنه ليس من شيم
المؤمن الحازم الغضوب لله، الذاب عن دين الله أن ينخدع من مثل هذا الغادر المتمرد،
ويحلم مرة بعد أخرى، بل ينتقم لله وينتقم من عدو الدين، فقال الكرماني: هو على النهي
بكسر غين، وورد هذا الحديث حين أسر النبي ◌ّ﴿ أبا عزة الشاعر يوم بدر، فمنّ عليه
وعاهده أن لا يحرض عليه، ولا يهجوه، فلحق قومه، ثم رجع إلى التحريض والهجاء،
ثم أسره يوم أحد، فسأله المنّ فقال له، وفي رواية: فأمر بضرب عنقه، وروي أنه
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٧٢٦).
(٢) انظر: ((النهاية)) (٢٤٨/٤).

٣٠٧
(٢٥) كتاب الآداب
٥٠٥٤ - [٢] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاس أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ قَالَ لِأَشَجِّ عَبْدِ الْقَيْسِ:
((إِنَّ فِيكَ لَخَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ: الْحِلْمُ والأَنَاةُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٧].
سئل عن عمر فقيل: كان كالطير الحذر الذي يرى أنه في كل طريق شركا يأخذه.
٥٠٥٤ - [٢] (ابن عباس) قوله: (لأشج عبد القيس) بالإضافة، وفي نسخة بالفتح
على أنه غير منصرف، فيكون عبد القيس بدلاً منه على حذف مضاف، أي: وافد
عبد القيس، كذا في بعض الحواشي، واسمه المنذر كان في وفد عبد القيس وقائدهم
ورئيسهم، وعبد القيس قبيلته، روي أن الوفد لما وصلوا المدينة، بادروا النبي ◌َّآ،
وأقام الأشج عند رحالهم، فجمعها وعقل ناقته، ولبس أحسن ثيابه، ثم أقبل عليه،
وروي: أن الوفد أسقطوا أنفسهم عن المراكب، وخروا على الأرض، وأظهروا من آثار
الشوق والوجد، وأما الأشج فنزل واغتسل ولبس الثياب، ودخل المسجد وصلى
الركعتين، ثم جاء في حضرته و ﴿، فأحبه وأثنى عليه وقال: (إن فيك لخصلتين
يحبهما الله) ورسوله: (الحلم والأناة) وقد عرف معناهما، وفي (أسد الغابة)(١) في
ترجمته: الحلم والحياء، وفي رواية ابن ماجه(٢) عن أبي سعيد: (الحلم والتؤدة)،
كذا في (جمع الجوامع)(٣) للسيوطي، والكل متقارب في المعنى، وأيضاً روي أنه وله
قال لهم: (تبايعون على أنفسكم وقومكم) فقال الأشج: يا رسول الله! إنك لم تزاول
الرجل عن شيء أشد من دينه، نبايعك على أنفسنا، وترسل أحداً يدعوهم، فمن اتبعنا
كان منا، ومن أبى قاتلناه، فوصفه بالحلم والعقل والتثبت والوقار، وعلى هذا يظهر
المقابلة بين الحلم والأناة بلا تكلف.
(١) («أسد الغابة)) (١ / ٢٤٧).
(٢) أخرجه ابن ماجه في «سننه» (٤١٨٧).
(٣) ((جمع الجوامع أو الجامع الكبير)) للسيوطي (١ / ٢٦٦٤٢).

٣٠٨
(١٨) باب الحذر والتأني في الأمور
* الْفَصْلُ الثَّانِي :
٥٠٥٥ _ [٣] عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدِ السَّاعِدِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َلْ قَالَ: ((الأَنَاةُ
مِنَ اللهِ وَالْعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
وَقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ فِي عَبْدِ الْمُهَيْمِنِ بْنِ عَبَّاسِ الرَّاوِي مِنْ قِبَلٍ
حِفْظِهِ. [ت: ٢٠١٢].
٥٠٥٦ _ [٤] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((لاَ حَلِيمَ إِلاَّ
ذُو عَثْرَةٍ، وَلاَ حَكِيمَ إلاَّ ذُو تَجْرِبَةٍ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ
حَسَنٌ غَرِيْبٌ. [حم: ٦٩/٣، ت: ٢٠٣٣].
الفصل الثاني
٥٠٥٥ _ [٣] (سهل بن سعد) قوله: (والعجلة) محركة كالعجل: السرعة في
إمضاء أمر، وفي الحواشي: يستثنى من ذلك ما لا شبهة في خيريّته، قال الله تعالى:
﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَرِعُونَ فِىِ الْخَيْرَتِ﴾ [الأنبياء: ٩٠].
٥٠٥٦ _ [٤] (أبو سعيد) قوله: (لا حليم إلا ذو عثرة) من العثار بمعنى الزلة،
أي: لا حليم كاملاً - وإن كان الحلم غريزاً له - إلا من وقع في عثار وزلة، وذكروا
في معناه وجھین :
أحدهما: أن من وقع في زلات وخطيئات يحب أن يستر من رآه [على] عيبه
ويعفو عنه؛ فإذا علم محبته لذلك علم أن الحلم والعفو عن الناس خير ومحبوب عند
الإنسان؛ فإذا رأى من أحد زلة وخطيئة حلم وعفا.
وثانيهما: أنه لا يحصل له الحلم حتى يركب الأمور ويعثر فيها، فيعتبر بها

٣٠٩
(٢٥) كتاب الآداب
٥٠٥٧ _ [٥] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَجُلاً قَالَ لِلنَّبِيِّ وَّهِ: أَوْصِنِي، فَقَالَ:
((خُذِ الأَمْرَ بِالتَّدْبِيرِ، فَإِنْ رَأَيْتَ فِي عَاقِبَتِهِ خَيْراً فَأَمْضِهِ، وَإِنْ خِفْتَ غَيًّا
فَأَمْسِكْ)). رَوَاهُ فِي ((شَرْح السُّنَّةِ)). [شرح السنة: ٣٦٠٠].
٥٠٥٨ - [٦] وَعَنْ مُصْعَبٍ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِهِ، قَالَ الأَعْمَشُ:
لاَ أَعْلَمُهُ إِلَّ عَنِ النَّبِّ ◌َ﴿ قَالَ: ((التُّؤَدَّةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ خَيْرٌ إِلَّ فِي عَمَلٍ
الآخِرَةِ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٨١٠].
ويستبين مواضع الخطأ فيجتنبها، وهذا المعنى يرجع إلى معنى التجربة؛ فالمعنى الأول
أقرب وأظهر، وإلا لم يظهر لتخصيص التجربة بالحلم وجه، ثم لا يخفى أن من
الناس من يكون الحلم له غريزة، فلا حاجة له في حصوله إلى العثرة والزلة إلا أن
يقال: يكمل الحلم بذلك كما أشار إليه حيث قيدوا أنه لا حليم كاملاً إلا ذو عثرة،
فافهم .
٥٠٥٧ _ [٥] (أنس) قوله: (خذ الأمر بالتدبير) في (القاموس) (١): التدبير:
النظر في عاقبة الأمر کالتدبر، وفي (الصراح)(٢): تدبیر پایان کار نگریستن.
٥٠٥٨ _ [٦] (مصعب بن سعد) قوله: (التؤدة) بضم التاء وفتح الهمزة
ويسكونها، والوئيد والتَّوْآد: الرزانة والتأني، كذا في (القاموس)(٣)، وفي (الصراح) (٤):
يقال: مشى مشياً وئيداً، أي: تؤدة بآهستكي.
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٣٦٤).
(٢) ((الصراح)) (ص: ١٧٧).
(٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ٣٠٦).
(٤) ((الصراح)) (ص: ١٤٩).

٣١٠
(١٨) باب الحذر والتأني في الأمور
٥٠٥٩ - [٧] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَرْجِسٍ أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ قَالَ: ((السَّمْتُ
الْحَسَنُ وَالثُّؤَدَّةُ وَالإِقْتِصَادُ جُزْءٌ مِنْ أَرْبَعٍ وَعِشْرِيْنَ جُزْءاً مِنَ النُّبُوَّةِ». رَوَاهُ
التِّرْ مِذِيُّ. [ت: ٢٠١٠].
٥٠٥٩ - [٧] (عبدالله بن سرجس) قوله: (السمت الحسن) في (القاموس)(١):
السمت: الطريق وهيئة أهل الخير، وفي (الصراح)(٢): سمت: راه وروش نيكو،
يقال: ما أحسن سمته، أي: هديه، وفي (مجمع البحار)(٣): السمت: الطريق القصد،
ويستعار لطريق أهل الخير، وقال الطيبي (٤): حالة الرجل ومذهبه، وعلم مما ذكرنا
أن على بعض هذه المعاني توصيفه بالحسن على طريق الكشف والبيان، و(الاقتصاد):
ضد الإفراط، والمشهور أن الاقتصاد هو التوسط بين الأمرين، أي: جانبي الإفراط
والتفريط، وهو المحمود في الكمال.
وقوله: (جزء من أربع وعشرين جزءاً من النبوة) أي: هي من خصال الأنبياء،
فاقتدوا بهم فيها، واهتدوا بهديهم، ووقع في حديث ابن عباس: خمس وعشرين جزءاً،
والتفاوت بين العددين يحتمل أن يكون من وهم الرواة، أو بسبب آخر، وتعيين العدد
موكول إلى علم النبوة، وقد مرّ مثل هذا في (كتاب الرؤيا) في شرح قوله: (الرؤيا
الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة)، وأما تجريد (أربع) عن التاء في قوله:
(أربع وعشرين جزءاً من النبوة) يعلم منه أنه لا يجب عكس التأنيث، وقد يجيء على
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٥٥).
(٢) ((الصراح)) (ص: ٦٤).
(٣) ((مجمع بحار الأنوار)) (٣/ ١١٥).
(٤) ((شرح الطيبي)) (٩ / ٢٢٧).

٣١١
(٢٥) كتاب الآداب
٥٠٦٠ - [٨] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاس أَنَّ نَبِيَّ(١) اللهِنَِّ قَالَ: ((إِنَّ الْهَدْيَ
الصَّالِحَ وَالإِقْتِصَادَ جُزْءٌ مِنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ جُزْءاً مِنَ النَّبُوَّةِ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
[د : ٤٧٧٦].
٥٠٦١ - [٩] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ عَنِ النَّبِيِّبِ﴿ قَالَ: ((إِذَا حَدَّثَ
الرَّجُلُ الْحَدِيثَ ثُمَّ الْتَفَتَ فَهِيَ أَمَانَةٌ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ١٩٥٩،
د: ٤٨٦٨].
الأصل إن صح أنه لفظ الحديث، ويمكن أن يكون أن الجزء مضاف إلى النبوة بحسب
المعنى، فاكتسب التأنيث منه، والله أعلم.
٥٠٦٠ _ [٨] (ابن عباس) قوله: (إن الهدي الصالح) الهدي بفتح الهاء ويكسر
وسكون الدال، وكذا الهدية: الطريقة والسيرة، هدى هدي فلان، أي: سار سيرته،
وخير الهدي هدي محمد ێ .
٥٠٦١ _ [٩] (جابر بن عبدالله) قوله: (إذا حدث الرجل الحديث ثم التفت
فهي أمانة) فسروا الالتفات بالغيبة، يعني إذا حدث أحد عندك حديثاً ثم غاب صار
حديثه أمانة عندك، لا يجوز إذاعتها والخيانة فيها بإفشائها .
وقال التُّورِبِشْتِي(٢): والظاهر أن (التفت) بمعنى التفات خاطر إلى ما تكلم،
فالتفت يميناً وشمالاً احتياطاً كأنه يريد الإخفاء، فـ (ثم) للتراخي في الرتبة، والتأنيث
في قوله: (فهي أمانة) إما بتأويل الحكاية أو الكلمة، أو التأنيث الخبر.
(١) في نسخة: ((النَّبِيَّ).
(٢) لم نجده في ((كتاب الميسر)).

٣١٢
(١٨) باب الحذر والتأني في الأمور
٥٠٦٢ _ [١٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ﴿ِ قَالَ لَأَبِي الْهَيْئَمِ بْنِ
التَّيِّهَانِ: ((هَلْ لَكَ خَادِمٌ؟)) فَقَالَ: لاَ، قَالَ: ((فَإِذَا أَنَانَا سَبْيٌ فَأُتِنَا))، فَأُتِيَ
النَّبِيُّ ◌َّهِ بِرَ أْسَيْنٍ، فَأَتَاهُ أَبُو الْهَيْثَمِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((اخْتَرْ مِنْهُمَا))، فَقَالَ:
يَا نَبِيَّ اللهِ! اخْتَرْ لِي، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((إِنَّ الْمُسْتَشَارَ مُؤْتَمَنٌ، خُذْ هَذَا فَإِنِّي
وَأَيْتُهُ يُصَلِّي، وَاسْتَوْصٍ بِهِ مَعْرُوفً)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٣٦٩].
٥٠٦٢ - [١٠] (أبو هريرة) قوله: (ابن التيهان) بفتح الفوقانية وكسر التحتانية
مع التشديد .
وقوله: (إن المستشار مؤتمن) أشار عليه بكذا، أي: أمره، واستشاره: طلب
منه المشورة، والاستشارة: طلب رأي فيما فيه المصلحة، كذا في (القاموس)(١)،
وقال في (الصراح)(٢): مشورة بضم الشين وسكونها شوری کنگاش كردن، مشاورة
كذلك، استشارة: کنگاش خواستن.
وقوله: (مؤتمن) أي: ينبغي أن يكون أميناً .
وقوله: (واستوص به خيراً)(٣) وصّاه توصية: عهد إليه، والاسم الوصاية
بالفتح والكسر، والوصية، تواصى القوم، أي: وصى بعضهم بعضاً، كقوله تعالى:
﴿وَتَوَاصَوْاْ بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْ بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ٣]، والاستيصاء: قبول الوصية، وفي الحديث:
(واستوصوا بالنساء)، أي: أوصيكم بهن خيراً، فاقبلوا وصيتي فيهن، وقيل: الأظهر
أن السين للطلب، أي: اطلبوا الوصية من أنفسكم في أنفسهن، أو لطلب بعضكم بعضاً
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٣٩٢).
(٢) ((الصراح)) (ص: ١٨٨).
(٣) قوله: (خيراً) كذا في الأصل، والظاهر: (معروفاً) كما في المتن.

٣١٣
(٢٥) كتاب الآداب
٥٠٦٣ _ [١١] وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((المجالسُ
بالأَّمَانَةٍ إِلَّ ثَلاثَةَ مَجَالِسَ: سَفْكُ دَمٍ حَرَامٍ، أَوْ فَرْجٌ حَرَامٌ، أَوْ اِقْتِطَاعُ مَالٍ
بِغَيْرِ حَقِّ). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٨٦٩].
وَذُكِرَ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ: (إِنَّ أَعْظَمَ الأَمَانَة) فِي (بَابِ الْمُبَاشَرَةِ) فِي
(الْفَصْلِ الأَوَّلِ).
من بعض الوصية بالإحسان، وقيل: الاستيصاء بمعنى الإيصاء.
٥٠٦٣ _ [١١] (جابر) قوله: (سفك دم حرام ... إلخ)، بأن يقول أحد في
مجلس: أريد قتل فلان أو الزنا بفلانة أو أخذ مال فلان؛ فإذا سمع آخر ذلك منه يجب
أن يخبر هؤلاء.
وقوله: (واقتطاع مال أحد) أقطع واقتطع من ماله قطعة: أخذ منه شيئاً، كذا
في (القاموس)(١)، وفي (الصراح)(٢): اقتطاع: پاره أز چيزى جدا كردن، والمراد أخذه
كلاّ أو بعضاً.
وقوله: (وذكر حديث أبي سعيد: إن أعظم الأمانة في باب المباشرة في الفصل
الأول) كأنه وقع في (المصابيح) هذا الحديث مكرراً، أولاً في (باب المباشرة) من
(كتاب النكاح) في الصحاح، وثانياً في هذا الباب، أعني (باب الحذر والتأني) في
الحسان، فترك المؤلف ذكره هنا وذكره هناك، أما نحن فلا نجده في النسخ التي عندنا
ذكره هنا، فكأنه تركه بعض الناسخين لأجل التكرار، ثم في كلام المصنف رحمه الله
تعالى إشارة إلى أن الصواب ذكره في الصحاح، فلهذا ذكره هناك وتركه هنا، والله
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٦٩٤).
(٢) ((الصراح)) (ص: ٣٢٥).

٣١٤
(١٨) باب الحذر والتأني في الأمور
الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
*
٥٠٦٤ _ [١٢] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ: ((لَمَّا خَلَقَ اللهُ الْعَقْلَ
قَالَ لَهُ: قُمْ فَقَامَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَدْبِرْ فَأَدْبَرَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَقْبِلْ فَأَقْبَلَ، ثُمَّ قَالَ
لَهُ: أُقْعُدْ فَقَعَدَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: مَا خَلَقْتُ خَلْقاً هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ وَلاَ أَفْضَلُ مِنْكَ،
وَلاَ أَحْسَنُ مِنْكَ، بِكَ آخُذُ، وَبِكَ أُعْطِي، وَبِكَ أُعْرَفُ، وَبِكَ أُعَاتِبُ،
وَبِكَ الثَّوَابُ، وَعَلَيْكَ العِقَابُ)). وَقَدْ تَكَلَمَّ فِيهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ.
أعلم بالصواب.
الفصل الثالث
٥٠٦٤ - [١٢] (أبو هريرة) قوله: (وتكلم فيه بعض العلماء) قال السخاوي في
(المقاصد الحسنة)(١): قال ابن تيمية وتبعه غيره: إنه كذب موضوع بالاتفاق، وفي
زوائد عبدالله بن الإمام أحمد على (كتاب الزهد) لأبيه عن علي عن سیار بن حاتم،
وهو ممن ضعفه غير واحد، وكان جماعاً للرقائق، وقال القواريري: إنه لم يكن له عقل،
قال: حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي، حدثنا مالك بن دينار عن الحسن البصري مرفوعاً
مرسلاً: (لما خلق الله العقل قال له: أقبل فأقبل، ثم قال له: أدبر فأدبر، ثم قال:
ما خلقت خلقاً أحب إليّ منك، بك آخذ، وبك أعطي).
وأخرجه داود بن المحبر في (كتاب العقل) له: حدثنا صالح المري عن الحسن
به بزيادة: (ولا أكرم علي منك، لأني بك أعرف، وبك أعبد)، والباقي مثله، وفي
الكتاب المشار إليه من هذا النمط أشياء؛ منها: (أول ما خلق الله العقل)، وذكره. وابن
(١) ((المقاصد الحسنة)) (١ / ١٩٩).

٣١٥
(٢٥) كتاب الآداب
المحبر كذاب، والوارد في أول ما خلق حديث: (أول ما خلق الله القلم)، وهو أثبت
من العقل، انتهى كلام السخاوي .
وقال السيوطي في (الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة)(١): قد وجدت له
أصلاً صالحاً، فأخرجه عبدالله ابن الإمام أحمد في زوائد (الزهد)، قال: حدثنا علي بن
مسلم، حدثنا سيّار، حدثنا جعفر، حدثنا مالك بن دينار عن الحسن يرفعه قال
رسول الله ◌َّ: ((أول ما خلق الله العقل)) الحديث، وهذا مرسل جيد الإسناد، وهو في
(معجم الطبراني الأوسط)(٢) موصولاً من حديث أبي أمامة، ومن حديث أبي هريرة
بإسنادين ضعيفين، انتهى كلام السيوطي.
وفي (تنزيه الشريعة)(٣) أنه أخرج هذا الحديث ابن عدي في (الكامل) والدار قطني
عن أبي هريرة، والعقيلي عن أبي أمامة نحوه، وفيه حفص(٤)، وسيف وسعید مجهولان،
وتعقب بأنه أخرجه البيهقي في (الشعب) من طريقين، وقال: هذا إسناد غير قوي،
وهو مشهور من قول الحسن، ورواه أبو نعيم، وفيه سهل، قال: وأراه واهماً فيه، ورواه
عبدالله بن أحمد بسند جيد عن الحسن مرسلاً، ورواه ابن عدي من طريق آخر وقال:
باطل منکر، وآفته محمد بن وهب، له غیر حديث منكر.
(١) ((الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة)) (١ / ٣٦٧).
(٢) ((المعجم الأوسط)) (٧ / ١٩٠).
(٣) ((تنزيه الشريعة)) (١ / ٢٠٤).
(٤) فيه إيجاز مخل، وفي (تنزيه الشريعة)): وَفِي الأول حَفْص بن عمر قَاضِي حلب، وَفِي الثَّانِي
سيف بن مُحَمَّد، وَفِي الثَّالِث سعيد بن الفضل عَن عمر بن أبي صَالِحِ الْعَتكِي، وهما مَجْهُولاَن.

٣١٦
(١٨) باب الحذر والتأني في الأمور
٥٠٦٥ - [١٣] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((إِنَّ الرَّجُلَ
لَيَكُونُ مِنْ أَهْلِ الصَّلاَةِ وَالصَّوْمِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ)). حَتَّى ذَكَرَ سِهَامَ
الْخَيْرِ كُلَّهَا: ((وَمَا يُجْزَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلاَّ بِقَدْرِ عَقْلِهِ)).
وأخرجه الدار قطني في ((الغرائب)) وقال: غير محفوظ، وله طريق آخر أخرجه
الترمذي الحكيم وابن عساكر، وفيه الحسن الخشني، وأخرجه الخطيب، وقال الذهبي
بعد ذكر طرق الحديث المذكورة: وله طرق أخرى لم تصح، قال ابن حبان: ليس
في العقل خبر صحيح، وقال العقيلي: لا يثبت في هذا الباب شيء، والله أعلم.
وقال الحافظ ابن حجر في (المطالب العالية)(١): أحاديث في العقل أخرجها داود
ابن المحبر في ((كتاب العقل)) كلها موضوعة، وقد أورد في (تنزيه الشريعة) بضعاً وستين
حديثاً في فضيلة العقل، [و] وسمها كلها بالوضع، والمذكور فيها العقل بمعنى معرفة
الأشياء وإدراك صلاح المبدأ والمعاد، والتمييز بين الخير والشر، والاحتراز عن عوامل
النفس وآفاتها، والاهتداء والوصول إلى معرفة الحق، وأما العقل بمعنى المخلوق الأول
الذي يدل عليه حديث: (أول ما خلق الله العقل)، فليس داخلاً في تلك الأحاديث،
وعند المحدثین فیه أيضاً كلام كما ذكرنا، وقد حکم بعضهم بوضعه على الخصوص،
وهو داخل في عموم قول بعضهم: كل حديث ورد فيه ذكر العقل لا يثبت، والله
أعلم.
٥٠٦٥ _ [١٣] (ابن عمر) قوله: (إلا بقدر عقله) بأن يضع كل عمل وعبادة
في موضعه ويعمله لله، ويحفظه عما يفسده، وبهذا فضل بعض الناس العقل على
العلم .
-
(١) ((المطالب العالية)) (١٣ / ٧٢٥).

٣١٧
(٢٥) كتاب الآداب
٥٠٦٦ - [١٤] وَعَنْ أَبِي ذَرِّ قَالَ: قَالَ لِي(١) رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((يَا أَبَا
ذَرِّ(٢)! لاَ عَقْلَ كَالتَّدْبِيرِ، وَلاَ وَرَعَ كَالْكَفِّ،
٥٠٦٦ - [١٤] (أبو ذر) قوله: (لا عقل كالتدبير) أي: النظر في عواقب الأمور
وما يترتب عليه من صلاح أو فساد، يعني أن العقل الكامل التام هو هذا، والعاقل
الكامل من هذا شأنه، والظاهر أن المراد بالعقل هنا مطلق العلم والإدراك، ولو أريد
بالعقل الذي سبق مدحه لم يكن لهذا الحكم كثير فائدة، فافهم.
وقوله: (لا ورع كالكف) استشكله الطيبي(٣) بأنّ الورع هو الكف، فكيف قيل:
ولا ورع كالكف؟ ثم أجاب بأن المراد كف الأذى أو كف اللسان، فكأنه قيل: لا ورع
کالصمت أو کالكف عن أذی المسلمین، انتھی.
ويمكن أن يقال: إن الورع وإن كان بحسب اللغة مفهومه الكف والاجتناب،
لكن هو في عرف الشرع شامل لطرفي الامتثال والاجتناب معاً، ولو كان معناه
الاجتناب فقط فالاجتناب عن ترك الامتثال بالأوامر أيضاً معتبر فيه البتة، إذ لا يقال
المتقي والمتورع لمن يجتنب المنهيات ويكف نفسه عنها، ولا يمتثل بالأوامر، وهذا
ظاهر، لكنهم قالوا: إن الاجتناب أهم وأدخل في سلوك طريق الوصول والقرب من
رعاية الامتثال، فمن يكتفي في جانب الامتثال بإتيان الواجبات والسنن والرواتب من
غير أن يستوفي أقسام النوافل والمستحبات، لكن يهتمّ بالاجتناب ويستوعب أقسامه،
ومن يهتم بالامتثال ويستوعب أقسام النوافل، لكنه يرتكب المكروهات لا يتيسر له
(١) قوله: (لي)) سقط في نسخة.
(٢) في نسخة: ((یا با ذر)).
(٣) ((شرح الطيبي)) (٩ / ٢٣٠).

٣١٨
(١٨) باب الحذر والتأني في الأمور
وَلاَ حَسَبَ كَحُسْنِ الْخُلْقِ)).
٥٠٦٧ _ [١٥] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَِّ: ((الاِقْتِصَادُ فِي
النَّفَقَةِ نِصْفُ الْمَعِيشَةِ،
الوصول، ولهذا المقال تفصيل وتحقيق مذكور في موضعه، وقد بينه سيدي الشيخ
علي المتقي في رسالته المسماة بـ ((تبيين الطرق)).
وإذا عرفت ذلك فقد حصل لقوله يلي: ((ولا ورع كالكف)) معنى صحيح جيد،
وحاصله: أن الأهم في الورع هو الكف والاجتناب عن المحارم والمكروهات، كما
ذكرنا .
وقوله: (ولا حسب كحسن الخلق) الحسب: ما يعده الرجل من مآثره ومآثر آبائه،
فالمراد أن الحسب الكامل المعتد به عند الله تعالى هو الأخلاق الحميدة، وما سواه
من المفاخر الدنياوية لا يعتد به، ويحتمل أن يراد أن الأخلاق الباطنة هي الأصل
والعمدة، والأعمال الظاهرة وإن كانت أيضاً من الكمال وأحد شطريه لكنها فرع وتبع
للأخلاق، وقد ورد في الحديث: (ليس شيء في الميزان أثقل من حسن الخلق)، ولو
أريد بالخلق ما يتعارفه الناس من لين الجانب، وبشاشة الوجه، والتلطف، والرحمة،
كان المقصد المبالغة والتأكيد في رعاية هذا الوصف، ويكون تأويله كالتأويل الذي
ذكره الشارح في قوله: (لا ورع كالكف) بإرادة كف اللسان، أو كف الأذى، وعلى
تقدير إرادة مطلق الأخلاق الباطنة يكون معناه كما ذكرنا في ذلك القول من إرادة الاجتناب
عن المحارم والمكروهات، فافهم.
٥٠٦٧ _ [١٥] (ابن عمر) قوله: (الاقتصاد في النفقة نصف المعيشة) لأنه لا بد
في التعيش من دخل وخرج، وبناء الخرج على الاقتصاد؛ لأن في التبذير والتقتير إخلالاً

٣١٩
(٢٥) كتاب الآداب
وَالتَّوَدُّهُ إِلَى النَّاسِ نِصْفُ الْعَقْلِ، وَحُسْنُ السُّؤَالِ نِصْفُ الْعِلْمِ)). رَوَى
الْبَيْهَقِيُّ الأَحَادِيثَ الأَرْبَعَةَ فِي ((شَعَبِ الإِيمَانِ)). [شعب: ٤٣١٣، ٤٣١٦،
٤٣٢٥، ٠١٦١٤٨
بالمصالح، فيكون الاقتصاد نصف معيشة، وقال الطيبي(١): لأن كلاً من طرفي التبذير
والتقتير ينغص كل العيش، فالتوسط نصف العيش، وهذا الكلام لا يخلو عن خفاء،
فافهم .
وقوله: (والتودد إلى الناس نصف العقل) لأن تمام عقل المعاش باكتساب الأموال
والأسباب والتمدن ببني النوع، وإظهار المودة بالناس، والركون إليهم هو التمدن،
فيكون نصفه، وهذا إذا لم يخل بالدين والتقوى، وإلا فالمداراة.
وقوله: (وحسن السؤال نصف العلم) قال الطيبي (٢): فإن السائل الفطن يسأل
عما يهمه وما هو بشأنه أعنى، وهذا يحتاج إلى فضل تمییز بين مسؤول ومسؤول؛
فإذا ظفر بمبتغاه فإنه کمل علمه، انتهى.
وأقول: إن العلم سؤال وجواب، وحسن السؤال عبارة عن تنقيح المسؤول
وتحقيقه بجميع الشقوق والاحتمالات، حتى يأتي الجواب وافياً شافياً، ولا يفوت شيء
من المطلوب، وهذا موقوف على مزيد تمييز، فالسؤال على هذا الوجه يكون من قبيل
العلم؛ فلا يتوجه أن السؤال ينشأ من جهل وتردد دون علم، فكيف يكون نصف
(١) ((شرح الطيبي)) (٩/ ٢٣٠).
(٢) ((شرح الطيبي)) (٩ / ٢٣١).

٣٢٠
(١٩) باب الرفق والحياء وحسن الخلق
١٩- باب الرفق والحياء وحسن الخلق
العلم؟ فافهم.
وظهر لك مما ذكرنا أن النصفية محمولة على حقيقتها، ويحتمل أن يكون المراد
المبالغة في مدخلية رعاية الاقتصاد في المعيشة، والتودد في استعمال العقل فيها، وحسن
السؤال في تحصيل العلم، كأنه قيل: الأشياء والأسباب الكثيرة لها مدخل في المعيشة،
والتودد في استعمال العقل فيها وحسن السؤال في تحصيل العلم، لكن هذه الأشياء
المذكورة على طرف، والأشياء الأخر مع كثرتها على طرف، وهذا نصف، وتلك
بأجمعها نصف، والله أعلم .
١٩ - باب الرفق والحياء وحسن الخلق
في (القاموس)(١): الرفق بالكسر: ما استعين به، واللطف، رَفِّقَ به، وعليه،
مثلثة، رفقاً ومَرْفَقاً، كمجلس ومقعد ومنبر، وفي (الصراح)(٢): رفق بكسر: نرمي
ونرمي کردن، ضد العنف، من نصر، صلته بالباء، وارفاق نرمي كردن وسود داشتن
کسی راء، والحياء بالمد: شرم داشتن، وحقيقتها تغير وانكسار يعتري الإنسان من
تخوف ما يعاب ويذم، والحياء المحمود انقباض النفس عن القبائح الشرعية وتركها
لذلك، وبعبارة أخرى: خلق يمنع من التقصير في حق ذي الحق، وقال السادة
الصوفية: الحياء متولدة من رؤية الآلاء ورؤية التقصير، وحسن الخلق قد مرّ تفسيره
آنفاً .
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٨١٧).
(٢) ((الصراح)) (ص: ٣٧٦، ٥٥٤).