Indexed OCR Text

Pages 561-580

٥٦١
(٢٤) كتاب الرؤيا
٤٦٠٨ - [٣] وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَهِ: ((الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ
مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءاً مِنَ النُُّوَّةِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٩٨٣، م: ٢٢٦٤].
ما هي حسنة ظاهراً وباطناً كرؤية الأنبياء والأولياء والكلام معهم، أو ظاهراً فقط كسماع
الملاهي والملاعب، أو قبيح ظاهراً وباطناً كلدغ الحيات والعقارب، أو قبيح ظاهراً
فقط كذبح الولد، أقول: الظاهر أن العبرة في حسن الرؤيا وقبحها بتعبيرها، فإن وقع
التعبير بشيء حسن فهو حسن عند الرائي، وقبيح فقبيح، فتأمل، وقد يفسر الصالحة
بالصادقة، والمعنى الأول وإن كان أظهر وأوفق بمعنى المبشرات، ولكن سياق الحديث
ينظر إلى المعنى الثاني؛ لأن المعتبر في النبوة هو الخبر الصادق مبشراً كان أو منذراً
فإطلاق المبشرات بتغليب أو تجريد، والمراد المخبرات.
٤٦٠٨ - [٣] (أنس) قوله: (الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءاً من
النبوة) الصواب أن المراد بالصالحة هنا الصادقة كما ذكرنا، وليس هنا ما ينظر إلى كونها
بمعنى الحسنة كما كان في الحديث السابق، ثم الظاهر أن المراد بالجزء ليس ما هو
مصطلح أرباب المعقول حقيقة، بل المراد أن الرؤيا الصالحة من لواحق النبوة وصفات
الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولا شك أن صفات الأنبياء باقية بعدهم ويتصف بها
من سواهم من الصالحين .
والمقصود مدح الرؤيا وإعلاء درجتها وأنها من عالم الوحي ومشابهة له وإن
لم يكن صاحبها نبيًّا كما جاء في الحديث: (السمت الحسن والتُؤَدة والاقتصاد جزء من
أربعة وعشرين جزءاً من النبوة)(١)، بل جميع صفات الكمال أصله ومنبعه النبوة،
والتخصيص لمزيد الاختصاص والامتياز، ولا شك أنها موجودة في غير الأنبياء لأن
(١) أخرجه الترمذي في ((سننه)) (٢٠١٠).

٥٦٢
(٢٤) كتاب الرؤيا
الولاية ظل النبوة، فعلى هذا التوجيه لا يرد ما يقال: إن جزء النبوة لا يكون إلا مع
النبوة، لأن الجزء وإن كان وجد بدون الكل، ولكن ليس في تلك الحالة جزءاً له إلا
باعتبار ما كان وهو مجاز، فينبغي أن لا تثبت الرؤيا الصالحة لغير النبي، والحال أنها
ثابتة له، وإن النبوة نسبة وصفية وكون الرؤيا الصالحة جزءاً لها لا معنى له، فما معنى
كونها جزءاً منها؟ وإن النبوة قد ذهبت والرؤيا الصالحة باقية، فكيف يصح كونها
جزءاً منها؟ ولا يحتاج إلى أن يجاب عن الأول بأن المراد أن الرؤيا جزء من النبوة في
حق الأنبياء؛ لأنه كان يوحى إليهم في المنام مع انتقاض هذا الجواب بما جاء في
الحديث الآخر منه: (أن رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين)، الحديث.
وعن الثاني والثالث بأن المراد أن الرؤيا جزء من أجزاء علوم النبوة، وعلوم النبوة
باقية كما جاء في الحديث: (ذهبت النبوة وبقيت المبشرات، وهي الرؤيا الصالحة)،
كذا قال الطيبي(١) مع أنه لا يخفى أن الرؤيا ليست جزءاً من علوم النبوة، بل من طرق
علومها؛ لأن الرؤيا من طرق العلم، وبأن المراد أن الرؤيا تأتي على وفق النبوة لا أنها
جزء منها حقيقة باقية بعد .
وهذا الجواب اعتراف بعدم الجزئية كما قلنا مع أنه لا يظهر المراد من قولهم:
إن الرؤيا تأتي على وفق النبوة، ولعل المراد أن الرب تعالى كما يخص بمحض فضله
من يشاء من عباده بموهبة النبوة كذلك يخص بعض عباده بعطية الرؤيا، وفهم هذا
المعنى من العبارة غير متضح، وبأن النبوة هنا بمعنى الإنباء يعني أن الرؤيا إخبار صدق
لا كذب فيه، مع أن هذا المعنى أيضاً لا يناسب الجزئية ولا يثبتها، ولا يناسب اعتبار
(١) ((شرح الطيبي)) (٨ /٣٤٠).

٥٦٣
(٢٤) كتاب الرؤيا
العدد المذكور في الحديث، وبأن جزء النبوة لا يكون نبوة فلا ينافي ذهاب النبوة
وبقاءها، وهذا الجواب يخص بالثالث، نعم يتجه الإشكال بأنه ما وجه التخصيص
بعدد ست وأربعين.
والمشهور في توجيهه ما قيل: إن زمان الوحي كان ثلاثاً وعشرين سنة، وكان
أول ما بدئ به من الوحي الرؤيا الصالحة، وذلك في ستة أشهر من سني الوحي، ونسبة
ذلك إلى سائرها نسبة جزء إلى ستة وأربعين جزءاً، وتعقب عليه التُّورِبِشْتِي(١) بأن
حصر سني الوحي في ثلاث عشرين مسلم، فإنه مما ورد فيه الروايات المعتد بها مع
اختلاف في ذلك، وأما كون زمان الرؤيا فيها ستة أشهر، فشيء قدره هذا القائل في
نفسه، ولم يساعده فيه النقل، انتهى.
وهذا القول إشارة إلى اختلاف جاء في مدة إقامته ◌َله بمكة، أي: ثلاثة عشر
أو خمسة عشر أو عشر، والمختار هو الأول، ويكون عليه زمان النبوة ثلاثاً وعشرين
سنة، وحاصله أن كون الوحي في المنام ستة أشهر في هذه المدة مما لم يثبت، وقد
قدح النووي في (شرح صحيح مسلم)(٢) في كون زمان الرؤيا ستة أشهر، وقال: لم
يثبت ذلك، فالسبيل في تخصيص هذا العدد التسليم والتفويض إلى علم النبوة؛ لأن
الوقوف على أمثال هذه العلوم من خواص النبوة، ولا يدرك بقياس العقل كنه حقيقتها،
وكذلك حكم الأعداد في سائر المواضع مثل أعداد الركعات والتسبيحات.
وقد جاء في رواية: (جزء من خمسة وأربعين)، وفي أخرى: (من أربعين)،
(١) ((كتاب الميسر)) (٣/ ١٠١٨).
(٢) ((شرح النووي)) (١٥ / ٢١).

٥٦٤
(٢٤) كتاب الرؤيا
٤٦٠٩ - [٤] وَعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: ((من رَآنِي فِي
الْمَنَامِ فَقَدْ رَأَنِي، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لاَ يَتَمَثَّلُ فِي صُورِي)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١١٠،
م: ٢٢٦٦].
٤٦١٠ - [٥] وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((مَنْ رَآنِي
فَقَدْ رَأَى الْحَقَّ)). مُتَفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٩٩٦، م: ٢٢١٧].
وتوجيه خمس وأربعين أن وفاته وَيظهر في أثناء السنة الثالثة بعد ستين، وتوجيه الأربعين
أنه مبني على رواية أن عمره ستون سنة، والراجح المختار هو الأول، وقال الطبري:
إن اختلاف العدد في الرؤيا بحسب اختلاف حال الصفاء والكدورة في الرائي، أو باعتبار
الخفاء وجلاء الرؤيا، وقد جاء في رواية: (جزء من سبعين جزءاً)، والظاهر أن المراد
المبالغة في تعليله وحطه من درجة النبوة لا عين العدد، والله أعلم بحقيقة الحال.
٤٦٠٩ - [٤] (أبو هريرة) قوله: (من رآني في المنام فقد رآني) بأي صورة رآه
كما يأتي تحقيقه في شرح الحديث الآتي.
٤٦١٠ - [٥] (أبو قتادة) قوله: (فقد رأى الحق) الظاهر أنه مفعول به، أي:
رأى الأمر الثابت المحقق، ويحتمل أن يكون مفعولاً مطلقاً أي: رآني الرؤيا الحق،
وتذكيره باعتبار أنه مصدر في الأصل أو صفة مصدر.
اعلم أن هذه الأحاديث مع تعدد طرقها واختلاف ألفاظها تدل على أن من رأى
رسول الله {قل﴾ في المنام فقد رآه، وأن رؤياه حق ثابت، وليس للكذب والبطلان حول
حماه طريق، وأنه ليس للشيطان ولا ينبغي له أن يتمثل بصورته وّيه ويلبس ويدخل في
خيال الرائي أنه هو ◌َّ مع أن الله تعالى أقدره ومكنه من أن يتمثل بأي صورة شاء،
ويلبس على الخلق ويكذب سواء كان في اليقظة أو في المنام، ولكن لم يقدره على
تمثله بصورته ويل﴿ والكذب عليه به، هكذا جرت سنة الله، ولن تجد لسنة الله تبديلاً،

٥٦٥
(٢٤) كتاب الرؤيا
وعدّ العلماء ذلك من خصائصه ◌َله، ومقتضاه أنه لا يجري في أحد ممن سواه والقر،
والله أعلم.
ثم اختلفوا فقال جماعة: إن محل هذه الأحاديث أن يراه في صورته الخاصة،
وحليته المخصوصة التي كانت له وَل*، ثم إن بعضاً من هذه الجماعة وسعوا الأمر
وقالوا: يراه بصورة وشكل كان 98 في وقت ما من مدة عمره سواء كان في الشباب
أو الكهولة أو في آخر عمره، وبعضهم ضيقوا رحمة الله الواسعة وقالوا: أريد أن يراه على
صورة كان في آخر عمره عليها التي قبض عليها حتى اعتبروا عدد الشعرات البيض
التي كانت في لحيته ورأسه وَّر التي لم تبلغ عشرين شعرة.
وعن حماد بن زيد قال: كان محمد يعني ابن سيرين إذا قص عليه رجل أنه رأى
النبي وَلّ قال: صف لي الذي رأيته، فإن وصف له صفة لا يعرفها قال: لم تره، وسنده
صحيح.
وقد أخرج الحاكم(١) من طريق عاصم بن كليب حدثني ... إلى أن قال: قلت
لابن عباس: (رأيت النبي و ﴿ في المنام، قال: صفه لي، قال: فذكرت الحسن بن
علي ﴿﴿ فشبهته به، قال: قد رأيته)، وسنده جيد، لكن يعارضه ما أخرجه ابن أبي
عاصم من وجه آخر عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وسلّ: (من رآني في المنام فقد
رآني، فإني أرى في كل صورة)، وفي سنده ابن التوأمة وهو ضعيف لاختلاطه، وهو
من رواية من سمع منه بعد الاختلاط.
وذهب جماعة إلى أن رؤيته ◌َ ار بحليته المخصوصة وصفاته المعلومة رؤية لذاته
(١) ((المستدرك)) (٤ /٤٣٥).

٥٦٦
(٢٤) كتاب الرؤيا
الكريمة، وإدراك لحقيقته الشريفة، وعلى غير تلك الصفات إدراك مثال، وكلاهما
رؤيا حق ليس منه أضغاث أحلام، ولا مجال للشيطان في تمثله بصورته، لكن الأول
حق وحقيقة وتحقيق، والثاني حق وتمثل وتأويل، ولا يحتاج الأول إلى التعبير لعدم
تصوير المتخيلة وتلبيسه، والثاني يحتاج إليه كما حققنا في تحقيق الرؤيا، فمعنى
قوله وية: (فقد رآني) أو (فقد رأى الحق) أنه على كل صورة رأى فهو الحق ومن
الحق، وليس بباطل ومن الشيطان .
وقال الشيخ محيي الدين النووي(١): إن هذا القول أيضاً ضعيف، والصحيح
أنه رآه حقيقة سواء كانت على صفته المعروفة أو غيرها، والاختلاف في الصفات
لا يوجب الاختلاف في الذات كاختلاف الزمان والمكان، فالمرئي في كل صورة هو
الذات، والصفة لباس الذات سواء كان في اليقظة أو في المنام.
وأقول: هذا هو الحق، نعم رؤيته بالصفة المعروفة أتم وأكمل لدلالته على
صقالة مرآة الرائي، وسلامة دينه، وكمال إيمانه، وبغيرها لخلل في ذات الرائي ونقصان
في مرآته كما سنحققه في توضيح ما حققه الإمام الغزالي، فإنه له رحمه الله تحقيقاً
في هذا المقام مبنياً على أن حقيقة الإنسان هو الروح المجردة والنفس الناطقة، والبدن
آلة يوصل إدراكه إلى إدراك تلك الحقيقة، وليس معنى قوله ويلي: (فقد رآني) أنه رأى
جسمي وبدني، وإنما المراد أنه رأى مثالاً صار ذلك المثال آلة يتأدى بها المعنى الذي
في نفسي، والبدن في اليقظة أيضاً ليس إلا آلة لإدراك النفس، والآلة قد تكون حقيقة
وقد تكون خيالية، والنفس الناطقة غير المثال الحقيقي والخيالي، فالذي رأى من شكل
(١) «شرح النووي)) (١٥ / ٢٥).

٥٦٧
(٢٤) كتاب الرؤيا
وصورة فهو مثال روحه المقدسة التي محل النبوة الموصوف بها لا روحه وشخصه،
ومثل ذلك من يرى الله تعالى وتقدس في المنام فإن ذاته تعالى منزه عن الشكل
والصورة، لكن تنتهي تعريفاته تعالى إلى العبد بواسطة مثال محسوس من نور أو غيره
من الصور الجميلة التي تصلح أن تكون مثالاً للجمال الحقيقي المعنوي الذي لا صورة
فيه ولا لون، ويكون ذلك المثال صادقاً وحقًّا وواسطة في التعريف.
فيقول الرائي: رأيت الله في المنام لا بمعنى أني رأيت ذاته تعالى عن ذلك،
وكذلك رؤية النبي ◌َّ فإن ذاته المقدسة وروحه المجردة منزه عن الشكل والصورة،
ولكن كان له في الحياة بدن كانت الروح متعلقة به ومدبرة فيه، وكان ذلك البدن آلة
وواسطة لإدراك تلك الروح المقدسة، وبعد صيرورة ذلك البدن محجوباً عنا ومودعاً
في البقعة الشريفة من المدينة تصير الأبدان الخيالية آلات ووسائط لإدراك تلك الروح،
فالمرئي ليس الروح ولا شخص البدن المودع في المدينة؛ لأن حضور شخص في
الأماكن المتعددة المخصوصة في زمان واحد بصفات متعددة مختلفة مما لا يعقل ويتصور
إلا على وجه التمثل، فالمرئي في المنامات مثالات روحه المقدسة وهي حقه ومن
الحق لا مدخل فيها للبطلان والشيطان، فإن الشيطان لا يقدر على التمثل بمثاله على
ما جرت سنة الله تعالى، هذا خلاصة كلام الغزالي منقحاً ملخصاً.
وعلى هذا التحقيق صارت حقيقة الحال واحدة، ولم يبق محل الاختلاف، وثبت
أن المرئي حقيقته * لكن بالمثال، وسبب اختلاف الأمثلة مع أن المرئي ذاته وهو
واحد اختلاف أحوال مرايا قلوب الرائين، فإن لاختلاف أحوال المرايا في الصقالة
والكدرة والاستقامة والاعوجاج وأمثالها مدخلاً في اختلاف أحوال الصور والأشكال
المرئية فيها في الحسن والجمال والاستقامة والاعوجاج لاختلاف أحوال المرايا في

٥٦٨
(٢٤) كتاب الرؤيا
الصقالة والكدرة والاستقامة والاعوجاج وأمثالها، فمن رآه في صورة حسنة كما هي
فهو من صقالة مرآة قلبه وسلامتها من الخلل على حسب التفاوت فيها، ومن رأى
على خلاف ذلك فذلك من خلل ونقصان واقع فيها، وكذلك من رآه راضياً أو ساخطاً
أو ضاحكاً أو باكياً أو شابًّا أو شيخاً إلى غير ذلك من الاختلافات، فتلك من اختلاف
أحواله في نفسه، وليس في الذات اختلاف وتعدد، ففي رؤيته ◌ّ ضابطة مفيدة للسالكين
يعرفون بها أحوال بواطنهم وقلوبهم في التصفية حتى يعرفوا إلى أيّ حد وصلوا،
وأيّ مقام حصلوا، فيعالجوها في التصفية، بل حقيقته ◌َ * مرآة مصقلة منورة يرون
صور أحوالهم فيها .
وعلى هذا المعنى يحمل ما وقع في كلام بعض العرفاء أنه قال: رأيت النبي وَلّ
كذا وكذا مرة في المنام، فتحققت آخراً أنه ما رأيت إلا نفسي، فإن هذا الكلام ليس
بمعنی أن رؤیته پے خيال محض، ولا یری كل أحد إلا متخيلة، حاشا من ذلك، بل
معناه أن المرئي حقيقته، ولكن مرآة أحوال الرائي ومعيار معرفتها، وعلى هذا القياس
قال أهل التحقيق: إذا سمع كلام من النبي ◌ُّ عرض على شريعته المطهرة، فإن وافقها
فقد صح وإلا فذلك لخلل في سمعه، كما نقل عن بعض الفقراء أنه رأى في المنام
أنه وسي﴾ قال له: اشرب الخمر، فتمحل له تأويلات، فعرضه على بعض مشايخ زمانه
فقال: إنما قال النبي ◌َلجر: لا تشرب الخمر فأخطأ سمعك وسمعت: اشرب، مكان:
لا تشرب، هذا الكلام في رؤيته وَّ في المنام.
أما في اليقظة فقد حكي في ذلك حكايات الصالحين كثيرة بالغة حد التواتر،
والمنكر لهذا إما أن يصدق بكرامة الأولياء أو لا، فإن كان الثاني فقد سقط البحث معه
لأنه يكذب ما أثبته الكتاب والسنة، وإن كان الأول يقال له: إن هذه منها، وعلى ما حققنا

٥٦٩
(٢٤) كتاب الرؤيا
٤٦١١ - [٦] وَعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((من رَآنِي
فِي الْمَنَامِ فَسَيَرَانِي فِي الْقَظَةِ، وَلاَ يَتَمَثَّلُ الشَّيْطَانُ بِي)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ:
٦٩٩٣، م: ٢٢٦٦].
ظهر أن ذلك أيضاً بالمثال، لكنه في اليقظة، وقالوا: إنه لا يخلو عن طريان نوع من
الغيبة في الذكر، والله أعلم.
٤٦١١ - [٦] (أبو هريرة) قوله: (من رآني في المنام فسيراني في اليقظة) ذكروا
لهذا الحديث محامل وتأويلات، أحدها: أنه يرى تأويل تلك الرؤيا وتصديقها، يعني
تكون لها آثار وأنوار يراها في اليقظة في الدنيا، ثانيها: أن المراد رؤيته وَ له في الآخرة،
وتعقب أن الأمة بأجمعهم يرونه ◌َ له في الآخرة، فما وجه التخصيص بأهل الرؤيا إلا
أن تكون الرؤية بمزيد خصوصيته وحصول مزيته في حصول القرب والشفاعة لرفع
الدرجات لا يحصل لمن لم يتشرف برؤيته في الدنيا، ولا يبعد أن بعض العصاة الساقطين
في ورطة الغفلة يعذبون بالمنع عن رؤية جماله الشريف، فبشر من فاز بهذه السعادة
في الدنيا بعدم ابتلائه بهذا العذاب هكذا قالوا.
ثالثها: أن المراد من يراني في المنام فكأنما يراني في اليقظة، والمقصود بيان
صحة الرؤيا وحقانيتها بلا شك وريب، ولا يخفى أن إرادة هذا المعنى من عبارة (فسيراني
في اليقظة) في غاية البعد، ولكن ورود هذا الحديث في بعض الروايات بلفظ: (فكأنما
يراني في اليقظة) يؤيد هذه الإرادة.
رابعها: أن هذه بشارة لأهل عصره ومن لم يهاجر إليه وسير بأنه إذا رآه في المنام
جعل ذلك علامة على أن يراه بعد ذلك في اليقظة، ويهاجر ويتشرف بصحبته، وأوحى
الله ذلك إليه .
خامسها: أن هذه بشارة لمن شرفه الله برؤيته في المنام أن يوصله إلى درجة

٥٧٠
(٢٤) كتاب الرؤيا
٤٦١٢ - [٧] وَعَنْ أَبِ قَتَادَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((الزُّؤْيَا
الصَّالِحَةُ مِنَ اللهِ، وَالْحُلْمُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يُحِبُّ، فَلاَ
يُحَدِّثُ بِهِ إِلاَّ مَنْ يُحِبُّ،
يراه في اليقظة عياناً كما هو حال بعض العارفين من أهل الخصوص، وذلك عند ارتفاع
الكدورات النفسانية وقطع العلائق الجسمانية .
وقال صاحب (المواهب اللدنية)(١): وحمل هذا الحديث ابن أبي جمرة على
محمل آخر، فذكر عن ابن عباس: أنه رأى النبي ◌َّ في النوم فبقي بعد أن استيقظ
متفكراً في هذا الحديث، فدخل على بعض أمهات المؤمنين - لعلها خالته ميمونة
والله أعلم - فأخرجت المرآة التي كانت للنبي وَّ، فنظر فيها صورة النبي ◌َّ ولم ير
صورة نفسه، فالمراد أنه يراه في اليقظة في المرآة التي كانت إن أمكنه ذلك، وقال
الحافظ ابن حجر (٢): وهذا من أبعد المحامل، انتهى.
٤٦١٢ - [٧] (أبو قتادة) قوله: (الرؤيا الصالحة) أي: الحسنة الصادقة (من الله)
أي: بشارة منه تعالى وعلامة على لطفه ورحمته على عبده، (والحلم) أي: الرؤيا
القبيحة الكاذبة (من الشيطان) أي: واقعة على رضاه وهواه، وإن كان كلاهما صادر
بخلقه وقدرته تعالى، والمراد أن الرؤيا الصالحة بشارة من جانب الرب تعالى لعبده
حتى يبعثه على حسن ظنه به تعالى وإكثار شكره، ويوجبه مزيد شوق وطلب، والحلم
يلعبه الشيطان ليحزن المسلم ويسيء ظنه بربه تعالى، ويفتر سعيه في سلوك طريق الحق،
والله أعلم.
وقوله: (فلا يحدث) بالرفع والجزم، وقوله: (إلا من يحب) ليعبرها أحسن
(١) ((المواهب اللدنية)) (٢ / ٦٦٦).
(٢) ((فتح الباري)) (١٢ / ٣٨٥).

٥٧١
(٢٤) كتاب الرؤيا
وَإِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنْ شَرِّهَا وَمِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ، وَلْيَتْفُلْ ثَلاَثً،
وَلاَ يُحَدِّثْ بِهَا أحداً فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٢٩٢، م: ٢٢٦١].
٤٦١٣ - [٨] وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((إِذَا رَأَى أَحَدُكُمُ
الرُّؤْيَا يَكْرَهُهَا، فَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلاَثَاً، وَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ ثَلاَثً،
وَلْيَتَحَوَّلْ عَنْ جَنْبِهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٢٦١].
٤٦١٤ - [٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((إِذَا اقْتَرَبَ
الزَّمَانُ لَمْ يَكَدْ يَكْذِبُ رُؤْيَا الْمُؤْمِنٍ،
تعبير مما يحسنه لا بما يسوؤه.
٤٦١٣ - [٨] (جابر) قوله: (فليبصق عن يساره) ذكر في هذا الحديث البصق،
وفي الحديث السابق التفل، والبصق: إخراج ماء الفم من داخله حتى يخرج منه
شيء من الحلق، وقد تبدل الصاد بالزاي، وما يخرج هو البصاق والبزاق، وبعد البصق
التفل معه شيء من ماء الفم، وبعده النفث وهو نفخ معه شيء مع ماء الشفة، وبعده
النفخ ليس معه شيء من الماء، ثم قيد في هذا الحديث بجانب اليسار، ولعل التخصيص
هذا الجانب بعلاقة الدنائة والخساسة، ونسبته إلى الشر أنسب بالشيطان وطرده.
وقوله: (وليتحول عن جنبه الذي كان عليه) تغييراً للحال المكروهة، وهو إذا
اضطجع على وجه السنة يكون الجنب الأيمن، ويتحول إلى الأيسر ويتفل عنه ثلاثاً،
ويمكن أنه كان اضطجع على وجه السنة، ثم تحول إلى الأيسر، فإن السنة إنما هو
الاضطجاء ابتداء فيتفل عن الأيسر ثم يتحول، فليتدبر.
٤٦١٤ - [٩] (أبو هريرة) قوله: (إذا اقترب الزمان لم يكد يكذب رؤيا المؤمن)
الحديث، فيه أقوال: أحدها: أن المراد باقتراب الزمان آخر الزمان واقتراب الساعة؛

٥٧٢
(٢٤) كتاب الرؤيا
وَرُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءاً مِنَ النُّبُوَّةِ،
لأن الشيء إذا قل وتقاصر تقاربت أطرافه، ومنه قيل للقصير: متقارب، وجاء في
حديث آخر صريحاً: (لم يكد يكذب رؤيا المؤمن في آخر الزمان)، وسمعت من بعض
مشايخي أن المراد اقتراب زمان الموت.
وثانيها: أن المراد زمان استواء الليل والنهار؛ لأن الأمزجة في هذا الزمان أصح
وأعدل، فتكون الرؤيا سالمة عن الخلل والتخليط.
وثالثها: أن المراد بتقارب الزمان أن تكون السنة كالشهر، والشهر كالأسبوع،
والأسبوع كاليوم، واليوم كالساعة، ووقع في الحديث: (الشهر كالجمعة، والجمعة
كاليوم)، والمراد بها الأسبوع، وذلك أيضاً يكون في آخر الزمان لذهاب الخير والبركة
ورفاهية الحال فيه، وقيل: بل يكون في زمان المهدي وبسطة عدله لأنه زمان حسن
العيش والنعم والراحة، وهو وإن امتد وطال يرى قصيراً بخلاف زمان الهم والغم ونكد
العيش، فإنه وإن قصر وقل يرى ممتداً طويلاً، ففي زمن المهدي تجيء الرؤيا الصادقة
لأنه زمان الصدق، وقد جاء في الحديث: (أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثاً).
وقال بعض الشراح: إن اقتراب الزمان كناية عن قصر العمر وقلة البركة، أو المراد
تقارب أهل الزمان في الشر والفساد، أو تقارب أجزء الزمان وتشابههما في الشر، أو
انقراض زمن الدول والقرون وانقطاعه، فيتقارب أزمانها، ولا يخفى أن سياق الحديث
ناظر إلى أن صدق الرؤيا عند اقتراب الزمان من جهة قوة الإيمان وكماله بغلبة الصدق
والسداد، فتوجيه تقارب الزمان بالتقارب في الشر والفساد لا يناسبه إلا أن يقال: إن
صدق الرؤيا في ذلك الزمان بخاصية لا نعلمها ولا يحيط علمنا بذلك، والله أعلم.
وقوله: (ورؤيا المؤمن جزء ... إلخ)، قد يختلج هنا أن هذا يدل على كون
رؤيا المؤمن مطلقاً لا يكذب، وقد علقه باقتراب الزمان، ولا بد أن يكون ذلك علة

٥٧٣
(٢٤) كتاب الرؤيا
وَمَا كَانَ مِنَ النُّبُوَّةِ فَإِنَّهُ لاَ يُكَذَّبُ)). قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: وَأَنَا أَقُولُ:
الرُّؤْيَا ثَلاَثٌ: حَدِيثُ النَّفْسِ، وَتَخْوِيفُ الشَّيْطَانِ، وَبُشْرَى مِنَ اللهِ، فَمَنْ
رَأَى شَيْئاً يَكْرَهُهُ فَلاَ يَقُصَّهُ عَلَى أَحَدٍ، وَلْيَقُمْ فَلْيُصَلِّ، قَالَ: وَكَانَ يَكْرَهُ الْغُلَّ
فِي النَّوْمِ.
ولم يظهر ذلك في بعض الوجوه، فالأحسن التفويض إلى علم الشارع وعدم إحاطة
علومنا بذلك، فتدبر، وسيأتي ذكر هذه اللفظة في الفصل الأول من (كتاب الفتن).
ثم لما علم من الحديث صحة الرؤيا وصدقها أورد كلاماً من ابن سيرين، وقد
أعطي ظه حظًّا وافراً من علم تعبير الرؤيا لبيان أقسام الرؤيا، وأشار به إلى أن جميع
أقسام الرؤيا ليس بصحيحة وقابلة للتعبير والاعتبار إلا قسم منها هو بشارة وإعلام وتعريف
من الحق تعالى للعبد، والمراد بقول ابن سيرين: (وأنا أقول) أي: أروي مما ورد
من قول النبي ◌َّر، فإنه قد ورد ذلك في الأحاديث.
وقوله: (فلا يقصه على أحد) لأنه لما لم يكن له تعبير واعتبار، فحكايته وقصته
عبث مما لا يعنيه، وأيضاً إن قصه ويعبره السامع بتعبير يسوؤه يلزم التوهم والتطير،
ويوقعه في الوسواس مع أن للتعبير خاصية في الوقوع كما سيأتي، فالأصل أن لا يقصه
على أحد وإن كان لا بد أن يقصه فليقصه على من يحبه كما مرّ في الحديث السابق.
وقوله: (قال: وكان يكره الغل في النوم) الغل بضم الغين المعجمة: الطوق
في العنق، واعلم أن في ضمير (قال: وكان يكره) احتمالات، أحدها: أن ضمير (قال)
لابن سيرين كما هو ظاهر العبارة بالنظر إلى قوله: (قال محمد بن سيرين)، وعلى
هذا التقدير ضمير (كان يكره) للنبي وَّر، والمعنى قال ابن سيرين: كان النبي ◌ُّفي يكره
رؤية الغل في المنام؛ لأنه من صفات أهل جهنم كما قال: ﴿ إِذِالْأَغْلَلُ فِي أَعْتَفِهِمْ﴾

٥٧٤
(٢٤) كتاب الرؤيا
وَيُعْجِبُهُمُ الْقَيْدُ، وَيُقَالُ: الْقَيْدُ ثَبَاتٌ فِي الدِّينِ. مُتَّفَقٌ عَليْهِ. [خ: ٧٠١٧، م:
٢٢٦٣].
[غافر: ٧١] وثانيها: أن ضمير (قال) لابن سيرين، (وكان يكره) لأبي هريرة، وابن سيرين
راو عنه، ومشهور بروايته عنه حتى ذكر في أصول الحديث أنه إذا قيل: قال محمد
فهو ابن سيرين عن أبي هريرة، أي: قال ابن سيرين: وكان أبو هريرة يكره الغل، والظاهر
أن أبا هريرة سمعه من النبي ◌َّ وعبره باجتهاده.
وثالثها: أن ضمير (قال) للراوي عن ابن سيرين، و(كان يكره) لابن سيرين،
يعني كان ابن سيرين يكره الغل في النوم، ولعله كان لهذا الاحتمال لاستلزامه إسناد
التعبير إلى ابن سيرين وهو المشهور بتأويل الرؤيا وتعبيرها نوع رجحان.
وقوله: (ويعجبهم القيد) هكذا جاء في رواية البخاري بصيغة الجمع، فعلى
الاحتمال الأول الضمير راجع إلى النبي وأصحابه، وعلى الثاني لأبي هريرة وأتباعه،
وعلى الثالث لابن سيرين ومعاصريه من المعبرين، فافهم.
وقوله: (ويقال: القيد ثبات في الدين) وعلامة الكف عن القبائح والمعاصي،
وثبات القدم على الطاعات، وهذا التعبير يكون بالنسبة إلى أهل الدين والطاعة، وقالوا:
إذا رأى القيد في الرجلين وهو في مسجد أو مشهد خير أو على حالة حسنة فهو دليل
لثباته في ذلك، ولو رآه مريض أو مسجون أو مسافر أو مكروب كان دليلا على ثباته
فيه، كذا نقل الطيبي(١).
أقول: وهكذا يختلف تعبير الرؤيا باختلاف الرائي، مثلاً: إذا رأى تاجر أنه جالس
على السفينة وتهب الرياح الموافقة فهو علامة السلامة في السفر والربح في التجارة،
(١) ((شرح الطيبي)) (٨/ ٣٤٧).

٥٧٥
(٢٤) كتاب الرؤيا
٤٦١٥ - [١٠] قَالَ الْبُخَارِيُّ: رَوَاهُ قَتَادَةُ وَيُونُسُ وَهُشَيْمٌ وَأَبُو هِلاَلٍ
عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَالَ يُونُسُ: لَا أَحْسَبُّهُ إِلَّ عَنِ النَّبِّ لِلُّ
فِي الْقَيْدِ.
وَقَالَ مُسْلِمٌ: لاَ أَدْرِي هُوَ فِي الْحَدِيثِ أَمْ قَالَهُ ابْنُ سِيرِينَ؟ وَفِي رِوَايَةٍ
نَحْوُهُ.
وإذا رآه أحد من سالكي طريق الآخرة فتعبيره اتباع الشريعة والوصول إلى مقام
الحقيقة .
٤٦١٥ - [١٠] قوله: (قال البخاري ... إلخ)، بيان لما اختلف فيه الشيخان
في هذا الحديث، فالبخاري رواه عن هؤلاء المذكورين عن ابن سيرين عن أبي هريرة
موقوفاً، وذكر عن واحد منهم وهو يونس بن عبيد أن الحديث مرفوع في القيد، أي
في قولهم: ويعجبهم القيد، والقيد ثبات في الدين، وليس موقوفاً على أبي هريرة
ولا علی ابن سیرین.
وقوله: (و[قال] مسلم) روى الحديث عن أيوب السختياني عن أبي هريرة عن
النبي ◌َّ بهذا اللفظ قال: (إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المسلم تكذب، وأصدقكم
رؤيا أصدقكم حديثاً، ورؤيا المسلم جزء من خمس وأربعين جزءاً من النبوة، والرؤيا
ثلاث، فالرؤيا الصالحة بشرى من الله، ورؤيا تحزين من الشيطان، ورؤيا مما يحدث
المرء نفسه، فإن رأى أحدكم ما يكره، فليقم فليصل، ولا يحدث بها الناس، قال:
وأحب القيد، وأكره الغل، والقيد ثبات في الدين) فلا أدري أهو في الحديث أم قاله
ابن سيرين، إلى هنا لفظ مسلم، ولا يخفى ما في حديثه وحديث البخاري من
المخالفات، وأن قوله: (والرؤيا ثلاث) لا تصريح فيه بكونه قول ابن سيرين إلا أن

٥٧٦
(٢٤) كتاب الرؤيا
وَأَدْرَجَ فِي الْحَدِيثِ قَوْلَهُ: وَأَكْرَهُ الْغُلَّ . . . إِلَى تَمَامِ الْكَلاَمِ.
٤٦١٦ - [١١] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: جَاءَ النَّبِيُّ نَّهِ فَقَالَ: رَأَيْتُ فِي
الْمَنَامِ كَأَنَّ رَأْسِي قُطِعَ، قَالَ: فَضَحِكَ النَّبِيُّ ◌َ﴿ وَقَالَ: ((إِذَا لَعِبَ الشَّيْطَانُ
بِأَحَدِكُمْ فِي مَنَامِهِ فَلاَ يُحَدِّثْ بِهِ النَّاسَ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٢٦٨].
٤٦١٧ - [١٢] وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَهِ: ((رَأَيْتُ ذَتَ لَيْلَةٍ
فِیمَا یَرَى النَّائِمُ کانا فِي دَارِ عُقْبةَ بْنِ رَافِعٍ،
يجعل قوله: فلا أدري أهو في الحديث أم قاله ابن سيرين إشارة إلى مجموع قوله:
والرؤيا ثلاث ... إلى آخر الحديث، ثم في رواية أخرى لمسلم عن أيوب وهشام بهذا
الإسناد، وقال أبو هريرة به: فيعجبني القيد وأكره الغل، والقيد ثبات في الدين،
وقال النبي ◌َّ: (رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة)، وفي رواية أخرى
عن قتادة عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ◌َّ، وأدرج في الحديث قوله:
وأكره الغل ... إلى تمام الكلام، ولم يذكر الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة،
هذه ألفاظ مسلم في الأحاديث الثلاثة، وبهذا ظهر أن الضمير في (أدرج) و(قوله)
لابن سيرين أو لأبي هريرة، وظهر أيضاً تحقيق حال الضمائر في (قال: وكان يكره)
فتدبر، والله الموفق.
٤٦١٦ - [١١] (جابر) قوله: (وقال: إذا لعب الشيطان بأحدكم) قيل: قد علم
النبي ◌َّ بوحي أو بدلالة أخرى أن رؤيا هذا الرجل من أضغاث أحلام، وإلا فالمعبرون
قد عبروا قطع الرأس بزوال النعمة ومفارقة القوم، وتغير الحال وأمثاله، وسيجيء
مثل هذا في مواضع أخر كتعبير السوارين بالكذابين، والله أعلم.
٤٦١٧ - [١٢] (أنس) قوله: (في دار عقبة بن رافع) قرشي صحابي ابن خالة

٥٧٧
(٢٤) كتاب الرؤيا
فَأُوِيْنَا بِرُطَبٍ مِنْ رُطَبِ ابْنِ طَابٍ، فَأَوَّلْتُ أَنَّ الرَّفْعَةَ لَنَا فِي الدُّنْيَا، وَالْعَاقِبَةَ
فِي الآخِرَةِ، وَأَنَّ دِينَنَا قَدْ طَابَ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٢٧٠].
٤٦١٨ - [١٣] وَعَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ ◌َلْ قَالَ: ((رَأَيْتُ فِي
الْمَنَامِ أَنِّي أُهَاجِرُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَرْضٍ بِهَا نَخْلٌ، فَذَهَبَ وَهْلِي إِلَى أَنَّهَا
الْیَمَامَةُ.
عمرو بن العاص، و(ابن طاب) كان رجلاً بالمدينة ينسب إليه هذا النوع من الرطب
بأن أنشأه وغرسه أو كان يعجبه أكله أو غير ذلك، والله أعلم. ويقال: رطب ابن طاب
وعذق ابن طاب وتمر ابن طاب.
وقوله: (أن الرفعة) أخذها من لفظ رافع، (والعاقبة) أخذها من لفظ عقبة، (وأن
ديننا قد طاب) وفي رواية: قد أرطب وطاب، أخذاً من رطب ابن طاب، وقد كان
[من] عادته الكريمة التفاؤل بالأسماء، ولم يخص ذلك بتعبير الرؤيا بل كان يأخذ في
اليقظة أيضاً كما ذكر سابقاً من قصة بريدة الأسلمي في الفصل الثاني من (باب الفأل
والطيرة) في حديث بريدة.
٤٦١٨ - [١٣] (أبو موسى) قوله: (فذهب وهلي) أي: وهمي، الوهل: الوهم
وزناً ومعنى، يقال: وهل إلى الشيء يهل وهلاً: ذهب وهمه إليه، واعلم أنهم قد
ذكروا أنه ◌َّ﴾ لما أمر بالمهاجرة من مكة أري في منامه أولاً موضعاً ذات نخيل، وكان
يتطرق إليه الاشتراك والاشتباه بمواضع متعددة لما أنه في أرض الحجاز مواضع من
هذا القبيل، أحدها (اليمامة) بفتح الياء وخفة الميم، وهي قرية دون المدينة في وسط
الشرق عن مكة على ست عشرة مرحلة من البصرة، وعن الكوفة نحوها، والنسبة يمامي،
ويمامة: جارية زرقاء كانت تبصر الراكب من مسيرة ثلاثة أيام، وبلاد الجو منسوبة
إليها سميت باسمها، وكانت أكثر نخيلاً من سائر بلاد الحجاز، وبها تنبأ مسيلمة الكذاب،

٥٧٨
(٢٤) كتاب الرؤيا
أَوْ هَجَرُ، فَإِذَا هِيَ الْمَدِينَةُ يَثْرِبُ. وَرَأَيْتُ فِي رُؤْيَايَ هَذِهِ: أَنِّي هَزَزْتُ سَيْفاً
فَانْقَطَعَ صَدْرُهُ، فَإِذَا هُوَ مَا أَصِيبَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ أُحُدٍ،
والأخرى (هجر) بفتح الهاء والجيم، بلد باليمن بينه وبين عَثَّرَ يوم وليلة، مذكر مصروف،
وقد يؤنث ويمنع، وهو اسم أرض البحرين كلها، وهو الذي وقع في حديث القلتين:
(إذا بلغ الماء قلتين من قلال هجر) كما مرّ في (كتاب الطهارة). وفي (الصحاح)(١):
اسم بلد ینسب إليه التمر .
ثم لما اتضح الأمر وخلصت الأمارات وارتفع الاشتباه تعين أن مهاجره المدينة
التي كان اسمها في الجاهلية يثرب وأثرب على وزن مسجد، يقال: إن يثرب اسم
لواحد من ولد نوح يا توطن في هذه الأرض بعد تفرق ذريته، وقد ذهب جماعة
من العلماء إلى المنع من تسمية المدينة بيثرب، وأخرج البخاري في (تاريخه) حديثاً:
(أن من قال: يثرب مرة، فعليه أن يقول: مدينة عشر مرات تلافياً لما صدر عنه من
الخطيئة)(٢)، وروى أحمد وأبو يعلى: (أن من قال للمدينة: يثرب استغفر، اسمها طابة
طابة)(٣)، وقد جاء في هذا الباب روايات أخر، قالوا: ووجه الكراهة اشتقاقه من ثرب
محركاً بمعنى الفساد أو من التثريب بمعنى المؤاخذة والعقاب، أو أنه لما كان في الأصل
اسم كافر كره تسميتها به تنزيهاً لساحة غير هذه البلدة المطهرة من دنس الشرك والكفر،
وما وقع في القرآن المجيد: ﴿يَأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب: ١٣] فهو من لسان
المنافقين .
(١) ((الصحاح)) (٢ / ٨٥٢).
(٢) ((التاريخ الكبير)) (٦/ ٢١٧).
(٣) ((مسند أحمد)) (٢٨٥/٤)، و((مسند أبي يعلى)) (٣/ ٢٤٧).

٥٧٩
(٢٤) كتاب الرؤيا
ثُمَّ هَزَزْتُهُ أُخْرَى فعادَ أحسنَ مَا كَانَ فَإِذَا هُوَ مَا جَاءَ اللهُ بِهِ مِنَ الْفَتْحِ وَاجْتِمَاعِ
الْمُؤْمِنِينَ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٦٢٢، م: ٢٢٧٢].
وقد وقع في بعض الأحاديث تسمية يثرب، فقيل: إن ذلك قبل ورود النهي،
وهذا الحديث أيضاً يحتمله، أو لبيان أصل الجواز، والنهي تنزيهي، والمدينة في الأصل
اسم لبيوت مجتمعة جاوزت في الكثرة والعمارة حد القرية، ولم يبلغ حد المصر،
فالمصر فوق الكل، والقرية تحت الكل، والبلد والمدينة بينهما في مرتبة واحدة،
وبعضهم جعلوا المصر والمدينة في مرتبة، والمدينة بالألف واللام علم المدينة
رسول الله وَ﴿ غلب عليه كالنجم، والنسبة إليها مدني، وإلى غيرها مديني.
قال الجوهري(١): إذا نسبت إلى مدينة النبي ◌َّ قلت: مدني، وإلى مدينة المنصور
مديني، وإلى مدائن كسرى مدائني، وقال الحافظ المقدسي: قال البخاري: المديني
من أقام بمدينة رسول الله وَّ﴿ ولم يفارقها، والمدني هو الذي تحول عنها، كذا ذكر
الكرماني، ولهذه البلدة الشريفة أسماء تجاوز المئة، وقد ذكرنا نبذة منها في كتاب
(جذب القلوب إلى ديار المحبوب).
وقوله: (فإذا هو ما جاء الله به من الفتح واجتماع المؤمنين) المراد هو ما حصل
من الفتح في ذلك اليوم؛ لأن المسلمين تزلزلوا عن مركزهم الذي أمرهم رسول الله وله
الثبات فيه، وضربوا على الغنائم، ثم رجعوا إلى الاستقامة فظهرت آثار الفتح والنصرة،
ويحتمل أن يكون المراد ما حصل من الفتوح بعد يوم أحد، فافهم.
واعلم أن هذه الرؤيا إن كانت قبيل غزوة أحد فما رأى أحوال الهجرة
والخروج، لها أحوال سابقة عليها أريت له ﴿ الآن، وإن كانت في بدء الهجرة أريت
(١) ((الصحاح)) (٦ / ٢٢٠١).

٥٨٠
(٢٤) كتاب الرؤيا
٤٦١٥ - [١٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ◌َّهِ: (بَيْنَ أَنَا نَئِّمٌ
أُتِبْتُ بِخَزَائِنِ الأَرْضِ، فَوُضِعَ فِي كَفَّيَّ سِوَارَانِ مِنْ ذَهَبٍ، فَكَبُّرًا عَلَيَّ،
فَأُوحِيَ إِلَيَّ أَنِ انْفُخْهُمَا، فَنَفَخْتُهُمَا، فَذَهَبَا، فَأَوَّلْتُهُمَا الْكَذَّابَيْنِ اللَّذَيْنِ أَنَا
بَيْنَهُمَا: صَاحِبُ صَنْعَاءَ وَصَاحِبُ الْيَمَامَةِ)).
له أحوال لاحقة ظهرت بعدها، وتعيين تعبيرها بغزوة أحد موكول إلى علمه وتعليم الله
إياه في تعبيره، فإن التعبيرات النبوية بوحي أو إلهام كما أشرنا إليه، ولهذا عبر السيف
بالمؤمنين من المهاجرين والأنصار، وإن كانت للسيف تعبيرات أخر عند المعبرين
كالولد، والأخ، والزوجة، واللسان، والولاية وأمثالها كما ذكره الطيبي(١)، وكذلك
تعبيره ولي السوارين بالكذابين في الحديث الآتي كما سنبينه.
٤٦١٩ - [١٤] (أبو هريرة) قوله: (فوضع في كفي) الرواية بإفراد الكف، وقال
الطيبي(٢): الظاهر بلفظ التثنية كما جاء في الرواية الأخرى: (في يدَيَّ)، وصرح النووي
أنها بلفظ التثنية، فبالقياس عليها يكون في هذه الرواية أيضاً بلفظ التثنية، ولا يخفى
أن الرواية لا تثبت بالقياس، ثم رؤية السوارين من ذهب لعلها لانهماك الكذابين في
زينة الدنيا وشدة كراهة أمرهما وغلظته، والنفخ لاستحقار شأنهما وعدم ثبات أمرهما
كالشيء الخفيف والتافه ينفخ ويطير في الهواء ويزول.
و(صنعاء) بلد من بلاد اليمن، وصاحبه الأسود العنسي بفتح العين وسكون
النون ادعى النبوة في آخر عهد رسول الله ◌َّه فقتله فيروز الديلمي في مرض وفاة
رسول الله وَ﴾، فأخبر به رسول الله وَل﴾ وقال: فاز فيروز، و(اليمامة) بلد من بلاد حجاز
(١) ((شرح الطيبي)) (٣٤٩/٨).
(٢) ((شرح الطيبي)) (٣٤٩/٨).