Indexed OCR Text
Pages 521-540
٥٢١ (٢٣) كتاب الطب والرقى قلت: كان ما ذكره أصل اللغة وإلا فاستعمال الشرع على أن الفأل إذا أطلق اختص بما يسر، والطيرة بما يسوء، نعم قد يستعمل الفأل مقيداً فيما يسوء كما يقال: الفأل السيىء، والفأل المكروه، وقد قال الطيبي(١): والفرق بين الفأل والطيرة يفهم مما روى أنس عن رسول الله وَ ل﴿ أنه قال: (لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأل)، قالوا: وما الفأل؟ قال: (كلمة طيبة)، قال في (النهاية)(٢): وقد جاءت الطيرة بمعنى الجنس، والفأل بمعنى النوع، ومنه: (أصدق الطيرة الفأل)، انتهى. قلت: يحتمل أن يكون هذا من قبيل المشاكلة، فإن الطيرة لا شك أنه في اللغة بمعنى التشاؤم، وأما عموم الفأل فمسلم. قال في (القاموس)(٣): الطيرة: ما يتشاءم به من الفأل الرديء، وقالوا: إنما أحب رسول الله و ﴿ الفأل؛ لأن الناس إذا أملوا فائدة من الله ورجوا عوائده عند كل سبب ضعيف أو قوي فهم على خير، وإن غلطوا فإن الرجاء لهم خير، وإذا قطعوا أملهم ورجاءهم من الله كان ذلك من الشر، وأما الطيرة فإن فيها سوء الظن بالله وتوقع البلاء، وذلك مذموم بين العقلاء، ومنهي عنه من جهة الشرع، والتفاؤل أن يسمع المريض أو طالب الضالة يا سالم أو يا واجد، فيظن برءه ووجدان مطلوبه، وهذا معنى ما ورد في الحديث: (الفأل كلمة طيبة) أو (الفأل الكلمة الصالحة)، هذا تحقيق معنى الفأل والطيرة، وقد أورد المؤلف أحاديث في العدوى والهامة والصفر والنوء ونحوها لكونها في معنى التطير. (١) ((شرح الطيبي)) (٨/ ٣١٣). (٢) ((النهاية)) (٣ / ٤٠٦). (٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ٤٠٣). ٥٢٢ (١) باب الفأل والطيرة * الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٤٥٧٠ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِلَّهِ يَقُولُ: ((لاَ طِيَرَةَ وَخَيْرُهَا الْفَأْلُ)) قَالُوا: وَمَا الْفَأْلُ؟ قَالَ: ((الْكَلِمَةُ الصَّالِحَةُ يَسْمَعُهَا أَحَدُكُمْ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٧٥٤، م: ٢٢٢٣]. ٤٥٧٧ - [٢] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((لاَ عَدْوَى وَلاَ طِيَرَةَ .. الفصل الأول ٤٥٧٦ - [١] (أبو هريرة) قوله: (لا طيرة) أي: ليس له تأثير في جلب منفعة أو دفع مضرة فلا تعتقدوها ولا تعتبروها، فالطيرة منفية ويتبعها النهي عنها، وأما قوله: (لا عدوى) فيحتمل النفي والنهي بدون النفي كما سيجيء الكلام فيه في الحديث الآتي. وقوله: (وخيرها الفأل) ظاهر في عموم الطيرة واستعمالها بمعنى الجنس كما أسلفناه، وأما استعمال صيغة التفضيل المفيدة لثبوت أصل الخيرية في الطيرة مع أنه لا خير فيها، فله توجيهات مشهورة من أنه كقولهم: السيف أحر من الشتاء، أو اسم التفضيل بمعنى أصل الفعل، أو المراد الزيادة المطلقة لا على المضاف إليه، أو هذا مبني على زعمهم الفاسد، وقيل: المراد على سبيل الفرض، أي: أن فرض إن أصل الخيرية ثابت في الطيرة ففي الفأل زائد عليه. ٤٥٧٧ - [٢] (وعنه) قوله: (لا عدوى) أي: مجاوزة العلة من صاحبها إلى غيرها، يقال: أعدى المرض إذا أصاب مثله بمقارنته ومجاورته أو مؤاكلته ومباشرته، وقد أبطله الإسلام، كذا في (شرح جامع الأصول)(١) لمصنفه، وقال في (١) (٧ / ٦٣١). ٥٢٣ (٢٣) كتاب الطب والرقى (النهاية)(١): العدوى: اسم من الإعداء كالبقوى من الإبقاء، وقال التُّورِبِشْتِي في (شرح المصابيح)(٢): العدوى مجاوزة العلة والخلق إلى الغير، وهو بزعم أهل الطب في سبع: الجذام، والجرب، والجدري، والحصبة، والبخر، والرمد، والأمراض الوبائية. قال القاضي عياض المالكي في (مشارق الأنوار) (٣): العدوى: ما كانت تعتقده أهل الجاهلية من تعدي داء ذي الداء إلى من يجاوره ويلاصقه ممن ليس به داء، فنفاه الشرع. وقوله ◌َّهُ: (لا عدوى) يحتمل النهي عن قول ذلك واعتقاده أو النفي لحقيقة ذلك كما قال: (لا يعدي شيء شيئاً) وقوله: (فمن أعدى الأول) وكلاهما مفهوم من الشرع، وتفصيل الكلام في هذا المقام أنه قد اختلف العلماء في تأويل قوله: (لا عدوى) فمنهم من يقول: إن المراد منه نفي ذلك وإبطاله على ما يدل عليه ظاهر الأحاديث والقرائن المسبوقة على العدوى، وهم الأكثرون، ومنهم من يرى أنه لم يرد إبطالها، فقد قال رَحجر: (وفر من المجذوم فرارك من الأسد)، وقال: (لا يوردن ذو عاهة على مصح)، وإنما أراد بذلك نفي ما كان يعتقده أصحاب الطبيعة، فإنهم كانوا يرون العلل المعدية مؤثرة لا محالة، فأعلمهم بقوله هذا أن ليس الأمر على ما يتوهمون، بل هو متعلق بالمشيئة، إن شاء الله كان، وإن لم يشأ لم يكن، ويشير إلى هذا المعنى قوله: (فمن أعدى الأول) أي: إن كنتم ترون أن السبب في ذلك العدوى لا غير، فمن (١) ((النهاية)) (٣/ ١٩٢). (٢) ((كتاب الميسر)) (٣/ ١٠١٠). (٣) ((مشارق الأنوار)) (٢ / ١٢٣). ٥٢٤ (١) باب الفأل والطيرة أعدى الأول؟ وبيّن بقوله: (فر من المجذوم)، وبقوله: (لا يوردن ذو عاهة على مصح)، أن مداناة ذلك من أسباب العلة فليتقه اتقاءه من الجدار المائل والسفينة المعيوبة، وهذا الذي ذكره الشيخ ابن الصلاح تبعاً لغيره من العلماء في وجه الجمع من أن هذه الأمراض لا تعدي بطبعها، لكن الله تعالى جعل مخالطة المريض بها للصحيح سبباً لإعدائه مرضه، ثم قد يتخلف ذلك عن سببه كما في غيره من الأسباب. وقال التُّورِبِشْتِي(١): وأرى هذا القول أولى التأويلين؛ لما فيه من التوفيق بين الأحاديث الواردة فيه، والقول الأول يفضي إلى تعطيل الأصول الطبية، ولم يرد الشرع بتعطيلها، بل ورد بإثباتها، والعبرة بها على وجه لا يناقض أصول التوحيد، ولا يناقض في القول بها على الوجه الذي ذكرناه، ويدل على صحة ما ذكرناه قوله وملي للمجذوم المبايع: (قد بايعناك فارجع)(٢)، وقوله لي للمجذوم الذي أخذ بيده فوضعها معه في القصعة: (كل ثقة بالله وتوكلاً عليه)(٣)، ولا سبيل إلى التوفيق بين هذين الحديثين إلا من هذا الوجه، فبين بالأول التوقي من أسباب التلف، وبالثاني التوكل على الله في متاركة الأسباب ليثبت بالأول التعرض للأسباب وهو سنته، وبالثاني ترك الأسباب وهو حاله. وقال الطيبي(٤) في حديث الفرار ونحوه: هذا إرشاد إلى رخصة من النبي ◌َّل (١) ((كتاب الميسر)) (٣/ ١٠١١). (٢) أخرجه مسلم في ((صحيحه)) (٢٢٣١). (٣) أخرجه أبو داود في ((سننه)) (٣٩٢٥). (٤) ((شرح الطيبي)) (٨ /٣١٨). ٥٢٥ (٢٣) كتاب الطب والرقى لمن لم يكن له درجة التوكل أن يراعي الأسباب، فإن لكل شيء من الموجودات خاصية وأثراً أودعها فيه الحكيم جل وعلا، وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في (شرح نخبة الفكر)(١): الأولى في وجه الجمع بينهما أن يقال: إن نفيه مّ﴾ للعدوى باقٍ على عمومه، وقد صح قوله: (لا يعدي شيء شيئاً)، وقوله: (فمن أعدى الأول) يعني أن الله سبحانه ابتدأ بذلك في الثاني كما ابتدأه في الأول، وأما الأمر بالفرار من المجذوم فمن باب سد الذرائع، لئلا يتفق للشخص الذي يخالطه شيء من ذلك بتقدير الله سبحانه ابتداء، لا بالعدوى المنفية، فيظن أن ذلك بسبب مخالطته، فيعتقد صحة العدوى، فيقع في الحرج، فأمر بتجنبه حسماً للمادة، والله أعلم، هذا كلام الشيخ في الشرح. وقال في حاشيته: أكل النبي ◌َّر مع المجذوم حيث كان يعلم أن لا يصيب شيء إلا بإذن الله، وكان آمناً من أن يقع في مثل هذا الظن لو أصابه مكروه، والأمر ليس إلا لمن لا يجد في نفسه صدق اليقين، ويتوهم أن تحدثه نفسه بشيء لو أصيب شفقة عليه وأخذاً بحجزته من الوقوع في بحر الشرك الخفي، جزاه الله عنه خير الجزاء، وأعطاه الوسيلة والفضيلة واللواء پي چ وشرف وكرم، انتهى. وقال الكرماني(٢): إن الجذام مستثنى من قوله: (لا عدوى)، وقال البغوي: إن الجذام ذو رائحة يسقم من أطال صحبته ومؤاكلته ومضاجعته، وليس من العدوى بل من باب الطب كما يتضرر بأكل ما يعاف وشم ما يكره، والمقام في مقام لا يوافق (١) ((نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر)) (ص: ٢١٦ -٢١٧). (٢) ((شرح الكرماني)) (٢١/ ٣). ٥٢٦ (١) باب الفأل والطيرة وَلاَ هَامَةً. هواه، وكله بإذن الله تعالى، ﴿وَمَاهُمْ بِضَآرِّينَ بِهِ، مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢] هذا كلامهم، والله تعالى أعلم. وقوله: (ولا هامة) الهامة بتخفيف الميم، وقيل: بتشديدها: اسم طائر كانت العرب تزعم أن عظام الميت تصير هامة فتطير، وكانوا يقولون: إن القتيل يخرج من هامته، أي: من رأسه هامة لا تزال تقول: اسقوني اسقوني حتى يُقتل قاتله . وفي (مجمع البحار)(١): الهامة: هي الرأس، واسم طائر، وهو المراد في الحديث، وذلك أنهم كانوا يتشاءمون بها، وهي من طير الليل، وقيل: هو البومة، وقيل: كانت العرب تزعم أن روح القتيل الذي لا يدرك بثأره تصير هامة، فتقول: اسقوني، فإذا أدرك بثأره طارت، وقيل: كانوا يزعمون أن عظام الميت - وقيل: روحه - تصير هامة فتطير، ويسمونه الصدى، فنفاه الإسلام ونهاهم عنه، وقيل: اسم طير يتشاءم به الناس، وكانت العرب تزعم أن عظام الميت إذا بليت تصير هامة، وتخرج من القبر وتتردد، وتأتي بأخبار أهله، وقيل: هي البومة إذا سقطت على دار أحدهم رآها ناعية له أو لبعض أهله، وقال القاضي عياض (٢): الهام: طائر يألف الموتى والقبور، وهو الصدى أيضاً، وهو مما يطير بالليل، وهو غير البوم يشبهه، وكانت العرب تزعم أن الرجل إذا قتل فلم يدرك بثأره ... إلخ، وفيه أقوال تحول حول ما ذكرناه، وأشعار العرب في ذلك كثيرة، فنفاه رسول الله وَله وأبطله . (١) ((مجمع بحار الأنوار)) (٥/ ١٩٣). (٢) ((مشارق الأنوار)) (٢ / ٤٦٤). ٥٢٧ (٢٣) كتاب الطب والرقى وَلَاَ صَفَرَ، وَفِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ كَمَا تَفِرُّ مِنَ الأَسَدِ)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٥٧٠٧]. وقوله: (ولا صفر) قال ابن الأثير في (النهاية)(١): وهو في زعم العرب حية في البطن تصيب الإنسان إذا جاع وتؤذيه، وأنها تعدي فأبطله الإسلام، وقال الكرماني(٢): هو بفتحتين: حية في البطن اعتقدوا أنها أعدى من الجرب، وقالوا: زعموا أنها تعض إذا جاع، وما يوجد عند الجوع من الألم فمن عضه، وقيل: هو الشهر المعروف زعموا أن فيه تكثر الدواهي والفتن، وكانوا يستشئمون بدخول صفر فنفاه الشارع، وقيل: أراد به النسيء وهو تأخير المحرم إلى صفر، ويجعلون صفر هو الشهر الحرام. وقال النووي في (شرح صحيح مسلم)(٣): الصفر دواب في البطن، وهي دود يهيج عند الجوع، وهذا قال مالك وغيره، وربما قتلته، ودواب بدال مهملة وباء موحدة عند الجمهور، وروي ذات بذال معجمة ومثناة فوق وله وجه، وقيل: دود يقع في الكبد وشراسيف الأضلاع فيصفر عنه الإنسان جداً، وفي (النهاية)(٤): ومن الأول: (صفرة في سبيل الله خير من النعم) أي: جوعة . هكذا جاءت الأقوال مختلفة في بيان المراد بصفر، وحاصلها يؤول إلى ثلاثة: إما الشهر المعروف أو الدود في البطن أو النسيء المذكور، وقد وقع في عبارة بعضهم أنه وجع يأخذ في البطن يزعمون أنه يعدي، والظاهر أن هذا هو القول الثاني فتسامح، وذكر الوجع مكان الدود. (١) ((النهاية)) (٣/ ٣٥). (٢) ((شرح الكرماني)) (٢١/ ٣). (٣) ((شرح النووي)) (١٤ / ٢١٥). (٤) ((النهاية)) (٣/ ٣٦). ٥٢٨ (١) باب الفأل والطيرة ٤٥٧٨ _ [٣] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((لاَ عَدْوَى وَلاَ هَامَةَ وَلاَ صَفَرَ)). فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ: يَا رَسُولَ اللهِ! فَمَا بَالُ الإِبِلِ تَكُونُ فِي الرَّمْلِ لَكَأَنَّهَا الظِّبَاءُ فَيُخَالِطُهَا الْبَعِيرُ الأَجْرَبُ فَيُجْرِبُهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((فَمَنْ أَعْدَى الأَوَّلَ)). رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥٧٧٠]. ٤٥٧٩ - [٤] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَِّ: ((لاَ عَدْوَى وَلاَ هَامَةَ وَلَاَ نَوْءَ وَلاَ صَفَرَ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٢٢٠]. ٤٥٧٨ - [٣] (وعنه) قوله: (فمن أعدى الأول) علم شرحه من الحديث السابق. ٤٥٧٩ - [٤] (وعنه) قوله: (ولا نوء) في (شرح جامع الأصول)(١): النوء واحد الأنواء: وهي ثمان وعشرون نجماً هي منازل، تسقط في الغرب [كل] ثلاثة عشر ليلة منها منزلة مع طلوع الفجر، فتطلع أخرى مقابلها، فتنقضي هذه الثمانية والعشرون مع انقضاء السنة، وكانت العرب تزعم أن مع سقوط المنزلة وطلوع نظيرها يكون مطراً، فينسبون المطر إلى النوء، يقولون: مطرنا بنوء كذا، وإنما سمي نوء لأنه إذا سقط الساقط منها بالمغرب ناء الطالع بالمشرق، ناء ينوء نوءاً، أي: نهض وطلع، وقيل: إن النوء هو الغروب، وهو من الأضداد، وقال أبو عبيد: ولم يسمع في النوء أنه السقوط إلا في هذ الموضع، وإنما غلظ النبي ◌َّ في أمر الأنواء؛ لأن العرب كانت تنسب المطر إليها، فأما من جعل المطر من فعل الله وق وأراد بقوله: مطرنا بنوء كذا، أي: في وقت کذا، وهو هذا النوء الفلاني فإن ذلك جائز. وقد قيل: إن عمر بن الخطاب أراد أن يستسقي، فنادى بالعباس بن عبد المطلب كم بقي من نوء الثريا؟ فقال: إن العلماء بها يزعمون أنها يعترض في الأفق سبعاً بعد (١) (١١ / ٥٧٦). ٥٢٩ (٢٣) كتاب الطب والرقى وقوعها، فما مضت تلك السنة حتى غيث للناس، وأراد عمر كم بقي من الوقت الذي قد جرت العادة أنه إذا تم أتى الله بالمطر، وفي (النهاية)(١): في حديث أمر الجاهلية، الأنواء: هي ثمان وعشرون منزلة، وينزل القمر كل ليلة في منزلة منها، ومنه ﴿ وَاُلْقَمَرَ قَدَّرْنَهُ مَنَازِلَ﴾ [يس: ٣٩] وباقي كلامه مثل كلام (شرح جامع الأصول) إلا المنقول من أبي عبيد. وقال الكرماني(٢): النوء بفتح نون وسكون واو فهمزة، وزعموا أن المطر لأجل أن الكواكب ناء، أي: غرب أو طلع، ومن زعمه أوقاتاً فلا محذور، فليس من الوقت إلا وهو معروف بنوع من مرافق العباد، ثم حكى قصة الاستسقاء في زمن عمر «څه على ما حكاه في (شرح جامع الأصول). وقال القاضي ابن العربي: من انتظر المطر منها على أنها فاعلة من دون الله أو يجعل لِلَّه شريكاً فيها فهو كافر؛ لأن الخلق من الله وحده، ومن انتظره منها على إجراء العادة فلا شيء عليه، وقال النووي(٣): لكنه يكره، لأنه شعار الكفر وموهم له، قال الطيبي(٤): يكره كراهة تنزيه. وقال القاضي عياض: وكذا من أمر الجاهلية ذكر الأنواء، ومن قال: مطرنا بنوء كذا، النوء عند العرب سقوط نجم من نجوم المنازل الثمانية والعشرين، وهو مغيبة بالمغرب مع طلوع الفجر وطلوع مقابله حينئذ من المشرق، وعندهم أنه لا بد (١) ((النهاية)) (٥/ ١٢٢). (٢) ((شرح الكرماني)) (١٩٤/٥ - ١٩٥). (٣) ((شرح النووي)) (٢ / ٦١). (٤) (شرح الطيبي)) (٣٢٩/٨). ٥٣٠ (١) باب الفأل والطيرة ٤٥٨٠ - [٥] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ (١) ◌َ﴿ يَقُولُ: ((لاَ عَدْوَى وَلاَ صَفَرَ وَلاَ غَوْلَ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٢٢٢]. أن يكون مع ذلك لأكثرها نوء من مطر أو رياح عاصفة وشبهها، فمنهم من يجعله لذلك الساقط، ومنهم من يجعله للطالع؛ لأنه هو الذي ناء، أي: نهض، فينسبون المطر إليه، فنهى النبي ◌َّهِ من اعتقادِ ذلك وقولِهِ، وكَفَّر فاعله، لكن العلماء اختلفوا في ذلك، وأكثرهم على أن النهي والتكفير لمن اعتقد أن النجم فاعل ذلك دون من أسنده إلى العادة، ومنهم من كرهه على الجملة كيف كان لعموم النهي، ومنهم من اعتقد في كفره كفر النعمة، وقد تقصينا الكلام فيه في غير هذا الكتاب، والله أعلم. ٤٥٨٠ - [٥] (جابر) قوله: (ولا غول) في (المفاتيح شرح المصابيح)(٢): هو بالفتح مصدر غاله: أهلكه، وبالضم اسم وهو المراد هنا، كانوا يزعمون أنها تراءت للناس فنفاه الشرع، ويحتمل أنه دفع ببعثته ◌ّ﴿ كما دفع الاستراق، وفي (شرح جامع الأصول)(٣): هو الحيوان الذي كانت العرب تزعم أنه يعرض في بعض الأوقات والطرق، فيغيل الناس، أو أنه ضرب من الشياطين، وليس قوله: (ولا غول) نفياً لعين الغول ووجوده، وإنما فيه إبطال زعم العرب في اغتياله وتلونه في الصور المختلفة يقول: لا تصدقوا بذلك. وفي (النهاية) (٤): الغول: واحد الغيلان، وهو جنس من الشياطين والجن، (١) في نسخة: ((رسول الله)). (٢) ((المفاتيح شرح المصابيح)) (٥ / ٩١). (٣) (٧ / ٦٣٣). (٤) ((النهاية)) (٣/ ٣٩٦). ٥٣١ (٢٣) كتاب الطب والرقى ٤٥٨١ - [٦] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ عَنْ أَبِهِ قَالَ: كَانَ فِي وَفْدِ ثَقِيفٍ رَجُلٌ مَجْذُومٌ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ◌َهِ: ((إِنََّ قَدْ بَايَعْنَاكَ فَارْجِعْ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٢٣١]. وقال كما قال في (شرح جامع الأصول)، وجاء في الحديث: (إذا تغولت الغيلان فبادروا بالأذان) أي: ادفعوا شرها بذكر الله تعالى فإنهم يتفرقون، وهو يدل على أنه لم يرد بنفيها عدمها، وقال البغوي: بل أخبر أنها لا تقدر على شيء من الإضلال والإهلاك إلا بإذن الله تعالى، ويقال: إن الغيلان سحرة الجن تفتن الناس بالإضلال، انتھی . قلت: هذا المعنى يقرب مما قيل في (لا عدوى) أن المراد عدم كونها علة مؤثرة بالذات، بل بخلق الله وتقديره، وهذا جاز في كل شيء، وتخصيص بعض الأشياء بالذكر ونفيه عنه باعتبار شهرته واعتقاد الناس فيه، قال الطيبي(١): أما حديث: (أعوذ بك من أن أغتال) فهو من الغول، وهو هلاك الشيء من حيث لا يحس، قلت: ويؤيده ما ورد في رواية: (وأعوذ بك من أن أغتال من تحتي)، أي: أدهى من حيث لا أشعر، يريد أنه الخسف على ما في (النهاية). ٤٥٨١ - [٦] (عمرو بن الشريد) قوله: (وعن عمرو بن الشريد) بفتح الشين المعجمة وكسر الراء وسكون التحتانية في آخره دال مهملة. وقوله: (إنا قد بايعناك فارجع) كأنه لم يطلبه بحضرته لكراهة الناس، وقد مرّ بيانه، والبيعة قد تكون بالكلام كما في النساء . (١) ((شرح الطيبي)) (٨/). ٥٣٢ (١) باب الفأل والطيرة * الْفَصْلُ الثَّانِ: ٤٥٨٢ - [٧] عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ،وَهِ يَتَفَاءَلُ وَلاَ يَتَطَيَّرُ وَكَانَ يُحِبُّ الإِسْمَ الْحَسَنَ. رَوَاهُ فِي ((شَرْح السُّنّةِ)). [شرح السنة: ١٢ / ١٧٥]. ٤٥٨٣ - [٨] وَعَنْ قَطَنِ بْنِ قَبِيصَةَ عَنْ أَبِهِ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َهِ قَالَ: ((الْعِيَافَةُ وَالطَّرْقُ وَالطَّيَرَةُ مِنَ الْجِبْتِ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٩٠٧]. الفصل الثاني ٤٥٨٢ - [٧] (ابن عباس) قوله: (يتفاءل ولا يتطير) قد ذكرنا آنفاً وجهه. وقوله: (وكان يحب الاسم الحسن) لأنه حلية الجمال وتتمة الكمال، وهو نوع من التفاؤل لا أن له تأثيراً في حصول محامد الأخلاق ومحاسن الأفعال كما ادعاه بعضهم، وبينوا بما لم يتبين به المدعى، وقد استوفينا هذا المبحث في (شرح سفر السعادة) فلينظر ثمة . ٤٥٨٣ - [٨] (قطن بن قبيصة) قوله: (وعن قطن) بفتح القاف والطاء المهملة (ابن قبيصة) بفتح القاف وكسر الباء. وقوله: (العيافة والطرق والطيرة من الجبت) العيافة بكسر العين: زجر الطير، والتفاؤل بأسمائها وأصواتها وممرها، وهو من عادة العرب، لهم فيها قصص ووقائع مذكورة في كلامهم، وفي (القاموس)(١): عِفْتُ الطير أعيفُها عيافة: زَجَرْتُها، وهو أن تعتبر بأسمائها ومساقِطِها وأنوائها، فَتَتَسَعَّدَ أو تَتَشَأْم. والعائف: المتكهن بالطير أو غيرها، والطرق بفتح الطاء وسكون الراء في آخره قاف: الضرب بالحصى الذي (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٧٧٥). ٥٣٣ (٢٣) كتاب الطب والرقى ٤٥٨٤ - [٩] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ رَسُولِ اللهِنَّهِ قَالَ: ((الطَّيَرَةُ شِرْكٌ) قَالَهُ ثَلاَثً، وَمَا مِنَّا إِلاَّ، وَلَكِنَّ اللهَ يُذْهِبُهُ بِالتَّوَكُلِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ يَقُولُ: كَانَ سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ يَقُولُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: ((وَمَا مِنَّا إِلاَّ، وَلَكِنَّ اللهَ يُذْهِبُهُ. تفعله النساء، وقيل: هو الخط في الرمل، كذا قال الطيبي(١)، وفي (القاموس)(٢): الطَّرق: ضرب الكاهن بالحصى، وفي (مجمع البحار)(٣): الطرق: نوع من التكهن كما يفعله المنجم لاستخراج الضمير ونحوه، وقيل: نوع من الكهانة لإخراج ما في الضمير، و(الجبت) بالكسر: الصنم، والكاهن، والساحر، والسحر، والذي لا خير فيه، وكل ما عُبِدَ من دون الله تعالى، كذا في (القاموس)(٤)، وقيل: الجبت السحر والكهانة، وعلى الأول المراد من أعمال الجبت وشؤونها . ٤٥٨٤ - [٩] (عبدالله بن مسعود) قوله: (الطيرة شرك) أي: من أعمال المشركين، أو مفضٍ إلى الشرك باعتقاده مؤثراً، أو المراد الشرك الخفي. وقوله: (وما منا إلا) لفظ (إلا) ثابت في النسخ المصححة، والتقدير: وما منا أحد إلا قد يجد في نفسه شيئاً من الطيرة، أي: ما حال أحد إلا وجدان شيء. وقوله: (ولكن الله يذهبه) قال الطيبي(٥): جاء بفتح الياء وضمها، وعلى الثاني (١) ((شرح الطيبي)) (٣١٩/٨). (٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٨٣٢). (٣) («مجمع بحار الأنوار)) (٣/ ٤٤٤). (٤) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٥١). (٥) ((شرح الطيبي)) (٣٢٠/٨). ٥٣٤ (١) باب الفأل والطيرة بالتَّوَكَّل)). هَذَا عِنْدِي قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ. [د: ٣٩١٠، ت: ١٦١٤]. ٤٥٨٥ - [١٠] وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِعَهُ أَخَذَ بِيَدٍ مَخْذُومٍ فَوَضَعَهَا مَعَهُ فِي الْقَصْعَةِ، وَقَالَ: (كُلْ ثِقَةً بِاللهِ وَتَوَكُّلاً عَلَيْهِ». رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٣٥٤٢]. اجتمع فيه حرفا التعدية للتأكيد، لا يخفى أن ضم الياء ظاهر، وأما رواية الفتح فلا يرى في الظاهر صحيحاً، وقول الطيبي على تقدير الضم: اجتمع حرفا التعدية مما لا يعقل؛ لأن حرف الباء التي هي إحدى حرفي التعدية لم يدخل على المفعول بأن يقول: يذهب به، والتي في قوله: (بالتوكل) سببية، والذهاب متعد إلى المفعول بالهمزة كما لا يخفى. وقوله: (هذا عندي قول ابن مسعود) وهو الصواب، إذ لا يتوهم وجدانه وَل ذلك، ولو كان قول النبي وسير فذلك تواضع منه، وتنزل عن مقامه الأرفع رعاية لجانب الأمة، أو المراد من المسلمين، وهو خلاف الظاهر. ٤٥٨٥ - [١٠] (جابر) قوله: (وقال: كل ثقة بالله) الظاهر أنه من قول الرسول وَّة، فإما أن يكون المصدر بمعنى اسم الفاعل، أي: كل معي واثقاً بالله، حالاً من ضمير معي أو يقدر: أثق ثقة، والجملة حال، أو استئناف كأنه قيل: كيف تأمره بالأكل معك في قصعة واحدة وهو مجزوم، فأجاب بأني أثق في ذلك بالله ثقة، وقال الطيبي(١): ويحتمل أن يكون من كلام الراوي، أي قال: ثقة بالله، وهكذا جاء قوله: (وتوكلاً علیه). (١) ((شرح الطيبي)) (٣٢٠/٨). ٥٣٥ (٢٣) كتاب الطب والرقى ٤٥٨٦ - [١١] وَعَن سعدٍ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِوَلَ قَالَ: ((لاَ هَامَةً وَلَاَ عَدْوَى وَلاَ طِيَرَةَ، وَإِنْ تَكُنِ الطَّيَرَةُ فِي شَيْءٍ فَفِي الدَّارِ وَالْفَرْسِ وَالْمَرَأَةِ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٩٢١]. ٤٥٨٦ - [١١] (سعد بن مالك) قوله: (وإن تكن الطيرة في شيء ففي الدار والفرس والمرأة) اعلم أن الأحاديث الواردة في باب الطيرة مختلفة، يفهم من بعضها نفي تأثيرها والنهي عن اعتقادها واعتبارها مطلقاً وهي كثيرة، ومن بعضها ثبوتها في نحو المرأة والدابة والدار، إما بصيغة الجزم كما في حديث البخاري ومسلم: (إنما الشؤم في ثلاث: الفرس، والمرأة، والدار)، وغيره، ومن بعضها (١) بلفظ الشرط كما في هذا الحديث ونحوه، وفي رواية: (في الربع والخادم والفرس)، ومن بعضها إنكار أن يكون الشؤم فيها كما في غيرها من الأشياء، وفي بعضها أنه إنما كان أهل الجاهلية يتطيرون من ذلك كما جاء عن ابن أبي مليكة قال: قلت لابن عباس: كيف ترى في جارية لي في نفسي منها شيء، فإني سمعتهم يقولون: قال نبي الله وَّ: (إن كان الشؤم في شيء، ففي الربع، والفرس، والمرأة)؟ قال: فأنكر أن يكون سمع ذلك من النبي وقال﴿ أشد النكرة، وفي رواية: فأنكر أن يكون رسول الله وض ﴿ قاله، وأن يكون الشؤم في شيء، وقال: إذا وقع في نفسك منها شيء ففارقها بعها أو أعتقها، رواه ابن جرير . وعن قتادة عن أبي حسان: أن رجلين دخلا على عائشة ◌َّ فحدثاها عن أبي هريرة قال: إن رسول الله وَّه قال: (الطيرة في المرأة، والفرس، والدار)، فغضبت غضباً شديداً وقالت: ما قاله، إنما قال: كان أهل الجاهلية يتطيرون من ذلك، ووجه التطبيق (١) ((ومن بعضها)) كذا في الأصل، والظاهر: بدله ((أو)). ٥٣٦ (١) باب الفأل والطيرة ٤٥٨٧ - [١٢] وَعَنْ أَنَسِ: أَنَّ النَّبِيَّ وَ كَانَ يُعْجِبُهُ إِذَا خَرَجَ لِحَاجَةٍ أَنْ يَسْمَعَ: يَا رَاشِدُ يَا نَحِيحُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٦١٦]. أن التأثير بالذات منفي، واعتقاده من أمور أهل الجاهلية، والمؤثر في الكل هو الله، والكل بخلقه وتقديره، وإثباتها في هذه الأشياء بجريان عادة الله سبحانه بالخلق فيها، وجعلها أسباباً عادية، فالنفي راجع إلى التأثير بالذات، والإثبات بالعادة، والحكمة في تخصيص هذه الأشياء موكولة إلى علم الشارع، وقيل: المراد ليس التطير في شيء، وإن فرض ثبوتها فهذه الأشياء مظنتها ومحلها، ومناسبة لأن يكون فيها على طريقة قوله ويلي: (لو كان شيء سابق القدر لسبقته العين)، وهذا المعنى صريح في لفظ الشرط وغيره محمول عليه، وعليه كلام القاضي حيث قال: وتعقيب قوله: (ولا طيرة) بهذه الشرطية يدل على أن الشؤم منفي عنها أيضاً، والمعنى أن الشؤم لو كان له وجود في شيء لكان في هذه الأشياء، فإنها أقبل الأشياء لها، لكن لا وجود له فيها ولا وجود له أصلاً، انتھی. وقيل: الشؤم في المرأة أن تكون ناشزة وغير ولود، ولا مطيعة لزوجها، أو مكروهة ومستقبحة عنده، وفي الدار ضيقها، وسوء جيرانها، وعدم طيب هوائها، وفي الفرس حرانها، وغلاء ثمنها، وعدم موافقتها للمصلحة، ومثل هذا في الخادم، أو الشؤم محمول على الكراهة التي سببها ما في الأشياء من مخالفة الشرع أو الطبع، ويؤيده ما ذكره في (شرح السنة)(١) كأنه يقول: إن كان لأحدكم دار يكره سكناها أو امرأة يكره صحبتها أو فرس لا يعجبه فليفارقها بأن ينتقل عن الدار، ويطلق المرأة، ويبيع الفرس حتى يزول عنه ما يجده من الكراهة. ٤٥٨٧ - [١٢] (أنس) قوله: (يا راشد، يا نجيح) ونحوها وذكرهما مثلاً. (١) ((شرح السنة)) (١٢ / ١٧٨). ٥٣٧ (٢٣) كتاب الطب والرقى ٤٥٨٨ - [١٣] وَعَنْ بُرَيْدَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ نَّهِ كَانَ لاَ يَتَطَيَّرُ مِنْ شَيْءٍ، فَإِذَا بَعَثَ عَامِلاً سَأَلَ عَنِ اسْمِهِ، فَإِذَا أَعْجَبَهُ اسْمُهُ فَرِحَ بِهِ، وَرُبِيَ بِشْرُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، وَإِنْ كَرِهَ اسْمَهُ رُبِّيَ كَرَاهِيَةُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، وَإِذَا دَخَلَ قَرْيَةً سَأَلَ عَنِ اسْمِهَا، فَإِنْ أَعْجَبَهُ اسْمُهَا فَرِحَ بِهِ، وَرُئِيَ بِشْرُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، وَإِنْ كَرِهَ اسْمَهَا رُئِيَ كَرَاهِيَةُ ذَلِك فِي وَجهه. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٩٢٠]. ٤٥٨٩ - [١٤] وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّا كُنَّا فِي دَارِ كَثُرَ فِيهَا عَدَدُنَا وَأَمْوَالْنَا فَتَحَوَّلْنَا إِلَى دَارِ قَلَّ فِيهَا عَدَدُنَا وَأَمْوَالُنَا. فَقَالَ(١) ◌َِ: ((ذَرُوهَا ذَمِيمَةً)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٩٢٤]. ٤٥٨٨ - [١٣] (بريدة) قوله: (سأل عن اسمه فإذا أعجبه اسمه فرح به) ومثل ذلك ما وقع في طريق المدينة عند هجرته ◌َّ ه إليها حين لقيه بريدة الأسلمي، وقد أرسلته قريش ليأخذ النبي ◌َّي، وشرطوا له على ذلك مئة إبل، فقال له وسلم: (ما اسمك؟) قال: بريدة، قال: (برد أمرنا)، ثم سأل: (ممن؟) قال: من أسلم؟ قال: (سلم لنا الأمر)، ثم قال: (من أي أسلم؟) قال: من بني سهم، قال: (أصبت سهمك)، فأسلم بريدة، الحديث(٢). ٤٥٨٩ - [١٤] (أنس) قوله: (ذروها ذميمة) لما وقع في أوهامهم الكراهة والوسواس أمرهم بالخروج عنها لئلا يقعوا في ورطة الشرك الخفي كما مر. (١) زاد في نسخة: ((رسول الله)). (٢) أخرجه الحكيم الترمذي في ((نوادر الأصول)) (١ / ٣٠٦). ٥٣٨ (١) باب الفأل والطيرة ٤٥٩٠ - [١٥] وَعَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ بَحِيرٍ قَالَ: أَخْبَرَِي مَنْ سَمِعَ فَرْوَةَ بْنَ مُسَيْكٍ يَقُولُ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! عِنْدَنَا أَرْضٌ يُقَالُ لَهَا: أَبْيَنُ، وَهِيَ أَرْضُ رِيفِنَا وَمِيرَتِنَا، وَإِنَّ وَبَاءَهَا شَدِيدٌ. فَقَالَ: ((دَعْهَا عَنْكَ فَإِنَّ مِنَ القَرَفِ التَّلَفَ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٩٢٣]. ٤٥٩٠ - [١٥] (يحيى بن عبدالله) قوله: (ابن بحير) بفتح الموحدة وكسر المهملة على وزن فقير، و(فروة) بفتح الفاء وسكون الراء، (ابن مسيك) بالسين المهملة آخره الكاف بلفظ التصغير. وقوله: (أبين) بلفظ اسم التفضيل من البيان اسم رجل ينسب إليه عدن، يقال: عدن أبين . وقوله: (هي أرض ريفنا وميرتنا) الريف بكسر الراء وسكون الياء التحتانية : الزرع، والخضب، والميرة بكسر الميم وسكون الياء التحتانية: الطعام يجلب إلى الأهل، وفي رواية: (أرض ريعنا) بالعين. وقوله: (فإن من القرف التلف) القرف بالقاف والراء المفتوحتين: ملابسة الداء ومداناة المرض، وفي (الصراح)(١): قرف بفتحتين: نزديك آمدن بيماري، وفي (القاموس)(٢): القرف: مقارفة الوباء والعدوى، ومن الأراضي: الْمَحَمَّةُ، وقيل: ليس هذا من العدوى، وإنما هو من باب الطب، فإن الهواء الصالح الموافق يعين على صلاح البدن وصحته، كذا قال الطيبي(٣)، ولعل الفارين من الوباء والطاعون يتمسكون (١) (الصراح)) (ص: ٣٦٠). (٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٧٧٩). (٣) ((شرح الطيبي)) (٨/ ٣٢٣). ٥٣٩ (٢٣) كتاب الطب والرقى بهذا الحديث؛ لأن الرجل شكا من الوباء في تلك الأرض، فقال له وَلي: (دعها عنك فإن من القرف التلف)، ولكن التمسك لا يتم لأنه شكا وتشاءم بها، فرخص له تَدليله نظراً إلى ضعف حاله وخوفاً من وقوعه في ورطة الشرك الخفي في خروجه منها، وترك السكونة فيها؛ لأن الوباء وقع فيها، وبعد الوقوع جوز الفرار والخروج منها، وإنما الكلام فيه، والوظيفة في البلاء قبل وقوعه الاحترازُ والاجتنابُ، وبعد وقوعه الصبر والرضا والتضرع والدعاء بدليل ورود الأحاديث الصحيحة المذكورة في الصحيحين وغيرهما بالمنع والنهي عن الفرار، والحث والترغيب على الصبر والثبات، والحكم بالشهادة على ذلك، وهذا الحديث في (سنن أبي داود)، ولا يصادم أحاديث الصحيحين، وقالوا: إن فروة بن مسيك لم يرو عنه إلا حديث أو حديثان، وذلك أيضاً من رجل مجهول لا يعرف اسمه، وقد اختلف في يحيى بن عبدالله بن يحيى أنه ثقة أم لا . وقد يفرق بين الوباء والطاعون، وإن كان الصواب المراد في هذا المقام هو البلاء الشائع والموت الشائع كما قال رسول الله وسلم لأبي ذر: (وإياك والفرار عن الزحف، وإذا أصاب الناس موت وأنت فيهم فاثبت) کما مر في أول الكتاب في (باب الكبائر)، وشبه في حديث عائشة الفرار عن الطاعون بالفرار عن الزحف، وبالجملة الفرار عنه منهي عنه ومعصية، وإن اعتقد أنه على تقدير الصبر يموت، وبالفرار ينجو كفر وإلا كان عاصياً، وقياسه على الخروج من بيت وقع فيه زلزلة أو وقعت نار فاسد لورود النص على خلافه، وأيضاً الهلاك في صورة الزلزلة والنار غالب فهو من الأسباب العادية، وفي الوباء مشكوك وموهوم، فهو من الأسباب الوهمية، وإن قالوا: إن الصبر عزيمة وتوكل أو الخروج رخصة ومباح. قلنا: التشبه بالزحف وورود الوعيد ينافيه، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُواْبِأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٥٤٠ (١) باب الفأل والطيرة · الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٤٥٩١ - [١٦] عَنْ عُرْوَةَ بْنٍ عَامِرٍ قَالَ: ذُكِرَتِ الصِّيَرَةُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِوَهُ فَقَالَ: ((أَحْسَنُهَا الْفَأْلُ، وَلاَ تَرُّدُّ مُسْلِماً، فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يَكْرَهُ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ لاَ يَأْتِي بِالْحَسَنَاتِ إِلَّ أَنْتَ، وَلاَ يَدْفَعُ السَّيِّئَاتِ إِلَّ أَنْتَ، وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلَّ بِاللهِ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مُرْسَلاً. [د: ٣٩١٢]. النَُّكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] ظاهر في عدم الذهاب إلى مكان فيه الوباء لا في الثبات فيه، وقد وقع التصريح نصاً أن الحكم فيه عدم الخروج عن أرض وقع فيها، وعدم الذهاب إلى أرض وقع فيها، فإن قالوا: تقدير الله شامل لكلا الصورتين؟ قلنا: هذا الكلام باطل وغير مسموع في مقابلة حكم الشرع، والشرع قد حكم وأمر ونهى، ولا مدخل للعقل فيه . الفصل الثالث ٤٥٩١ - [١٦] (عروة بن عامر) قوله: (أحسنها الفأل) مبني على أن الطيرة كما مرّ في الفصل الأول: (خيرها الفأل). وقوله: (ولا ترد) بلفظ نهي الغائب، أي: لا ينبغي أن ترد وترجع الطيرة المسلم عما قصده من موضع أو عمل . وقوله: (فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات ... إلخ)، وجاء في حديث آخر يقول: (لا خير اللهم إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك)(١). (١) أخرجه أحمد في ((مسنده)) (١٧٠٤٥).