Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١ (١٩) كتاب الجهاد الغريبة، والله الموفق وهو يهدي السبيل. فنقول: ذكر في (صحيح البخاري)(١): قال: حدثنا أبو اليمان، أنا شعيب، عن الزهري، أخبرني مالك بن أوس بن الحدثان النصري - بفتح النون وسكون الصاد المهملة - أن عمر بن الخطاب رظه دعاه، فبينا أنا جالس إذ جاءه حاجبه يرفأ، - بفتح التحتانية وسكون الراء وفتح الفاء، والهمزة بعدها - فقال: هل لك في عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير، وسعد يستأذنون؟ فقال: نعم، فأدخلهم، فلبث قليلاً، ثم جاء فقال: هل لك في عباس وعلي يستأذنان؟ قال: نعم، فلما دخلا، قال عباس: يا أمير المؤمنين! اقض بيني وبين هذا، وهما يختصمان في الذي أفاء الله على رسوله وَله من بني النضير، فاستب عليٍّ وعباسٌ، فقال الرهط: يا أمير المؤمنين! اقض بينهما، وأرٍح أحدهما من الآخر. فقال: اتئدوا أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، هل تعلمون أن رسول الله ◌َي﴾، قال: (لا نورث ما تركناه صدقة)؟ قالوا: قد قال ذلك، فأقبل عمر على عباس وعلي ﴾ فقال: أنشدكما بالله، هل تعلمان أن رسول الله وَ لأو قد قال ذلك؟ قالا: نعم، قال: فإني أحدثكم عن هذا الأمر، إن الله وقت كان خص رسوله وّر في هذا الفيء بشيء لم يعطه أحداً غيره، فقال: ﴿ وَمَآ أَفَاءَاللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَارِكَابٍ﴾ - إلى قوله - ﴿قَدِيرٌ﴾ [الحشر: ٦]، فكانت هذه خالصة لرسول الله وَّر، ثم والله ما احتازها دونكم، ولا استأثرها عليكم، لقد أعطاكموها وقسمها فيكم حتى بقي هذا المال منها، فكان رسول الله يسلم ينفق على أهله نفقة سنتهم من هذا المال، ثم (١) ((صحيح البخاري)) (٤٠٣٣، ٣٠٩٤، ٧٣٠٥، ٥٣٥٨). ١٤٢ (١١) باب الفيء يأخذ ما بقي فيجعله مجعل مال الله، فعمل ذلك رسول الله وَّةٍ حياته، ثم توفي النبي ◌َّ، فقال أبو بكر: فأنا ولي رسول الله وَّةٍ، فقبضه أبو بكر فعمل فيه بما عمل رسول الله والخير، وأنتم حينئذٍ، فأقبل على عليٍّ وعباسٍ وقال: تذكران أن أبا بكر عمل فيه كما تقولان، والله يعلم أنه فيه لصادق بار راشد تابع للحق، ثم توفى الله وق أبا بكر، فقلت: أنا ولي رسول الله وَل وأبي بكر، فقبضته سنتين من إمارتي أعمل فيه بما عمل فيه رسول الله وكله وأبو بكر، والله يعلم أني فيه لصادق بار راشد تابع للحق، ثم جئتماني كلاكما، وكلمتكما واحدة، وأمركما جميع، فجئتني - يعني عباساً - فقلت لكما: إن رسول الله وَّل قال: (لا نورث ما تركنا صدقة). فلما بدا لي أن أدفعه إليكما قلت: إن شئتما دفعته إليكما، على أن عليكما عهد الله رَّت وميثاقه لتعملان فيه بما عمل فيه رسول الله وَي وأبو بكر وما عملت فيه منذ وليت، وإلا فلا تكلماني، فقلتما: ادفعه إلينا بذلك، فدفعته إليكما، أفتلتمسان مني قضاء غير ذلك، فوالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، لا أقضي بقضاء غير ذلك، حتى تقوم الساعة، فإن عجزتما عنه فادفعا إلي فأنا أكفيكماه. قال - يعني الزهري -: فحدثت هذا الحديث عروة بن الزبير، فقال: صدق مالك ابن أوس، أنا سمعت عائشة ◌َ زوج النبي ◌َّه، تقول: أرسل أزواج النبي ◌َّر عثمان إلى أبي بكر، يسألنه ثمنهن مما أفاء الله رَّق على رسوله ◌َّةٍ، فكنت أنا أردهن، فقلت لهن: ألا تتقين الله، ألم تعلمن أن النبي ◌َّ كان يقول: (لا نورث، ما تركنا صدقة، إنما يأكل آل محمد في هذا المال)؟ فانتهى أزواج النبي ◌َّةٍ إلى ما أخبرتهن، قال - يعني عروة -: فكانت هذه الصدقة بيد علي، منعها عليٍّ عباساً فغلبه عليها، ثم كان بيد حسن ابن علي، ثم بيد حسين بن علي، ثم بيد علي بن حسین، وحسن بن حسن، كلاهما ١٤٣ (١٩) كتاب الجهاد كانا يتداولانها، ثم بيد زيد بن حسن، سلام الله تعالى عليهم أجمعين، وهي صدقة رسول الله وَ﴾ حقًّا. هذا حديث البخاري في (كتاب الغزوات) في قصة بني النضير، وفيه: عن عروة عن عائشة أن فاطمة والعباس أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما أرضه من فدك، وسهمه من خيبر، فقال أبو بكر: سمعت النبي ◌ّ يقول: (لا نورث ما تركنا صدقة، إنما يأكل آل محمد في هذا المال)، والله لقرابة رسول الله يَّي أحبّ إلي أن أصل من أصل قرابتي. وذكر في (جامع الأصول)(١) الحديث المذكور من رواية البخاري ومسلم والترمذي وأبي داود والنسائي، وذكر من قول عمر ظه: قال أبو بكر: قال رسول الله بس: (لا نورث ما تركنا صدقة)، فرأيتماه كاذباً آثماً غادراً خائناً، والله يعلم أنه لصادق بارّ تابع للحق، ثم توفي أبو بكر فقلت: وأنا ولي رسول الله مليار وولي أبي بكر فرأيتماني كاذباً آئماً غادراً خائناً، والله يعلم أني لصادق بار تابع للحق. وقال أبو داود: إنما سألاه أن يصيره نصفين بينهما، لا أنهما جهلا في ذلك أن النبي ◌َّ قال: (لا نورث ما تركنا صدقة)، فإنهما كانا لا يطلبان إلا الصواب، فقال عمر: لا أوقع علیه اسم القسم، أدعه على ما هو عليه. وفي رواية: وكان فيما احتج به عمر، فذكر مثل حديث الكتاب في آخر (الفصل الثاني)، وذكر بعد قوله: جعله بين فقراء المهاجرين: ولم يعط الأنصار منها شيئاً إلا رجلين، كانت بها حاجة، وذكر أنها كانت بيد زيد بن الحسن ثم كانت بيد عبد الله بن الحسن، ثم وليها بنو العباس، وذكر عن أبي حديث المغيرة بن شعبة كما في (الفصل (١) ((جامع الأصول)) (٢ / ٦٩٧). ١٤٤ (١١) باب الفيء الثالث) من الكتاب . وقال البخاري(١) في (كتاب الخمس) أيضاً: عن عروة بن الزبير أن عائشة أم المؤمنين أخبرته: أن فاطمة بنت رسول الله صل﴿ سألت أبا بكر الصديق بعد وفاة رسول الله وال﴿ أن يقسم لها ميراثها ما ترك لها رسول الله و ليه مما أفاء الله عليه، فقال لها أبو بكر: إن رسول الله بَ ل﴿ قال: (لا نورث ما تركنا صدقة). فغضبت فاطمة بنت رسول الله ◌َ، فهجرت أبا بكر، فلم تزل مهاجرته حتى توفيت، وعاشت بعد رسول الله وَل ستة أشهر، قالت: وكانت فاطمة تسأل أبا بكر نصيبها مما ترك رسول الله وَل﴿ من خيبر، وفدك، وصدقته بالمدينة، فأبى أبو بكر عليها ذلك، وقال: لست تاركاً شيئاً كان رسول الله وَّه يعمل به، إلا عملت به، فإني أخشى إن تركت شيئاً من أمره أن أزيغ، فأما صدقته بالمدينة فدفعها عمر إلى علي وعباس، وأما خيير وفدك، فأمسكهما عمر، وقال: هما صدقة رسول الله وَل*، كانتا لحقوقه التي تعروه ونوائبه، وأمرهما إلى من ولي الأمر، قال: فهما على ذلك إلى اليوم. وذكر في (جامع الأصول)(٢) هذا الحديث من حديث البخاري ومسلم وأبي داود والنسائي عن عائشة، وزاد لمسلم بعد قوله: (ستة أشهر): (إلا ليالي)، وقبل (لست تاركاً): (لست بالذي أقسم من ذلك شيئاً)، وفيه: وإني لا أغير شيئاً من صدقة رسول الله وسي﴿ عن حالتها التي كانت عليها في عهد رسول الله وَّر، وفي رواية بعد قوله: وإنما يأكل آل محمد من هذا المال، يعني: مال الله ليس لهم أن يزيدوا على الأكل. (١) ((صحيح البخاري)) (٣٠٩٢). (٢) ((جامع الأصول)) (٩/ ٦٣٧). ١٤٥ (١٩) كتاب الجهاد وأخرج في (باب ميراث النبي (ّ) للترمذي(١) عن أبي هريرة قالت: جاءت فاطمة إلى أبي بكر، فقالت: من يرثك؟ فقال: أهلي وولدي، قالت: فما لي لا أرث أبي؟ فقال أبو بكر: سمعت رسول الله وَل﴿ يقول: (لا نورث)، ولكني أعول من كان رسول الله وَلم يعول، وأنفق على من كان رسول الله بَّه ينفق عليه. وأخرج لأبي داود عن أبي الطفيل قال: جاءت فاطمة تطلب ميراثها إلى أبي بكر فقال: سمعت رسول الله وهو يقول: (إذا أطعم الله نبياً طعمة فهي للذي يقوم من بعده). وأخرج البخاري ومسلم والموطأ وأبي داود عن عائشة أن أزواج النبي ◌َّ حين توفي رسول الله و لم أردن أن يبعثن إلى أبي بكر يسألن عن ميراثهن، فقالت عائشة: أليس قد قال رسول الله وصله: (لا نورث ما تركناه صدقة)؟(٢). وفي رواية لأبي داود: ألا تتقين الله ألم تسمعن رسول الله وسلم يقول: (لا نورث ما تركنا فهو صدقة، وإنما هذا المال لآل محمد فإذا مت فهو إلى من ولي الأمر من بعدي)؟(٣) . هذه روايات هذا الباب في الكتب، ولها طرق متعددة تركناها اكتفاء بما ذكر، والذي يظهر منها أن حديث: (لا نورث ما تركنا صدقة)، وكون أملاكه والتر مشتركاً (١) ((سنن الترمذي)) (١٦٠٨). (٢) ((صحيح البخاري)) (٦٧٣٠)، و((صحيح مسلم)) (١٧٥٨)، و((موطأ مالك)) (٢ / ٩٩٣)، و ((سنن أبي داود)» (٢٩٧٦). (٣) ((سنن أبي داود)) (٢٩٧٧). ١٤٦ (١١) باب الفيء بين المسلمين ومصالحهم، وأن أمره إلى من يلي أمره بعد، متفق عليه بين الصحابة حتى العباس وعلي وليس مخصوصاً روايته بأبي بكر الصديق، لكنه يشكل هنا أنه إن كان الدفع إلى علي وعباس صواباً فلم لم يدفعها عمر إليهما أولاً؟ وإلا فلم دفعها آخراً؟ قالوا: منع أولاً على الوجه الذي كانا يطلبانه من التملك، وثانياً أعطاهما على وجه التصرف فيها کما تصرف رسول الله چ . قال الخطابي: وهذه القضية مشكلة جداً، وذلك أنهما إذا كانا قد أخذا هذه الصدقة من عمر على الشريطة التي شرطها عليهم، وقد اعترفا بأنه قد قال المدير: (ما تركنا صدقة)، وقد شهد المهاجرون بذلك، فما الذي بدا لهما بعد حتى تخاصما، والمعنى في ذلك أنه قد شق عليهما الشركة، وطلبا أن يقسم بينهما ليستبد كل واحد منهما بالتدبير والتصرف فيما يصير إليه، فمنعهما عمر القسم لئلا يجري عليه اسم الملك؛ لأن القسم إنما يقع في الأملاك، ويتطاول الزمان يظن به الملكية، وأشكل من هذا قضية سيدتنا فاطمة ، فإنا لو قلنا: كانت جاهلة بهذه السنة فذاك بعيد، وإن التزمنا ذلك بأنه لا بعد في أنه لم يتفق لها سماع ذلك الحديث فيشكل أنها بعد سماع الحديث عن أبي بكر وشهادة الصحابة بذلك كيف غضبت؟ ولو كان الغضب قبل سماع الحديث كيف لم ترجع عن غضبها حتى امتد، ولم تزل مهاجرة أبي بكر؟ قال الكرماني في شرح (صحيح البخاري)(١): أما غضب فاطمة فهو أمر حصل على مقتضى البشرية وسكن بعد ذلك، وأما هجرانها فمعناه انقباضها عن لقائه لا الهجران المحرم من ترك السلام ونحوه، انتهى، وقد جاء في الأخبار أنه لم يحضر أبو بكر (١) ((شرح الكرماني)) (١٣ / ٧٥). ١٤٧ (١٩) كتاب الجهاد جنازة فاطمة ◌ّ ولم يصل إليها (١)، فقيل: إنها أوصت أن لا يصلي عليها أبو بكر، قالوا: وهذا غلط وافتراء، وكيف توصي ◌َّ بذلك مع أن الأحق بالإمامة هو السلطان، ولهذا ترك الحسين له مروان أن يصلي على الحسن ﴿ه، وقال: لولا حكم الشريعة ما تركتك تصلي عليه، وقيل: كانت وفاة فاطمة ◌َُّ في الليل فلم يعلم بها أبو بكر ﴿﴿ه، وهذا أيضاً بعيد؛ لأن أسماء بنت عميس كانت حينئذٍ تحت أبي بكر، وهي التي تولت غسل الزهراء وتجهيزها، ويبعد أن تحضر زوجته ولا يحصل له الوقوف عليه. ومما يصرح بعلم أبي بكر بوفاة فاطمة ◌َّ ما روي أنها قالت: أستحيي أن يخرجوني بعد وفاتي بحضرة الرجال من غير ستر، وكانوا يخرجون النساء كما يخرجون الرجال، فقالت أسماء بنت عميس - وفي رواية: أم سلمة هـ: رأينا في الحبشة يعملون من جرائد النخل نعشاً مثل الهودج نعمله لك، فعملت عندها على مثال ذلك، فرأته الزهراء ورضيت بها وتبسمت سروراً بذلك، وما رآها أحد بعد وفاة النبي ◌َّ تبسمُ حزناً، فأوصت إلى أسماء أن تكوني متولية لأمري في الغسل والتجهيز، وعلي معك، ولا تتركي أحداً يدخل عليَّ معك، فلما توفيت ◌َّ جاءت عائشة ◌َّ تريد الدخول، فمنعتها أسماء، فاشتكت عائشة إلى أبيها وقالت: ما لهذه الخثعمية تحول بيننا وبين بنت رسول الله وَالز، وتمنعني من الدخول عليها، وعملت لجنازتها مثل هودج العروس، فجاء أبو بكر على باب دار فاطمة وقام وقال: يا أسماء لم منعت أزواج النبي من الدخول على بنته وَل﴾؟ وأيّ شيء عملت لها مثل هودج العروس؟ فقالت أسماء: هي أمرتني أن لا أترك أحداً يدخل عليها بعد وفاتها، والذي عملت فهو بإذنها وأريتها (١) كذا في الأصل، والظاهر: ((عليها)). ١٤٨ (١١) باب الفيء إياه فرضيت به وسرت، فقال أبو بكر: افعلي ما أوصتك به ولا بأس . فهذا صريح في علم أبي بكر بوفاتها، وقيل: يحتمل أن أبا بكر قد علم ذلك وقصد حضور جنازتها، ولكن لما كتم أمرها علي وأخفاه، ولم يندب إلى أبي بكر أحداً علم أن له في الإخفاء مصلحة، فلم يرض أبو بكر أن يجري على خلاف رضاه ومصلحته . وقال الشيخ الحافظ ابن حجر العسقلاني(١): يحتمل أن أبا بكر انتظر أن يطلبه علي رظرُ فيحضر، وظن علي ظه أنه يجيء بلا طلب، فمضى الوقت وكان ليلاً، هكذا ذكر السمهودي في (تاريخ المدينة)، وجاء في بعض الروايات أنه لما وقع بين أبي بكر وفاطمة مليئًا ما وقع ذهب أبو بكر إليها، وقام على بابها في حر الشمس واعتذر إليها، وقال: والله إن قرابة رسول الله و لم أحب وأولى إليّ من قرابتي، ولكني سمعت رسول الله لم ... هذا الحديث، والصحابة شاهدون على ذلك، فرضيت فاطمة عنه نظرته، والحمد لله، وقد تذكر روايات في صلاة أبي بكر وإمامته، وعبد الرحمن ابن عوف وغيره من الصحابة معه والله أعلم، وينقل في هذه القصة حكايات لا تعويل عليها، والظاهر أنها مفتريات، والله أعلم بحقيقة الحال. تم (كتاب الجهاد) بعون الله وتوفيقه، ويتلوه (كتاب الصيد والذبائح). (١) انظر: ((فتح الباري)) (٦ / ٢٠٢). (٢٠) كِتَابُ الْقَيِّدِاللَّنَايم (٢٠) كِتَابُ الْغَيْدِالرَّبَاي ٢٠ - كتاب الصيد والذبائح (الصيد) في الأصل مصدر صاد يصيد ويصاد صيداً فهو صائد، ثم أطلق على ما يصاد تسمية للمفعول بالمصدر، قال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَقْتُلُواْ الصَّيْدَ﴾ [المائدة: ٩٥]، والصيد ما كان ممتنعاً حلالاً لا مالك له، والأصوب قول بعضهم: ما كان متوحشاً طبعاً غير المقدور عليه مأكولاً نوعه، وهو مباح لغير المحرم في غير الحرم، لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلْمُ فَأَصْطَادُواْ﴾ [المائدة: ٢]، ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدٌ أَلْبَرِّمَاءُمْتُمْ حُمًا ﴾ [المائدة: ٩٦]، وقوله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَتُّ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِجِ﴾ [المائدة: ٤]، وورد فيه السنة، وانعقد عليه الإجماع. وفي ((رسالة ابن أبي زيد))(١) في مذهب مالك: أنه يكره الصيد للهو، والصيد لغير اللهو مباح، ولم يثبت أن النبي ◌َّ اصطاد بنفسه وقد قرره، والله أعلم. و(الذبائح) جمع ذبيحة، وهو اسم لما يذبح كالذبح بالكسر، والذبح مصدر ذبح: إذا قطع الأوداج، وفي الأصل بمعنى الشق والفتق . (١) ((رسالة ابن أبي زيد)) (ص: ٨٢). ١٥٢ (٢٠) كتاب الصيد والذبائح * الفَصْلُ الأَوَّلُ: ٤٠٦٤ - [١] عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِوَِّ: ((إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ فَاذْكُرِ اسْمَ اللهِ، فَإِنْ أَمْسَكَ عَلَيْكَ فَأَدْرَكْتَهُ حَيًّا فَاذْبَحْهُ، وَإِنْ أَدْرَكْتَهُ قَدْ قَتَلَ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ فَكُلْهُ، وَإِنْ أَكَلَ فَلاَ تَأْكُلْ، الفصل الأول ٤٠٦٤ - [١] (عدي بن حاتم) قوله: (إذا أرسلت كلبك) الإرسال من جهة الصائد شرط حتى لو خرج الكلب بنفسه فأخذ صيداً وقتله لم يحل. وقوله: (فاذكر اسم الله) فيه أن التسمية شرط حالة إرسال الجارحة كما في الذبيحة حالة الذبح، ثم اختلفت أقوال الأئمة في اشتراط التسمية في الذبح، فعندنا لا يجوز أكل متروك التسمية عامداً، وعند الشافعي يجوز. قالوا: وهذا القول من الشافعي مخالف لكتاب الله ولإجماع الصحابة، فإنه لا خلاف فيمن كان قبله في حرمة متروك التسمية عامداً، وإنما الخلاف بينهم في متروك التسمية ناسياً، ومذهب مالك كمذهبنا أنه يجوز الأكل لو ترك التسمية ناسياً، وإن تعمد ترك التسمية لم تؤكل، وكذلك عند إرسال الجوارح على الصيد، كذا في (رسالة ابن أبي زيد) في مذهب مالك، وكذلك مذهب أحمد في الذبيحة، واختلفت الروايات عنه في الصيد، ففي رواية: لو ترك التسمية على الصيد عامداً أو ساهياً لم يؤكل، وهو المختار في مذهبهم، وفي رواية: لا تشترط التسمية مطلقاً اكتفاء بذكر القلب وإنما تسن. وفي رواية: تشترط، وفي أخرى: حكمه حكم الذبيحة، ويروى عن مالك أنه لا يجوز أكل متروك التسمية عامداً أو ناسياً. ومن لطائف ما وقع بين بعض علمائنا وعلماء الشافعية أن الشافعية قالوا: قال ١٥٣ (٢٠) كتاب الصيد والذبائح فَإِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ، فَإِنْ وَجَدْتَ مَعَ كَلْبِكَ كَلْباً غَيْرَهُ وَقَدْ قَتَلَ فَلاَ تَأْكُلْ، فَإِنَّكَ لاَ تَدْرِي أَّهُمَا قَتَلَ. وَإِذَا رَمَيْتَ بِسَهْمِكَ فَاذْكُرِ اسْمَ اللهِ، فَإِنْ غَابَ عَنْكَ يَوْماً(١) فَلَمْ تَجِدْ فِيهِ إِلاَّ أَثَرَ سَهْمِكَ فَكُلْ إِنْ شِئْتَ، وَإِنْ وَجَدْتَهُ غَرِيقاً فِي الْمَاءِ فَلاَ تَأْكُلْ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٤٨٣، ٥٤٨٤، م: ١٩٢٩]. ٤٠٦٥ - [٢] وَعَنْهُ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّا نُرْسِلُ الْكِلَاَبَ الْمُعَلَّمَةَ قَالَ: ((كُلْ مَا أَمْسَكْنَ عَلَيْكَ)) قُلْتُ: وَإِنْ قَتَلْنَ؟ قَالَ: ((وَإِنْ قَتَلْنَ)) قُلْتُ: إِنَّا نَزْمِي بِالْمِعْرَاضِ. أبو حنيفة: يجوز النكاح بلا ولي خلافاً للنبي ◌َّ، فقالت الحنفية: قال الشافعي: يجوز أكل متروك التسمية عامداً خلافاً لله رغبات . وقوله: (فإن أمسك) أي: الكلب الصيد، أي: حبسه لك. وقوله: (وإن أكل فلا تأكل) فإن ذلك علامة عدم التعليم، وتعليم الكلب أن يترك الأكل ثلاث مرات. وقوله: (يوماً) ليس قيداً احترازياً. ٤٠٦٥ - [٢] (وعنه) قوله: (إنا نرمي بالمعراض) بالكسر: سهم لا ريش له، وأكثر ما يصيب ذلك بعرض عوده، فإن كان كذلك لم يؤكل؛ لأنه لا بدّ من الجرح ليتحقق معنى الذكاة. (١) قال القاري (٦/ ٢٦٤٣): شرط الحل بالرمي التسمية والجرح، وأن لا يقعد عن طلبه إن غاب الصيد حال كونه متحاملاً سهمه؛ لما روى ابن أبي شيبة في ((مصنفه))، والطبراني في ((معجمه))، عن أبي رزين، عن النبي ◌َّار في الصيد يتوارى عن صاحبه قال: ((لعل هوام الأرض قتلته)) . ١٥٤ (٢٠) كتاب الصيد والذبائح قَالَ: ((كُلْ مَا خَزَقَ، وَمَا أصَابَ بِعَرْضِهِ فَقْتَلَ فَإِنَّهُ وَقِيذٌ فَلاَ تَأْكُلْ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٤٧٧، م: ١٩٢٩]. ٤٠٦٦ - [٣] وَعَنْ أَبِ ثَعْلَبَةَ الْخُشَِيِّ قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ! إِنَّا بِأَرْضٍ قَوْمٍ أَهْلِ الكِتَابِ، أَفَتَأْكَلُ فِي آَنِّهِمْ، وَبِأَرْضٍ صَيْدٍ أَصِيدُ بِقَوْسِي وَبِكَلْبِي الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ وَبِكَلْبِي الْمُعَلَّمِ، فَمَا يَصْلُحُ لِي؟ قَالَ: (أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ آنِبَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ .. وقوله: (كل ما خزق) بالخاء والزاي المعجمتين آخره قاف أي: جرح ونفذ، والوقيذ بالقاف والذال المعجمة: الموقوذ الذي يقتل بغير محدد من عصا أو حجر، كذا في (مجمع البحار)(١). وفي (القاموس)(٢): الوقذ: شدة الضرب، وشاة وقيذ وموقوذة: قتلت بالخشب، ذكره في الذال المعجمة . ٤٠٦٦ - [٣] (أبو ثعلبة الخشني) قوله: (أفنأكل) استفهام وسؤال عن جواز الأكل (في آنيتهم) لقوله: (فما يصلح لي)، وقال الطيبي(٣): الهمزة يجوز أن تكون مقحمة لأن الكلام سيق للاستخبار. وقوله: (فنأكل) معطوف على ما قبل الهمزة وأن يكون على معناها فيقدر معطوف عليه بعدها، أي: أتأذن فنأكل، انتهى. لا يدرى وجه هذا الترديد والاحتمال مع ظهور الحقيقة فيتعين الحمل عليها، وما ذكر في توجيه الإقحام لا يخلو عن خفاء، فتأمل. وقوله: (أصيد بقوسي) أي: بالرمي. (١) ((مجمع بحار الأنوار)) (٢ / ٣٩، ١٠١/٥). (٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٣٢٠). (٣) ((شرح الطيبي)) (٨/ ٩٢، ٩٣). ١٥٥ (٢٠) كتاب الصيد والذبائح فَإِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَهَا فَلاَ تَأْكُلُوا فِيهَا، وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَاغْسِلُوهَا وَكُلُوا فِيهَا، وَمَا صِدْتَ بِقَوْسِكَ فَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ فَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ الْمُعَلَّمِ فَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ فَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ غَيْرٍ مُعَلَّمٍ فَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ فَكُلْ)). مُتَفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٤٧٨، م: ١٩٣٠]. ٤٠٦٧ - [٤] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((إِذَا رَمَيْتَ بِسَهْمِكَ فَغَابَ عَنْكَ فَأَدْرَكْتَهُ وقوله: (فإن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها) ظاهره أنه لا تستعمل آنيتهم بعد الغسل إذا وجد غيرها، وقال الفقهاء: يجوز بعد الغسل، قال البرماوي: ويحمل الحديث على الأواني التي يطبخون فيها لحوم الخنازير ويشربون فيها الخمور، وقول الفقهاء على الأواني التي ليست مستعملة في النجاسات غالباً، وقال: ذكره أبو داود في (سننه)(١) صريحاً، وفي الحواشي(٢): إنما أمر رسول الله وَّه بغسل إناء الكفار فيما إذا تيقن نجاسته وما لا فكراهته كراهة تنزيه . وقوله: (وما صدت) بكسر الصاد على وزن بعت وخفت. وقوله: (بكلبك غير معلم) صحح بالنصب وبالجر، فالنصب على الحالية، والجر على البدلية بدل اشتمال. وقوله: (فأدركت ذکاته) بالذال، أي: أدركته حيًّا فذبحته. ٤٠٦٧ - [٤] (وعنه) قوله: (فغاب عنك) فلم تجد فيه إلا أثر سهمك كما مرّ في حديث عدي. (١) ((سنن أبي داود)» (٣٨٣٩). (٢) انظر: ((شرح مصابيح السنة)) (٤ /٤٩١). ١٥٦ (٢٠) كتاب الصيد والذبائح فَكُلْ مَا لَمْ يُنْتِنْ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩٣١]. ٤٠٦٨ _ [٥] وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ قَالَ فِي الَّذِي يُدْرِكُ صَيْدَهُ بَعْدَ ثَلاَثٍ: ((فَكُلَّهُ مَا لَمْ يُنْتِنْ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩٣١]. ٤٠٦٩ - [٦] وَعَنْ عَائِشَة قَالَتْ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ هُنَا أَقْوَاماً حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِشِرْكٍ، يَأْتُونَنَا بِلُحْمَانٍ لاَ نَدْرِي أَيَذْكُرُونَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا أَمْ لاَ؟ قَالَ: (اذْكُرُوا أَنْتُمْ اسْمَ اللهِ وَكُلُوا)). وقوله: (ما لم ينتن) الرواية المشهورة بضم الياء وكسر التاء من أنتن: إذا صار ذا نتن، وقد یروی بفتح الياء أيضاً من نتن بمعنى أنتن . وقوله: (والنتن) ضد الفوح، ونتن ككرم وضرب نتانة فهو نتن، وأنتن فهو منتن، وهذا على طريق الاستحباب وإلا فالنتن لا يوجب الحرمة، وقد روي أنه واله أكل [ودكاً] متغير الريح، كذا في الحواشي(١)، ولعله أكل تعليماً للجواز. ٤٠٦٨ - [٥] (وعنه) قوله: (يدرك صيده بعد ثلاث) التقييد بثلاث للمبالغة، والمعتبر عدم النتن، وبهذا يعلم أن التقييد بيوم في حديث عدي كان اتفاقياً. ٤٠٦٩ - [٦] (عائشة) قوله: (حديث عهدهم) بالإضافة أو بتنوين (حديث) ورفع (عهدهم)، وهذا أظهر، و(لحمان) بضم اللام وسكون الحاء: جمع لحم بالسكون ويحرك. وقوله: (اذكروا أنتم اسم الله وكلوا) نقل عن ابن ملك في (شرح المشارق): ليس معناه أن تسميتكم الآن تنوب عن تسمية المذكي، بل فيه بيان أن التسمية مستحبة عند الأكل وأن ما لم تعرفوا أَذُكِرَ اسم الله عليه عند ذبحه يصح أكله إذا كان الذابح ممن (١) انظر: ((شرح مصابيح السنة)) (٤ / ٤٩٢). ١٥٧ (٢٠) كتاب الصيد والذبائح رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٥٥٠٧]. ٤٠٧٠ - [٧] وَعَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ: سُئِلَ عَلِيٌّ: هَلْ خَصَّكُمْ رَسُولُ اللهِ وَّهِ بِشَيْءٍ؟ فَقَالَ: مَا خَصَّنَا بِشَيْءٍ لَمْ يَعُمَّ بِهِ النَّاسَ إِلَّ مَا فِي قِرَابِ سَيْفِي هَذَا، فَأَخْرَجَ صَحِيفَةً فِيهَا: ((لَعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ وَلَعَنَ اللهُ مَنْ سَرَقَ مَنَارَ الأَرْضِ))، وَفِي رِوَايَةٍ: ((مَنْ غَيَّرَ مَنَارَ الأَرْضِ، يصح أكل ذبيحته حملاً لحال المسلم على الصلاح، انتهى. وقد تمسك بهذا الحديث من لم يجعل التسمية شرطاً، وبالجملة ليست التسمية الآن قائمة مقام التسمية حال الذبح، وليست كالتسمية في وسط الأكل عند النسيان في ابتدائهم، فافهم. ٤٠٧٠ - [٧] (أبو الطفيل) قوله: (ما في قراب سيفي) قراب السيف بالكسر: جفنه وهو وعاء يكون فيه السيف بغمده وحمالته، كذا في (الصحاح)(١). وقوله: (من ذبح لغير الله) كالمشركين يذبحون للأصنام، وقد يتمسك به بعض من يجوّز أكل متروك التسمية عامداً في تأويله لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرٍ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] بأن المراد ما يذكر اسم غير الله عليه. وقوله: (من سرق منار الأرض) جمع منارة وهي علامة الأراضي التي تتميز بها حدودها، أي: يريد استباحة ما ليس له من حق الجار، أي: رفعها وقطع شيئاً من أرض إلى أرضه، كذا قالوا، ويحتمل أن يكون المراد غير منار الأرض ورفعها وطمس علامات الطرق ونصبها ليضل الناس الطريق فيقطع، والرواية الأخرى أوفق بهذا المعنى، والأول بالأول، والله أعلم. (١) ((الصحاح)) (١ / ٢٠٠). ١٥٨ (٢٠) كتاب الصيد والذبائح وَلَعَنَ اللهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَهُ، وَلَعَنَ اللهُ مَنْ آوَى مُحْدِثاً)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩٧٨]. ٤٠٧١ - [٨] وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيج قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنََّ لاَقُو الْعَدُوِّ غَداً، وَلَيْسَتْ مَعَنَا مُدَّى أَفَنَذْبَحُ بِالْقَصَبِ؟ قَالَ: ((مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ . . وقوله: (من لعن والده) فإنه من جملة الإيذاء والعقوق، ويمكن أن يكون كناية عن لعن والد الغير فيلعن والده كما جاء في حديث النهي عن شتم الوالد بهذا المعنى، والله أعلم. وقوله: (من آوى محدثاً) روي بمد الألف ويجوز القصر، والحدث: الأمر الحادث المنكر الذي ليس بمعتاد ولا معروف في السنة، والمحدث بكسر الدال، والمعنى من نصر جانياً وأجاره من خصمه، ويدخل فيه الحامي على الإسلام بإحداث بدعة إذا حماه عن التعرض له والأخذ بيده والذب عنه، وقد يفتح الدال وهو الأمر المبتدع، وإيواؤه الرضا به، والصبر عليه، وتقرير فاعله، كذا في (مجمع البحار)(١). واللعن يشمل لعن الكفر والفسق وهو البعد عن مقام الزلفى، وإطلاق اللعن بهذا المعنى كثير في الأحاديث، وفيه خلاص عن كثير من المحذورات. ٤٠٧١ - [٨] (رافع بن خديج) قوله: (ليست معنا مدی) بضم الميم جمع مدية مثلثة: الشفرة، وهي السكين العظيم. وقوله: (ما أنهر الدم) أي: أظهره وأساله، ونهر النهر كمنع: أجراه، كذا في (القاموس)(٢) (١) ((مجمع بحار الأنوار)) (١ / ٤٥٣). (٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٤٥٤ - ٤٥٥). ١٥٩ (٢٠) كتاب الصيد والذبائح فَكُلْ، لَيْسَ السِّنَّ وَالظَّفُرَ، وَسَأُحَدَّثُكَ عَنْهُ: أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ، وَأَمَّا الظّفُرُ فَمُدَى الْحَبَشِ)». وقوله: (فكل) أي: يجوز أكل ما ذبح بما أنهر الدم سواء كان بالسكين أو بغيره، وهذا متفق عليه بين العلماء. وقوله: (ليس السن والظفر) بالنصب على الاستثناء، نحو جاءني القوم ليس زيداً، وهذا على الإطلاق عند الأئمة، وعند أبي حنيفة: لا يجوز الذبح بالسن القائم والظفر القائم، ويجوز بالظفر والقرن والسن إذا كان منزوعاً حتى لا یکون بأكله بأس إلا أنه يكره هذا الذبح، وحجتهم هذا الحديث، ولنا قوله ◌َلي: (أنهر الدم بما شئت) ويروى: (أفر الأوداج بما شئت)، وما رواه محمول على غير المنزوع فإن الحبشة كانوا يفعلون كذلك، ولأنه آلة جارحة فيحصل به ما هو المقصود، وهو إخراج الدم، فصار كالحجر والحديد، بخلاف غير المنزوع فإنه يقتل بالثقل، فيكون في معنى المنخنقة، وإنما يكره لأن فيه استعمال جزء الآدمي، ولأن فيه إعساراً على الحيوان، وقد أمرنا فيه بالإحسان، كذا في (الهداية)(١). وقوله: (وأما السن فعظم) أي: وكل عظم لا يحل به الذبح، اكتفى في الحديث في تعليل عدم جواز الذبح بالسن بأنه عظم، ونقل السيوطي عن ابن الصلاح: لم أر بعد البحث من نقل للمنع من الذبح بالعظم معنى يعقل، وكذا قال ابن عبد السلام، وعلله النووي بأن العظم یتنجس بالدم إذا ذبح به، وقد نهي عن تنجیسه لأنه زاد إخوانكم من الجن. وقوله: (وأما الظفر) في (القاموس) (٢): الظفر بالضم ويضمتين وبالكسر شاذ، (١) ((الهداية)) (٢ / ٣٤٩). (٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٤٠٤). ١٦٠ (٢٠) كتاب الصيد والذبائح وَأَصَبْنَا نَهْبَ إِبِلٍ وَغَنَمٍ فَنَّ مِنْهَا بَعِيرٌ، فَرَمَاهُ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((إِنَّ لِهَذِهِ الإِبِلِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشٍ، فَإِذَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا شَيْءٌ فَافْعَلُوا بِهِ هَكَذَ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٥٠٩، م: ١٩٦٨]. يكون للإنسان وغيره كالأظفور، وقول الجوهري: جمعه أظفور غلط، وإنما هو واحد، والجمع أظفار وأظافير، و(الحبش)(١) بضم الحاء وسكون الباء: جمع حبش، ومعنى التعليل أن في الذبح بالظفر تشبه بهم في فعلهم الشنيع الذي يخص بهم وهم كفار نصارى . وقوله: (وأصبنا) هو أيضاً مروي عن رافع، ومقوله غير داخل تحت (قلت)، بل عطف عليه، كذا قال الطيبي(٢)، فتأمل. وقوله: (فند منها بعير) ند البعير يند ندًا وندوداً ونداداً: شرد ونفر. وقوله: (إن لهذه الأوابد) اللام بمعنى من، أي: من هذا الجنس من الحيوانات، أوابد جمع آبدة بمعنى المتوحشة، وأبد كفرح: توحش. وقوله: (فإذا غلبكم منها شيء) أي: نفر كالصيد الوحشي (فافعلوا به هكذا) أي: ارموه بسهم ونحوه، فإن ذكاته اضطرارية كالصيد، وكذا الحكم إذا وقع البعير ونحوه في البئر مثلاً، فالذكاة قسمان؛ اختياري: وهو بالجرح فيما بين اللبة واللبتين، (١) قال القاري (٦ / ٢٦٤٨): بضم الحاء المهملة وسكون الموحدة كذا في أكثر النسخ، وفي أصل السيد وعليه صح، وفي نسخة بفتحهما وهو الصواب، ففي القاموس: الحبش والحبش محركتين والأحبش بضم الباء: جنس من السودان جمعه حبشان، أو أحابش، وكذا في ((الصحاح)) و((شمس العلوم)) و((المصباح))، بل في أكثر الأصول كالبخاري وغيره، الحبشة بالتاء والحبش بضم فسكون إنما هو بطن، أو جَدُّ كما في كتب الأنساب. (٢) ((شرح الطيبي)) (٨ /٩٥).