Indexed OCR Text

Pages 641-660

٦٤١
(١٩) كتاب الجهاد
بَعِيراً مِنْهَا، وَيَمُرُّ بِأَخِيهِ قَدِ انْقَطَعَ بِهِ فَلاَ يَحْمِلُهُ، وَأَمَّا بُيُوتُ الشَّيَاطِينِ فَلَمْ
أَرَهَا، كَانَ سَعِيدٌ يَقُولُ: لاَ أُرَاهَا إِلَّ هَذِهِ الأَقْفَاصَ الَّتِي يَسْتُرُ النَّاسُ بِالدِّيَاجِ.
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٥٦٨].
٣٩٢٠ - [٢٩] وَعَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذٍ عَنْ أَبِهِ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ وَّل
فَضَيَّقَ النَّاسُ الْمَنَازِلَ وَقَطَعُوا الطَّرِيقَ، فَبَعَثَ نَبِيُّ اللهِ ﴾ مُنَادِیاً پُنَادِي فِي
النَّاسِ: (أَنَّ مَنْ ضَيَّقَ مَنْزِلاً أَوْ قَطَعَ طَرِيقاً فَلاَ جِهَادَ لَهُ). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ . [د:
٢٦٢٩].
وقوله: (قد انقطع به) حال من (أخيه)، ويحتمل أن يكون صفة، فإن الإضافة
للجنس كاللام في: اللَّئيمِ يَسُبُّني، وهذه اللفظة صُحِّح في بعض النسخ بلفظ المعلوم،
وفي بعضها بلفظ المعلوم والمجهول معاً.
وفي الحواشي: (انقطع) على بناء المجهول، أي: كَلَّ عن السير، فالضمير للرجل
المنقطع، و(به) نائب الفاعل والجملة حالية، ويوافقه ما في (القاموس)(١) حيث قال:
انقُطِعَ به مجهولاً: عجز عن سفره، والحاصل أنها تكون معدَّةً للتفاخر والتكاثر،
ولم يقصد به الركوب ولا إعانة الغير.
وقوله: (إلا هذه الأقفاص التي يستر الناس بالديباج) يريد به هذه الهوادج
والمحامل المستورة بالديباج يأخذه أهل الإسراف في الأسفار، ولم يكن في زمن
النبي ◌َّه ولم يره، والقفص في الأصل محبس الطير.
٣٩٢٠ - [٢٩] (سهل بن معاذ) قوله: (فضيق الناس المنازل) أي: أخذوا
منازلَ لا حاجةَ لهم إليها، فضيَّقوا بذلك المكانَ على الناس، والمراد بقطع الطريق
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٦٩٥).

٦٤٢
(٢) باب آداب السفر
٣٩٢١ _ [٣٠] وَعَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ نَ ﴿ قَالَ: ((إِنَّ أَحْسَنَ مَا دَخَلَ
الرَّجُلُ أَهْلَهُ إِذَا قَدِمَ مِنْ سفرٍ أوَّلُ الليلِ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٧٧٧].
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٣٩٢٢ - [٣١] عَنْ أَبِى قَتَادَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ إِذَا كَانَ فِي
سَفَرٍ فَعَزَّسَ بِلَيْلِ اضْطَجَعَ عَلَى يَمِينِهِ، .
هو هذا التضييقُ لكونه لازماً له، لكن هما شيئان، ففي نفس التضييق وأخذ منزل
لا حاجةَ إليه إثمٌ، وفي ما يلزمه من قطع طريق الناس إثمٌ آخر، فافهم.
٣٩٢١ - [٣٠] (جابر) قوله: (إن أحسن ما دخل الرجل أهله) ما موصولة أو
موصوفة، ويحتمل أن يكون مصدرية، أي: أحسنُ دخولِ الرجل دخولُ أولِ الليل،
و(أهله) منصوب على الاتساع، والتوفيق بينه وبين الحديث الذي نهي فيه عن القدوم
ليلاً أن يحمل هذا على السفر القريب. قال النووي: إذا طال السفر واشتهر قدومه
فلا بأس بقدومه ليلاً، فإن المراد التهيؤ، وقد حصل بذلك، وقيل: المراد بدخول
أهله المجامعة، لأن المسافر يشتد شهوته فإذا قضاها أول الليل يكون أجلب للنوم
وأدعى إلى الاستراحة، وأيضاً فيه إظهار المحبة والاشتياق والمبادرة إلى أداء الحق
ورفع كلفة الانتظار.
الفصل الثالث
٣٩٢٢ - [٣١] (أبو قتادة) قوله: (إذا كان في سفر فعرس بليل اضطجع على
يمينه) هذه هي العادة المستمرَّةُ له ◌َ ﴿، قالوا: والحكمة في الاضطجاع على اليمين
أن القلب معلَّقٌ على جانب اليسار، فلو نام في هذا الجانب استقر القلب واستراح
وسكن جاء النوم ثقيلاً غرقاً بخلاف ما إذا نام على جانب اليمين طلبَ مستقرّه فيكون
في قلقٍ من غير سكون واطمئنان وأبطأَ النومُ وإن جاء لم يكن ثقيلاً، والأطباء

٦٤٣
(١٩) كتاب الجهاد
وَإِذَا عَرَّسَ قُبَيْلَ الصُّبْحِ نَصَبَ ذِرَاعَهُ وَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى كَفِّهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
[م: ٦٨٣].
٣٩٢٣ - [٣٢] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ نَّهِ عَبْدَاللهِ بْنَ رَوَاحَةً
فِي سَرِيَّةٍ فَوَافَقَ ذَلِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَغَدَا أَصْحَابُهُ وَقَالَ: أَتَخَلَّفُ وَأُصَلِّي
مَعَ رَسُولِ اللهِوَلاَ ثُمَّ أَلْحَقُهُمْ، فَلَمَّا صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللهِنَّهْ رَآهُ فَقَالَ:
(مَا مَنَعَكَ أَنْ تَغْدُوَ مَعَ أَصْحَابِكَ؟)) فَقَالَ: أَرَدْتُ أَنْ أُصَلِّيَ مَعَكَ ثُمَّأَلْحَقُهُمْ
فَقَالَ: (لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَدْرَكْتَ فَضْلَ غَدْوَتِهِمْ)). رَوَاهُ
التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٥٢٧].
٣٩٢٤ - [٣٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((لاَ تَصْحَبُ
الْمَلاَئِكَةُ رُفْقَةً فِيهَا جِلْدُ نَمِرِ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٥٥٥، ٢٥٥٦].
يختارون النوم على اليسار لهضم الطعام وطلب الراحة في المنام.
وقوله: (وإذا عرس قبيل الصبح نصب ذراعه ووضع رأسه على كفه) وذلك
أدخَلُ في التيقُّظِ والانتباه وعدمٍ ثقل النوم والاستراحة.
٣٩٢٣ - [٣٢] (ابن عباس) قوله: (ابن رواحة) بفتح الراء وخفة واو وإهمال
حاء.
وقوله: (فغدا أصحابه) أي: ساروا وقتَ الغَداةِ.
٣٩٢٤ - [٣٣] (أبو هريرة) قوله: (جلد نمر) ککتف اسم للسبع المشهور، وقد
ورد النهي عن ركوب جلود النمار ولبسها لما فيها من التكبر والخيلاء، ولأنه زي
العجم، وقيل: لأن جلده لا يقبل الدباغ وأكثر جلودها تؤخذ إذا ماتت؛ لأن اصطيادها
عسير، فيكون عدم مصاحبة الملائكة لأجل ارتكاب المنهي عنه.

٦٤٤
(٣) باب الكتاب إلى الكفار ودعائهم إلى الإسلام
٣٩٢٥ - [٣٤] وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((سَيِّدُ
الْقَوْمِ فِي السَّفَرِ خَادِمُهُمْ، فَمَنْ سَبَقَهُمْ بِخِدْمَةٍ لَمْ يَسْبِقُوهُ بِعَمَلٍ إِلَّ الشَّهَادَةَ».
رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي ((شَعَبِ الإِيمَانِ)). [شعب: ٦ / ٣٣٤].
٣- باب الكتاب إلى الكفار ودمائهم إلى الإسلام
الفَصْلُ الأَوَّلُ:
٣٩٢٦ _ [١] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّ
٣٩٢٥ - [٣٤] (سهل بن سعد) قوله: (سيد القوم في السفر خادمهم) أي :
ينبغي لسيدهم وأميرهم أن يقوم بمصالحهم ويخدمهم، أو المراد أن الذي يخدمهم
سيدهم في الحقيقة لكثرة ثوابه، وهذا هو المناسب لسياق الحديث أعني قوله:
(فمن سبقهم بخدمة ... إلخ)، ولكن تقديم سيدهم وجعله مبتدأ وخادمهم خبراً
دليل على المعنى الأول، والملائم للمعنى الثاني العكس، فافهم.
٣ - باب الكتاب إلى الكفار ودعائهم إلى الإسلام
دعاءُ الكفار إلى الإسلام قبل إسلامهم واجبٌ، والقتالُ قبلَه حرامٌ، وأكثرُ ما يكون
ذلك بالكتابة خصوصاً إلى ملوكهم وعظمائهم، وقتد كتب رسول الله مل* إلى ملوك
الكفار الذين كانوا في زمنه كقيصر وكسرى والنجاشي وغيرهم كتباً ومناشير في غاية
الفصاحة والبلاغة والإيجاز ما لا يتصور فوقه، وقد جمعها بعض العلماء كصاحب
(الشفا) وغيره فلیشرف به.
الفصل الأول
٣٩٢٦ - [١] (ابن عباس) قوله: (عن ابن عباس) هذا الحديث حدثه ابن

٦٤٥
(١٩) كتاب الجهاد
كَتَبَ إِلَى قَيْصَرَ يَدْعُوهُ إِلَى الإِسْلاَمِ، وَبَعَثَ بِكِتَابِهِ إِلَيْهِ دِحْيَةَ الْكَلْبِيَّ، وَأَمَرَهُ
أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى عَظِيمٍ بُصْرَى لِيَدْفَعَهُ إِلَى قَيْصَرَ فَإِذَا فِيهِ: ((بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ
الرَّحِيمِ.
عباس ﴾ من أبي سفيان الأموي كان إذ ذاك عند هرقل، ذهب في ركب من قريش
تجاراً بالشام، فدعاه هرقل، وسأله عن أحواله ◌َ ﴿ بعد وصول كتابه إليه، والقصة
مذكورة في أول (صحيح البخاري)، وهي من أدلة نبوته وعلاماتها صلى الله تعالى
عليه وسلم.
وقوله: (كتب إلى قيصر) هو اسم جنس لملك الروم كما أن ملك فارس
يسمى بكسرى، وملك الحبشة بالنجاشي، وملك الترك بخاقان، وملك القبط بفرعون،
وملك مصر بالعزيز، وملك يمن بالقَيْل، وملك حمير ◌ُتَّع، وملك الهند بالراي،
وهذا القيصر كان اسمه هرقل.
و(دحية) بكسر الدال وعند ابن ماكولا بفتحها (الكلبي) منسوب إلى بني كلب
قبيلة من العرب، وفي بعث دحية وحده وأمره بدفعه إلى الكفار دليل على وجوب
العمل بخبر الواحد. و(بصرى) بضم الموحدة وسكون المهملة بلدة بالشام مشهورة
ذات قلعة، وهي قريبة من طرف العمارة والبرية التي بين الشام والحجاز، ويجاد فيها
عمل السيف .
وقوله: (فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم) فيه استحباب تصدير المكاتيب
والمراسيل بالبسملة وإن كان المبعوث إليه كافراً، بل يكون هناك أشد استحباباً
إدخالاً للروع وتنبيهاً في أول المكتوب على التوحيد كما فعله سليمان عي﴾، وأما
حديث: (كل أمر ذي بال) فمن رواية البيهقي وغيره وهو حديث حسن وليس في
الصحيحين، وقد بيناه في حاشية الضيائية نقلاً عن كلام الشيخ محيي الدين النووي

٦٤٦
(٣) باب الكتاب إلى الكفار ودعائهم إلى الإسلام
مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ،
في (شرح صحيح مسلم).
وقوله: (من محمد عبدالله ورسوله)(١) أي: هذا المكتوب صادر منه، وعبدالله
صفة محمد أو بدل عنه، وفيه أن السنة في المكاتبة أن يبدأ الكاتب بنفسه فيقول: من
زيد إلى عمرو مثلاً، وكذلك كان الصحابة يكتبون إلى رسول الله وَ ي﴾، وما كان أحدٌ
أعظمَ حرمةً منه ◌َّ عندهم وهذا هو الصحيح، وجوَّزَ بعضُهم الابتداء بالمكتوب إليه،
وروي أن زيد بن ثابت كتب إلى معاوية فبدأ باسم معاوية .
وإنما قدم صفة العبودية على الرسالة تواضعاً وإشارة إلى أنه مطيع لأوامره
تعالى منقاد لا يتصرف من عند نفسه بشيء، ولأنه أخص صفاته وهم ير لا يشاركه في
حقيقتها أحد وهو العبد الحقيقي الذي ثبتت له حقيقة العبودية التي هي الانسلاخ من
النفس وصفاتها وإراداتها والفناء في الله تعالى فهو العبد، والله تعالى هو الرب.
وقوله: (إلى هرقل) بكسر الهاء وفتح الراء وسكون القاف، وقد يسكن الراء
ويكسر القاف، وقد يقال: بسكون الراء مع فتح الهاء كخندق، غير منصرف، ملك
الروم، وأول من ضرب الدنانير، وأول من أحدث البيعة، وهو صاحب حروب الشام،
ملك إحدى وثلاثين سنة، وفي ملكه مات النبي ◌َّ.
وقوله: (عظيم الروم) لم يقل ملك الروم لئلا يكون ذلك مقتضياً لتسليم الملك
إليه وهو معزول عنه بحكم الدين، ومع ذلك أتى بنوع من الملاطفة فقال: عظيم الروم،
أي: رئيسهم الذي يطيعونه ويقدمونه كما يكون رؤساء البلاد والقريات ومقدموهم إلانةً
للقول واستمالةً له.
(١) في ((التقرير)): لعله هكذا يكون طريق المكاتبة في زمنه علميا، وتقديم الاسم على التسمية في
زمن سليمان عليل لما جاء: ﴿ إِنَّهُ مِن سُلَيَّمَنَ﴾ الآية [النمل: ٣٠].

٦٤٧
(١٩) كتاب الجهاد
سَلاَمٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، أَمَّا بَعْدُ! فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدَاعِيَةِ الإِسْلاَمِ أَسْلِمْ
تَسْلَمْ، وَأَسْلِمْ يُؤْتِكَ الهُ أَجَرَكَ مَرََّيْنِ، وَإِنْ تَوَلَيْتَ فَعَلَيْكَ إِثْمُ الأَرِيِسِيِّينَ،
وَ﴿يَتَأَهْلَ الْكِنَبِ.
وقوله: (سلام على من اتبع الهدى) لم يبدأ بالسلام عليه بخصوصه لكونه كافراً،
بل سلَّم على كلٍّ من اتَّبِعَ الهدى، أو فيه ترغيب وإرشاد إلى الحق والهداية بأحسن
وجوه وأخصرها.
وقوله: (أما بعد) فيه استحباب (أمَّا بعدُ) في الخطب والمكاتبات، وقد اختلف
في أول من تكلم به، والأصح أنه داود النبي عَ﴾، وقد ذكرناه في شرح خطبة الكتاب.
وقوله: (بداعية الإسلام) الداعية مصدر بمعنى الدعوة كالعافية والعاقبة.
وقوله: (أسلم) من الإسلام و(تسلم) من السلامة، وفيه إيجاز غريب، أي:
تسلم من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، وتكرير قوله: (وأسلم) تأكيد وإيذان بكمال
شفقته والد وحرصه على الإسلام.
وقوله: (يؤتك الله أجرك مرتين) دليل على أن أهل الكتاب إذا أسلموا فلهم أجران
كما هو مدلول كلام الله المجید .
وقوله: (وإن توليت فعليك إثم الأريسيين) في (القاموس)(١): الأريسي والأريس
كجليس: الأَكَّار، والجمع أريسيون وأريسون، وكسِكِّيت الأمير، وأرَّسَه تأريساً:
استعمَّلَه واستخدَمَه، وفي (مختصر النهاية)(٢): إثم الأريسيين يروى منسوباً مجموعاً
جمع أريسيٍّ وبغير نسبة جمع أريسٍ، وبإبدال الهمزة ياء مفتوحة، وهم الخَوَلُ والخَدَمُ
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٤٩١٠).
(٢) (الدر النثير)) (١/ ٢٢).

٦٤٨
(٣) باب الكتاب إلى الكفار ودعائهم إلى الإسلام
والأكَّارُونَ، وقيل: فرقة تعرف بالأريسية أتباع عبدالله بن أريس كانوا في زمن الأول
قتلوا أنبياء عليهم السلام جاؤوهم، وقيل: الأريس الملوك، وقيل: العَشَّارون، وقال
الكرماني (١): اليَرِيسِينُ بفتح الياء التحتانية وكسر الراء جمع يريس على وزن فَعِيل،
وقد تقلب الياء الأولى بالهمزة فيقال: الأريسين، وروي أيضاً بالياءَين بعد السين
جمع يريسي منسوب إلى يريس، وروي الإِرِّيْسِين بكسر الهمزة وكسر الراء المشددة
وياء واحدة بعد السين وهم الأكَّارون الزرَّاعون، وقال التيمي: الأصل الأريس فأبدلت
الهمزة بالياء وهو على عكس المشهور، وجاء في بعض الروايات في غير الصحيح:
فإن عليك إثم الأگَّارين.
ثم إنه على التقادير كلها معناه: إن عليك إثم رعاياك الذين يتبعونك وينقادون
بانقيادك، ونبه بهؤلاء على جميع الرعايا لأن الزراعين كانوا هم الأغلب فيهم، ولأنهم
أسرع انقياداً فإذا أسلم أسلموا وإذا امتنع امتنعوا، وقيل: معناه فالمجوس يقلدونك
فيه، فيحصل عليك إثمهم.
هذا ما في هذه الشروح، والكلام الجامع ما ذكر في (مشارق الأنوار)(٢): حيث
قال قوله: (فإن عليك إثم الأريسيين)، كذا رواه مسلم، وجُلُّ رواة (البخاري) بفتح
الهمزة وكسر الراء مخففة وتشديد الياء بعد السين، ورواه المروزي مرة اليريسين وهي
رواية النسفي، ورواه الجرجاني مرة، وبعضهم مثله إلا أنه قال: الأريسيين بسكون
الراء وفتح الياء الأولى، ورواه بعضهم في غير الصحيحين: الأريسين مخفف الياءين
(١) ((شرح الكرماني)) (١ / ٦٢).
(٢) ((مشارق الأنوار)) (١ / ٤٧ - ٤٨).

٦٤٩
(١٩) كتاب الجهاد
معاً، قال أبو عبيد: هذا هو المحفوظ، فمن قال: الأريسيين، فقالوا في تفسيره: هم
أتباع عبدالله بن أريس رجل في الزمن الأول بعث الله نبيًّا فخالفه هو وأتباعُه، وأنكر
ابن القزاز هذا التفسير، ورواية من قال: الأريسيين بفتح الياء وسكون الراء. وقيل:
هم الأروسيون وهم نصارى أتباع عبدالله بن أروس وهم الأروسية، متمسكون بدين
عيسى لا يقولون: إنه ابن الله، وقال أبو عبيد الهروي: هم الأَكَرَة، وقيل: الملوك الذين
يخالفون أنبياءَهم، وقيل: الخدمة والأعوان، وقيل: المتبخترون، ففي (مصنف
ابن السكن): يعني اليهود والنصارى فسره في الحديث، ومعناه إن عليك إثم رعاياك
وأتباعك ممن صددته عن الإسلام واتبعك على كفرك كما قال تعالى ﴿يَقُولُ الَّذِينَ
اسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ لَوْلاً أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ: ٣١]، وكما جاء في بعض طرق هذا
الحديث: وإلا فلا تحل بين الفلاحين وبين الإسلام، قال أبو عبيد: ليس الفلاحون
هنا الزراعون خاصة، لكن جميع أهل المملكة؛ لأن كل من زرع هو عند العرب فلاح
تولى ذلك بنفسه أو تُولي له، ويدل على ما قلنا قوله أيضاً في حديث آخر: (فإنْ أَبَيْتَ
فإننا نهدِمُ الكُفُورَ ونقتلُ الأريسيين، وإني أجعَلُ إثمَ ذلك في رقبتِكَ)، الكُفُور: القرى،
واحدها كَفْرٌ، فهذا المعنى يفسره الأحاديث ويعضده القرآن أولى ما قيل فيه، انتهى.
ولقد طال الكلام في تحقيق هذه، والقوم(١) بذلوا جهدهم في تحقيق ألفاظ الأحاديث
شكر الله سعيهم، ونحن اقتفينا أثرهم وجمعنا ما ذكروه، والفضل للمتقدم.
فإن قلت: تقديم لفظ (عليك) على اسم (إنَّ) مفيد للحصر، أي: ليس إثمُهم
إلا عليك، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا فَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] فضلاً عن الحصر،
(١) قوله: القوم - إلى - للمتقدم، زادت هذه العبارة في نسخة: (ع) فقط.

٦٥٠
(٣) باب الكتاب إلى الكفار ودعائهم إلى الإسلام
تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَلْءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّ اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ، شَيْئًا وَلَا
يَتَّخِذَ بَعْضُنَابَعْضَّا أَرْبَابًا مِن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ أَشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾))
[آل عمران: ٦٤]. مُتَّفَقُ عَلَيْهِ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ قَالَ: ((مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ)
وَقَالَ: ((إِثْمُ الْيَرِيْسِيِّينَ)) وَقَالَ: ((بِدِعَايَةِ الإِسْلاَم)). [خ: ٧، م: ١٧٧٣].
٣٩٢٧ - [٢] وَعَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَِّ بَعَثَ بِكِتَابِهِ إِلَى كِسْرَى مَعَ
عَبْدِ اللهِ بْنِ حُذَافَةَ السَّهْمِيِّ فَأَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى عَظِيمِ الْبَحْرَيْنِ فَدَفَعَهُ عَظِيمُ
الْبَحْرَيْنِ إِلَى كِسْرَى، فَلَمَّا قَرَأَ مَزَّقَهُ، قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ: فَدَعَا عَلَيْهِمْ
رَسُولُ اللهِوَّهِ أَنْ يُمَزَّقُوا كُلَّ مُمَزَّقٍ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٤٤٢٤].
قلت: المراد أن إثم الإضلال عليه، والإضلال أيضاً وزره كالضلال، ووزرهم على
أنهم معارض بقوله تعالى: ﴿ وَلَيَحْمِلُنَ أَثْقَالَهُمْ وَأَنْقَا لَا مَّعَ أَثْقَالِهِمٌّ﴾ [العنكبوت: ١٣]، كذا
قال الكرماني.
وقوله: (فإن تولوا) أي: أهلُ الكتاب (فقولوا) أيها المؤمنون.
وقوله: (بدعاية الإسلام) وقد جاء هذا اللفظ في رواية البخاري أيضاً في أول
الكتاب في (باب كيف كان بدء الوحي) وفي (باب التفسير).
٣٩٢٧ - [٢] (وعنه) قوله: (إلى كسرى) بكسر الكاف وفتحها مع جواز
الإمالة في الوجهين وهو معرب خسرو، وكان كسرى إذ ذاك أبرويز بن هرمز بن أنو
شیروان .
وقوله: (مزَّقه) من التمزيق، أي: خرَّقه بالتشديد كذا الرواية، مزقه يمزقه مزقاً
ومزقة: خرّقه، كمزّقه، فالتشديد للمبالغة .
وقوله: (أن يمزقوا كل ممزّق) أي: يفرقوا كل تفريق، والمُمزَّق مصدر ميمي،

٦٥١
(١٩) كتاب الجهاد
٣٩٢٨ - [٣] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َلِ كَتَبَ إِلَى كِسْرَى وَإِلَى قَيْصَرَ
وَإِلَى النَّجَاشِيِّ وَإِلَى كُلِّ جَبَّارٍ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللهِ، وَلَيْسَ بِالنَّجَاشِيِّ الَّذِي
صَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ وَِّـ رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٧٧٤].
٣٩٢٩ - [٤] وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِوَه
إِذَا أَمَّرَ أَمِيراً عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللهِ، وَمَنْ مَعَهُ
مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَيْراً، .
وإلى ذلك آل أمرهم أدبر عنهم الإقبال وزالت الدولة حتى انقرضوا عن آخرهم، قتل
أبرويزَ ابنُهُ شِيرَوَيْهِ ثم مات هو أيضاً بعد ستة أشهر، فأدركتهم النحوسة واللعنة إلى
أبد الآبدين.
٣٩٢٨ - [٣] (أنس) قوله: (وإلى النجاشي) بفتح النون وتخفيف الجيم وسكون
الياء وعليه الأكثرون، وقيل: هو الصواب، وقيل: بالتشديد والتخفيف، وقد تکسر
النون، وقال في (القاموس) (١): النجاشي بتشديد الياء وتخفيفها أفصح، وتكسر نونها
أو هو أفصح، وأما تشديد الجيم، فقيل: إنه خطأ، وفي (مجمع البحار)(٢): النجاشي
بتشديد الياء، وصوب بعض تخفيفها، والله أعلم بالصواب.
وقوله: (ليس بالنجاشي الذي صلّى عليه النبي ◌َّه).
٣٩٢٩ - [٤] (سليمان بن بريدة) قوله: (في خاصته) أي: في نفسه. وقوله:
(ومن معه) عطف على (خاصته)، و(خيراً) منصوب بنزع الخافض، أي: أوصاه في
نفسه بتقوى الله، أي: تشديدها وإلزامها العزيمة، وفي من معه بخير، أي: مسامحة
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٥١٨).
(٢) ((مجمع بحار الأنوار)) (٤ / ٦٨٢).

٦٥٢
(٣) باب الكتاب إلى الكفار ودعائهم إلى الإسلام
ثُمَّ قَالَ: ((اغْزُوَا بسمِ اللهِ فِي سَبِيلِ اللهِ قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللهِ اغْزُوَا فَلاَ تَغُلُّوا،
وَلاَ تَغْدِرُوا، وَلاَ تَمْثُلُوا، وَلاَ تَقْتُلُوا وَلِيداً، وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلاَثِ خِصَالٍ - أَوْ خِلاَلٍ - فَأَيْتَهُنَّ مَا أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ
عَنْهُمْ، ثُمَّادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلاَمِ،
ورفق وتيسير، وهذا من حقوق الصحبة والإمارة لقوله وَله: (يسِّرُوا ولا تُعسِّرُوا).
وقوله: (اغزوا) غزا العدو: سار إلى قتالهم وانتهابهم.
وقوله: (فلا تغلّوا) من الغُلُول وهو الخيانة في الغنيمة، (ولا تغدروا) من الغَدْرِ،
وهو نقض العهد، (ولا تمثلوا) من المُثْلَة(١)، وتكرير (اغزوا) للتأكيد ولربط ما بعده
مستقلاً.
وقوله: (وإذا لقيت عدوك) خطاب للأمير، فإن دعوة الكفار بالإسلام والتحول
إلى دار المهاجرين ونحو ذلك من مناصب الأمراء والغزاة والمقاتلة يعم المسلمين
کلهم.
وقوله: (أو خلال) من شك الراوي في اللفظ، والخلال جمع خَلَّة بالفتح بمعنى
الخَصْلة، والخصال الثلاث: الإسلام وإعطاء الجزية والمقاتلة، و(ما) في (ما أجابوك)
زائدة .
وقوله: (وكف عنهم) أي: امتنع، وكفَّ يجيء لازماً ومتعدياً، فأشار إلى
الخصلة الأولى بقوله: (ثم ادعهم إلى الإسلام)، وروي في غير رواية مسلم: (ادعهم)
بإسقاط ثم وهو الأظهر، وقيل: (ثم) زائدة، ورَدَت لاستفتاح الكلام والأخذ فيه
والتراخي في البيان.
(١) قال القاري (٦/ ٢٥٢٨): وفي نسخة من باب التفعيل.

٦٥٣
(١٩) كتاب الجهاد
فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفتَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى
دَارِ الْمُهَاجِرِينَ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَعَلَيْهِمْ
مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ، فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْهَا، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ
كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ، يُجْرَى عَلَيْهِمْ حُكْمُ الله الَّذِي يُجْرَى عَلَى الْمُؤْمِنِينَ،
وَلاَ يَكُونُ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءٍ شَيْءٌ إِلَّ أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ
هُمْ أَبُوا فَسَلْهُمْ الْجِزْيَةَ فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ، فَإِنْ هُمْ
أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَقَاتِلْهُمْ، وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تَجْعَلَ لَهُمْ
ذِمَّةَ اللهِ وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ فَلاَ تَجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّةَ اللهِ وَلاَ ذِمَّةَ نَبِيِّهِ، وَلَكِنِ اجْعَلْ لَهُمْ
ذِمَّتَكَ وَذِمَّةَ أَصْحَابِكَ،
وقوله: (فإن أجابوك) ... إلى قوله: (فإن أبوا) من تتمة هذه الخصلة.
وقوله: (ما للمهاجرين) أي: من الثواب واستحقاق مال الفيء، فإنه ◌َ ر كان
ينفق على المهاجرين مما آتاه الله من الفيء لا الأعراب المسلمين.
وقوله: (وعليهم ما على المهاجرين) من وجوب الخروج إلى الجهاد إذا أمرهم
الإمام سواء كان بإزاء العدو مَن به الكفايةُ أو لم يكنْ، بخلاف غير المهاجرين فإنه لم
يجب عليهم الخروج إلى الجهاد إذا كان بإزاء العدو مَن به الكفاية، كذا فسره الطيبي(١).
وقوله: (كأعراب المسلمين) أي: الذين لازموا أوطانهم في البادية لا في دار
الكفر .
وقوله: (فإن أبوا فسلهم الجزية) هذه هي الخصلة الثانية .
وقوله: (فإن هم أبوا) أي: عن الجزية (فاستعن بالله وقاتلهم) الخصلة الثالثة.
(١) ((شرح الطيبي)) (٧/ ٣٥٣).

٦٥٤
(٣) باب الكتاب إلى الكفار ودعائهم إلى الإسلام
فَإِنَّكُمْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَمَكُمْ وَذِمَمَ أَصْحَابِكُمْ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَّةَ اللهِ
وَذِمَّةَ رَسُولِهِ، وَإِنْ حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللهِ
فَلاَ تُنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِ اللهِ، وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِكَ فَإِنَّكَ لاَ تَدْرِي أَنْصِيبُ
حُكْمَ اللهِ فِيهِمْ أَمْ لاَ؟)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٧٣١].
٣٩٣٠ _ [٥] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ێ فِي بَعْضٍ
أَيَّامِهِ الَّتِي لَقِيَ فِيهَا الْعَدُوَّ انْتُظَرَ حَتَّى مَالَتِ الشَّمْسُ.
وقوله: (فإنكم) على الخطاب كذا في الأصول، وفي بعض نسخ (المصابيح):
(فإنهم) بالغيبة، والأول أصح روايةً، وهذا أظهر درايةً، فإن نقض الذمة من جانب
الكافرين أظهر وأوقع، والمعنى أن الكافرين إنْ ينقضوا ذِمَمَكم وذِمَمَ أصحابكم أهونُ
وأقلُّ تحقيراً للإسلام من أن ينقضوا ذمة الله وذمة رسوله فإنه يلزم منه هَوانٌ وحقارةٌ
فيه، ولكن النووي وجَّهَ معنى الخطاب، وقال: يعني ربما ينقضهما مَن لا يعرفُ حقَّها
من الأعراب وسواد الجيش كما نقل (الطيبي)(١) عنه، فافهم.
ثم (إنَّ) في (إنكم) هي التي للتحقيق، وصحح في نسخة بسكون النون حرف
شرط، والظاهر على هذا أن يكون أن في (أن تخفروا) أيضاً بكسر الهمزة تأكيداً لـ (أن)
الشرطية، وهي قد صححت بفتح الهمزة فهي مع صلتها في تأويل المصدر بدل من
ضمير المخاطبة، وخبر (إن) قوله: (أهون)، و(تخفروا) بضم التاء من الإخفار وهو
نقضُ الذمة، والخَفْرُ: حفظُ الذمة، فالهمزة للسَّلب.
وقوله: (فإنك لا تدري أتصيب حكم الله أم لا؟) فيه أن المجتهد يخطئ ويصيب.
٣٩٣٠ - [٥] (عبدالله بن أبي أوفى) قوله: (حتى مالت الشمس) إلى جهة
(١) ((شرح الطيبي)) (٧/ ٣٥٤).

٦٥٥
(١٩) كتاب الجهاد
ثُمَّ قَامَ فِي النَّاسِ فَقَالَ: ((يَا أَيّهَا النَّاسُ! لاَ تَتَمَّنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ وَاسْأَلُوا اللهَ
الْعَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيْتُمْ فَاصْبِرُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلالِ السُّيُوفِ))، ثُمَّ
قَالَ: ((اللهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ، وَمُجْرِيَ السَّحَابِ، وَهَازِمَ الأَحْزَابِ، اهْزِمْهُمْ
وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٩٦٥، ٢٩٦٦، م: ١٧٤٢].
٣٩٣١ - [٦] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َلِ كَانَ إِذَا غَزَا بِنَا قَوْماً لَمْ يَكُنْ
يَغْزُو بِنَا.
المغرب وهو وقت الزوال، قالوا: الحكمة فيه أنه وقت هبوب الرياح ونشاط النفوس،
وقيل: سببه فضيلة وقت الصلاة والدعاء عندها، هذا وقد ورد في الحديث أنه تفتح
أبواب السماء في هذا الوقت، وتصعد الأعمال إلى مصعد القبول، فينتظر فيه نزول
أنوار الفتح والنصرة، وأُّ عملٍ أفضلُ من القتال في سبيل الله فيرجى القبول، وأيضاً
وقت الصباح يتهيأ للقتال ويُهَيَّأ أسبابه، وآخر اليوم يقرب الليل، وهذا وسط النهار
وقيام الظهيرة، والله أعلم. هذا وقد دل الحديث الآتي في آخر الفصل عن النعمان بن
مقرن أنه كان قد يقاتل أول النهار، وكان إذا لم يقاتل أوله انتظر حتى تهب الأرواح
وتحضر الصلاة، ووجه التطبيق أن الأوقات والأحوال مختلفة تارة فتارة.
وقوله: (لا تتمنوا لقاء العدو) لأنه في حكم طلب البلاء، وهو منهي عنه، وبعدما
نزل وجب الصبر والاستقامة، ولما فيه من صورة الإعجاب والوثوق بالقوة والاتكال
على النفس وحولها، وتحقير العدو وعدم المبالاة والاهتمام به.
وقوله: (تحت ظلال السيوف) كناية عن الدنوٍّ من مقام الضِّراب والقتال حتى
يعلوَه السيفُ.
٣٩٣١ - [٦] (أنس) قوله: (غزا بنا) الباء للمصاحبة.
وقوله: (لم يكن يغزو بنا) هكذا في نسخ (المشكاة) : (يغزو بنا) بإثبات الواو،

٦٥٦
(٣) باب الكتاب إلى الكفار ودعائهم إلى الإسلام
ووقع في نسخ (المصابيح): (لم يكن يغز بنا) بحذف الواو، وقال التُّورِبِشْتِي(١): وأرى
الواو قد سقط عن قلم الكاتب، وصوابه: لم يكن يغزو بنا بإثباتها إذ لا وجه لإسقاط
حرف العلة هاهنا، وقال في (مجمع البحار)(٢) عن الكرماني: إذا غزا بنا لم يكن يغز
بنا بسقوط الواو لأنه بدل من (يكنْ)، وروي يغزو بثبوتها على لغة، انتهى، يريد أن
حذف الواو هنا هو الأصل الظاهر، وإنما المحتاج إلى التوجيه إثباتُها، وهو على لغة
من يرفع المضارع عند دخول الجازم، ويقال له لغة لم يخشى وهي لغة فصيحة.
ثم قال النُّورِبِشْتِي(٣): ولو جعلناه من الإغزاء بالزا وقلنا: يغزينا على زنة
يلهينا لم يستقم؛ لأن معنى قول القائل: أغزيت فلاناً: جهّزته للغزو، ولا معنى له
هاهنا، انتهى، يعني لو قلت: اللفظ يُغزِينا الفعل المضارع من أغزى من باب الإفعال،
وضمير المتكلم مفعوله فليس هنا محل الواو، بل الواو التي كانت في المجرد أبدلت
ياء لوقوعها في الرابع كما تقرر في علم الصرف، وليس ذلك يغز متعدياً إلى الضمير
المتكلم بحرف الجر، لم يستقم المعنى؛ لأن الإغزاء بمعنى التجهيز للغزو، يقال:
أغزَيتُه إذا جهَّزتَه، وليس المعنى هنا على هذا. وقال القاضي البيضاوي(٤): المعنى
مستقيم لأن المعنى لم يرسلنا إليه ولم يحملنا عليه على سبيل المجاز.
وأقول: قد ذكر في (القاموس)(٥): أغزاه على أمرٍ بمعنى حمَلَه عليه، وأيضاً قد
(١) (كتاب الميسر)) (٣/ ٨٩٧).
(٢) ((مجمع بحار الأنوار)) (٤ / ٣٨).
(٣) (كتاب الميسر)) (٣/ ٨٩٨).
(٤) ((تحفة الأبرار)) (٣ /١٦).
(٥) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٢١٠).

٦٥٧
(١٩) كتاب الجهاد
حَتَّى يُصْبِحَ وَيَنْظُرَ إِلَيْهِمْ، فَإِنْ سَمِعَ أَذَانَأَ كَفَّ عَنْهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ أَذَاناً
أَغَارَ عَلَيْهِمْ قَالَ: فَخَرَجْنَا إِلَى خَيْبَرَ فَانْتُّهَيْنَا إِلَيْهِمْ لَيْلاً، فَلَمَّا أَصْبَحَ وَلَمْ
يَسْمَعْ أَذَاناً رَكِبَ ورَكِبْتُ خَلْفَ أَبِي طَلْحَةَ، وَإِنَّ قَدَمِي لَتَمَسُّ قَدَمَ نَبِيِّ الْهِوَوه
قَالَ: فَخَرَجُوا ..
يختلج تكرار بنا مع ذكره في الأول، ولا حاجة إليه، ثم قد ذكر في (مجمع البحار)(١)
عن الكرماني: يُغرِينا بتحتية بعد راء من الإغراء، وروي يغر بحذفها، وروي يَغْدُ
بسكون غين وبدال مهملة وحذف واو من الغدوِّ نقيضِ الرَّواحِ، فتدبر.
وقوله: (وينظر إليهم) أي: يتأمل في حالهم ويثبت في أمرهم حذراً أن يغير على
المؤمنين أو يكون فيهم أحد من المؤمنين، والظاهر هو الثاني؛ لأن الظاهر أنه قد كان
علم أنها ديار الكافرين، لكن يحتمل أن يكون فيهم مؤمن أيضاً فيغير عليه، والله أعلم.
وقوله: (وإن لم يسمع أذاناً أغار عليهم) لكونه علامة الكفر؛ لأن ترك الأذان
في ذلك الزمان لم يكن متصوَّراً، وجاء في الروايات الفقهية: الأذانُ شِعارُ الدِّين
يجبُ القتالُ مع قومِ ترَکُوه.
وقوله: (وإن قدمي لتمس قدم نبي الله (ّ) لقربه منه وَّر. وفي الحواشي: هذا
يدل على أنهم رکبوا على مركب واحد، وفيه ما فيه.
وقوله: (فخرجوا) أي: الكفارُ من الحصن قاصدين نخيلَهم ومزارعَهم ولم يعلموا
بنا، و(المكاتل) جمع مِكتَل بكسر الميم، شِبُه الزِّنْيل یسَعُ خمسةَ عشرَ رِطْلاً،
و(المساحي) جمع مِسْحَاةٍ، في (القاموس)(٢): سحا الطين يَسْحِيه ويَسْحُوه وَيَسْحَاهُ
(١) ((مجمع بحار الأنوار)) (٣٨/٤).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ١١٨٩).

٦٥٨
(٣) باب الكتاب إلى الكفار ودعائهم إلى الإسلام
إِلَيْنَا بَمَكَاتِلِهِمْ وَمَسَاحِيهِمْ، فَلَمَّا رَأَوْا النَّبِيَّ ◌َّهِ قَالُوا: مُحَمَّدٌ واللهِ محمّدٌ
والخميسُ، فَلَجَوْوا إِلَى الْحِصْنِ، فَلَمَّا رَأَهُمْ رَسُولُ اللهِ وَِّ قَالَ: ((اللهُ
أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، خَرِبَتْ خَيْرُ، إِنَّ إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةٍ قومٍ فَسَاءَ صَبَاحُ المُنْذَرِينَ)).
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦١٠، ٢٩٩١، م: ١٣٦٥].
٣٩٣٢ - [٧] وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ مُقَرٍِّ قَالَ: شَهِدْتُ الْقِتَالَ مَعَ
رَسُولِ اللهِن ◌َّهِ، فَكَانَ إِذَا لَمْ يُقَاتِلْ القِتَالَ أَوَّلَ النَّهَارِ انْتُظَرَ حَتَّى تَهُبَّ الأَرْوَاحُ
وَتَحْضُرَ الصَّلاَةُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٣١٦٠].
سَحْياً: قشَره وجرفَه، والمِسْحَاة بالكسر ما سُحِيَ به، وصانعه سَخَّاء.
وقوله: (والخميس) بالرفع عطف على (محمد)، وقد ينصب على أنه مفعول
معه، والخميس: الجيش، سمي به لانقسامه خمسة أقسام: المقدّمةُ، والسَّاقةُ،
والمَيمَنة، والمَيسَرة، والقلب، أو لتخميس الغنائم فيه.
وقوله: (الله أكبر) فيه استحباب التكبير عند لقاء العدو .
وقوله: (بساحة قوم) أي: أرضهم.
٣٩٣٢ - [٧] (النعمان بن مقرّن) قوله: (ابن مقرن) بضم الميم وفتح القاف
وتشديد الراء المكسورة وبالنون .
وقوله: (حتى تهب الأرواح) أي: الرياح، وجمع الريح رِيَاح وأَرْيَاح وأَرَوَاح
ورَيْح على وزن عيب، وجمع الجمع أَراوِيح وأَرايِيح، وأصله الواو، وإنما جاءت
بالياء لانكسار ما قبلَها، فإذا رجعوا إلى الفتح عادت الواو كقولك: أرْوحَ الماءُ، كذا
في (الصحاح)(١).
(١) ((الصحاح)) (١ / ٣٦٧).

٦٥٩
(١٩) كتاب الجهاد
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٣٩٣٣ - [٨] عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ مُقَرِّنٍ قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَ﴾
فَكَانَ إِذَا لَمْ يُقَاتِلْ أَوَّلَ النَّهَارِ انْتُظَرَ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ، وَتَهُبَّ الرِّيَاحُ وَيَنْزِلَ
النَّصْرُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٦٥٥].
٣٩٣٤ - [٩] وَعَنْ قَتَادَةَ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ مُقَرِّنٍ قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ
رَسُولِ اللهِ(١) وَ﴿ِ فَكَانَ إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ أَمْسَكَ حَتَّى تَطْلَعَ الشَّمْسُ، فَإِذَا
طَلَعَتْ قَاتَلَ، فَإِذَا انْتُصَفَ النَّهَارُ أَمْسَكَ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ، فَإِذَا زَالَتِ
الشَّمْسُ قَاتَلَ حَتَّى الْعَصْرِ، ثُمَّ أَمْسَكَ حَتَّى يُصَلَّى الْعَصْرُ، ثُمَّيُقَاتِلُ، قَالَ
قَتَادَةُ: كَانَ يُقَالُ: عِنْدَ ذَلِكَ تَهِيجُ رِيَاحُ النَّصْرِ،
الفصل الثاني
٣٩٣٣ - [٨] (النعمان بن مقرّن) قوله: (وينزل النصر) ناظرٌ إلى فتح باب
السماء حينئذ، وتلويح إلى قوله وَله: (نُصِرتُ بالصَّبَا).
٣٩٣٤ - [٩] (قتادة) قوله: (وعن قتادة عن النعمان بن مقرن) لا يظهر وجه
ذكر قتادة الراوي عن النعمان، وإسناد الحديث إليه في هذا الحديث دون الحديثين
الأولين هو أو غيره.
وقوله: (كان يقال) الضمير في (كان) للشأن .
وقوله: (عند ذلك) إشارة إلى ما ذكر من الأوقات كلها أو مخصوص بوقت
زوال الشمس كما دل عليه الأحاديث الآخر .
(١) في نسخة: ((النبي)).

٦٦٠
(٣) باب الكتاب إلى الكفار ودعائهم إلى الإسلام
وَيَدْعُو الْمُؤْمِنُونَ لِجُيُوشِهِمْ فِي صَلَاَنِهِمْ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٦١٢].
٣٩٣٥ - [١٠] وَعَنْ عِصَام الْمُزَنِيِّ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِلَّه فِي سَرِيَّةٍ
فَقَالَ: ((إِذَا رَأَيْتُمْ مَسْجِداً أَوْ سَمِعْتُمْ مُؤَذِّناً فَلاَ تَقْتُلُوا أَحَداً). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ
وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ١٥٣٩، د: ٢٦٣٥].
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٥ / ٥
٣٩٣٦ - [١١] عَنْ أَبِي وَائِلِ قَالَ: كَتَبَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ إِلَى أَهْل
فَارِسَ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ إِلَى رُسْتَمَ وَمِهْرَانَ
فِي مَلأَّ فَارِسَ، سَلاَمٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، أَمَا بَعْدُ! فَإِنَّا نَدْعُوكُمْ إِلَى
الإِسْلام،
وقوله: (في صلاتهم) أي: في آخرها أو في ثانيها.
٣٩٣٥ - [١٠] (عصام المزنيّ) قوله: (وعن عصام) بكسر العين وتخفيف
الصاد .
وقوله: (إذا رأيتم مسجداً) في ديار العدو .
وقوله: (فلا تقتلوا أحداً) أي: أحداً ممَّن وجدتم في ديارهم مسجداً أو سمعتم
مؤذِّناً لئلا يؤدِّيَ إلى قتل المؤمن.
الفصل الثالث
٣٩٣٦ - [١١] (أبو وائل) قوله: (إلى رستم) بضم الراء وفتح التاء. و(مهران)
بکسر الميم وسکون الهاء.
وقوله: (في ملأ) أي: كائنين فيهم، والملأ: أكابر أشراف الناس ورؤساؤهم؛
لأنهم يملؤون المجالس .