Indexed OCR Text

Pages 621-640

٦٢١
(١٩) كتاب الجهاد
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٣٨٩٢ - [١] عَنْ كَعْبٍ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ خَرَجَ بَوْمَ الْخَمِيسِ
فِي غَزْوَةٍ تَبُّوكَ، وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ يَخْرُجَ يَوْمَ الْخَمِيسِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ:
٢٩٥٠]٠
ترجمة ربع العادات منه، وفي (شرح سفر السعادة)(١) فليطلب ثمة.
الفصل الأول
٣٨٩٢ - [١] (كعب بن مالك) قوله: (في غزوة تبوك) وهي أرض بين
الشام والمدينة، كذا في (القاموس)(٢)، والمسيرة بينها وبين المدينة شهر (٣)، ووقع
غزوتها في سنة تسع من الهجرة وهي آخر غزواته س2، وهو مشتق من البوك، باكَ
العينَ: ثُوَّرَ ماءَها بعُودٍ ونحوه ليخرجَ، وكانوا يبوكون الماءَ فيها، وفي (الصحاح)(٤):
ورأى النبي ◌َّ قوماً من أصحابه يبوكون حِسْيَ تبوك، أي: يدخلون فيها القدحَ
ويحركونه ليخرج الماءُ، فقال: (ما زلتم تبوكونها)، فسميت تلك الغزوة بغزوة
تبوك.
وقوله: (وكان يحب أن يخرج يوم الخميس) وفي (جامع الأصول)(٥): لأبي
داود عن كعب بن مالك قال: (قلَّما يخرج رسول الله وَ ل﴿ للسفر إلا يوم الخميس إذا
(١) (شرح سفر السعادة)) (ص: ٢٣٠ - ٢٣١).
(٢) («القاموس المحيط)) (ص: ٨٦١).
(٣) وفي نسخة (ع) نصف شهر.
(٤) («الصحاح)) (٤ / ١٥٧٦).
(٥) «جامع الأصول)» (٥ / ١٥).

٦٢٢
(٢) باب آداب السفر
غزا)(١)، أورد في (سنن الهدى)(٢) حديثاً فيه التخيير بين يوم الاثنين أو يوم الخميس
- والله أعلم -، أقول: تخصيص يوم الخميس بسفر الغزو يناسب ما ذكره الُّورِبِشْتِي(٣)
من الوجوه، أحدها: أنه ◌َ* كان يتفاءل بالخميس في خروجه، وكان سنته أن يتفاءل
بالاسم، والخميس الجيش، فيرى ذلك من الفأل الحسن في حفظ الله له وإحاطة
جنوده به حفظاً وحمايةً، وما ذكره القاضي البيضاوي: أن ذلك لتفاؤله بالخميس على
أنه يظفر على الخميس الذي هو جيش العدو، ويتمكَّن عليهم، هذا والظاهر أن هذه
مناسبة تخيلوه أن في ذلك سرًّا موكولاً إلى علم الشارع، نعم لو وقع التصريح في
الحديث بالتفاؤل المذكور لجزم به كما في موضع آخر من هذا الباب، وبدونه مجرد
احتمال، وأقرب من ذلك ما ذكروا أن يوم الخميس يوم مبارك، ترفع فيه أعمال
العباد إلى الله تعالى، فتوقع ◌َلي أن يرفع جهاده الذي هو من أفضل الأعمال إليه تعالى
أو أنه أتم أيام الأسبوع عدداً والله أعلم.
تنبيه: هذا ما تقرر عليه أمر السنة فيما ذكر في الكتب المشهورة من الأحاديث،
وقد جاء في ما اشتهر السفر يوم الاثنين، وقد ذكر فيه حديثاً في (سنن الهدى) من
قوله {دي: (إذا سافرتم فسافروا يوم الاثنين) ولم يذكر مخرجه، وذكر أيضاً: أن رجلاً
جاء إلى النبي وسلم في آخر شهر يريد سفراً فودعه، فقال النبي ◌َّ: (أتريد أن تخسر
(١) كذا في الأصل، ولفظ ((جامع الأصول)) و((سنن أبي داود)) هكذا: ((قلما كان رسول الله وَله
يخرج في سفر إلا يوم الخميس)).
(٢) هو كتاب: ((سنن الهدى في متابعة المصطفى)) للشيخ عبد النبي بن أحمد بن عبد القدوس
النعماني، المتوفى (٩٩٠هـ)، انظر: ((نزهة الخواطر)) (٤ / ٣٨٠).
(٣) (كتاب الميسر)) (٣/ ٨٩١).

٦٢٣
(١٩) كتاب الجهاد
صفقتك وتتبخّس بيعتك؟)، فقال: لا، فقال ◌َّ: (اصبر حتى تهلل الهلال ثم اخرج
يوم الاثنين أو يوم الخميس، فإن الله تعالى يبارك في بيعتك ويربح صفقتك).
وذكر السيوطي في (جمع الجوامع)(١) عن علي رظ ◌ُّه أنه قال: لا تسافروا في
المَحاقِ ولا بنزول القمر في العقرب، رواه أبو علي الحسين بن محمد بن جيش الدينوري
في حديثه، انتهى. ويقال: القمر كان اسم رجل من قطاع الطريق مشهور في هذا الشأن،
والعقرب اسم قرية في طريقه، هذا هو المشهور عند المحدثين. وقيل: هو محمول
على ظاهره، وهو نزول كوكب القمر في برج العقرب، ويؤيده قرانه بالمحاق.
وقد ذكر في هذا الكتاب المسمى بـ (سنن الهدى) عن ابن عباس مرفوعاً
- ولم يذكر له أيضاً مخرجاً، وهذا دأب مؤلفه في هذا الكتاب لم يذكر قط مخرج
الحديث ولم يُحِلْه إلى كتاب معتبر، وسمعت أنه كان يقول: جمعت هذا الكتاب
حسبة لله وما حسبت فيه، ومع ذلك لو ذكر كان أحسنَ وأتمَّ - أنه قال: الأيام كلها لله
تعالى لكن خلق بعضها سُعوداً وبعضها نُحوساً، كما أن الخلق عبيد الله لكن جعل
بعضهم للجنة وبعضهم للنار، وما من شهر إلا وفيه سبعة أيام نحسات، فاليوم الثالث
نحسٌ، فيه قتل قابيلُ هابيلَ، واليوم الخامس نحسٌ، فيه أخرج آدم من الجنة، وفيه
أرسل العذاب على قوم يونس، وفيه طرح يوسف في الجب، واليوم الثالث عشر نحسٌ،
فیه نزل البلاء على أيوب، وفيه سلب عن سليمان ملكه، واليوم السادس عشر [نحس]،
فيه قتلت اليهود الأنبياء، واليوم الحادي والعشرون نحس لأن الله تعالى خسف فيه
قوم لوط، ومسخ النصاری خنازير، ومسخ اليهود قروداً، وفيه شق یحیی بن زکریا،
(١) ((جامع الأحاديث)) (٤٤٤/٣١).

٦٢٤
(٢) باب آداب السفر
٣٨٩٣ - [٢] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((لَوْ يَعْلَمُ
النَّاسُ مَا فِي الْوَحْدَةِ مَا أَعْلَمُ،
واليوم الرابع والعشرون نحس؛ لأن الله تعالى خلق فيه فرعون، وفيه ولد، وفيه ادعى
الربوبية، وفيه أغرق، وفيه أرسل الطوفان والجراد والقمل والضفادع. واليوم الخامس
والعشرون نحس؛ لأن فيه شق نمرود بطن أربعين امرأة، وفيه طرح الخليل في النار،
وفيه عُقرت ناقة صالح، وفيه دمدم الله عليهم العذاب، وقال: ويوم الأربعاء آخر يوم
في الشهر نحس؛ لأن الله تعالى أرسل فيه الريح على قوم هود والصيحة على قوم ثمود،
وقد صح عنه ◌َّ أن يوم الأربعاء يوم نحس مستمر، وقال تعالى: ﴿فِي يَوْمِ نَخْسِ مُسْتَمٍِ﴾
[القمر: ١٩]، والمراد منه يوم الأربعاء.
وعن علي له أنه يستحب للعاقل أن يجتنب في هذه الأيام شراء البهائم والخدم
والدخول على النساء وكري الأنهار وغرس الثمار ولبس الثياب الجدد والنكاح والتزويج
والسفر، هكذا ذكر في هذا الكتاب، وفي صحة هذا الكلام مقال، والحق أنه لم يثبت
من السلف الصالحين اتباع أحكام النجوم في السعادة والنحوسة ورعاية الأيام والأوقات،
بل السبيل الاستخارة والتوكل على الله، ثم الشروع في الأمر مع رعاية الآداب والأحكام
الواردة في السنة، نسأل الله العافية.
وروى السيوطي عن علي ظه أنه كان متوجهاً إلى سفر للجهاد، فقال أحد من
أصحابه: لا تسافر اليوم وسافر اليوم الفلاني، فقال ظله: لئن كان في يدي سيف
لضربت عنقك بذلك السيف، كنا مع أبي القاسم محمد رسول الله صَلٍ﴿ ولم نسمع
عنده يذكر أن اليوم الفلاني يسافر ولا يسافر في اليوم الفلاني، أو كما قال، ومن الله
الهداية والتوفيق .
٣٨٩٣ - [٢] (عبدالله بن عمر) قوله: (لو يعلم الناس ما في الوحدة ما أعلم)

٦٢٥
(١٩) كتاب الجهاد
مَا سَارَ رَاكِبٌ بِلَيْلٍ وَحْدَهُ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٢٩٩٨].
٣٨٩٤ - [٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((لاَ تَصْحَبُ
الْمَلاَئِكَةُ رُفْقَةً فِيهَا كَلْبٌ وَلاَ جَرَسٌ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢١١٣].
قال الطيبي(١): ما الأولى استفهامية علق العلم [عن العمل]، والثانية موصولة، ويمكن
أن يكون العلم بمعنى العرفان، وما الأولى موصولة والثانية بدل منه، وما كناية عن
المضرة الدينية والدنيوية مثل فوات الجماعة وعدم من يعينه في الحاجات، وما في
(ما سار) نافية، والتقييد بالراكب بالذكر لأن مؤنته أكثر وخوفه أشد، وبالليل لأن
الخطر ووجود الشر فيه أكثر وأغلب.
٣٨٩٤ - [٣] (أبو هريرة) قوله: (لا تصحب الملائكة) نقل الطيبي (٢): أن المراد
ملائكة الرحمة لا الحفظة، و(الرفقة) بضم الراء وكسرها: جماعة ترافقهم، وفي
(الصراح)(٣): رفقة: گروه هم سفر رفاق جماعت، والرفيق: من يرافقك في السفر
يطلق على الواحد والجمع؛ كقوله تعالى: ﴿وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾[النساء: ٦٩]، والجمع
الرفقاء.
وقوله: (ولا جرس) تقديره: ولا تصحب الملائكة رفقة فيها جرس، والجرس
بالتسكين: الصوت أو الخفي منه، وهو بفتح الجيم وكسرها، وقيل: إذا أفرد
فتح، فقيل: ما سمعت له جَرْساً، وإذا قالوا: ما سمعت له حِسًّا ولا جِرْساً كسروا،
كذا في (القاموس)(٤). والجرس بفتحتين: ما يعلق بعنق الدابة أو برجل البازي
(١) (شرح الطيبي)) (٧ / ٣٣١).
(٢) (شرح الطيبي)) (٧ / ٣٣١).
(٣) ((الصراح)) (ص: ٣٧٦).
(٤) ((القاموس المحيط)) (ص: ٤٩٦).

٦٢٦
(٢) باب آداب السفر
٣٨٩٥ - [٤] وَعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ قَالَ: ((الْجَرَسُ مَزَامِيرُ الشَّيْطَانِ)).
رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢١١٤].
٣٨٩٦ - [٥] وَعَنْ أَبِي بَشِيرِ الأَنْصَارِيِّ: أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَُّ
فِي بَعْضٍ أَسْفَارِهِ فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللهِوَِّ رَسُولاً: ((لاَ تُبْقَيَنَّ.
والصبيان .
وفي (النهاية)(١): الجرس الجُلجُل الذي يُعلَّقُ على الدوابٌ، ومنه حديث:
(لا تصحب الملائكة رفقة فيها جرس) هو الجلجل، ووجه النهي كراهة صوتها
كالنواقيس، وقد ورد أن مع كل جرسٍ شيطاناً، ولأن صوته يشغل عن الذكر والفكر،
ولهذا يأتي في الحديث الآتي: (الجرس مزامير الشيطان)، وقيل: إنما كرهه لأنه يدل
على أصحابه بصوته، وكان ◌َّ يحب أن لا يعلم العدو به حتى يأتيهم فجاءة، وتشبيه
صوت الملك في الوحي بصَلْصَلةِ الجَرَسِ لا يدلُّ على إباحته.
٣٨٩٥ - [٤] (وعنه) قوله: (الجرس مزامير) جمع مزمار قصَبةٌ يُزمَرُ بها، أي
يتغنَّى، زمر يَزْمِرُ ويَزْمُرُ زميراً وزمَّر تزميراً: غنَّى في القصب، وهي زامرة وهو زمار
وزامر وفعلهما الزمارة، وقد بسط الكلام في معناه في موضعه، والمراد بالجرس
الجنس، ولذا أخبر عنه بالجمع، وقيل: إنما أخبر بالجمع من جهة أن صوته لا ينقطع
فکان کل جزء منه مزمار.
٣٨٩٦ - [٥] (أبو بشير الأنصاري) قوله: (وعن أبي بشير) بفتح الموحدة
وكسر المعجمة.
وقوله: (رسولاً: لا تبقين) بلفظ المجهول للغاية، أي: رسولاً ينادي في الناس
(١) ((النهاية)) (١/ ٢٨٤).

٦٢٧
(١٩) كتاب الجهاد
فِي رَقَبَةِ بَعِيرٍ قِلاَدَةٌ مِنْ وَتَرٍ - أَوْ قِلاَدَةٌ - إِلَّ قُطِعَتْ)). مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ. [خ: ٣٠٠٥،
م: ٢١١٥].
٣٨٩٧ - [٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((إِذَا سَافَرْتُمْ
فِي الْخِصْبِ فَأَعْطُوا الإِلَ حَقَّهَا مِنَ الأَرْضِ، وَإِذَا سَافَرْتُمْ فِي السََّةِ فَأَسْرِعُوا
عَلَيْهَا السَّيْرَ، وَإِذَا عَرَّسْتُمْ بِاللَّيْلِ فَاجْتَبُوا الطَّرِيقَ فَإِنَّهَا طُرُقُ الدَّوَابِّ وَمَأْوَى
الْهَوَامُّ بِاللَّيْلِ». وَفِي رِوَايَةٍ: ((إِذَا سَافَرْتُمْ فِي السَّنَّةِ.
بهذا .
وقوله: (من وتر) قد علم في معناه وجوه ذكرت في آداب الخلاء مفصّلة،
وفي الفصل الثاني من الباب السابق مجملة، والمناسب منها هنا المعنيان، وهو
أنه إنما نهى عنه دفعاً لتوهُّمهم أنه عَوْذَةٌ للخيل، أو لئلا يختنقَ عنقُها، فهذا الحديث
يؤيد الحمل على هذين المعنيين دون ما سواهما، فتدبر.
٣٨٩٧ - [٦] (أبو هريرة) قوله: (في الخصب) بالكسر ضد الجَدْب بمعنى
القَحْط، وفي رواية: (إذا سافرتُم بأرض الخِصْب) أي: في أرضٍ فيه كثرة الخصب
والمرعى.
وقوله: (حقها) أي: حقها من نبات الأرض، أي: دعوها ساعةً فساعةً حتى
ترعى.
وقوله: (في السنة) أي: في القحط، والسنة هو العام، غلبت في عام القحط.
وقوله: (فأسرعوا عليها السير) يعني لا تتوقفوا في الطريق لتبلغكم المقصد
قبل أن تضعف.
وقوله: (وإذا عرّستم) عرّس القوم: نزلوا في آخر الليل للاستراحة، كذا في

٦٢٨
(٢) باب آداب السفر
فَبَادِرُوا بِهَا نِقْيَهَا)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩٢٦].
(القاموس)(١) و(النهاية)(٢)، فقوله: (في الليل) كالتأكيد للمعنى، وقال في (المشارق)(٣):
التعريس: النزول في آخر الليل ليناموا ويريحوا إبلهم ساعة، قاله الخليل وغيره.
وقال أبو يزيد: التعريس النزول أيَّ وقت كان من ليل أو نهار، انتهى. وعلى هذا
يكون (في الليل) تقييداً، وإنما قيده به لأن الدواب والهوام تكون في الليل أكثر.
وقوله: (فبادروا بها نقيها) بكسر النون وسكون القاف، أي: أسرعوا عليها السّيرَ
ما دامت قوَّتُها باقيةً، قال التُّورِبِشْتِي(٤): وقد يقال للشحم أيضاً النقي، أي: ما دامت
قويةً قبل الهُزال، وقد صحح (نقيها) في النسخ بالنصب، يقال: بدره وبادره وبدر
إليه وبادر إليه، تعدَّى بواسطة وبدونها، والباء للملابسة حال منه، أي: ملتبساً، أو
من الفاعل أي: ملتبسين.
وقال الطيبي(٥): ويحتمل الرفع على أنه فاعل الظرف، أو مبتدأ والجملة حال،
والجر على أنه بدل من الضمير المجرور، والله أعلم.
هذا وقد يروى (نَقَبها) بفتحتين وبموحدة، وهو الطريق بين الجبلين، وهو
تصحيف وليس بجيد المعنى، وقال الطيبي: يحتمل أن يكون هذا اللفظ من نقِبَ
البعيرُ: إذا رقَّتْ أخفافُه، ونقب الخفُّ الملبوسُ: إذا تخرَّقَ، ولا يخفى أن هذا المعنى
أيضاً ليس بجيد، نعم لو كان النقب بمعنى الخف صح، ولكنه بمعنى رقّته وتخرُّقه،
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٥١٦).
(٢) ((النهاية)) (٣/ ٢٠٦).
(٣) ((مشارق الأنوار)) (٢ / ١٣٤).
(٤) ((كتاب الميسر)) (٣/ ٨٩٢).
(٥) ((شرح الطيبي)) (٧ / ٣٣٤).

٦٢٩
(١٩) كتاب الجهاد
٣٨٩٨ - [٧] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ فِي سَفْرٍ مَعَ
رَسُولِ اللهِوَ﴿ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ عَلَى رَاحِلَةٍ، فَجَعَلَ يَضْرِبُ يَمِيناً وَشِمَالاً،
فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لاَ ظَهْرَ
لَهُ، وَمَنْ كَانَ لَهُ فَضْلُ زَادٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لاَ زَادَ لَهُ)) قَالَ: فَذَكَرَ مِنْ
أَصْنَافِ الْمَالِ .
فافهم .
وقال في (المشارق)(١): في رواية: (فانجُوا عليها بنِقْيها) بكسر النون وسكون
القاف أي: أسرعوا عليها ما دامت بسِمَنها وشَحْمِها، والنقي: الشحم، وأصله مخُ
العظام، ولم يبيِّن رحمة الله تعالى عليه رواية (نقبها) بالموحدة في الوهم والاختلاف
على ما هو عادته في ذلك الكتاب.
٣٨٩٨ - [٧] (أبو سعيد الخدري) قوله: (فجعل يضرب يميناً وشمالاً) قيل:
معناه يضربُ يمينَها وشمالَها لكَلالِها، وقيل معناه: ينزل أو يسقط فيمشي يميناً
وشمالاً، وقيل: يضربُ عينَه إلى يمينه وشماله، أي: يلتفت يميناً وشمالاً طالباً لما
يقضي به حاجته، والمعنيان الأولان أنسبُ بمعنى الضرب، ثم الظاهر من قوله: (مَن
لا ظهرَ له) أنه كان ذلك لضعف راحلته، وأما كونها قوية حمل عليها زاده وأقمشته،
ولم يقدر أن يركبها من ثقل حملها كما ذكره الطيبي(٢)، فمجرَّدُ احتمالٍ لا يدلُّ عليه
اللفظ، والله أعلم.
وقوله: (فليعد به على من لا ظهر له) أي: فلیحمِلْه ویحسِنْ إلیه به، مِنْ عاد
(١) ((مشارق الأنوار)) (٢ / ٤٤).
(٢) انظر: ((شرح الطيبي)) (٧ / ٣٣٤).

٦٣٠
(٢) باب آداب السفر
حَتَّى رَأَيْنَا أَنَّهُ لاَ حَقَّ لِأَحَدٍ مِنَّا فِي فَضْلِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٧٢٨].
٣٨٩٩ - [٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: ((السَّفَرُ
قِطْعَةٌ مِنَ الْعَذَابِ، يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ نَوْمَهُ وَطَعَامَهُ وَشَرَابَهُ، فَإِذَا قَضَى نَهْمَتَهُ
مِنْ وَجْهِهِ فَلْيَعْجَلْ(١) إِلَى أَهْلِهِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٤٢٩، م: ١٩٢٧].
٣٩٠٠ - [٩] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِنَّهِ إِذَا قَدِمَ
مَنْ سَفَرٍ تُلُقِّيَ بِصِيَْانِ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَإِنَّهُ قَدِمَ مَنْ سَفَرٍ فَسُبِقَ بِي إِلَيْهِ، فَحَمَلَنِي
بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ جِيءَ بِأَحَدِ ابْنَيْ فَاطِمَةَ.
عليه بمعروفه، أي: أحسنَ إليه، وهذا الأمر أعوَدُ، أي: أنفَعُ.
وقوله: (حتى رأينا) أي ظننًا.
٣٨٩٩ - [٨] (أبو هريرة) قوله: (فإذا قضى نهمته) النهمة بالفتح والسكون:
الحاجة، وبلوغ الهمة والشهوة في الشيء، وهو منهوم بكذا، مُولَعٌ به، وقد نهم كفرح،
كذا في (القاموس)(٢).
وقوله: (من وجهه) متعلق بـ (قضى) أي: من جهته وطريقه، والتخصيص
بمنع النوم والطعام والشراب للرفق بهم وإلا ففي السفر يفوت كثير من الأمور الدينية
والدنيوية كالجمعة والجماعات، وحقوق الأهل والقرابات، ومعاناة الحر والبرد والخوف
ونحو ذلك، وهذا في غير الأسفار الواجبة .
٣٩٠٠ - [٩] (عبدالله بن جعفر) قوله: (تلقي) بلفظ الماضي المجهول من
التلقِّي .
(١) في نسخة: ((فَلْيُعَجِّلْ)) بالتشديد.
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٠٧٤).

٦٣١
(١٩) كتاب الجهاد
فَأَرْدَقَهُ خَلْفَهُ، قَالَ: فَأُدْخِلْنَا الْمَدِينَةَ ثَلاَثَةً عَلَى دَبَّةٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٤٢٨].
٣٩٠١ - [١٠] وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ أَقْبَلَ هُوَ وَأَبُو طَلْحَةَ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَ﴾
وَمَعَ النَّبِيِّ نَّهِ صَفِيَّةُ مُرْدِفَهَا عَلَى رَاحِلَتِهِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦١٨٥].
٣٩٠٢ - [١١] وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَِّ لاَ يَطْرُقُ أَهْلَهُ لَيْلاً وَكَانَ
لاَ يَدْخُلُ إِلَّ غُدْوَةً أَوْ عَشِيَّةً. مُتَفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٨٠٠، م: ١٩٢٨].
٣٩٠٣ - [١٢] وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((إِذا طَال أَحَدُكُمُ
الْغَيْبَةَ فَلاَ يَطْرُقْ أَهْلَهُ لَيْلاً)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٢٤٤، م: ٧١٥].
وقوله: (فأردفه خلفه) لأنه جيء به بعده أو للإيثار، و(ثلاثة) منصوب على
أنه حال.
٣٩٠١ _ [١٠] (أنس) قوله: (أقبل هو وأبو طلحة) هو زوج أمه .
وقوله: (مع رسول الله وَيؤ) ظرف أو حال، وذلك إذ كانوا قادمين من غزوة
خيبر، و(مردفها) حال من النبي ◌َّرٍ لأن الإضافة لفظية، أي: جاعلاً صفية رديفَه.
٣٩٠٢ - [١١] (وعنه) قوله: (لا يطرق) أي: لا يدخل، في (القاموس)(١):
الطرق والطروق: الإتيان بالليل، والمراد بالعشية هنا ما بعد العصر، في (القاموس)(٢):
العَشيُّ والعَشيَّةُ: آخر النهار، وفسَّروا عشياً في قوله تعالى: ﴿وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾
[الروم: ١٨] بصلاة العصر.
٣٩٠٣ - [١٢] (جابر) قوله: (فلا يطرق أهله ليلاً) يثبت عدم الطروق بالليل
فعلاً وقولاً .
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٨٣٢).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٢٠٥).

٦٣٢
(٢) باب آداب السفر
٣٩٠٤ - [١٣] وَعَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ وَهِ قَالَ: ((إِذَا دَخَلْتَ لَيْلاً فَلاَ تَدَخُلْ
أَهْلَكَ(١) حَتَّى تَسْتَحِدَّ الْمُغِيبَةُ وَتَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٢٤٦،
م: ٧١٥].
٣٩٠٥ - [١٤] وَعَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َيْهِ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ نَحَرَ جَزُوراً أَوْ
بَقَرَةً. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٣٠٨٩].
٣٩٠٤ - [١٣] (وعنه) قوله: (إذا دخلت ليلاً) أي بلدك (فلا تدخل أهلك
الليلة) واصبر حتى تصبح.
وقوله: (حتى تستحد) من الاستحداد وهو استعمال الحديد، ويستعمل في
حلق الشعر وفي حلق شعر العانة، ولعل المراد به هنا معالجة شعر عانتها بما هو
معتادُهنَّ لا حلقُ الشعرِ. و(المغيبة) بضم الميم: المرأة التي غاب زوجها، أغابت
المرأة: إذا غاب عنها زوجها، ويقال: بالتاء وبدونها، والشعث محركة: انتشار الأمر،
والتشغُّتُ التفرّقُ، غلب في تفرُّق الشَّعرِ.
٣٩٠٥ - [١٤] (وعنه) قوله: (نحر جزوراً) أي: بعيراً، في (النهاية)(٢): الجَزْور
البعير ذكراً كان أو أنثى إلا أن اللفظة مؤنثة، تقول: هذه الجزور وإن أردت ذكراً،
والجَزَرة الشاة التي تُذْبَح، والمَجزَرة الموضع الذي يُنحَر فيه الأنعامُ، انتهى. وفي
(القاموس)(٣): الجَزُور: البعير، أو خاص بالناقة المجزورة وما يذبح من الشاء، واحدتها
جزرة، وأجزَرَه: أعطاه شاةً يذبحها، وفيه أنه يسن للقادم أن يضِّفَ بقدر وسعه.
(١) في نسخة: ((على أهلك)).
(٢) ((النهاية)) (١ / ٢٦٦).
(٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ٣٤١).

٦٣٣
(١٩) كتاب الجهاد
٣٩٠٦ - [١٥] وَعَنْ كَعْبٍ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ نَّهِ لاَ يَقْدَمُ مِنْ
سَفَرٍ إِلَّ نَهَاراً فِي الضُّحَى، فَإِذَا قَدِمَ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثمَّ
جَلَسَ فِيهِ لِلنَّاسِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٠٨٨، م: ٧١٦].
٣٩٠٧ - [١٦] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ◌َهُ فِي سَفَرٍ فَلَمَّا
قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ قَالَ لِي: ((ادْخُلِ الْمَسْجِدَ فَصَلِّ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
[خ: ٣٠٨٧].
* الْفَصْلُ الثَّانِ:
٣٩٠٨ - [١٧] عَنْ صَخْرِ بْنِ وَدَاعَةَ الغَامِدِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ:
«اللهُمَّ بَارِكْ لِأُمَّتِي.
٣٩٠٦ - [١٥] (كعب بن مالك) قوله: (لا يقدم) بفتح الدال قَدِمَ يقدم كسمع
يسمع، ولعل الحصر في قوله: (إلا نهاراً في الضحى) باعتبار الغالب وإلا فقد سبق
أنه لا يقدم إلا غدوة أو عشية.
وقوله: (ثم جلس فيه) إما قبل دخول البيت، فـ (ثمّ) للتراخي في الرتبة أو
باعتبار المنتهى، أو البقاء بعده فـ (ثمّ) على الحقيقة، فافهم.
٣٩٠٧ - [١٦] (جابر) قوله: (فصلِّ فيه ركعتين) الأمر للاستحباب عندنا، وعند
الشافعية تحية المسجد واجب، وهل يجب دخول المسجد للقادم وأداء هذا الواجب،
أو الدخول في المسجد مستحب وبعد الدخول يصير واجباً.
الفصل الثاني
٣٩٠٨ - [١٧] (صخر بن وداعة الغامدي) قوله: (عن صخر) بفتح المهملة
وسكون المعجمة (ابن وداعة) بفتح الواو (الغامدي) بالمعجمة، والغامد أبو قبيلة،

٦٣٤
(٢) باب آداب السفر
فِي بُكُورِهَا)) وَكَانَ إِذا بعثَ سرِيَّةً أَوْ جَيْشاً بَعَثَّهُمْ مِنْ أَّلِ النَّهَارِ، وَكَانَ صَخْرٌ
تَاجِراً فَكَانَ يَبْعَثُ تِجَارَتَهُ أَوَّلَ النَّهَارِ، فَأَقْرَى وَكَثُرَ مالُهُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبَّو
دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ١٢١٢، د: ٢٦٠٦، دي: ٢ / ٢١٤].
٣٩٠٩ - [١٨] وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((عَلَيْكُمْ بِالدُّلْجَةِ،
فَإِنَّ الأَرْضَ.
واسمه عمرو بن عبدالله، ولقب به لإصلاحه أمراً كان بين قومه، والغامدة: البئر
المتدفئة والسفينة المشحونة.
وقوله: (في بكورها) بكَرَ إليه وعليه وفيه بَكْراً ويُكُوراً وابتكَرَ وأبكَرَ وباكَرَه:
أتاه بُكْرةً، والبكرة بالضم: الغدوة، كذا في (القاموس)(١).
وفي (الصراح)(٢): بكرة بالضم بإمداد پگاه، بکور: پگاه برخاستن وبإمداد
كردن .
وقوله: (يبعث تجارته) أي: مالَ تجارته.
وقوله: (فأثرى) أي: صار ذا ثروة بسبب مراعاة السنة وإجابة هذا الدعاء
وقوله: (وكثر ماله) تأكيداً، والثروة يكون بالغنى ولا يشترط فيه كثرة المال
وتزايده .
٣٩٠٩ - [١٨] (أنس) قوله: (عليكم بالدلجة) في (القاموس)(٣): الدلج محركة
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٣٠٨).
(٢) ((الصراح)) (ص: ١٦٢).
(٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٧٣).

٦٣٥
(١٩) كتاب الجهاد
تُطْوَى بِاللَّيْلِ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٥٧١]
٣٩١٠ - [١٩] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ لَهُ
قَالَ: ((الرَّاكِبُ شَيْطَانٌ، وَالرَّاكِبَانِ شَيْطَانَانِ، وَالثَّلاثَةُ رَكْبٌ)). رَوَاهُ مَالِكٌ
وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [ط: ٢ / ٩٧٨، ت: ١٦٧٤، د: ٢٦٠٧، ن في
الكبرى: ٨٧٩٨].
والدلجة بالضم والفتح: السَّيرُ من أولِ الليلِ، والفعل منه أدلَجَ بسكون الدال، وبفتحها
مشددة: السَّيرُ في آخر الليل.
وقوله: (تطوى) أي: يسهل السير فيه بحيث يظن الماشي أنه سار قليلاً وقد
سار كثيراً، ولعل ذلك لعدم وجود المشاغل والصوارف من السير في الليل وعدم
مشاهدة الأمارات والعلامات التي تبعد وتثقل السير في نظر السالك، والله أعلم.
والمراد لا تقنعوا بالسير نهاراً بل سيروا بالليل أيضاً، وليس المراد لا تسيروا بالنهار
قطعاً.
٣٩١٠ - [١٩] (عمرو بن شعيب) قوله: (والثلاثة ركب) أي: هم الذين
يستأهلون أن يسمّوا ركباً لكونهم محفوظين من الشيطان، والركب من أسماء الجموع
كقوم ورهط، وقيل: جمع راكب كصاحب وصَحْب، وقيل في تأويل الحديث: إنه
لما ارتكب الواحد لسيره منفرداً والاثنان لسيرهما منفردين، وهو منهي عنه، فقد
طاوعوا الشيطان فكأنهم الشيطان نفسه، أو المراد معهم الشيطان يهم بهم، ويأمرهم
بالشر، وذلك لفوت الجماعة عن الواحد وتعُّرِ التعيُّشِ عليه، والاثنان إن مات الواحد
أو مرض اضطر الآخر ونحو ذلك، فعلم من هذا الحديث أنه لا بد في السفر من ثلاثة
وهي أقل الجماعة.

٦٣٦
(٢) باب آداب السفر
٣٩١١ - [٢٠] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِوَلِ قَالَ: «إِذَا
كَانَ ثَلاَثَةٌ فِي سَفَرٍ فَلْيُؤَمِّرُوا أَحَدَهُمْ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٦٠٨].
٣٩١٢ - [٢١] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ عَنِ النَّبِيِّ وَلْ قَالَ: ((خَيْرُ الصَّحَابَةِ
أَرْبَعَةٌ، وَخَيْرُ السَّرَابَا أَرْبَعُ مِئَةٍ، وَخَيْرُ الْجُيُوشِ أَرْبَعَةُ آلآفِ، وَلَنْ يُغْلَبَ
اثْنَا عَشَرَ أَلْفاً مِنْ قِلَّةٍ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ:
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ١٥٥٥، د: ٢٦١١، دي: ٢ / ٢١٥].
٣٩١١ - [٢٠] (أبو سعيد الخدري) قوله: (فليؤمروا أحدهم) أي: يجعلوه
أميراً دفعاً لوقوع الخلاف والنزاع في أمر النزول والركوب وغير ذلك، والأمير ينبغي
أن يسلكَ بهم طريق النصيحة والرِّفق والإعانة، ويكون خادماً لهم كما ورد: سيدُ
القومِ خادمُهم.
٣٩١٢ - [٢١] (ابن عباس) قوله: (خير الصحابة أربعة) قيل: لأنهم إذا كانوا
أربعة ومرض أحدهم وأراد أن يوصي أحد رفقائه شهد اثنان بخلاف الثلاثة، وقيل
في توجيه استحباب الثلاثة: إذا ذهب واحد لحاجةٍ استأنسَ الباقيان، ولو وقع في
إمضائه تأخّرٌ وذهب الآخر لخبره وتحقيق حاله لم يبقَ المتاعُ خالياً، ويفهم منه لعدد
الأربعة أيضاً وجه آخر، وقال الطيبي(١): وخمسةٌ خيرٌ من أربعةٍ، وكذا كلُّ جماعة
خيرٌ من أقلّ منهم.
وقوله: (ولن يغلب) بلفظ المجهول، أي: لا يكون اثنا عشر ألفاً مغلوبين،
وإن صاروا مغلوبين لا يكون ذلك لقلتهم بل لأمر آخر من العُجْب والغرور وغير
ذلك .
(١) ((شرح الطيبي)) (٧/ ٣٤٠).

٦٣٧
(١٩) كتاب الجهاد
٣٩١٣ - [٢٢] وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِوَهِ يَتَخَلَّفُ فِي الْمَسِيرِ
فَيُزْجِي الضَّعِيفَ، وَيُرْدِفُ، وَيَدْعُو لَهُمْ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٦٣٩].
٣٩١٤ - [٢٣] وَعَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ قَالَ: كَانَ النَّاسُ إِذَا نَزَلُوا
مَنْزِلاَ تَفَرَّقُوا فِي الشِّعَابِ وَالأَوْدِيَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ◌َّهِ: ((إِنَّ تَفَرَّقَكُمْ فِي
هَذِهِ الشِّعَابِ وَالأَوْدِيَةِ إِنَّمَا ذَلِكُمْ مِنَ الشَّيْطَانِ». فَلَمْ يَنْزِلُوا بَعْدَ ذَلِكَ مَنْزِلاً
إِلَّ انْضَمَّ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ حَتَّى يُقَالَ: لَوْ بُسِطَ عَلَيْهِمْ ثَوْبٌ لَعَمَّهُمْ. رَوَاهُ
أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٦٢٨].
٣٩١٥ - [٢٤] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كُنَّا يَوْمَ بَدْرِ كُلُّ ثَلاَثَةٍ
عَلَى بَعِيرِ، .
٣٩١٣ - [٢٢] (جابر) قوله: (يتخلف) أي: يتأخر، (فيزجي الضعيف) أي:
يسوقُه حتى يلحقَه بالرفقاء، في (القاموس)(١): زَجَاه: ساقَه ودفعه كزجَّاه وأزجاه،
ومنه قوله تعالى: فـ ﴿يُزْجِ سَحَابًا﴾ [النور: ٤٣].
٣٩١٤ - [٢٣] (أبو ثعلبة الخشني) قوله: (الخشني) بضم المعجمة وفتح
الشين منسوب إلى خشين بن النمر من قضاعة رهط أبي ثعلبة، كذا في (القاموس)(٢).
وقوله: (إنما ذلكم من الشيطان) في هذا التركيب من التأكيد والمبالغة ما ليس
في قولك: إن تفرُّقَكم من الشيطانِ.
٣٩١٥ - [٢٤] (عبدالله بن مسعود) قوله: (كل ثلاثة) بالرفع بدل من ضمير
(كنّا) بدلَ البعضِ .
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١١٨٧).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ١١٠٠).

٦٣٨
(٢) باب آداب السفر
فَكَانَ أَبُو لُبَابَةَ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ زَمِيلَيْ رَسُولِ اللهِ وَلِ قَالَ: فَكَانَتْ إِذَا
جَاءَتْ عُقْبَةُ رَسُولِ اللهِ قَالاَ: نَحْنُ نَمْشِي عَنْكَ قَالَ: ((مَا أَنْتُمَا بِأَقْوَى
مِنِّي وَمَا أَنَا بِأَغْنَى عَنِ الأَجْرِ مِنْكُمَا)). رَوَاهُ فِي ((شَرْحِ السُّنَّةِ)). [شرح السنة:
١١/ ٣٥ -٣٦].
٣٩١٦ - [٢٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ وَ لْ قَالَ: ((لاَ تَتَّخِذُوا ظُهُورَ
دَوَابِّكُمْ مَثَابِرَ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى إِنَّمَا سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُبَلِّغَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا
بَالِغِيهِ إِلاّ بِشِقِّ الأَنْفُسِ، .
وقوله: (زميلي رسول الله وَ*) الزمل: الحمل، والزاملة: البعير الذي يحمل عليه
الطعام والمتاع، والزميل: العَدِيل الذي حِمْلُه مع حِمْلِكَ على البعير، وزامَلَني :
عادَلَني، والرفيقُ في السفر الذي يعينُكَ على أمورك، والرديفُ أيضاً، انتهى. والمراد
هنا معنى العديل إذا كانوا يركبون بالنوبة، (فكانت إذا جاءت عقبة رسول الله وَل﴿)
أي: نوبةُ نزولِه، والعقبة بضم العين وسكون القاف: النوبة من التعاقب.
وقوله: (نمشي عنك) أي: نمشي مشياً عوضاً عن مشيك، كذا في (الحواشي)،
وقال الطيبي(١): ضمن معنى الاستغناء، أي: نستغنيك عن المشي، أي: نمشي
بدَلَكَ.
٣٩١٦ - [٢٥] (أبو هريرة) قوله: (لا تتخذوا ظهور دوابكم منابر) قال الطيبي(٢):
هو كناية عن القيام، أي: لا تقوموا على دوابكم من غير حاجة ضرورية إذ ثبت أنه وَلّ
خطب في عرفة على راحلته واقفاً عليها، انتهى. فالظاهر أن هذا الحديث نهي عن
(١) ((شرح الطيبي)) (٧ / ٣٤١).
(٢) ((شرح الطيبي)) (٧ / ٣٤٢).

٦٣٩
(١٩) كتاب الجهاد
وَجَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فَعَلَيْهَا فَاقْضُوا حَاجَاتِكُمْ)). رَوَاهُ أَبَّو دَاوُدَ. [د: ٢٥٦٧].
٣٩١٧ - [٢٦] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كُنَّا إِذَا نَزَلْنَا مَنْزِلاً لاَ نُسَبِّحُ حَتَّى نحُلَّ
الرِّحالَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٥٥١].
٣٩١٨ _ [٢٧] وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ وَهِ يَمْشِي إِذْ جَاءَهُ
رَجُلٌ مَعَهُ حِمَارٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! ارْكَبْ وَتَأَخَّرَ الرَّجُلُ،
القيام على الدابة، وهو الوقوف على ظهورها. قال في (القاموس)(١): وَقَفَ يَقِفُ وقوفاً:
دام قائماً، وأما الجلوس عليها من غير تسييرها فهو شيء آخر، وقد يروى: (لا تجعلوا
مراکبکم کراسيَّ).
وقوله: (فعليها فاقضوا حاجاتكم) الفاء الأولى للسببية والثانية للتعقيب، يعني
خُضُّوا الأرض بقضاء حاجاتكم بلفظ الجمع، وهو الصحيح، وفي بعض النسخ:
(حاجتكم) بالإفراد، ولفظ الجمع أبلغ لإفادته الكثرة والأنواع المختلفة صريحاً،
والمعنى اقضوا حاجاتكم التي تعرض لكم وتطيقون قضاءها بدون الركوب، ويكفيكم
من الدواب أن يبلغكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس.
٣٩١٧ - [٢٦] (أنس) قوله: (لا نسبح حتى نحل الرحال) أي: نُنْزِلَها عن
ظهور الدوابٌ. والسُّبْحةُ والتَّسبيحُ أكثرُ ما يُطلَقُ على الصلاة النافلة، وقد قيل: إن
المراد صلاة الضحى التي تحضر عند وقت النزول، فيفهم منه أن الفريضة تصلى قبل
حَلِّ الرِّحالِ، ولعل ذلك إذا لم يكن في الوقتِ سَعةٌ، والله أعلم.
٣٩١٨ _ [٢٧] (بريدة) قوله: (رجل معه حمار) أي: راكباً عليه.
وقوله: (تأخر) أي: عن موضع الركوب، وهو صدر الدابة، وصدرها من ظهر
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٧٩٤).

٦٤٠
(٢) باب آداب السفر
فَقَالَ رَسُولُ اللهِِّ: ((لاَ، أَنْتَ أَحَقُّ بِصَدْرِ دَابَتِكَ إِلَّ أَنْ تَجْعَلَهُ لِي)) قَالَ:
جَعَلْتُهُ لَكَ فَرَكِبَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٢٧٧٣، د: ٢٥٧٢].
٣٩١٩ - [٢٨] وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهَِّهُ: (تَكُونُ إِلٌ لِلشَّيَاطِينِ وَبُيُوتٌ لِلشَّيَاطِينِ)) فَأَمَّا إِيِلُ الشَّيَاطِينِ
فَقَدْ رَأَيْتُهَا: يَخْرُجُ أَحَدُكُمْ بِنَجِبَاتٍ مَعَهُ قَدْ أَسْمَنَهَا فَلاَ يَعْلُو.
ما يلي عنقها.
وقوله: (أنت أحق بصدر دابتك) فيه إنصافُ رسول الله ◌َل# وتواضعه حيث
رضي أن يركب خلفه.
وقوله: (إلا أن تجعله) أي: الصدرَ لي، أي تقول ذلك صريحاً كما دل عليه
قوله: (جعلتُه لكَ) وإلا فتأخُره عن موضعه كان لذلك فافهم.
٣٩١٩ - [٢٨] (سعيد بن أبي هند) قوله: (فأما إبل الشياطين) الظاهر المتبادر
أن هذا إلى قوله: (فلم أرها) من جملة الحديث وقول الرسول وَلقر. وقيل: هذا من
كلام الراوي والحديث هو المجمل السابق، ورجح الطيبي(١) هذا الاحتمال الأخير،
ولا يظهر وجهه ولا يدل قول سعيد: (لا أراها إلا هذه الأقفاص) على ذلك كما قال
الطيبي، فتأمل.
و(النجيبات) جمع نجيبة، أي: ناقة مختارة، والنجيب: الكريم الحسيب
والمنتخب المختار.
وقوله: (فلا يعلو) أي: لا يركَبُ، و(البعير) اسم جنس يطلق على الناقة والجمل
كالإنسان يطلق على الذكر والأنثى.
(١) انظر: ((شرح الطيبي)) (٧/ ٣٤٣).