Indexed OCR Text
Pages 481-500
٤٨١ (١٨) كتاب الإمارة والقضاء رَوَى الأَحَادِيثَ السَِّّةَ أَحْمَدُ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ حَدِيثَ مُعَاوِيَةَ فِي ((دَلاَئِلِ النُّبُوَّةِ)). [حم: ٦/ ٧٧، ٥/ ٨٩، ١٨١/٥، ٥/ ٢٦٧، ٤/ ١٠١، ٢/ ٣٢٦، دلائل النبوة: ٦ / ٤٤٦]. ٣٧١٧ - [٥٧] وَعَنْ يَحْيَى بْنِ هَاشِمٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهَِِّ: (كَمَا تَكُونُونَ كَذَلِكَ يُؤَمَّرُ عَلَيْكُمْ)). ٣٧١٨ - [٥٨] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ قَالَ: ((إِنَّ السُّلْطَانَ ظِلُّ اللهِ فِي الأَرْضِ، بالله من إمارة الستين، فالمراد بالصبيان يزيد وأولاد مروان، وهم المراد من أغيلمة قريش الذين رآهم رسول الله ولي يلعبون على منبره، والمذكورون في حديث: (يكون هلاك أمتي على يدي أغيلمة من قريش)(١). ٣٧١٧ - [٥٧] (يحيى بن هاشم) قوله: (كما تكونون كذلك يؤمر عليكم) ويروى: (كما تكونوا يولّ عليكم)، وللنحاة كلام في سقوط النون في (كما تكونوا)، والمقصود المنع من ذم الأمراء والصبر على أذاهم، وإسناد التقصير إلى أنفسهم، فافهم . ٣٧١٨ _ [٥٨] (ابن عمر) قوله: (إن السلطان ظل الله) قد يسبق إلى الأفهام أن المراد كونه متصفاً بما يشبه صفاته تعالى وتقدس من اللطف والرأفة والقهر والعزة وأمثال ذلك على سبيل المجاز، لكنهم قالوا: إن المراد تشبيهه بالظل وإضافته إلى الله تعالى للتشريف، كما في بيت الله وروح الله، وإيذان بأنه ظل ليس كسائر الظلال (١) أخرجه البخاري في ((صحيحه)) (٣٦٠٥). ٤٨٢ (١٨) كتاب الإمارة والقضاء يَأْوِي إِلَيْهِ كُلُّ مَظْلُومٍ مِنْ عِبَادِهِ، فَإِذَا عَدَلَ، كَانَ لَهُ الأَجْرُ وَعَلَى الرَّعِيَّةِ الشُّكْرُ، وَإِذَا جَارَ كَانَ عَلَيْهِ الإِصْرُ، وَعَلَى الرَّعِيَّةِ الصَّبْرُ)). ٣٧١٩ - [٥٩] وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَ﴿هُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: (إِنَّ أَفْضَلَ عِبَادِ اللهِ عِنْدَ اللهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِمَامٌ عَادِلٌ رَفِيقٌ، وَإِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللهِ مَنْزِلَةً يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِمَامٌ جَائِرٌ خَرِقٌ)). ٣٧٢٠ _ [٦٠] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍ و قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَهِ: ((مَنْ نَظَرَ إِلَى أَخِيهِ نَظْرَةً يُخِيفُهُ أَخَافَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». التي خلقها الله بل له شأن عظيم، ومزيد اختصاص بالحضرة الإلهية لما جعله خليفة له في أرضه. وقوله: (يأوي إليه كل مظلوم) لبيان وجه الشبه، فكما أن الناس يستريحون إلى برد الظل من حر الشمس، كذلك يستريحون إلى برد عدله من حر الظلم، وقد يجيء الظل بمعنى الملجأ والملاذ، يقال: في ظله، أي: کَنَفِه . وقوله: (فإذا عدل) يعني كما هو شأنه ومقتضی کونه ظلاًّ يؤوى إليه. وقوله: (إذا جار) يعني خرج عما من شأنه أن يكون كذلك، وليس هذا تقسيماً لكونه ظلاً کما توهم، فافهم. ٣٧١٩ - [٥٩] (عمر بن الخطاب) قوله: (خرق) بكسر الراء صفة مشبهة من الخرق وهو ضد الرفق. ٣٧٢٠ - [٦٠] (عبدالله بن عمرو) قوله: (من نظر إلى أخيه) يشمل الرعية بالنسبة إلى الإمام أيضاً لثبوت أخوة الإسلام، و(يخيفه) من الإخافة وهو تنبيه على التزام ٤٨٣ (١٨) كتاب الإمارة والقضاء رَوَى الأَحَادِيثَ الأَرْبَعَةَ الْبَيْهَقِيُّ فِي ((شُعَبِ الإِيمَانِ)) وَقَالَ فِي حَدِيثٍ يَحْبَى : هَذَا مُنْقَطِعٌ، وَرِوَايَتُهُ ضَعِيفٌ. [شعب: ٦/ ٢٢، ١٦/٦، ١٦/٦، ٦/ ٥٠]. ٣٧٢١ - [٦١] وَعَنْ أَبِيِ الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: أَنَا اللهُ لاَ إِلَهَ إِلَّ أَنَا مَالِكُ الْمُلُوكِ، وَمَلِكُ الْمُلُوكِ، قُلُوبُ الْمُلُوكِ فِي يَدِي، وَإِنَّ الْعِبَادَ إِذَا أَطَاعُونِي، حَوَّلْتُ قُلُوبَ مُلُوكِهِمْ عَلَيْهِمْ بِالرَّحْمَةِ وَالرَّأْقَةِ، وَإِنَّ الْعِبَادَ إِذَا عَصَوْنِ، حَوَّلْتُ قُلُوبَهُمْ بِالسُّخْطَةِ وَالنِّقْمَةِ، فَسَامُوهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ فَلاَ تَشْغَلُوا أَنْفُسَكُمْ بِالدُّعَاءِ عَلَى الْمُلُوكِ، وَلَكِنِ اشْغَلُوا أَنْفُسَكُمْ. الرفق، كما في الحديث السابق. ٣٧٢١ - [٦١] (أبو الدرداء) قوله: (والنقمة) في (القاموس) (١): النقمة بالفتح والكسر: المكافأة بالعقوبة، والجمع نقم ككَلِمٍ وعنب وكلماتٍ. وقوله: (فساموهم) على وزن قاموهم، والسَّومُ في الأصل عرضُ السلعة على المشتري، أي: عرض الملوك العباد على سوء العذاب وأذاقوهم إياه، وفي (القاموس)(٢): سام فلاناً الأمرَ: كلَّفَه إياه، أو أولاه إياه، كسَوَّمَه، وأكثر ما يستعمل في العذاب والشر. وقوله: (ولكن اشغلوا أنفسكم) بفتح الغين ووصل الهمزة، ويجوز بقطعها، في (القاموس)(٣): الشغل بضمتين وبالضم وبالفتح وبفتحتين: ضد الفراغ، والجمع (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٠٧٣). (٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٠٣٦). (٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ٩٣٧). ٤٨٤ (١) باب ما على الولاة من التيسير بِالذِّكْرِ وَالتَّضَرُّعِ كَيْ أَكْفِيَّكُمْ مُلُوكَكُمْ)). رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمِ فِي ((الْحِلْيَةِ)). [حلية الأولياء: ٢ / ٣٨٨]. ١- باب، على الولاة من الضمير * الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٣٧٢٢ - [١] عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِوَّهِ إِذَا بَعَثَ أَحَداً مِنْ أَصْحَابِهِ فِي بَعْضٍ أَمْرِهِ قَالَ: ((بَشِّرُوا وَلاَ تُنَفِّرُوا، وَيَسِّرُوا وَلاَ تُعَسِّرُوا)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦١٢٤، م: ١٧٣٢]. أشغال، وشغله كمنعه شغلاً ويضم، وأشغله لغة جيدة أو قليلة أو رديئة. ١ - باب ما على الولاة من التيسير لما ذكر ما على الرعية من الطاعة والامتثال ذكر ما على الولاة من التيسير والتبشير، والولاة: جمع الوالي كالقضاة جمع القاضي. الفصل الأول ٣٧٢٢ - [١] (أبو موسى) قوله: (بشروا) أي: بشروا الناسَ بقبول الله الطاعاتِ وإثابته عليها وتوفيقه للتوبة من المعاصي وعفوه ومغفرته، (ولا تنفروا) بالتخويف والإنذار والإقناط . وقوله: (ويسروا) أي: سهّلوا الأمر على الناس في طلب الحقوق مثل أخذ الصدقات والخراجات ونحوها، (ولا تعسروا) عليهم بأن تأخذوا أكثر مما يجب، وتشددوا الأمر عليهم، وتبتغوا عوراتهم، وتتجسسوا أفعالهم. ٤٨٥ (١٨) كتاب الإمارة والقضاء ٣٧٢٣ - [٢] وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَهِ: ((يَسِّرُوا وَلاَ تُعَسِّرُوا، وَسَكِّنُوا وَلاَ تُنَفِّرُوا)). مُتَفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦١٢٥، م: ١٧٣٤]. ٣٧٢٤ _ [٣] وَعَنْ أَبِي بُرْدَةَ قَالَ: ((بَعَثَ النَّبِيُّ ◌َهِ جَدَّهُ أَبَا مُوسَى وَمُعَاذَاً إِلَى الْيَمَنِ، فَقَالَ: ((يَسِّرَا وَلاَ تُعَسِّرَا، وَبَشِّرًا وَلاَ تَنْفِّرًا، وَتَطَاوَعَا وَلاَ تَخْتَلِفَا)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦١٢٤، م: ١٧٣٣]. ٣٧٢٥ - [٤] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ قَالَ: ((إِنَّ الْغَادِرَ يُنْصَبُ لَهُ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقَالُ: ٣٧٢٣ - [٢] (أنس) قوله: (وسكنوا ولا تنفروا) المقابل للتنفير التأنيسُ، والتسكين في معناه. ٣٧٢٤ - [٣] (أبو بردة) قوله: (وعن أبي بردة) قالوا: صوابه ابن أبي بردة، بيانه أن أبا بردة ابن أبي موسى الأشعري وابن أبي بردة سعيد وبلال، وهذا الحديث من سعيد بن أبي بردة على ما في (صحيح البخاري) قال: سمعت أبي قال: (بعث النبي ◌َّ أبي ومعاذاً إلى اليمن) الحديث، وقال في (التقريب)(١): بلال بن أبي بردة بن أبي موسى قاضي البصرة، مقلٌّ من الخامسة، وسعيد بن أبي بردة كوفي ثقة من الخامسة، فإن قلت: لما كان ابن أبي بردة روى الحديث من أبيه صح أنه من أبي بردة، قلت: قوله: (جدَّه) ینافیه بل يجب أن يقال حيئنذ: أباه. وقوله: (وتطاوعا) أي: كونا مثَّفِقَين مطاوعين ينقاد كل منكما لصاحبه. ٣٧٢٥ - [٤] (ابن عمر) قوله: (إن الغادر ينصب له لواء) الغدر ضد الوفاء، (١) ((تقريب التهذيب)) (ص: ١٢٩). ٤٨٦ (١) باب ما على الولاة من التيسير هَذِهِ غَدْرَةُ فُلاَنِ بْنِ فُلاَنٍ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦١٧٨، م: ١٧٣٥]. ٣٧٢٦ - [٥] وَعَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِّ ◌َهْ قَالَ: (لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُعْرَفُ بِهِ». مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ. [خ: ٣١٨٦، م: ١٧٣٧]. ٣٧٢٧ - [٦] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ◌َه قَالَ: ((لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ عِنْدَ اسْتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». وَفِي رِوَايَةٍ: ((لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرْفَعُ لَهُ بِقَدْرٍ غَدْرِهِ، أَلاَ وَلاَ غَادِرَ أَعْظَمُ غَدْراً مِنْ أَمِيرِ عَامَّةٍ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٧٣٨]. شاع استعماله في نقض العهد، غدره وبه من باب ضرب ونصر وسمع. وقوله: (فيقال: هذه غدرة) بفتح الغين، أي: علامةُ غَدرةٍ فلان . ٣٧٢٦ - [٥] (أنس) قوله: (لكل غادر لواء) في معنى الحديث الأول غير أن هذا الحديث يفيد معنى العموم والتشهير صريحاً. ٣٧٢٧ - [٦] (أبو سعيد) قوله: (عند استه) الاست بكسر الهمزة وسكون المهملة: العَجُز، أو حَلْقةُ الدُّبر، كذا في (القاموس)(١)، وإنما ينصب عند استه تحقيراً له واستهانة لأمره، كما أن لواء العزة ينصب تلقاء الوجه . وقوله: (يرفع له بقدر غدره) فكلَّما كان الغدرُ أعظمَ وأكثر كان اللواءُ أرفعَ وأشهرَ . وقوله: (ألا ولا غادر أعظم غدراً من أمير عامة) قالوا: المراد بأمير عامة المتغلب الذي يستولي على الأمر بتقديم العوام وسفلات الناس، وتأمرهم إياه من غير استحقاق ولا مشورة من أهل الحل والعقد، وإنما كان أعظم غدراً لأنه غدر ونقض (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١١٤٨). ٤٨٧ (١٨) كتاب الإمارة والقضاء ٥ - ٥ الْفَصْلُ الثَّانِي: * ٣٧٢٨ - [٧] عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ أَنَّهُ قَالَ لِمُعَاوِيَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ لَّه يُقُولُ: ((مَنْ وَلَهُ اللهُ شَيْئاً مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ فَاحْتَجَبَ دُونَ حَاجَتِهِمْ وَخَلَتِهِمْ وَفَقْرِهِمُ، /٥ عهد الله ورسوله بتولي ما لا يستحقه ومنعه عمن يستحقه، وعهود المسلمين بالخروج على إمامهم، والتغلب على نفوسهم وأموالهم، فعلى هذا المعنى يكون الحديث في ذم الإمام الغادر، وغدره للأمانة التي قُلِّدها لرعيته، وعلى هذا كان إيراد الحديث مناسباً للباب؛ لأنه خانهم وترك الشفقة عليهم والرفق بهم والتيسير عليهم لوقوعهم بذلك في الهرج والمرج والفساد، ويحتمل أن يكون المراد نهي الرعية عن الغدر بالإمام، لا سيما الغدر على أمير العامة أعني الإمام الأعظم، فإنه أعظم وأشد فتنة وفساداً، وعلى هذا المناسب إيراد هذا الحديث والحديثين السابقين في الباب المتقدم؛ لأن ظاهرهما في غدر الرعية على الإمام، بل على المعنى الأول صدر هذا الحديث أيضاً، غايته أنه ذكر في آخره غدر الإمام على الرعية أيضاً استطراداً، فتدبر . الفصل الثاني ٣٧٢٨ - [٧] (عمرو بن مرة) قوله: (عن عمرو بن مرة): بضم الميم وتشديد الراء. وقوله: (فاحتجب دون حاجتهم) أي: منع أرباب الحوائج أن يدخلوا عليه ويعرضوا حوائجهم، والحاجة والخلة - بفتح الخاء - والفقر متقاربة المعنى كررها تأكيداً، وتصدَّى بعضهم للفرق بينها، وحمل الحاجة على ما لم يبلغ الضرورة، والخَلَّةَ ٤٨٨ (١) باب ما على الولاة من التيسير احْتَجَبَ اللهُ دُونَ حَاجَتِهِ وَخَلَّتِهِ وَفَقْرِهِ)) فَجَعَلَ مُعَاوِيَةُ رَجُلاً عَلَى حَوَائِجِ النَّاسِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ وَلِأَحْمَدَ: ((أَغْلَقَ اللهُ لَهُ أَبْوَابَ السَّمَاءِ دُونَ خَلَّتِهِ وَحَاجَتِهِ وَمَسْكَنِهِ)). [د: ٢٩٤٨، حم: ٣/ ٤٨٠]. * الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٣٧٢٩ - [٨] عَنْ أَبِي الشَّمَّاخِ الأَزْدِيِّ عَنِ ابْنِ عَمِّلَهُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ وَ﴿ أَنَّهُ أَتَى مُعَاوِيَةَ فَدَخَلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَهِ يَقُولُ: (مَنْ ولِيَ(١) مِنْ أَمْرِ النَّاسِ شَيْئاً، ثُمَّ أَغْلَقَ بَابَهُ دُونَ الْمُسْلِمِينَ، أَوِ الْمَظْلُومِ، أَوْ ذِي الْحَاجَةِ أَغْلَقَ اللهُ دُونَهُ أَبْوَابَ رَحْمَتِهِ عِنْدَ حَاجَتِهِ وَفَقْرِهِ أَفْقَرَ مَا يَكُونُ إِلَيْهِ» . على ما هو أشدُّ منه بحيث يختلُّ به أمرُ المَعاش، والفقر أشد من الخلة حملاً له على معنى عدم التملك أصلاً، فيكون ذكرها على سبيل الترقِّي. وقوله: (احتجب الله دون حاجته) أي: أبعده ومنعه عما يطلبه ويسأله ويجيب دعوته . الفصل الثالث ٣٧٢٩ - [٨] (أبو الشماخ الأزدي) قوله: (أبي الشماخ) بفتح الشين وتشديد المیم . وقوله: (أفقر ما يكون) حال من ضمير (فقره)، و(ما) مصدرية، والوقت مقدر، والمراد به يوم القيامة . (١) بضم واو فتشديد لام مكسورة، وفي نسخة بفتح فكسر لام مخفف، قاله القاري (٦ / ٢٤٢٤). ٤٨٩ (١٨) كتاب الإمارة والقضاء ٣٧٣٠ - [٩] وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ كَانَ إِذَا بَعَثَ عُمَّالَهُ شَرَطَ عَلَيْهِمْ أَنْ لاَ تَرْكَبُوا بِرْذَوْناً، وَلاَ تَأْكُلُوا نَقِيًّا، وَلاَ تَلْبَسُوا رَقِيقاً، وَلاَ تُغْلِقُوا أَبْوَابَكُمْ دُونَ حَوَائِجِ النَّاسِ، فَإِنْ فَعَلْتُمْ شَيْئاً مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ حَلَّتْ بِكُمُ الْعُقُوبَةُ، ثُمَّ يُشَيِّعُهُمْ. رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ فِي ((شُعَبِ الإِيمَانِ)). [شعب: ٩ / ٤٨٨، ٩ / ٤٩٣]. ٣٧٣٠ - [٩] (عمر بن الخطاب) قوله: (لا تركبوا برذوناً) بكسر الموحدة وفتح الذال المعجمة: التركي من الخيل، والأنثى برذونة خلاف العِرَاب، وإذا جعل علة النهي الخيلاء كان النهي عن العراب أولى وأَحرى، كذا قال الطيبي(١)، وفي (القاموس)(٢): البرذون: الدابة، وهي بهاء، برذَنَ: قهرَ وغلبَ، وفي (مجمع البحار)(٣): هذا في اللغة، وخصه العرف بنوع من الخيل، و(النَّقيُّ) ما نُخِلَ مرَّةً بعد أخرى حتى صار لطيفاً أبيض الذي يقال له بالفارسية: ميده. وقوله: (فقد حلت بكم العقوبة) أي: من الله في الدنيا والآخرة، وهو الظاهر، ويحتمل أن يراد حلول العقوبة من جانبه بالزجر والتوبيخ والعزل. وقوله: (ثم يشيعهم) الضمير المستكنُّ لعمر ضه، والمنصوب للعمال، أي: يمشي معهم، والتشييع والمشايعة المشيُ مع المسافر للتوديع. (١) ((شرح الطيبي)) (٢٢٥/٧). (٢) («القاموس المحيط)) (ص: ١٠٨٧). (٣) («مجمع بحار الأنوار)) (١ / ١٧٠). ٤٩٠ (٢) باب العمل في القضاء والخوف منه ٢- باب القل في القضاء والخوف من * الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٣٧٣١ - [١] عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ مَ﴿ يَقُولُ: ((لاَ يَقْضِيَنَّ حَكَمٌ بَيْنَ اثْتَيْنٍ وَهُوَ غَضْبَانُ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧١٥٨، م: ١٧١٧]. ٣٧٣٢ - [٢] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالاَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ وَأَصَابَ(١) فَلَهُ أَجْرَانٍ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ وَأَخْطَأَ(٢) فَلَهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٣٥٢، م: ١٧١٦]. ٢ - باب العمل في القضاء والخوف منه أي: كيفية العمل فيه بأن يكون بمقتضى الكتاب والسنة أو باجتهاد وبذل المجهود في تحري الخير، والضمير في (منه) إما للقضاء أو للعمل، والأول أظهر. الفصل الأول ٣٧٣١ - [١] (أبو بكرة) قوله: (لا يقضين) بلفظ المعلوم، وفاعله (حكم) بفتحتين أي: حاكمٌ أعمَّ من أن يكونَ قاضياً أو غيره. وقوله: (وهو غضبان) لأنه يمنعه من التمكن من الاجتهاد والتثبت فيه، وكذلك حكم كل ما يغير من الأحوال كالجوع والعطش والمرض وأمثال ذلك. ٣٧٣٢ - [٢] (عبدالله بن عمرو) قوله: (فله أجران) أجر الاجتهاد وأجر الإصابة، (١) في نسخة: ((فأصاب)) بالفاء. (٢) في نسخة: ((فأخطأ)» بالفاء. ٤٩١ (١٨) كتاب الإمارة والقضاء ٥ -٠ الْفَصْلُ الثَّانِي : ٣٧٣٣ _ [٣] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((مَنْ جُعِلَ قَاضِياً بَيْنَ النَّاسِ فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٢ / ٢٣٠، ت: ١٣٢٥، د: ٣٥٧٢، جه: ٢٣٠٨]. ٣٧٣٤ - [٤] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَهِ: ((مَنِ ابْتَغَى الْقَضَاءَ وَسَأَلَ وُكِلَ إِلَى نَفْسِهِ، وَمَنْ أُكْرِهَ عَلَيْهِ أَنْزَلَ اللهُ عَلَيْهِ مَلَكاً يُسَدِّدُ)» .... وهذا دليل على أن المجتهد يخطئ ويصيب، والكل مأجور، وتحقيقه في موضعه. الفصل الثاني ٣٧٣٣ _ [٣] (أبو هريرة) قوله: (فقد ذبح بغير سكين) أراد الذبح الغير المتعارف الذي هو عبارة عن هلاك دِينه دون هلاك بدَنه، وذلك أنه ابتلي بالعناء الدائم والداء المعضل، وشتان بين الذبحين، فإن الذبح بالسكين عَناءُ ساعة، والآخر عَناءُ عُمرٍ، بل يعقبُه الندامةُ إلى يوم القيامة، وقيل: معناه أن من جعل قاضياً ينبغي أن يموت [جميع] دواعيه الخبيثة وشهواته الرديئة فهو مذبوح بغير سكين، قال الطيبي(١): فعلى هذا يكون القضاء مرغوباً فيه ومحثوثاً عليه، والأول تحذير عن الحرص علیه، وتنبيه على التوقِّي منه، وأنت خبير بأن الحث والترغيب إنما هو على أمانة الشهوات، والدواعي النفسانية على تقدير الابتلاء بالقضاء، وأما بدونه فمحذَّر، فيرجع مآله إلى المعنى الأول في التحذر والتوقي، كما لا يخفى. ٣٧٣٤ - [٤] (أنس) قوله: (يسدده) أي: يعينه ويحمله على الصواب، وهذا (١) ((شرح الطيبي)) (٧ / ٢٢٨). ٤٩٢ (٢) باب العمل في القضاء والخوف منه رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ١٣٢٤، د: ٣٥٧٨، جه: ٢٣٠٩]. ٣٧٣٥ - [٥] وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّةِ: ((الْقُضَاةُ ثَلاثَةٌ وَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ وَاثْنَانِ فِي النَّارِ، فَأَمَّا الَّذِي فِي الْجَنَّةِ فَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ، وَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَجَارَ فِي الْحُكْمِ فَهُوَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلِ فَهُوَ فِي النَّارِ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٣٥٧٣، ت: ١٣٢٢، جه: ٢٣١٥]. ٣٧٣٦ - [٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: ((مَنْ طَلَبَ قَضَاءَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يَنَالَهُ، ثُمَّ غَلَبَ عَدْلُهُ جَوْرَهُ فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَمَنْ غَلَبَ جَوْرُهُ عَدْلَهُ فَلَهُ النَّارُ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٥٧٥]. كما سبق في (كتاب الإمارة) في الفصل الأول من حديث عبد الرحمن بن سمرة. ٣٧٣٥ - [٥] (بريدة) قوله: (فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به) خص كلمة (أما) الدالة على تأكيد الحكم وتقريره ببيان هذا القسم ترجيحاً لجانب البشارة على الإنذار وتوسعة للرحمة، وإن دل على السببية في القسمين الآخرين أيضاً، فافهم . ٣٧٣٦ - [٦] (أبو هريرة) قوله: (من طلب قضاء المسلمين ... إلخ)، قد يختلج أنه قد سبق من طلب القضاء والإمارة وكل إلى نفسه، فكيف قسمه في هذا الحديث إلى من غلب عدله ومن غلب جوره، وحاصل ما يوجه به الكلام أن المراد بالطلب هنا ما يكون للحق واثقاً من نفسه إقامته وطالباً للتوفيق والتأييد من الله، ومثله لا یکون مو کولاً إلى نفسه، وهو الذي غلب عدله جوره. وقوله: (من غلب جوره عدله) إشارة إلى من لا يكون حاله كذلك، وهو يكون ٤٩٣ (١٨) كتاب الإمارة والقضاء ٣٧٣٧ - [٧] وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ لَمَّا بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَن قَالَ: ((كَيْفَ تَقْضِيٍ إِذَا عَرَضَ لَكَ قَضَاءٌ؟)) قَالَ: أَقْضِي بِكِتَابِ اللهِ، قَالَ: ((فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فِي كِتَابِ اللهِ؟)) قَالَ: فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ﴿ِ، قَالَ: ((فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ؟)) قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِيٍ وَلاَ أَلُو، قَالَ: فَضَرَبَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ عَلَى صَدْرِهِ، وَقَالَ: ((الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللهِ لِمَا يَرْضَى بِهِ رَسُولُ اللهِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ١٣٢٧، د: ٣٥٩٢، دي: ١ / ٦٠]. ٣٧٣٨ - [٨] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ نَّهِ إِلَى الْيَمَنِ قَاضِياً، فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ: تُرْسِلُنِي وَأَنَا حَدِيثُ السِّنِّ، وَلاَ عِلْمَ لِي. موكولاً إلى نفسه فيغلب جوره عدله، وهذا حاصل كلام الطيبي(١)، فافهم. ثم السابق إلى الفهم من قوله: غلب عدله أو جوره أن يزيد أحدهما على الآخر، ويكون أكثر منه مع وجود الآخر في الجملة، فإن الحكم للغالب الأكثر، ولكنهم قالوا: إن المراد في كلتا الحالتين أن يمنعه أحدهما عن الآخر، أي: يقوى عدلُه بحيث لا يدعُ أن يصدر منه جور، كذا قال النُّورِبِشْتِي(٢)، فتدبر. ٣٧٣٧ - [٧] (معاذ بن جبل) قوله: (ولا آلو) أي: لا أقصِّرُ في الاجتهاد، والتحرِّي للصواب، والحديث دليل على شرعية القياس، كما تقرر في أصول الفقه. ٣٧٣٨ - [٨] (علي) قوله: (لا علم لي) أي: بكيفية فصل الخصومات وكيفية (١) ((شرح الطيبي)) (٧ / ٢٣٠). (٢) ((كتاب الميسر)) (٣/ ٨٦٢). ٤٩٤ (٢) باب العمل في القضاء والخوف منه بِالْقَضَاءِ؟ فَقَالَ: ((إِنَّ اللهَ سَيَهْدِي قَلْبَكَ، وَيُثَبِّتُ لِسَانَكَ، إِذَا تَفَاضَى إِلَيْكَ رَجُلاَنٍ فَلاَ تَقْضِ لِلأَوَّلِ حَتَّى تَسْمَعَ كَلاَمَ الآخَرِ، فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يَتْبَيَّنَ لَكَ الْقَضَاءُ)»، قَالَ: فَمَا شَكَكْتُ فِي قَضَاءٍ بَعْدُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ أُمَّ سَلَمَةَ: (إِنَّمَ أَقْضِي بَيْنَكُمْ بِرَأْيِيٍ)) فِي ◌َبَابِ الأَقْضِيَّةِ وَالشَّهَادَاتِ)) إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى. [ت: ١٣٣١، د: ٣٥٨٢، جه: ٢٣١]. * الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٣٧٣٩ - [٩] عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((مَا مِنْ حَاكِمٍ يَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ، إِلَّ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَلَكٌ آخِذٌ بِقَفَاهُ، ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، دفع كل من المتخاصمين كلام الآخر، ومكر أحدهما بالآخر، فإنه كان ربه لم يجرِّب ذلك قبل هذا، وإلا فهو كامل العلم بأحكام الدين وقضاء الشرع، وقد ورد: (أقضاكم عليٌّ)(١) . وقوله: (فما شككت في قضاء) أي: حكم. الفصل الثالث ٣٧٣٩ - [٩] (عبدالله بن مسعود) قوله: (حاكم) عادلاً كان أو ظالماً. وقوله: (وملك آخذ بقفاه، ثم يرفع رأسه إلى السماء) يدل على كونه مقهوراً في يده كمَن رفع رأسَه الغُلُّ مُقمَحاً، هذه عبارة الطيبي(٢)، ويدل على أنه جعل الضمير (١) أخرجه ابن ماجه (١٥٤) ولفظه: ((أقضاهم علي)). (٢) ((شرح الطيبي)) (٧ / ٢٣٣). ٤٩٥ (١٨) كتاب الإمارة والقضاء فَإِنْ قَالَ: أَلْقِهْ أَلْقَهُ فِي مَهْوَاةٍ أَرْبَعِينَ خَرِيفاً). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِىُّ فِي ((شَعَبِ الإِيمَانِ)). [حم: ٤٠٩٧، جه: ٢٣١١، شعب: ٧١٢٧]. في (يرفع) للملك وفي (رأسه) للحاكم، كأنه شبه رفع الملك رأسه برفع الغُلِّ رأسَ المغلول، فإن المغلول يكون رأسه مرفوعاً إلى السماء لا يستطيع أن يتحرك، يقال: أقمَحَه الغُلُّ: إذا ترك رأسَه مرفوعاً من ضيقِه، هذا والظاهر عندنا أن يكون ضمير (رأسه) أيضاً للملك كضمير (يرفع) أي: ينتظرُ حكمَ الله فيه كما هو عادة من يقيم عاصياً عند السلطان، فيأخذ قفاه وينظر إلى السلطان مستو على مكان عالٍ، وينتظر ما يحكم فيه، وهذا المعنى أشد ملاءَمةً بقوله: (فإن قال) أي: الله سبحانه: (ألقه) في جهنم، (ألقاه) الملَكُ (في مهواة أربعين خريفاً) والمهواة محل سقوط، والهُوَّة على وزن القوة: ما انهبط من الأرض، أو الوهدة، والمهواة كالهواء: الجوّ، وهَوى الشيءُ: سقطَ من علو إلى سُفْلٍ كأهوى وانهوى، كذا في (القاموس)(١). و(الخريف): الزمان المعروف من فصول السنة، والمراد به السنة لأن الخريف لا يكون في السنة إلا مرة واحدة، ولأنهم يعتبرون ابتداء السنة منه، ولذا خصه بالذكر، والمراد بالأربعين المبالغة في عمق المهواة لا التحديد بهذه المدة، ومهواة منون في أكثر الروايات، وجاء بالإضافة، وهذا يكون في الحاكم إن كان ظالماً، ودلّ بقوله: (فإن قال: ألقه) على ما يقابله، أي: وإن قال: أَدْخِلِ الجنةَ أُدْخِلَها، وهذا كحديث أبي أمامة المذكور في الفصل الثالث من (كتاب الإمارة والقضاء) من قوله: (ما من رجل يلي أمرَ عشرةٍ فما فوقَ ذلك إلا أتى الله رفّ مغلولاً يوم القيامة يده إلى عنقه، فگَّه بُّه أو أوبقَه إثمُه)، وكان قوله في ذلك الحديث: مغلولاً هو الذي حمل الطيبي على (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٢٣٥). ٤٩٦ (٢) باب العمل في القضاء والخوف منه ٣٧٤٠ - [١٠] وَعَنْ عَائِشَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ نَِّ قَالَ: ((لَيَأْتِيَنَّ عَلَى الْقَاضِيِ الْعَدْلِ يَوْمُ الْقِيَامَةِ يَتَمَّنَّى أَنَّهُ لَمْ يَقْضٍ بَيْنَ اثْنَيْنِ فِي ثَمْرَةٍ(١) قَطُ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٦ / ٧٥]. ٣٧٤١ - [١١] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: (إِنَّ اللهَ مَعَ الْقَاضِي مَا لَمْ يَجُرْ، فَإِذَا جَارَ تَخَلَّى عَنْهُ وَلَزِمَهُ الشَّيْطَانُ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَفِي رِوَايَةٍ: ((فَإِذَا جَارَ وَكَلَّهُ إِلَى نَفْسِهِ)). [ت: ١٣٣٠، جه: ٢٣١٢]. ٣٧٤٢ - [١٢] وَعَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيَّبِ: أَنَّ مُسْلِماً وَيَهُودِيًّا اخْتَصَمَا إِلَى عُمَرَ، فَرَأَى الْحَقَّ لِلْيَهُودِيِّ، فَقَضَى لَهُ عُمَرُ بِهِ، تفسير قوله في هذا الحديث: (ثم يرفع رأسه إلى السماء) برفع الغُلِّ رأسَ المغلول، ولا حاجة إليه على ما ذكرنا من التفسير، فتأمل. ٣٧٤٠ - [١٠] (عائشة) قوله: (يوم القيامة) بالرفع فاعل (ليأتين)، و(يتمنى) حال من القاضي أو منه بتقدير يتمنى فيه، وقد روي بالنصب والفاعل يتمنى بتقدير (أنْ)، وفي التقييد بالعدل مبالغة يعني إذا كان حال القاضي العدل هذا فكيف بغيره. ٣٧٤١ - [١١] (عبدالله بن أبي أوفى) قوله: (الله) وفي بعض النسخ: (إن الله)، (مع القاضي) أي: بالنصر والإعانة. ٣٧٤٢ - [١٢] (سعيد بن المسيب) قوله: (فقضى له) أي: لليهودي (عمر به) أي بالحق. (١) كذا في النسخة الهندية، وفي ((المرقاة)) (٦/ ٢٤٣٠): ((تمرة). ٤٩٧ (١٨) كتاب الإمارة والقضاء فَقَالَ لَهُ الْيَهُودِيُّ: وَاللهِ لَقَدْ قَضَيْتَ بِالْحَقِّ، فَضَرَبَهُ عُمَرُ بِالدِّرَّةِ، فَقَالَ: وَمَا يُدْرِيكَ؟ قَالَ الْيَهُودِيُّ: وَاللهِ إِنَّا نَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّهُ لَيْسَ قَاضٍ يَقْضِي بالْحَقِّ إِلَّ كَانَ عَنْ يَمِينِهِ مَلَكٌ، وَعَنْ شِمَالِهِ مَلَكٌ، يُسَدِّدَانِهِ وَيُوَفِّقَانِهِ لِلْحَقِّ مَا دَامَ مَعَ الْحَقِّ، فَإِذَا تَرَكَ الْحَقَّ عَرَجَا وَتَرَكَاهُ. رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ٢ / ٧١٩]. ٣٧٤٣ - [١٣] وَعَنِ ابْنِ مَوْهَبٍ: أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ قَالَ لِإِبْنِ عُمَرَ: اقْضٍ بَيْنَ النَّاسِ، قَالَ: أَوَتُعَافِينِي؟ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! قَالَ: وَمَا تَكْرَهُ مِنْ ذَلِكَ، وَقَدْ كَانَ أَبُوكَ يَقْضِي؟ قَالَ: لِأَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِنَّهِ يَقُولُ: ((مَنْ كَانَ قَاضِياً فَقَضَى بِالْعَدْلِ، فَبِالْحَرِيِّ أَنْ يَنْقَلِبَ مِنْهُ كَفَافاً». وقوله: (لقد قضيت بالحق) إذ لم تمل إلى من هو على دينك، فهذا بتوفيق الله وتسديده، فينطبق جواب اليهودي في مقابلة قول عمر: (وما يدريك؟)، فافهم. و(الدرة) بكسر الدال وتشديد الراء، وضربه كان بطريق الرفق والمطايبة، كما هو العادة، لا ضرباً مبرحاً. ٣٧٤٣ _ [١٣] (ابن موهب) قوله: (وعن ابن موهب) بفتح الهاء. وقوله: (أوتعافيني؟) بالواو بعد الهمزة والمعطوف عليه محذوف، أي: أترحم وتعافيني؟ وقوله: (فبالحري) الرواية المشهورة بكسر الراء وتشديد الياء بلفظ الصفة على وزن فعيل بمعنى الخلیق والجدِیر، فالباء زائدة وهو مبتدأ ما بعده خبره، وقد یروی بلفظ المصدر بفتحتين مقصوراً، فالباء للملابسة والإعراب على العكس. وقوله: (أن ينقلب منه كفافاً) بالفتح هذا اللفظ أخذه ابن عمر من كلام أبيه فقد وقع في حديث عمر: ودِدتُ أن سلِمتُ من الخلافة كفافاً لا عليَّ ولا لي، قال ٤٩٨ (٢) باب العمل في القضاء والخوف منه فَمَا رَاجَعَهُ بَعْدَ ذَلِكَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٣٢٢]. ٣٧٤٤ - [١٤] وَفِي رِوَايَةِ رَزِينٍ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ لِعُثْمَانَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! لاَ أَقْضِي بَيْنَ رَجُلَيْنٍ، قَالَ: فَإِنَّ أَبَاكَ كَانَ يَقْضِي فَقَالَ: إِنَّ أَبِي لَوْ أُشْكِلَ عَلَيْهِ شَيْءٌ سَأَلَ رَسُولَ اللهِوَِّ، وَلَوْ أُشْكِلَ عَلَى رَسُولِ اللهِوَ﴿ لَهُ شَيْءٌ سَأَلَ جِبْرِيلَ عَ، وَإِنِّي لَ أَجِدُ مَنْ أَسْأَلُهُ، وَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَّهِ يَقُولُ: ((مَنْ عَاذَ بِاللهِ، فَقَدْ عَاذَ بِعَظِيمٍ) وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: ((مَنْ عَاذَ بِاللهِ فَأَعِيذُوهُ، وَإِنِّي أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ تَجْعَلَنِي قَاضِباً فَأَعْفَهُ، قَالَ: لاَ تُخْبِرْ أَحَداً. [حم: ١ / ٦٦، صحيح ابن حبان: ١١ / ٤٤٠ مختصراً]. في (النهاية)(١): الكفاف هو الذي لا يفضُلُ عن الشيء، ويكون مقدارَ الحاجة إليه، وهو نصب على الحال، وقيل: أراد به مكفوفاً عني شرُّها، وقيل: معناه أن لا تنال مني ولا أنال منها، أي: تكف عني وأكف عنها . ٣٧٤٤ - [١٤] (نافع) قوله: (فإن أباك كان يقضي) المراد أنه كان يقضي في زمن رسول الله # كما لا يخفى. وقوله: (وإني لا أجد من أسأله) أي: مَن يُقطَعُ بصوابه كالنبي ◌ِّز، فافهم. وقوله: (لا نجبر) بلفظ المتكلم من الإجبار بمعنى الإكراه، وفي بعض النسخ: (لا تخبر) بلفظ النهي من الإخبار بمعنى الإعلام، والله أعلم. (١) ((النهاية)) (٤/ ١٩١). ٤٩٩ (١٨) كتاب الإمارة والقضاء ٣ - باب رزق الولاة وحدياهم * الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٣٧٤٥ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللهِ وَِّ: ((مَا أُعْطِيكُمْ وَلاَ أَمْنَعُكُمْ، أَنَا قَاسِمٌ أَضَعُ حَيْثُ أُمِرْتُ)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٣١١٧]. ٣ - باب رزق الولاة وهدایاهم يعني ما لهم من النصيب في بيت المال، وما يرزقون من أقوات أنفسهم وعيالهم ومسکنھم وغير ذلك، ولیس لهم أن يتصرّفوا فيه کل ما شاء أو ما يهدي الناس إليهم، كما يظهر من الأحاديث المذكورة في الباب، والرزق إن كان اسماً فالإضافة بمعنى اللام، وإن حمل على معنى المصدر فالظاهر أنه إضافة إلى المفعول، وقول الطيبي(١): هو من إضافة المصدر إلى الفاعل، لا يظهر وجهه، فإن الولاة مرزوقون، نعم هم رازقون على أنفسهم من قبل الشرع، لكن تلك الحيثية ليست بمرادة هنا، ثم استدلاله على ذلك بقوله وقوله: (من استعملناه على عمل فرزقناه رزقاً) لا يخلو عن غرابة، فإن الضمير في رزقناه للعامل، وهو الوالي فيكون مرزوقاً، فافهم. الفصل الأول ٣٧٤٥ - [١] (أبو هريرة) قوله: (ما أعطيكم ولا أمنعكم) أي: ما أعطي أحداً شيئاً تميل نفسي إليه وشهوتها، وكذا المنع، بل كل ذلك بأمر الله تعالى، اعلم أنهم حملوا الإعطاء والمنع على إعطاء المال ومنعه، وقد يحمل على تبليغ الوحي والعلم والأحكام، يعني أن الله تعالى يعطي كل واحد من العلم والفهم على قدر ما تعلقت (١) ((شرح الطيبي)) (٧ / ٢٣٧). ٥٠٠ (٣) باب رزق الولاة وهداياهم ٣٧٤٦ - [٢] وَعَنْ خَوْلَةَ الأَنْصَارِيَّةِ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((إِنَّ رِجَالاً يَتَخَوَّضُونَ فِي مَالِ اللهِ بِغَيْرٍ حَقٍّ، فَلَهُمُ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٣١١٨]. ٣٧٤٧ - [٣] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّ اسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ: لَقَدْ عَلِمَ قَوْمِي أَنَّ حِرْفَتِي. به إرادته . ٣٧٤٦ - [٢] (خولة الأنصارية) قوله: (وعن خولة) بفتح المعجمة وسكون الواو . وقوله: (إن رجالاً يتخوضون في مال الله بغير حق) الخوض: الدخول في الماء، خاض الماء يخوضه خوضاً وخياضاً: دخله، كذا في (القاموس)(١)، ويستعمل للدخول في أمر باطل، والمراد هنا التصرف في بيت المال والغنائم ونحوها بغير حق، والأخذ منها زيادة على ما شرع، وهذا يعمّ تصرف الولاة والرعايا وأخذهم زيادة على رزقهم ونصيبهم . ٣٧٤٧ - [٣] (عائشة) قوله: (لقد علم قومي) المراد به قريش أو المسلمون. وقوله: (أن حرفتي) وهي ما كان يشتغل به قبل الخلافة من التجارة، وكان هڅته تاجراً في البز، وقالوا: وكان عمر ظه يتجر في الطعام، وعثمان في التمر والبز، وعباس في العطر، كذا قال الشُّمُنِّي، وقيل: أفضل أنواع التجارة البز، ثم العطر، وفي حديث أبي سعيد عظته: لو اتجر أهل الجنة لاتجروا في البز، ولو اتجر أهل النار (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٥٩٢).