Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤١
(١٧) كتاب الحدود
والله أعلم.
الرابع: في أنها حرام، وقد تظاهرت الأدلة الشرعية والعقلية على ذلك، أما
الكتاب والسنة فالنصوص الدالة على تحريم المسكر يتناولها، وأما العقلية فوجود
الصفات المحرمة للخمر كالصدّ عن ذكر الله وعن الصلاة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ
عَلَيْهِمُ الْخَبَبِثَ ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وأيّ خبيث أعظم مما يفسد العقل، وقد نهى
رسول الله وَ﴿ عن كل مسكر ومفتر، وقد ادعى القرافي وابن تيمية الاتفاق على حرمتها،
وقالوا: فمن استحلها فقد كفر، قال الشيخ: وفي هذا نظر؛ لأن تحريمها ليس معلوماً
من الدين بالضرورة، وفي ((فتاوى المرغيناني)) من الحنفية: السكر من البنج حرام ولا يحد
قاله الفقيه أبو جعفر، ونص عليه شمس الأئمة السرخسي، قال العبد الضعيف: قد
ظهر مما ذكر أن البنج غير القنب وهو الصحيح، قال في (القاموس)(١): البنج: نَبَّتِّ
مُسْبِتٌ، معروف غير الحشيش، مُخَبِّطٌ للعقل، مُجَنِّنٌ، مُسَكِّنٌ لأوجاع الأورام والبثور
ووجع الأذن، وأخبثه: الأسود، ثم الأحمر، وأسلمه: الأبيض، انتهى.
وقد اشتهر الآن في العرف إطلاق البنج على الحشيشة، ومن هذا قد يتوهم
بعض الجهال قول الفقهاء: إنه لا يقع الطلاق من زال عقله بشيء مباح كالبنج ولبن
الرِّمَاك إباحةَ الحشيشة، وهو باطل، فإن البنج غير الحشيشة كما ذكرنا.
الخامس: في أنها طاهرة أو نجسة، وهذا يبتني على ما سبق من أنها مسكرة،
فإن قياس من يقول بإسكارها أن يقول بنجاستها، لكن الشيخ تقي الدين بن دقيق
العيد قطع بأنها طاهرة، وحكى الإجماع عليه، قال: والأفيون وهو لبن الخشخاش
(١) (القاموس المحيط)) (ص: ١٧٩).

٤٤٢
(٦) باب بيان الخمر ووعيد شاربها
أقوى فعلاً من الحشيش؛ لأن القليل منه يسكر جداً - وكذا جَوزةُ الطَّب - مع أنه
طاهر بالإجماع، وهذا الذي ادعاه من الإجماع فيه نظر، والحق أن في نجاسة الحشيش
قولين، لكن القياس في الحشيش الطهارة، وليس لنا نبات نجس إلا النبات الذي
يسقى بالنجاسة، قال العبد الضعيف: هذا ما قاله الشافعية، وقياس مذهب الحنفية
على كون الحشيشة مسكراً أن يكون نجاستها خفيفة، كما علم مما ذكرنا في شرح
الترجمة .
السادس: في أنها هل يجب فيها الحد، والصواب الوجوب للإسكار، وقد
صرح الماوردي بأن النبات الذي فيه شدة مطربة يجب فيها الحد، وقال الرافعي:
ما يزيل العقل من غير الأشربة كالبنج لا حدّ في تناوله، وقال القرافي: اتفق فقهاء
العصر على المنع منها، واختلفوا هل الواجب فيها الحد والتعزير بناء على أنها مسكرة
أو مفسدة للعقل، وفي (فتاوى الخلاصة) للحنفية: وشرب البنج للتداوي لا بأس
به، فإن ذهب به عقله لا يحدّ يعني بالاتفاق، فإن سكر يحد عند محمد، وعند أبي
حنيفة وأبي يوسف يعزّر ولا يحدّ.
السابع: في فروع متفرقة، منها: هل تبطل الصلاة بحملها، وذلك يبتني على
نجاستها وطهارتها، وقيل: إن صلى فيها قبل التحميض صحت صلاته أو بعده بطلت
لأنها إنما يغيب العقل بعد التحميض، أما قبله وهي ورق أخضر فلا، بل هي للعصر
کالعنب، وتحمیضها کغلیانه .
ومنها: أنه هل يحرم يسيرها الذي لا يسكر، صرح النووي في (شرح المهذب)
بأنه لا يحرم أكل القليل من الحشيش بخلاف الخمر حيث لا يجوز شرب قليله .

٤٤٣
(١٧) كتاب الحدود
للنجاسة، وكلام (التنبيه) يفهم جواز أكل قليل الحشيش.
قال العبد الضعيف: وهذا يشكل على مذهب الشافعية على قول من قال منهم:
إنها مسكرة، وعندهم أن ما أسكر كثيره فقليله حرام، قال الشيخ: والمتّجه أنه لا يجوز
تناول شيء من الحشيش لا قليله ولا كثيره على خلاف قياس مذهب الحنفية.
ومنها: يجوز أكلها للمضطر إذا جاع، ولا يتخرَّج على الخلاف في الخمر؛
لأن الخمر إنما امتنعت لكون شربها يزيد في العطش، وأكل الحشيش لا يزيد في
الجوع.
ومنها: جواز التداوي بها إن ثبت أنها تنفع من بعض الأدواء، ثم رأيت الروياني
في (البحر) صرح بذلك فقال: ويجوز التداوي به وإن أفضى إلى السكر إذا لم يكن
منه بدٌّ، ونص الإمام الشافعي على أنه يحرم التِّزياق المعمول من لحوم الحيات إلا
في الضرورة بحيث يجوز له أكل الميتة.
ومنها: يجوز بيعها لأنها تنفع في الأدوية كالسقمونيا والأفيون بشرط أن يكون
يسيراً، نعم بيعها لمن يتحقق منه طعامها حرام، كما في بيع العنب لعاصر الخمر،
وقياس قولهم: إنها مسكرة بطلان البيع وإن كانت طاهرة كآلات الملاهي.
ومنها: أن زراعتها لغرض الاستعمال والإسكار حرام، ويجوز لغرض التداوي.
ومنها: أنه هل يقع طلاق آكلها، ولا يخفى حكمه مما تقدم.
قال العبد الضعيف: هذه الاختلافات على أصول الشافعية من قولهم كل مسكر
حرام، وما حرم قليله حرم كثيره، وبه نطقت الأحاديث وعليه جمهور الأئمة، وأما على
مذهب الحنفية من أن الحرام لعينه، والحرام قليله وكثيره هو الخمر، وما سواه فإنما

٤٤٤
(٦) باب بيان الخمر ووعيد شاربها
يحرم السكر منه فلا يحرم قليله، فالأمر فيه توسع كما علم، ولعل الحق ما عليه الجمهور
وهو الأحوط في الدين، وفيه سدّ الذرائع على الفاسقين والجاهلين كما لا يخفى،
والله أعلم وعلمه أحكم.

(١٨)
◌َابُ الأميرة والقصَّاء

(١٨)
كتاب الإمارة والفضَّة
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٣٦٦١ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((مَنْ أَطَاعَنِي
فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللهَ، وَمَنْ يُطِعِ الأَمِيرَ فَقَدْ أَطَاعَيِي،
وَمَنْ يَعْصِ الأَمِيرَ
١٨ - كتاب الإمارة والقضاء
(الإمارة) بالكسر من أُمِّرَ: إذا جُعِلَ أميراً فَعِيل بمعنى المَلِك، والإمرة بكسر
الهمزة وسكون الميم اسم منه، وأما الأمار والأمارة بمعنى الموعد والوقت والعلامة
فبالفتح .
و(القضاء) ممدوداً ويقصر: الحكم، قضى عليه يقضي قَضْياً وقضاءً وقضيّةً
وهي الاسم أيضاً، كذا في (القاموس)(١). والمراد هنا ما يقلَّدُ شخصٌ من جهة الأمر
بالقضاء .
الفصل الأول
٣٦٦١ - [١] (أبو هريرة) قوله: (من يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٢١٦).

٤٤٨
(١٨) كتاب الإمارة والقضاء
فَقَدْ عَصَانِي، وَإِنَّمَا الإِمَامُ جُنَّةٌ يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ وَيُتَّقَى بِهِ، فَإِنْ أَمَرَ بِتَقْوَى اللهِ
وَعَدَلَ فَإِنَّ لَهُ بِذَلِكَ أَجْراً، وَإِنْ قَالَ بِغَيْرِهِ فَإِنَّ عَلَيْهِ مِنْهُ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ:
٢٩٦٧، م: ٢٨٣٥].
فقد عصاني) فيلزم منه بضم المقدمة الأولى إليه: مَن أطاعَ الأميرَ فقد أطاعَ اللهَ، ومن
عصى الأميرَ فقد عصی الله .
وقوله: (وإنما الإمام جنة يقاتل من ورائه، ويتقى به) الظاهر أنه ليس المراد به أنَّ
ينبغي أن يكون الأميرُ في الحرب قُدَّام القوم حِسًّا، بل المراد أنه الساتر يمنع العدقَّ
من المسلمين، وهو الذي يُستظهَرُ به في القتال، ويقاتل بقوته كالترس بل في جميع
الأمور، وفي جميع الحال، فإنه الذي يحمي بيضة الإسلام، وإنما ذكر القتال لأنه أهم
الأمور وأوكدها في الاستظهار والاتِّقاء، ويحتمل أن يكون قوله: (ويتقى) إشارةً إلى
التعميم في جميع الأمور ولا يخص بالقتال، كما أشار إليه بقوله: (فإن أمر بتقوى الله
وعدل .. . إلخ)، فافهم.
وقوله: (وإن قال) أي: حكَمَ، ومنه يقال: القَيْلُ بالفتح للملك أو من ملوك
حِمْيَر لأنه يقول ما شاء، كذا في (القاموس)(١). وقال النُّورِبِشْتِي(٢): قال بغيره، أي:
أحبّه وأخذ به إيثاراً له وميلاً إليه، كما يقال: فلان يقول بالقدر.
وقوله: (فإن عليه منه) بحرف الجر مع الضمير المتصل به، قال الطيبي(٣): كذا
وجدنا في (الصحيحين)، و(كتاب الحميدي) و(جامع الأصول)، أي: فإن عليه وزراً
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٩٦٩).
(٢) ((كتاب الميسر)) (٣/ ٨٥١).
(٣) ((شرح الطيبي)) (٧/ ١٧٩).

٤٤٩
(١٨) كتاب الإمارة والقضاء
٣٦٦٢ - [٢] وَعَنْ أَمِّ الْخُصَيْنِ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((إِنْ أُمِّرَ
عَلَيْكُمْ عَبْدٌ مُجَدَّعٌ يَقُودُكُمْ بِكِتَابِ اللّهِ فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
[م: ١٢٩٨].
من صنيعه ذلك. وقال التُّورِبِشْتِي(١): وقد وجد في أكثر نسخ (المصابيح): (فإن
عليه منة) بتشديد النون مع ضم الميم وبتاء التأنيث في آخره، وهو تصحيف غير
محتمل لوجهٍ ههنا، انتهى. وذلك لأن المنة بالضم بمعنى القوة ولا معنى هنا، فتدبر،
وفي بعض الحواشي: اتفق شراح الحديث قاطبة على أنه تصحيف، هذا وإنما قال:
في أكثر نسخ (المصابيح)؛ لأن في بعضها: (فإن له منه)، كما في الأصول المذكورة.
وكتب في حاشية: ومن ضمَّ الميمَ وشدَّد النونَ فقد صحَّف.
٣٦٦٢ - [٢] (أم الحصين) قوله: (وعن أم الحصين) بضم الحاء وفتح الصاد.
و(مجدّع) بتشديد الدال: مقطوع الأنف، كذا نقل الطيبي(٢)، وفي الحواشي: مقطوع
الأنف والأذن، وفي (الصحاح)(٣): الجدع: قطع الأنف والأذن واليد والشفة، وكذا
في (القاموس)(٤). لكن بكلمة (أو) مكان الواو، و(يقودكم بكتاب الله) أي: يأمركم
بدين الله ويحكم به، وفي ذكر العبد مبالغة على وتيرة قوله وَله: (ولو كمِفخَصِ قَطاةٍ)،
أو المراد مَن يولِّيه السلطان والخليفة الأكبر، وإلا فالعبد لا يكون أميراً وإماماً، وكذا
في سائر الأحاديث.
(١) ((كتاب الميسر)) (٣/ ٨٥١).
(٢) ((شرح الطيبي)) (٧/ ١٧٩).
(٣) ((الصحاح)) (٣/ ١١٩٣).
(٤) ((القاموس المحيط)) (ص: ٦٥٢).

٤٥٠
(١٨) كتاب الإمارة والقضاء
٣٦٦٣ - [٣] وَعَنْ أَنَسِ أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ قَالَ: ((اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَإِنِ
اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيَةٌ)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٧١٤٢].
٣٦٦٤ - [٤] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَِّ: ((السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ
عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَّةٍ
فَلاَ سَمْعَ وَلاَ طَاعَةَ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧١٤٤، م: ١٨٣٩].
٣٦٦٥ - [٥] وَعَنْ عَلِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((لاَ طَاعَةَ فِي
مَعْصِيَةٍ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧١٩٩، ٧٢٠٠، م:
١٧٠٩ ].
٣٦٦٦ - [٦] وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: بَايَعْنَا رَسُولَ اللهِوَلْ عَلَى
السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ،
٣٦٦٣ _ [٣] (أنس) قوله: (كأن رأسه زبيبة) أي: في الصغر والجثة، ويضرب
بهم المثل في صِغَر الرأس، كما في دِقَّ الساقين، وقيل: شعره مقطط كالزبيبة، وقيل :
كناية عن خفة العقل.
٣٦٦٤ - [٤] (ابن عمر) قوله: (السمع والطاعة) مبتدأ وخبره محذوف، أي:
واجب .
وقوله: (فيما أحب وكره) أي: فيما يوافق طبعَه ويخالفه .
٣٦٦٥ _ [٥] (علي) قوله: (لا طاعة) أي: للإمام أو لأحد كالوالدين وغيرهما،
و(المعروف) ما لم ينكره الشرع.
٣٦٦٦ - [٦] (عبادة بن الصامت) قوله: (على السمع والطاعة) صلة (بايعنا)

٤٥١
(١٨) كتاب الإمارة والقضاء
وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ، وَعَلَى أَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَعَلَى أَنْ لاَ نْتَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ، وَعَلَى
أَنْ نَقُولَ بِالْحَقِّ أَيْنَمَا كُنَّا لَ نَخَافُ فِي اللهِ لَوْمَةَ لاَئِمٍ، وَفِي رِوَايَةٍ: وَعَلَى أَنْ
لاَ نْتَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ إِلاَّ أَنْ تَرَوْا كُفْراً بَوَاحاً عِنْدَكُمْ مِنَ اللهِ فِيهِ بُرْهَانٌ. مُتَّفَقٌ
عَلَيْهِ. [خ: ٧٠٥٥، ٧٠٥٦، م: ١٧٠٩].
بتضمين معنى العهد، و(المنشط والمكره) بفتح الميم والعين مصدران، أي: في
حالة النشاط والكراهة، أي: انشراح صدورنا وما يضاده، أو اسما زمان، ويحتملان
المكان وهو بعيد، و(على) في قوله: (وعلى أثرة) بمعنى مع، أي: والصبر على أثرة
بفتحتين اسم من الإيثار، والضمير في (علينا) كناية عن جماعة الأنصار أو عام لهم
ولغيرهم، والأول أوجه، فإنه ◌َّه أوصى إلى الأنصار أنه سيكون بعدي أثرة فاصبروا
عليها، يعني يستأثر عليكم جماعة، فيفضلون عليكم في العطايا والولايات والحقوق،
وقد وقع ذلك في عهد الأمراء بعد الخلفاء الراشدين فصبروا.
والضمير في (أهله) للأمر، أي: لا ننازع من وكل إليه الأمر، ولا نخالفهم
ولا نحاربهم، أي: نصبر إن فات شيء من أمور الدنيا، وأما في الحق وأحكام الدين
فلا نسكت ولا نداهن فيها، ولا نخاف فيها لومة اللائمين، ولعل المراد بالكفر أعمُّ
من الكفر ومما يكون من أحكامه من المعاصي.
و(بواحاً) بفتح الباء وبالواو، أي: ظاهراً مكشوفاً، باحَ الشيء وأباحَه: إذا
جهر به، وروي (براحاً) بالراء، والبَرَاح من الأمر: الظاهرُ البيِّنُ، وبرح الأمر كسمع
وفتح، والبراح من الأرض: المتَّسع منها لا زرع بها ولا شجر.
وقوله: (برهان) أي: كتاب وسنة لا يحتمل التأويل، وجاء في الحديث: أن
الإمام لا ينعزلُ بالفسق ولا يُعزَلُ إن كان في عزله تهييج فتنة، وأنه يجب الأمر بالمعروف

٤٥٢
(١٨) كتاب الإمارة والقضاء
٣٦٦٧ - [٧] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كُنَّا إِذَا بَايَعْنَا رَسُولَ اللهِنَّهِ عَلَى
السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ يَقُولُ لَنَا: ((فِيمَا اسْتَطَعْتُمْ)). مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ. [خ: ٧٢٠٢، م:
١٨٦٧].
٣٦٦٨ - [٨] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَنْ رَأَى مِنْ
أَمِيرِهِ شَيْئاً يَكْرَهُهُ فَلْيَصْبِرْ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ يُفَارِقُ الْجَمَاعَةَ شِبْراً فَيَمُوتَ
إِلَّ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧١٤٣، م: ١٨٤١].
٣٦٦٩ - [٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِنَّهِ يَقُولُ:
((مَنْ خَرَجَ مِنَ الطَّاعَةِ وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ فَمَاتَ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً، وَمَنْ قَاتَلَ
تَحْتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ ..
والنهي عن المنكر إن قدر.
٣٦٦٧ - [٧] (ابن عمر) قوله: (فيما استطعتم) في جميع نسخ (مسلم): (فيما
استطعت)، بلفظ المتكلم، وهو تلقينٌ لهم منه وَّ يقول لكل واحد ممن بايع: قل :
فيما استطعت، كقوله تعالى: ﴿فَأَنَّقُواْ اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
٣٦٦٨ _ [٨] (ابن عباس) قوله: (ميتة جاهلية) ميتة لفظ النوع من الموت،
أي: مات على ميتة يموت عليها أهل الجاهلية .
٣٦٦٩ - [٩] (أبو هريرة) قوله: (تحت راية عمية) بكسر العين وضمها لغتان
مشهورتان، والميم والياء مشددتان، والميم مكسورة، وهو الأمر الذي لا يستبين وجهه
من التعمية وهو التلبيس، وقد سبق تحقيق هذا اللفظ في آخر الفصل الثاني من (كتاب
القصاص) في حديث طاووس، أي: قاتَلَ من غير بصيرة ولا معرفة بأنَّ أيَّ الفريقين
محقٌ.

٤٥٣
(١٨) كتاب الإمارة والقضاء
يَغْضَبُ لِعَصَبِيَّةٍ أَوْ يَدْعُو لِعَصَبِيَّةٍ أَوْ يَنْصُرُ عَصَبِيَّةً فَقُتِلَ فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ،
وَمَنْ خَرَجَ عَلَى أُنَّتِي بِسَيْقِهِ يَضْرِبُ بَرَّهَا وَفَاجِرَهَا وَلاَ يَتَحَاشَى مِنْ مُؤْمِنِهَا
وَلاَ يَفِي لِذِي عَهْدٍ عَهْدَهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨٤٨].
٣٦٧٠ - [١٠] وَعَنْ عَوْفٍ بْنِ مَالِكِ الأَشْجَعِيِّ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَ﴾
قَالَ: ((خِيَارُ أَثَمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ، وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ وَيُصَلُّونَ
عَلَيْكُمْ، وَشِرَارُ أَثَمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبُّغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ))،
قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ !.
وقوله: (يغضب لعصبية ... إلخ)، أي: لا لإعلاء كلمة الله وإظهار الدين،
والعصبيَّةُ إعانةُ قوم على الظلم، ومعناه الخصلة المنسوبة إلى العَصَبة، وهم قوم الرجل
الذين يتعصَّبون له، والتعصب المحاماة والمدافعة عمَّن يلزمك أمره أو تلزمه لغرض،
من العصابة التي يربط بها الرأس ويشد، وعصب على جرحه: أي شَدّه بالخرقة،
وعصب بطنه بعصابة من الجوع بتخفيف وتشديد، أي: شدَّه لتسكن حرارة الجوع،
أو من العَصَب الذي هو أحد أجزاء البدن، عَصِبَ اللحمُ، كفرح: كثُرَ عصَبُه، والعصب:
الطَّيُّ، واللَّيُّ، والشدُّ، كذا في (القاموس)(١)، والمادة للشد والقوة، و(القتلة) بكسر
القاف، و(العهد) يجيء بمعنى الموَثِق، واليمين، والوصية، والذي يُكتَب للؤُلاة،
والحفاظ، ورعاية الحرمة، والأمان، والذمة، والمعرفة.
٣٦٧٠ - [١٠] (عوف بن مالك الأشجعي) قوله: (وتصلون عليهم ويصلون
عليكم) الصلاة بمعنى الدعاء، والتعدية بـ (على) لتضمين معنى الحفظ والوقاية، كما
في قوله تعالى: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ﴾ [البقرة: ١٤٣]، وقيل: المراد صلاة
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٢٠).

٤٥٤
(١٨) كتاب الإمارة والقضاء
أَفَلاَ نُنَّابِذُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ قَالَ: ((لاَ، مَا أَقَامُوا فِيَكُمُ الصَّلاَةَ، لاَ مَا أَقَامُوا فِيكُمُ
الصَّلاَةَ، أَلَا مَنْ وُلِّيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئاً مِنْ مَعْصِيَّةِ اللهِ فَلْيَكْرَهُ مَا يَأْتِي
مِنْ مَعْصِيَةِ اللهِ، وَلاَ يَنْزِعَنَّ يَداً مِنْ طَاعَةٍ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨٥٥].
٣٦٧١ - [١١] وَعَنْ أُمُّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((يَكُونُ عَلَيْكُمْ
أُمَرَاءُ تَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ أَنْكَرَ فَقْدَ بَرِئَ،
الجنازة، أي: يتحابُّون في الحياة، ويصلون على الجنائز إذا ماتوا، يعني خيار الأمة
الذين عدلوا ورضي عنهم الرعية، ويكونون متحابين يرضى كلٌّ عن الآخر، وشرارهم
الذين يكونون على خلاف ذلك.
وقوله: (أفلا ننابذهم) بالسيف، وفي (المشارق)(١): أي: ندافعهم ونباعدهم
بالقتال، انتھی.
وفي (مجمع البحار)(٢): نبذتُه: إذا رميتَه وأبعدتَه، أي: نقاتلُهم.
وقوله: (لا) أي: لا تنابذوهم ما أقاموا الصلاة، وفيه أن ترك الصلاة موجبٌ
لمنابذتهم، ونزع اليد من طاعتهم؛ لأن الصلاة عماد الدين، والفارق بين الكفر والإيمان
بخلاف سائر المعاصي، وفيه تشديد وتهديد عظيم على ترك الصلاة.
٣٦٧١ - [١١] (أم سلمة) قوله: (تعرفون وتنكرون) أي: تعرفون بعض أفعالهم
وتنكرون بعضها، أي: يكون بعض أفعالهم معروفة، وهو ما يعرف في الشرع، وبعضها
منکرة، وهو ضد المعروف، (فمن أنکر) المنگرَ باللسان، أي: منع (فقد برئ) من
(١) ((مشارق الأنوار)) (٢ / ٤).
(٢) ((مجمع بحار الأنوار)) (٤ / ٦٦٦).

٤٥٥
(١٨) كتاب الإمارة والقضاء
وَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَبَعَ) قَالُوا: أَفَلاَ نُقَاتِلُهُمْ قَالَ:
((لاَ مَا صَلَّوْا، لاَ مَا صَلَّوْ)) أَيْ مَنْ كَرِهَ بِقَلْبِهِ وَأَنَّكَرَ بِقَلْبِهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م:
١٨٤٣].
٣٦٧٢ - [١٢] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ وَلِ:
(إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً.
المداهنة والنفاق، و(من كره) أي: أنكره بالقلب، ولم يقدر على إنكاره باللسان
ومنعه عن ذلك، (فقد سلم) من المشاركة في الوِزْر والوَبَال، و(لكن من رضي) ولم
يكره بالقلب، و(تابع) أي: وافقهم فهو كالذي شاركهم، وكان المراد بالمتابعة أن لا ينكرَ
عليهم باللسان، لا الموافقةَ في العمل، فإنه شريك لهم حقيقةً، وبهذا يشهدُ سَوقُ
الكلامِ، فافهم.
هكذا شرحوا هذا الكلام، وهو يوافق ما جاء في رواية أخرى: (ومن أنكر
بلسانه فقد برئ، ومن أنكر بقلبه فقد سلم)، وهو صريح في ذلك، وتفسير الراوي
بقوله: (أي: من كره بقلبه وأنكر بقلبه) يدل على أن المراد بالإنكار والكراهة جميعاً
فعلُ القلب، وهو يوجب التكرار في قوله وَلجر: (فمن أنكر فقد برئ، ومن كره فقد
سلم)، كما لا يخفى، ولهذا رد بعضهم هذا التفسير، ولكن يبعد ردُّ تفسيرِ الراوي
نفسِه الحديث، فتوجيهه أن الإنكار أشد من الكراهة وإن كان كلتاهما بالقلب، فإن
أنكر حق الإنكار فقد يفضي إلى المكافحة بلسانه بل إلى الجهاد بخلاف الكراهة،
فإنه أضعف من الإنكار، وبهذا الاعتبار وقع في بعض الأحاديث أن ذلك أضعف
الإيمان، فتأمل.
٣٦٧٢ - [١٢] (عبدالله بن مسعود) قوله: (أثرة) بفتحتين، كما مرّ، وضبط

٤٥٦
(١٨) كتاب الإمارة والقضاء
وَأُمُوراً تُنْكِرُونَهَا)) قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: ((أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ
وَسَلُوا اللهَ حَقَّكُمْ). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٠٥٢، م: ١٨٥٤].
٣٦٧٣ - [١٣] وَعَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ قَالَ: سَأَلَ سَلَمَةُ بْنُ يَزِيدَ
الْجُعْفِيُّ رَسُولَ الهِنَّهِفَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ! أَرَأَيْتَ إِنْ قَامَتْ عَلَيْنَا أُمَرَاءُ يَسْأَلُونًا
حَقَّهُمْ وَيَمْنَعُونَا حَقَّنَا فَمَا تَأْمُرْنَا؟ قَالَ: ((اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا؛ فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ
مَا حُمِّلُوا، وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨٥٦].
٣٦٧٤ - [١٤] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّول
يَقُولُ: ((مَنْ خَلَعَ بَداً مِنْ طَاعَةٍ لَقِيَ اللهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ حُجَّةَ لَهُ،
في بعض النسخ في هذا الحديث بضم الهمزة وسكون المثلثة أيضاً.
وقوله: (وأموراً) بالواو هي الرواية المعتدّ بها، وفي بعض نسخ (المصابيح):
أموراً بدون الواو.
٣٦٧٣ - [١٣] (وائل بن حجر) قوله: (يسألونا) بتشديد النون بإدغام نون
الإعراب في نون المتكلم، وكذا قوله: (يمنعونا).
وقوله: (فإنما عليهم ما حملوا) من التحميل بمعنى التكليف، أي: ما كُلِّفوا
به من العدل والإحسان، (وعليكم ما حملتم) من السمع والطاعة .
٣٦٧٤ - [١٤] (عبدالله بن عمر) قوله: (من خلع يداً من طاعة) وفي حديث
آخر: (من نزع يدا)، وخلع اليد ونزعها عبارة عن نقض البيعة، أي: من ترك طاعة
الإمام .
وقوله: (ولا حجة له) حال من ضمير (لقي)، أي: حجة الإيمان، كما ورد:

٤٥٧
(١٨) كتاب الإمارة والقضاء
وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيْتَةً جَاهِلِيَّةً). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨٥١].
٣٦٧٥ - [١٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ◌َهِ قَالَ: (( كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ
تَسُوسُهُمُ الأَنْبِيَاءُ كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيُّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ، وَإِنَهُ لاَ نَبِيَّ بَعْدِي، وَسَيَكُونُ
خُلَفَاءُ فَيَكْثُرُونَ) قَالُوا: فَمَا تَأْمُرْنَا؟ قَالَ: ((فُوا بَيْعَةَ الأَوَّلِ فَالأَوَّلِ، أَعْطُوهُمْ
حَقَّهُمْ فَإِنَّ اللهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ)). مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ. [خ: ٣٤٥٥، م: ١٨٤٢].
(اللهم لقُِّي حجَّةَ الإيمانِ).
٣٦٧٥ _ [١٥] (أبو هريرة) قوله: (تسوسهم) في (النهاية)(١): السياسة: القيام
على الشيء بما يصلحه، و(تسوسهم الأنبياء)، أي: يتولون أمورهم، وفي (القاموس)(٢):
سُسْتَ الرعيةَ سياسةً: أمرتُها ونهيتُها.
وقوله: (فما تأمرنا؟) أي: إذا وقع التشاجر والتنازع بين الخلفاء فما تأمرنا
نفعل؟
وقوله: (فوا بيعة الأول فالأول) فوا بلفظ جمع المذكر أمر من وَفَى يَفِي، والفاء
في قوله: (فالأول) للتعقيب، والمراد التكرير والاستمرار، أي: كما يستمرُ خليفة
بعد خليفة يستمر وفاؤكم بعهدهم، والمقصد أن البيعة للأول، كما يأتي في الحديث
الآتي.
وقوله: (أعطوا حقهم ... إلخ)، أي: إن لم يعطوكم حقَّكم .
وقوله: (فإن الله سائلهم عما استرعاهم) يعني ويثيبكم بما لكم عليهم.
(١) ((النهاية)) (٢ / ٤٢١).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٥١٠).

٤٥٨
(١٨) كتاب الإمارة والقضاء
٣٦٧٦ - [١٦] وَعَنْ أَبِى سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: ((إِذَا بُويعَ
لِخَلِيفَتَيْنِ فَاقْتُلُوا الْآخِرَ مِنْهُمَا)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨٥٣].
٣٦٧٧ - [١٧] وَعَنْ عَرْفَجَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ: ((إِنَّهُ
سَيَكُونُ هَنَاتٌ وَهَنَاتٌ، فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُفَرِّقَ أَمْرَ هَذِهِ الأُمَّةِ وَهِيَ جَمِيعٌ فَاضْرِبُوهُ
بِالسَّيْفِ.
٣٦٧٦ - [١٦] (أبو سعيد) قوله: (فاقتلوا الآخر) قال التُّورِبِشْتِي(١): الوجه
في هذا أن يحمل القتل فيه على القتال، أو يقال: المراد من القتل إبطالُ بيعة الآخر
وتوهينُ أمره، من قولهم: قتلتُ الشرابَ: إذا مزجتَه وكسرتَ سَوْرتَه بالماء، انتهى.
ومرجع هذا الوجه أيضاً إلى الأول، فإن توهين أمره إنما يكون بالقتال معه لقوله
تعالى: ﴿فَقَائِلُواْ الَّتِى تَبْغِى حَّى تَفِىّءَ إِلَى أَمْرِ اَللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩]، كذا قالوا، وأقول: ما المانع
من حمله على القتل حقيقة؟ فإنه باغ، والقتال إنما يكون لقصد القتل، والله أعلم.
٣٦٧٧ - [١٧] (عرفجة) قوله: (وعن عرفجة) بفتح العين وسكون الراء وفتح
الفاء بعدها جيم.
وقوله: (سيكون هنات) فسره في (النهاية)(٢) بقوله: أي: شُرورٌ وفسادات،
يقال: في فلان هنات، أي: خِصالُ شرِّ، جمع هنت مؤنث هن، وهو كناية عما لا يصرح
به لشناعته، وفي (القاموس)(٣): وقال: هَنِّ، كأخ معناه: شيء، تقول: هذا مَنُكَ،
أي: شيئك، وهَنُ المرأة: فرجها، ويقال للرجل: يا هَنُ أقبل، ولها: يا هَنَةُ أقبلي،
(١) ((كتاب الميسر)) (٣/ ٨٥٤).
(٢) ((النهاية)) (٥ / ٢٧٩).
(٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٢٣٥).

٤٥٩
(١٨) كتاب الإمارة والقضاء
كَائِناً مَنْ كَانَ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨٥٢].
٣٦٧٨ - [١٨] وَعَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَهِ يَقُولُ: ((مَنْ أَتَاكُمْ
وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ يُرِيدُ أَنْ يَشُقَّ عَصَاكُمْ أَوْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ
فَاقْتُلُوهُ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨٥٢].
٣٦٧٩ - [١٩] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍ و قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((مَنْ
بَايَعَ إِمَاماً فَأَعْطَاهُ صَفْقَةً يَدِهِ وَثَمَرَةَ.
وهَنْتُ، بالفتح: لغة في هن، وجمعه: هنات وهنوات، والهنات: الداهية، وجمعه:
هنوات .
وقوله: (كائناً من كان)، وفي رواية: (ما كان) بإرادة الصفة، كما في قوله:
﴿وَنَفْسٍ وَمَاسَوَّنَهَا﴾ [الشمس: ٧]، وقال الطيبي(١): وهو حال فيه معنى الشرط، أي: ادفعوا
من خرج على الإمام بالسيف وإن كان أشرفَ وأفضلَ، وترونه أحقَّ وأولى.
٣٦٧٨ - [١٨] (وعنه) قوله: (يريد أن يشق عصاكم) شق العصا كناية عن مفارقة
الجماعة، جعل اجتماعَ الناس على أمر واحد بمنزلة العصا، وإزالته بمنزلة شَقِّها.
وقوله: (أو يفرق جماعتكم) ظاهر المعنى يدل على أنه من شك الراوي، ويجوز
أن يحمل على التنويع، يحمل الأول على التفرق في الدنيا، والثاني في أحكام الدين،
والله أعلم.
٣٦٧٩ - [١٩] (عبدالله بن عمرو) قوله: (صفقة يده) الصفقة: المرة من التصفيق
باليد، صفق يده بالبيعة، وعلى يده صفقاً وصفقة: ضرب يده على يده، والمراد (بثمرة
(١) ((شرح الطيبي)) (٧ /١٨٩).

٤٦٠
(١٨) كتاب الإمارة والقضاء
قَلْبِهِ، فَلْيُطِعْهُ إِنِ اسْتَطَاعَ، فَإِنْ جَاءَ آخَرُ يُنَازِعُهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَ الآخَرِ)). رَوَاهُ
مُسْلِمٌ. [م: ١٨٤٤].
٣٦٨٠ - [٢٠] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ وَِّ :
((لاَ تَسْأَلِ الإِمَارَةَ؛ فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا، وَإِنْ أَعْطِيتَهَا
مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧١٤٦، م: ١٦٥٢].
٣٦٨١ - [٢١] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِّ ◌َالْ قَالَ: «إِنَّكُمْ سَتَحْرِ صُونَ
عَلَى الإِمَارَةِ وَسَتَكُونُ نَدَامَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَنِعْمَ الْمُرْضِعَةُ وَبِئْسَتِ (١)
الْفَاطِمَةُ)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٧١٣٨].
قلبه) خالص عهده، وقيل: المراد به المال، أو (صفقة يده) كناية عن المال، و(ثمرة
قلبه) كناية عن مبايعته مع ولده وهو بعید.
٣٦٨٠ _ [٢٠] (عبد الرحمن بن سمرة) قوله: (وكلت) بلفظ المجهول مخففاً،
يقال: وكَلَ إليه الأمر: فوَضَ إليه الأمر، فمعنى (وُكِلت إليها) فُوِّضت إلى الإمارة،
وهي أمر شاق لا يقوم بها إلا بإعانة الله تعالى، وحقيقة المعنى وكلت إلى نفسك وإلى
حولك وقوتك.
٣٦٨١ - [٢١] (أبو هريرة) قوله: (فنعم المرضعة وبئست الفاطمة) المخصوص
محذوف، أي: الإمارةُ، وتأنيث الإمارة غير حقيقي، فيجوز إلحاقُ التاء في الفعل
وتركُها، وأيضاً يجوز في نعم وبئس كلا الوجهين، وإن كان الفاعل مؤنثاً، والمرضع
والفاطم وإن كان من الصفات المخصوصة بالنساء كالحامل والحائض إلا أنه إذا أريد
(١) في نسخة: (بئس)).