Indexed OCR Text
Pages 401-420
٤٠١ (١٧) كتاب الحدود لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى الْمَيِّتِ بَيْتَهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٤٠٩]. ٢- باب الثضاعة في الحدود * الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٣٦١٠ - [١] عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ قُرَيْشاً أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَرْأَةِ الْمَخْزُومِنَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ، فَقَالُوا: وقوله: (بيته) إما مجرور على أنه بدل من الميت، وقد ينصب على أنه تمییز، وقد يكون(١) معرفةً كما قيل في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠] بالرفع، فنصب على التمييز نحو: غبِنَ رأيَه، وألِمَ رأسَه، كذا في (تفسير البيضاوي)(٢) أو على تقدير أعني، ولا قطعَ على النّبَّاشِ عند أبي حنيفة ومحمد خلافاً للشافعي وأبي یوسف. ٢ - باب الشفاعة في الحدود لعله إنما ذكر هذا الباب بعد حد السرقة وإن كان مفهومه عامًّا لأن أكثر الأحاديث المذكورة فيه واردة في حد السرقة . الفصل الأول ٣٦١٠ - [١] (عائشة) قوله: (أهمهم) أي: أقلَقَهم وأحزَنَهم، والمرأة المخزومية (١) أي: التمييز. (٢) (تفسير البيضاوي)) (١ / ٨٨). ٤٠٢ (٢) باب الشفاعة في الحدود مَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللهِنَّهِ فَقَالُوا: وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلاَّ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ حِبُّ رَسُولِ اللهِوَِّ، فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ؟)) ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ ثُمَّ قَالَ: (إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَائْمُ اللهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ. [خ: ٣٤٧٥، م: ١٦٨٨]. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ قَالَتْ: كَانَتِ امْرَأَةٌ مَخْزُومِيَّةٌ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ◌َ بِقَطْعِ بَدِهَا فَأَتَى أَهْلُهَا أُسَامَةَ، فَكَلَّمُوهُ فَكَلَّمَ رَسُولَ اللهُِّ فِيهَا، ثُمَّ ذَكَرَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ مَا تَقَدَّمَ. هي فاطمة بنت الأسود بن عبد الأسد بنت أخي أبي سلمة. وقوله: (حب رسول الله) بكسر الحاء، أي: محبوبه. وقوله: (إنما أهلك) بلفظ المعلوم من الإهلاك، و(أنهم) فاعلُه، أو بلفظ المجهول وحرفُ الجر مقدَّرٌ قبل (أنَّ). وقوله: (وإذا سرق فيهم الضعيف) وفي نسخة: (الوضيع) مقابل الشريف، وفي أكثر النسخ بل في كلها: (الضعيف) وهو الصحيح روايةً. وقوله: (تستعير المتاع وتجحده) إنما ذكر هذا لتعريف حالها الشنيعة، والقطع إنما كان للسرقة ولم يذكرها للعلم بذلك، ونقل الطيبي(١) عن أحمد وإسحاق وجوب القطع في جحد العارية . (١) ((شرح الطيبي)) (٧/ ١٥١)، وانظر: ((أوجز المسالك)) (١٥ / ٤٨٥). ٤٠٣ (١٧) كتاب الحدود * الْفَصْلُ الثَّانِي: ٣٦١١ - [٢] عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ: (مَنْ حَالَتْ شَفَاعَتُهُ دُونَ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ فَقَدَ ضَادَ اللهَ، وَمَنْ خَاصَمَ فِي بَاطِلٍ وَهُوَ يَعْلَمُهُ لَمْ يَزَلْ فِي سَخَطِ اللّهِ تَعَالَى حَتَّى يَنْزِعَ، وَمَنْ قَالَ فِي مُؤْمِنٍ مَا لَيْسَ فِيهِ أَسْكَنَهُ اللهُ رَدْغَةَ الْخَبَالِ حَتَّى يَخْرُجَ مِمَّا قَالَ)) الفصل الثاني ٣٦١١ - [٢] (عبدالله بن عمر) قوله: (من حالت شفاعته دون حد) أي: عند أو قدَّام حد من حدود، والمعنى من منع بشفاعته حداً. وقوله: (ومن خاصم في باطل) تعميم بعد التخصيص. وقوله: (وهو يعلمه) أي: يعلم أنه باطل . وقوله: (حتى ينزع) أي: ينتهيَ عن مخاصمته، يقال: ينزع عن الأمور نزوعاً: انتهى عنها، كذا في (القاموس)(١). وقوله: (ردغة الخبال) في (القاموس)(٢): الرَّدغَةُ محركة وتسكن: الماء والطين، والوحل الشديد، وفي بعض الشروح أنه بسكون الدال وفتحها، وأهل الحديث يروونه بالسكون، والمراد به عُصارةُ أهل النار، والخبال بالفتح: الفساد، وسمي به الصَّديد لأنه من الموادِّ الفاسدة. وقيل: الخبال موضع في جهنم مثل الحياض يجتمع فيها صَديدُ أهل النار وعُصارتُهم . وقوله: (حتى يخرج مما قال) أي: من إثمه، أي: يتوب منه، أو يتطهر باستيفاء (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٧٠٧). (٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٧٢١). ٤٠٤ (٢) باب الشفاعة في الحدود رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبَيْهَقِيِّ(١) فِي ((شُعَبِ الإِيمَانِ)): ((مَنْ أَعَانَ عَلَى خُصُومَةٍ لاَ يَدْرِي أَحَقُّ أَمْ بَاطِلٌ فَهُوَ فِي سَخَطِ اللهِ حَتَّى يَنْزِعَ). [حم: ٢/ ٧٠، د: ٣٥٩٧، شعب: ١٤ / ٢٤٩]. ٣٦١٢ - [٣] وَعَنْ أَبِي أُمَيَّةَ الْمَخْزُومِيِّ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ﴿ أُنِيَ بِلِصِّ قَدِ اعْتَرَفَ اعْتِرَافاً، وَلَمْ يُوجَدْ مَعَهُ مَتَاعٌ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((مَا أَخَالُكَ سَرَقْتَ))، قَالَ: بَلَى فَأَعَادَ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثَاَ كُلَّ ذَلِكَ يَعْتَرِفُ، فَأَمَرَ بِهِ فَقُطِعَ، وَجِيءَ بِهِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((اسْتَغْفِرِ اللهَ وَتُبْ إِلَيْهِ) فَقَالَ: أَسْتَغْفِرُ اللهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((اللهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ) ثَلاَثاً. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ، هَكَذَا وَجَدْتُ فِي الأُصُولِ الأَرْبَعَةِ .. موجَب إثمه فى النار. ٣٦١٢ - [٣] (أبو أمية) قوله: (ما أخالك) بلفظ المتكلم أصله بفتح الهمزة من خال يخال كخاف ويبدلون فتحها بالكسرة، وبعضهم يقولون بالفتح، وإنما قال هذا درءاً للحد أي: ما أظن أنك سرقت. وقوله: (بلى) أي: بلى سرقت، وقال الطيبي(٢): عندي أنه ظن بالمعترف غفلته عن معنى السرقة وأحكامها، فأحب أن يستبين منه ذلك. وقوله: (كل ذلك) بالنصب، أي: كل مرة، وقد يرفع فيقدر الضمير. وقوله: (في الأصول الأربعة) وهي سنن هؤلاء الأربعة المذكورين. (١) وفي نسخة بالإضافة، قاله القاري (٦ / ٢٦٦٧). (٢) ((شرح الطيبي)) (٧ / ١٥٣). ٤٠٥ (١٧) كتاب الحدود وَ(جَامِعِ الأُصُولِ) وَ(شُعَبِ الإِيمَانِ) وَ(مَعَالِمِ السُّنَنِ) عَنْ أَبِ أُمََّ. [د: ٤٣٨، ن: ٤٨٧٧، جه: ٢٥٩٧، دي: ٢ / ١٧٣، جامع الأصول: ٣ / ٥٦٠، شعب: ١٥/ ٩٥، معالم السنن: ٣٠١/٣]. ٣٦١٣ - [٤] وَفِي نُسَخِ ((الْمَصَابِيحِ)) عَنْ أَبِي رِمْثَةَ بِالرَّاءِ وَالنَّاءِ الْمُثَلََّةِ بَدَلَ الْهَمْزَةِ وَالْيَاءِ. [مصابيح السنة: ٢٧٢١]. ٣- باب حداحمر ٣٦١٣ - [٤] قوله: (عن أبي أمية) بضم الهمزة وفتح الميم وتشديد الياء، وفي نسخ (المصابيح): (عن أبي رمثة) بكسر الراء وسكون الميم والثاء المثلثة، قال الشيخ: وهو غلط . وفي الحديث أن السرقة في حكم الزنا في تلقين الرجوع كما ذهب إليه الشافعي في إحدى القولين، وأن السرقة لا تثبت بالإقرار مرة كما حكي عن محمد وأبي يوسف . ٣ - باب حد الخمر في (القاموس) (١): الخمر مؤنث وقد تذكر، وسميت خمراً لأنها تخمِّرُ العقلَ وتستره، أو لأنها تركت حتى أدركت واختمرت، أو لأنها تخامر العقل، أي: تخالطه . (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٣٦١). ٤٠٦ (٣) باب حد الخمر واعلم أن الأئمة اختلفوا في أن الخمر مخصوص بماء العنب أو عام، وسيأتي الكلام فيه في (باب بيان الخمر). قال بعض المفسرين: نزلت في الخمر أربع آيات، نزلت بمكة: ﴿وَمِن ثَمَرَتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَبِ نَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنَّاً﴾ [النحل: ٦٧]، فكان المسلمون يشربونها وهي حلال لهم، ثم إن عمر ومعاذاً ونفراً من الصحابة قالوا: يا رسول الله! أَفْتِنا في الخمر فإنها مَذهَبةٌ للعقل مَسلَبةٌ للمال، فنزلت: ﴿وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩] فشربها قوم وتركها آخرون، ثم دعا عبد الرحمن ناساً منهم فشربوا وسكروا، فأمَّ بعضُهم فقرأ: ﴿قل يا أيّها الكافرون، أعبدُ ما تعبدونَ﴾ فنزلت ﴿لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَوَةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى﴾ [النساء: ٤٣] فقَلَّ مَن يشربها، ثم دعا عِتبان بن مالك قوماً فيهم سعد بن أبي وقاص، فلمَّا سكروا افتخروا وتناشدوا، حتى أنشد سعد فيه هجاء الأنصار، فضربه أنصاري بلِحاء بعير، فشجَّه موضحةً، فشكا إلى رسول الله صلّ، فقال عمر ت ◌ُله: اللهم بيِّن لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزلت: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا الْخَرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسُ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ إلى ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنْنَهُونَ﴾ [المائدة: ٩٠ -٩١]، فقال: انتهينا يا رب، وجاء في السنن قريباً من ذلك وفيها: انتهينا، رواه أبو داود والترمذي والنسائي(١). قال بعض العلماء: والتحريم في الآية من نحو عشرة أوجه: تسميتُها رِجساً وهو المستقذَرُ، وجعلُها من عمل الشيطان، والأمرُ باجتنابها، وجعلُ الفلاح مرَّتباً على اجتنابها، فمَن لم يجتنبها لم يفلح، وجعلها توقعُ العداوةَ والبغضاء وتصدّ عن ذكر الله (١) ((سنن أبي داود)) (٣٦٧٠)، و((سنن الترمذي)) (٣٠٤٩)، و((سنن النسائي)) (٥٥٤٠). ٤٠٧ (١٧) كتاب الحدود وعن الصلاة، ثم طلبُ الانتهاء عنها بقوله: ﴿فَهَلْ أَنْهُم مُّنْنَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]، أي: جديرٌ وحَقيقٌ أن ينتهي عن جميع هذه الأوصاف، وورد في تحريمها من السنة ما يبلغ مجموع التواتر مع ما في الأحاديث الواردة في تحريمه من التغليظ والتشديد. وقال في (شرح كتاب الخرقي)(١): وما روي عن بعض الصحابة كقدامة بن مظعون وعمرو بن معدي كرب وأبي جندل بن سهيل أنهم قالوا: إنها حلال تمسكاً بقوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْالصَّلِحَتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا أَتَّقَواْ﴾ الآية [المائدة: ٩٣]، فتأويل منهم أخطؤوا فيه، فبين لهم علماء الصحابة معنى الآية، وحدَّهم عمرُ حَظُه لشربها، فقيل: إنهم رجعوا عن قولهم، ومعنى الآية أن الصحابة قالوا: كيف بأصحابنا وقد ماتوا يشربون الخمر؟ فنزلت ﴿ لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْالصَّلِحَتِ جُنَاحٌ ﴾ الآية، وعن ابن عباس قال: قال: يا رسول الله! أرأيت الذين ماتوا وهم يشربون الخمر؟ لما نزل تحريم الخمر، فنزل ﴿ لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ﴾، رواهما الترمذي، وفي الصحيح من حديث أنس في قصة تحريم الخمر فقال بعض القوم: وقد قتل قوم وهي في بطونهم، فأنزل الله ﴿ لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جُنَاحٌ﴾ . وقال في (الهداية)(٢): الخمر عينها حرام غير معلول بالسُّكر ولا موقوف عليه، ومن الناس من أنكر حرمة عينها، وقال: إن السكر منها حرام؛ لأن به يحصل الفساد وهو الصدّ عن ذكر الله وهذا كفر؛ لأنه جحود للكتاب، فإنه سماه رجساً، والرجس ما هو محرَّمُ العين، وقد جاءت السنة متواترة أن النبي ◌ّ حرم الخمر، وعليه انعقد (١) (شرح الزركشي على مختصر الخرقي)) (٦ / ٦٣). (٢) ((الهداية)) (٤/ ٣٩٤). ٤٠٨ (٣) باب حد الخمر * الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٣٦١٤ - [١] عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َهْ ضَرَبَ فِي الْخَمْرِ بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَالِ، وَجَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٧٧٣، م: ١٧٠٦]. ٣٦١٥ - [٢] وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ وَلِ كَانَ يَضْرِبُ فِي الْخَمْرِ بِالنِّعَالِ وَالْجَرِيدِ أَرْبَعِينَ. إجماع الأمة . وأما حد شرب الخمر فثمانون جلدة عند جمهور الأئمة، وهو المذهب عندنا وعند الشافعي، وذهب قوم منهم إلى أنه أربعون، وكذا عن أحمد في رواية، والمختار عند أكثر أئمة مذهبه ثمانون، وقد روي أنه وَّ كان يَضرِبُ بالجَريدِ والنِّعالِ من غير تعيين عدد، وروي أنه كان يضرب نحواً من أربعين، وروي أربعين أيضاً، وكذلك أبو بكر، وكذلك عمر في صدر من خلافته، ثم استشار في حد الخمر، فقال علي رظه : أرى أن الجلد ثمانين، وقد قيل: كان الزائد على أربعين شيئاً يفعلها عند الحاجة إذا أدمنَ الناسُ الخمرَ، وكان الشارب لا يرتدعُ بدونها، وكان تعزيراً، وللإمام أن يزيد في العقوبة إذا أدى إليه اجتهاده، وروي عن علي ظه: جلَدَ رسول الله وَلَه وأبو بكر في الخمر أربعين، وكمَّلَها عمرُ ثمانين، وكلُّ سنة. الفصل الأول ٣٦١٤ - [١] (أنس) قوله: (بالجريد) جمع جريدة وهو غُصنُ النخلة، جُرِدَ عنه الخُوصُ وهو ورقُه، وليس في هذا الحديث تعیینُ عددٍ . ٣٦١٥ - [٢] (وعنه) قوله: (أربعين) وجاء في رواية: (نحواً من أربعين) كما ذكرنا . ٤٠٩ (١٧) كتاب الحدود ٣٦١٦ - [٣] وَعَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: كَانَ يُؤْتَى بِالشَّارِب عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِوَّهِ وَإِمْرَةِ أَبِي بَكْرٍ وَصَدْراً مِنْ خِلاَفَةِ عُمَرَ، فَقُومُ عَلَيْهِ بِأَيْدِينَا وَنِعَالِنَا وَأَرْدِيَتِنَا، حَتَّى كَانَ آخِرُ إِمْرَةِ عُمَرَ فَجَلَدَ أَرْبَعِينَ، حَتَّى إِذَا عَتَوْا وَفَسَقُوا جَلَدَ ثَمَانِينَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٦٧٧٩]. ٥- الْفَصْلُ الثَّانِي: * ٣٦١٧ - [٤] عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ◌ِ﴿ قَالَ: ((مَنْ (١) شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ، فَإِنْ عَادَ فِي الرَّابِعَةِ فَاقْتُلُوهُ قَالَ: ثُمَّ أُنِيَ النَّبِيُّ ◌َ﴿ بَعْدَ ذَلِكَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ فِي الرَّابِعَةِ فَضَرَبَهُ وَلَمْ يَقْتُلْهُ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٤٤٤]. ٣٦١٦ - [٣] (السائب بن يزيد) قوله: (وإمرة أبي بكر) بكسر الهمزة وسكون الميم: الإمارة، أي: في زمان إمارته، و(أردية) جمع رداء. وقوله: (إذا عتوا) أي: جاوزوا الحد في الفسق وشرب الخمر والإدمان عليه. الفصل الثاني ٣٦١٧ _ [٤] (جابر) قوله: (فإن عاد في الرابعة فاقتلوه) قالوا: هذا وارد على سبيل التهديد دون الأمر بالقتل، أو كان بطريق السياسة، أو أراد بالقتل الضرب الشديد، وقيل: كان ذلك في ابتداء الإسلام ثم نسخ بقوله وَّارِ: (لا يحلُّ دُ امرئ مسلمٍ إلا بإحدى ثلاثٍ)، وهذا بعيد لأنه لم يكن في ابتداء الإسلام حد معين بالجلد، فكيف بالقتل؟ وقوله: (ولم يقتله) فعلم من هذا أن قوله: (فاقتلوه) كان على سبيل التهديد أو (١) في نسخة: ((إن من)). ٤١٠ (٣) باب حد الخمر ٣٦١٨ - [٥] وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ. [د: ٤٤٨٥]. ٣٦١٩ - [٦] وَفِي أُخْرَى لَهُمَا وَلِلنَّسَائِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيِّ عَنْ نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ وَّهِ، مِنْهُمُ ابْنُ عُمَرَ وَمُعَاوِيَةُ وَأَبَّوْ هُرَيْرَةَ وَالشَّرِيدُ إِلَى قَوْلِهِ: ((فَاقْتُلُوهُ)). [ت: ١٤٤٤، د: ٤٤٨٢، ن: ٥٦٦١، دي: ٢ / ١٧٥]. ٣٦٢٠ - [٧] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَزْهَرِ قَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللهِنَّهِ إِذْ أُنِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ، فَقَالَ لِلنَّاسِ: ((اضْرِبُوهُ، فَمِنْهُمْ مَنْ ضَرَبَهُ بِالنِّعَالِ، وَمِنْهُمْ مَنْ ضَرَبَهُ بِالْعَصَا، وَمِنْهُمْ مَنْ ضَرَبَهُ بِالْمِيْتَخَةِ ... السياسة، أو ثبت بهذا أن ذلك كان منسوخاً، وإثباتُ النسخ بهذا أحسنُ من إثباته بالحديث المذكور، فإنه موقوف على العلم بالتاريخ، وذلك غيرُ معلوم، ونقل النووي(١) عن الترمذي أنه قال: ليس في كتابي حديث اجتمعت الأمة على تركه وعدم العمل به، إلا حديث الجمع بين الصلاتين من غير خوف ومطر، وإلا حديث قتل شارب الخمر في المرة الرابعة، وقال النووي: قوله: هذا في حديث القتل مسلّم لأنه منسوخ بالإجماع ومتروك العمل به للأمة بأجمعهم، أما حديث الجمع بلا خوف ومطر قال به بعضهم بعذر مرض، وبعض آخرون مثل ابن سيرين والأشهب لحاجة لمن لا يعتاد به. ٣٦١٨ - [٥] (قبيصة بن ذؤيب) قوله: (عن قبيصة) على وزن كريمة (ابن ذؤيب) على وزن شريح بالذال المعجمة . ٣٦١٩ - [٦] (ابن عمر) قوله: (والشريد) بالشين المعجمة على وزن جديد. ٣٦٢٠ - [٧] (عبد الرحمن بن الأزهر) قوله: (بالميتخة) الثابت في نسخ (١) انظر: ((شرح النووي)) (٥/ ٢١٨). ٤١١ (١٧) كتاب الحدود قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: يَعْنِي الْجَرِيدَةَ الرَّطْبَةَ، ثُمَّ أَخَذَ رَسُولُ اللهِنَّهِ تُرَاباً مِنَ الأَرْضِ فَرَمَى بِهِ فِي وَجْهِهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٤٨٩]. ٣٦٢١ - [٨] وَعَنْ أَبِ هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِلَه ◌ُنِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ فَقَالَ: ((اضْرِبُوهُ) فَمِنَّا الضَّارِبُ بِيَدِهِ، وَالضَّارِبُ بِثَوْبِهِ، وَالضَّارِبُ بِنَعْلِهِ، ثُمَّ قَالَ: ((بَكِّنُوهُ). (المشكاة): بكسر الميم وسكون الياء التحتانية بعدها فوقانية مفتوحة والخاء المعجمة، واختلف في ضبطها فقيل: بكسر الميم وفتحها وتشديد التاء الفوقانية قبل التحتانية، وبكسر الميم وكسر الفوقانية قبل التحتانية الساكنة على الفوقانية، وقال الأزهري: وهذه كلها أسماء الجرائد النخل وأصل العرجون، وقيل: هي اسم للعصا، وقيل: القضيب الدقيق اللين، وقيل: كل ما ضرب به من جريد أو عصا أو دِرّة وغير ذلك، مِنْ مَتَخَ رقبته بالسهم: إذا ضربه، ذكر ذلك كله في (النهاية)(١)، وقال في (القاموس) (٢): متَخَه كمنعه: انتزعَه عن موضعه، كامتاخه، وقطع وضرب، المتيخة كسكينة: العصا، والمطرق الدقيق، وعود مِتِّيخ، كسكين: طويل لين، انتهى، وفي بعض شروح (المصابيح): المتيخة بكسر الميم وتقديم التاء المثناة الساكنة من فوق على الياء المفتوحة المثناة من تحت، وروي بالعكس، وروي متیخة كسكينة . ٣٦٢١ - [٨] (أبو هريرة) قوله: (بكتوه) أمر من التبكيت، وهو التوبيخ والتعبير باللسان، في (القاموس)(٣): بَكَتَهُ: استقبله بما يكره، والتبكيت: التقريع والغلبة بالحجة، (١) ((النهاية)) (٤ / ٢٩٢). (٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٢٥٠). (٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٣٦). ٤١٢ (٣) باب حد الخمر فَأَقْبَلُوا عَلَيْهِ يَقُولُونَ: مَا اتَّقَيْتَ اللهَ، مَا خَشِيتَ اللهَ، وَمَا اسْتَحْيَيْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِوَّهِ، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: أَخْزَاكَ اللهُ، قَالَ: ((لاَ تَقُولُوا هَكَذَا، لاَ تُعِينُوا عَلَيْهِ الشَّيْطَانَ، وَلَكِنْ قُولُوا: اللهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللهُمَّ ارْحَمْهُ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٤٧٧، ٤٤٧٨]. ٣٦٢٢ - [٩] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: شَرِبَ رَجُلٌ فَسَكِرَ فَلَقِيَ یَمِيلُ فِي الْفَجِّ، ٠٥ وقد جعل من معانيه الضرب بالعصا، لكن المناسب بالسياق هنا أحد المعنيين الأولين، أما الأول فظاهر، وأما الثاني فإن هذه الأقوال غلبة عليه بالحجة وإسكاتٌ له، إذ ليس له أن يقول: لا أتقي الله ولا أستحيي من رسول الله. وقوله: (لا تعينوا عليه الشيطان) فإن الله إذا أخزاه، أي: فضحه استحوذ عليه الشيطان، أي: غَلَبَ واستولَى، أو لأنه إذا سمع ذلك منكم يقطع رجاءه من الله وأیس من رحمته، وذلك كفر، أو غضب فدام على الإصرار. وقوله: (ولكن قولوا: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه) أنه ينبغي أن يُدعى لمن وقع في ورطة الغَيِّ والمعصية بأن ینجیه الله من ذلك ویتوب عليه ويرحمه. ٣٦٢٢ - [٩] (ابن عباس) قوله: (فسكر) على وزن سمع، و(فلقي) على بناء المجهول، و(يميل) حال من ضمير لُقِيَ، و(الفج) بالفتح: الطريق الواسع بين الجبلين، كذا في (القاموس)(١)، وقال في (النهاية)(٢): هو الطريق الواسع، ولم يقيده بكونه (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٩٦). (٢) ((النهاية)) (٣/ ٤١٢). ٤١٣ (١٧) كتاب الحدود فَانْطُلِقَ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِن ◌َّهِ فَلَمَّا حَاذَى دَارَ الْعَبَّاسِ انْفَلَتَ فَدَخَلَ عَلَى الْعَبَّاسِ فَالْتَزَمَهُ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِّنَ﴿ِ، فَضَحِكَ وَقَالَ: (أَفَعَلَهَا))، وَلَمْ يَأْمُرْ فِيهِ بِشَيْءٍ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٤٧٦]. * الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٣٦٢٣ - [١٠] عَنْ عُمَيْرِ بْنِ سَعِيدِ النَّخَعِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ يَقُولُ: مَا كُنْتُ لِأُقِيمَ عَلَى أَحَدٍ حَدًّا فَيَمُوتَ فَأَجِدَ فِي نَفْسِي مِنْهُ شَيْئاً إِلَّ صَاحِبَ الْخَمْرِ؛. بين الجبلين، وقال في (المشارق)(١): الفجّ: الطريق الواسع، ويقال لكل مُنخرَق، وما بين جبلين، فإن أريد المعنى الأول فالدار محمول على دار العباس بمكة، إذ ليست الدار التي بالمدينة في فجِّ من الفِجاج بخلاف الدار التي له بمكة فإنه في شعب بني هاشم، ولم يكن حرمة الخمر إلا بالمدينة في سنة [أربع]، ويكون المقصود من ذكر الحديث بيانَ حاله ◌َِّ من ضحكه وتعجبه وعدم أمره فيه بشيء، وكيف يأمر والخمر كان إذ ذاك حلالاً، وإن أريد المعنى الثاني أمكن حمله على داره بالمدينة، فإن كانت القضية بعد تحريم الخمر فإنما لم يحكم فيه بالحد لعدم ثبوته بإقرار منه أو شهادة عدول، وإنما لقي في الطريق يميل فظن به السكر، فلم يكشف عنه رسول الله وليه فتدبر. الفصل الثالث ٣٦٢٣ - [١٠] (عمير بن سعيد النخعي) قوله: (عن عمير) بلفظ التصغير، (١) ((مشارق الأنوار)) (٢ / ٢٤٥ -٢٤٦). ٤١٤ (٣) باب حد الخمر فَإِنَّهُ لَوْ مَاتَ وَدَيَّتُهُ، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ لَمْ يَسُنَّهُ. مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ. [خ: ٦٣٩٦، م: ١٧٠٧]. ٣٦٢٤ - [١١] وَعَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدِ الدَّيْلِمِيِّ قَالَ: إِنَّ عُمَرَ اسْتَشَارَ فِي حَدِّ الْخَمْرِ فَقَالَ لَهُ عَلٍِّّ: أَرَى أَنْ تَجْلِدَهُ ثَمَانِينَ جَلْدَةَ؛ فَإِنَّهُ إِذَا شَرِبَ سَكِرَ، وَإِذَا سَكِرَ هَذَى، وَإِذَا هَذَى افْتَرَى، فَجَلَدَ عُمَرُ فِي حَدِّ الْخَمْرِ ثَمَانِينَ. رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ٢/ والنخعي بفتح الخاء. وقوله: (لم يسنه) من باب نصر، أي: لم يشرع لحدّ الشرب قدراً معيناً يقيناً، وإن كان أربعين أو نحواً منه، فلو أقمته ثمانين ومات فلعله وقع زيادة على ما هو عند الله فلهذا وَدَيَتُه، وقد أجمعوا على أن من وجب عليه الحدُّ فحُدَّ حدًّا شرعيًّا فمات فلا ديةَ فيه، وهذا احتياط منه رَظُه، وإن قال عند مشاورة عمر إياه: إن الثمانين أحبُّ إليَّ، وقد ثبت أنه قال حين جلَدَ [عبدُالله بن] جعفر، وبلغ أربعين: حسبك(١)، فافهم. ٣٦٢٤ - [١١] (ثور بن زيد الديلمي) قوله: (وعن ثور) بلفظ الحيوان المعروف (ابن زيد الديلمي) هكذا وقع في أكثر نسخ (المشكاة)، وفي نسخ (الموطأ): الديلي بكسر الدال وهو الصحيح. وقوله: (وإذا هذى افترى) فحدَّ لشاربِ الخمر حدَّ القاذفِ إقامةً للسبب مُقَامَ المسبَّب تغليظاً. (١) انظر: ((شرح السنة)) (١٠/ ٣٣٣). ٤١٥ (١٧) كتاب الحدود ٤- باب الا يدعى على المحدود * الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٣٦٢٥ - [١] عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: أَنَّ رَجُلاً اسْمُهُ عَبْدُاللهِ يُلَقَّبُ حِمَاراً كَانَ يُضْحِكُ النَّبِيَّ لَّهِ، وَكَانَ النَّبِيُّ ◌َِ قَدْ جَلَدَهُ فِي الشَّرَابِ، فَأُتِيَ بِهِ يَوْماً، فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: اللهُمَّ الْعَنْهُ مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َهِ: ((لاَ تَلْعَنُوهُ فَوَاللهِ مَا عَلِمْتُ أَنَّهُ يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٦٧٨]. ٤ - باب ما لا يدعى على المحدود في بعض النسخ ليس كلمة (ما)، وبابٌ منون، وعلى تقديره وجود ما هي مصدرية، وباب مضاف إليه، أي: باب عدم الدعاء على المحدود، والمراد الدعاء بالشر كما منع بعض القوم في قولهم: أخزاك الله. الفصل الأول ٣٦٢٥ - [١] (عمر بن الخطاب) قوله: (ما أكثر ما يؤتى به) صيغة تعجب وما مصدرية، أي: ما أكثر إتيانه. وقوله: (فوالله ما علمت أنه يحب الله ورسوله) ذكروا فيه وجوهاً، أحدها: أن ما موصولة، وعلمت بمعنى عرفت، ومفعوله العائد إلى (ما) محذوف، والموصول مع صلته مبتدأ و(أنه) خبره، معناه: فوالله الذي عرفته أنه يحب الله ورسوله، وهذا وجه حسن غير أن القسم يقتضي أن يُتلقَّى بحرف النفي أو اللام أو إنَّ. وثانيها: أن يكون ما نافية والتاء للخطاب، والعلم بمعناه، وأنَّ مع اسمه وخبره ٤١٦ (٤) باب ما لا يدعى على المحدود ٣٦٢٦ - [٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ ◌َهُ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ فَقَالَ: ((اضْرِبُوهُ)) فَمِنَّا الضَّارِبُ بِيَدِهِ، وَالضَّارِبُ بِنَعْلِهِ، وَالضَّارِبُ بِثَوْبِهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: أَخْزَاكَ اللهُ قَالَ: ((لاَ تَقُولُوا هَكَذَا، لاَ تُعِينُوا عَلَيْهِ الشَّيْطَانَ)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٦٧٧٧]. الْفَصْلُ الثَّانِي: ٣٦٢٧ - [٣] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ الأَسْلَمِيُّ إِلَى نَبِيِّ اللهِلَّه فَشَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ أَصَابَ امْرَأَةً حَرَاماً .. سدَّ مسدّ مفعوليه، فيكون جواب القسم بالنفي، ويحتمل أن يكون على هذا التقدير أيضاً علمتَ بمعنى عرفتَ، ومفعوله محذوف، أي: ما عرفتَ حقيقةَ الحال، أو ما عرفتَه، أي: حالَه، فيكون (إنه) بالكسر جواباً للقسم، ويؤيد كونَ (ما) نافيةً روايةٌ (شرح السنة): (فواللهِ ما علمتُ إلا أنَّه يحبُ اللهَ ورسولَه) إلا أن التاء فيه للتكلم، أو يمكن كونها للخطاب وإن كان خلاف الظاهر. وثالثها: أن يكون (ما) زائدةً للتأكيد، أي: لقد علمت بضم التاء أو فتحها، وقد يجعل (ما) بمعنى الذي خبراً لمحذوف، أي: هو الذي علمت أنه يحب الله ورسوله، وهذا الوجه أشدُّ تعسفاً من الوجوه، فتدبر. ٣٦٢٦ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (وعن أبي هريرة) هذا الحديث بعينه كحديثه الذي مرّ في الفصل الثاني من (باب حد الخمر) مع ما فيه من الاختصار. الفصل الثاني ٣٦٢٧ _ [٣] (أبو هريرة) قوله: (جاء الأسلمي) وهو ماعز بن مالك ٤١٧ (١٧) كتاب الحدود أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، كُلَّ ذَلِكَ يُعْرِضُ عَنْهُ، فَأَقْبَلَ فِي الْخَامِسَةِ فَقَالَ: ((أَنِّكْتَهَا؟)) قَالَ: نَعَمْ قَالَ: ((حَتَّى غَابَ ذَلِكَ مِنْكَ فِي ذَلِكَ مِنْهَا؟)) قَالَ: نَعَمْ قَالَ: ((كَمَا يَغِيبُ الْمِرْوَهُ فِي الْمُكْحُلَةِ وَالرَّشَاءُ فِي الْبِئْرِ؟)) قَالَ: نَعَمْ قَالَ: ((هَلْ تَدْرِي مَا الزَّنَا؟)) قَالَ: نَعَمْ، أَتَيْتُ مِنْهَا حَرَاماً مَا يَأْتِي الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِهِ حَلاَلاً، قَالَ: ((فَمَا تُرِيدُ بِهَذَا الْقَوْلِ؟)) قَالَ: أُرِيدُ أَنْ تُطَهِّرَنِي، فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ، فَسَمِعَ نَبِيُّ اللهَِّهِ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِهِ يَقُولُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: انْظُرْ إِلَى هَذَا الَّذِي سَتَرَ اللهُ عَلَيْهِ، فَلَمْ تَدَعْهُ نَفْسُهُ حَتَّى رُجِمَ رَجْمَ الْكَلْبٍ، فَسَكَتَ عَنْهُمَا، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً حَتَّى مَرَّ بِجِيفَةِ حِمَارٍ شَائِلٍ بِرِجْلِهِ، فَقَالَ: ((أَيْنَ فُلاَنٌ وَفُلاَنٌ؟)) فَقَالاَ: نَحْنُ ذَانٍ يَا رَسُولَ اللهِ! فَقَالَ: ((انْزِلاَ فَكُلاَ مِنْ حِيفَةِ هَذَا الْحِمَارِ))، فَقَالاَ : يَا نَبِيَّ اللهِ! مَنْ يَأْكُلُ مِنْ هَذَا؟ قَالَ: ((فَمَا نِلْتُمَا مِنْ عِرْضٍ أَخِيكُمَا آَنِفاً أَشَدُّ مِنْ أَكْلٍ مِنْهُ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهُ الآنَ لَفِي أَنّهَارِ الْجَنَّةِ يَنْغَمِسُ فِيهَا)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٤٢٨]. وقوله: (أربع مرات) متعلق بـ (شهد). وقوله: (كل ذلك) بالنصب ظرف، و(يعرض) من الإعراض، والضمير فيه للنبي ◌َ﴾، وفي (عنه) للأسلمي. وقوله: (أنكتها؟) الهمزة للاستفهام، ونكت على وزن بعت من النيك وهو الجماع، و(المرود) بكسر الميم وسكون الراء: المِيْل، و(المكحلة) بضم الميم والحاء بينهما كاف ساكنة، و(الرشاء) ككتاب: الحبل. وقوله: (شائل برجله) رافع رجله، والباء للتعدية، وذلك من شدة الانتفاخ. ٤١٨ (٤) باب ما لا يدعى على المحدود ٣٦٢٨ - [٤] وَعَنْ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((مَنْ أَصَابَ ذَنْباً أُقِيمَ عَلَيْهِ حَدُّ ذَلِكَ الذَّنْبِ فَهُوَ كَفَّارَتُهُ)(١). رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ . [شرح السنة: ١٠ / ٣١١]. ٣٦٢٩ - [٥] وَعَنْ عَلِيٍّ عَنِ النَّبِيِّ نَلِ قَالَ: ((مَنْ أَصَابَ حَدًّا، فَعُجِّلَ عُقُوبَتَهُ فِي الدُّنْيَا، فَاللهُ أَعْدَلُ مِنْ أَنْ يُنَِّ عَلَى عَبْدِهِ الْعُقُوبَةَ فِي الآخِرَةِ، وَمَنْ أَصَابَ حَدَّا فَسَتَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ وَعَفَا عَنْهُ فَاللهُ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يَعُودَ فِي شَيْءٍ قَدْ عَفَا عَنْهُ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٦٢٦، جه: ٢٦٠٤]. ٣٦٢٨ - [٤] (خزيمة بن ثابت) قوله: (من أصاب ذنباً) هذا واقع على حقيقته. وأما قوله في الحديث الآتي: (من أصاب حداً) فمن إقامة المسبّب مقام السبب، أي: ذنباً يوجب الحدَّ، وقد يراد بالحد المحرَّمُ كما في قوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا﴾، أي: محارمُه. ٣٦٢٩ - [٥] (علي) قوله: (فستره الله عليه وعفا عنه) يعني أن ستره للعفو، ويمكن أن يكون هذا كنايةً عن التوبة، وإلا فالعفوُ غير معلوم في الدنيا، وبمجرد الستر لا يعلم لعله يأخذ في الآخرة وإن كان لا يخلو عن رجاء، فالذي ستره اليوم (١) قال شيخنا في ((التقرير)): قال الثلاثة: إن الحدود كفارة، ولم يقل به الإمام الآية ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزَّىٌ فِىِ الدُّنْيَّا وَلَهُمْ فِ الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [المائدة: ٣٣]، ولرواية أبي أمية عند باب حد الشرب، والجواب عن الرواية أن الحد مفض إلى الكفارة لندامة القلب. ٤١٩ (١٧) كتاب الحدود ٥- باب التعزير ولم يفضح نرجو أن يعفو عنه غداً، فافهم، قالوا: ينبغي لمن أذنب سرًّا أن يتوب منه سرًّا ولا يظهر لئلا يهتك حرمة الشريعة . ٥ - باب التعزير في (القاموس)(١): العَزْرُ: اللَّومُ، عزَرَه يَعْزِرُه وعزَّرَه، والتعزير: ضربٌ دونَ الحد، وهو أشد الضرب، والتفخيم (٢) والتعظيم، ضدٌّ، وقال في (المشارق)(٣): قال الحربي: العَزْر: اللَّومُ، وقال أبو بكر: العَزْرُ: المَنعُ، وعزرته منعته، وقوله تعالى: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ ﴾ [الفتح: ٩] أي: تنصروه وتردُّوا عنه أعداءَه، قال الزجاج: وأصل العزر في اللغة: الرد ونصرة الأنبياء المتدافعة والذب عنهم، وقال الطبري وغيره: معناه تعظموه وتُجِلُّوه، وتعزير المعاقبات منه؛ لأنه يمنع عن المعاودة، يقال: عزرته مخففاً ومثقلاً، وقال في حديث سعد بن أبي وقاص: أصبحت بنو أسد تعزرني على الإسلام، أي: توقفني عليه، قال الهروي: التعزير في كلام العرب: التوقيف على الفرائض والأحكام. وقال الطبري: تقوِّمني وتعلمني من تعزير السلطان وهو تأديبه وتقويمه، وقال في (مختصر النهاية)(٤): التعزير: الإعانة والتوقير والنصرة مرة بعد أخرى، ويطلق على الرد والمنع، فهو من الأضداد، وأصبحت بنو أسد تعزرني في الإسلام، أي: توقفني عليه، وقيل: توبخني على التقصير فيه. (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٤٠٩). (٢) في الأصل: ((التحقير)) وهو تصحيف. (٣) ((مشارق الأنوار)) (٢ / ١٣٩). (٤) ((الدر النثير)) (٢ / ٦٨١). ٤٢٠ (٥) باب التعزير * الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٣٦٣٠ - [١] عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ نِيَارِ عَنِ النَّبِيِّنَّهِ قَالَ: ((لاَ يُجْلَدُ فَوْقَ عَشْرِ جَلَدَاتٍ إِلَّ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٨٤٨، م: ١٧٠٨]. الفصل الأول ٣٦٣٠ _ [١] (أبو بردة) قوله: (عن أبي بردة) بضم الباء وسكون الراء (ابن نيار) بكسر النون والياء آخر الحروف. وقوله: (لا يجلد فوق عشر جلدات إلا في حد) المذهب عندنا أن أكثره تسعة وثلاثون، وأقله ثلاث جلدات، وقال أبو يوسف: يبلغ التعزير خمسة وسبعين، والأصل فيه قوله ◌َّهِ: (مَن بلغَ حدًّا في غير حدٍّ فهو من المُعتدِينَ)، وإذا تعذر تبليغه حدًّا فأبو حنيفة ومحمد نظرا إلى أدنى الحد، وهو حدُّ العبد في القذف، فصرفاه إليه، وذلك أربعون، فنقص منه سوطاً، وأبو يوسف اعتبر أقل الحد في الأحرار إذ الأصل هو الحرية، ثم نقص سوطاً في رواية عنه، وهو قول زفر، وهو القياس، وفي هذه الرواية نقص خمسة، وهو مأثور عن علي ◌َُّ، ثم قدَّر الأدنى بثلاث جلدات؛ لأن ما دونها لا يقع به الزجر، وذكر مشايخنا أن أدناه على ما يراه الإمام، كذا في (الهداية)(١). وعند جمهور الشافعية: لا يبلغ تعزير كل إنسان أدنى الحدود کالشرب فلا يبلغ تعزير العبد عشرين، ولا تعزير الحر أربعين، واختلف الروايات عن أحمد، فروى جماعة أنه لا يزاد على عشر جلدات لهذا الحديث، وأكثر أصحابه على أنه لا يُبلَّغُ بالحر أوفى حدِّه وهو أربعون أو الثمانون، ولا بالعبد أوفى حده وهو عشرون أو أربعون، وقيل: لا يبلغ بكليهما حد العبد، وقالوا: حديث أبي بردة منسوخ بحديث ابن عباس (١) ((الهداية)) (٢ / ٣٦٠ - ٣٦١).