Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١ (١٥) كتاب الأيمان والنذور ٣٤٠٨ - [٣] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ◌ِهِ: ((لاَ تَحْلِفُوا بِالطَّوَاغِي وَلاَ بِآبَائِكُمْ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٦٤٨]. ٣٤٠٩ - [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ: ((مَنْ حَلَفَ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ: بِاللَّتِ وَالْعُزَّى؛ فَلْيَقُلْ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ: تَعَالَ أُقَامِرْكَ. ذلك بتعظيم الله سبحانه، وإلا فالحرمة والكراهة باقٍ، وهو حكم الحلف بغير أسماء الله وصفاته كائناً من كان، وأما إقسام الله سبحانه ببعض مخلوقاته تنبيهاً على شرفها فخارج عن المبحث، فإنه لا يقبح من الله شيء؛ فإن معنى القبح عندنا هو كون الفعل متعلَّقَ النهي، وهو من صفات أفعال العباد، كما قال أصحابنا في إسناد المكر والخداع إلى الله سبحانه، وتأويلهما بجزائهما مبنيٌّ على مذهب الاعتزال كما قرر في موضعه. ٣٤٠٨ - [٣] (عبد الرحمن بن سمرة) قوله: (لا تحلفوا بالطواغي ولا بآبائكم)(١) نهوا عن ذلك لئلا يسبق لسانهم به جرياً على ما تَعوّدوه في الجاهلية، وإلا فالمسلمون كيف يقسمون بالطواغي، والطواغي والطواغيت جمع طاغية، والمراد بها الأصنام؛ لأنها سبب الطغيان فكأنها فاعلة له. ٣٤٠٩ - [٤] (أبو هريرة) قوله: (من حلف فقال في حلفه: باللات والعزى؛ فليقل: لا إله إلا الله) يحتمل أن يكون معناه أنه سبق لسانه به، فليتداركه بكلمة التوحيد؛ لأنه صورة الكفر، وإلا فإن كان على قصد التعظيم فهو كفر وارتداد، يجب العود عنه بالدخول في الإسلام. (١) في ((التقرير)): يشكل عليه قوله عميل: ((أفلح وأبيه)) وغيره، وأجيب بأن حلفه كان لمجرد التأکید، أو قبل ورود النھي. ٢٤٢ (١٥) كتاب الأيمان والنذور فَلْيَتَصَدَّقْ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٦٥٠، م: ١٦٤٧]. ٣٤١٠ - [٥] وَعَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّخَّاكِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((مَنْ حَلَفَ عَلَى مِلَّةٍ غَيْرِ الإِسْلاَمِ كَاذِباً، فَهُوَ كَمَا قَالَ. وقوله: (فليتصدق) أي: بالمال الذي عزم على المقامرة به، أو بشيء من ماله كفارة لما جرى على لسانه وعزم عليه. ٣٤١٠ - [٥] (ثابت بن الضحاك) قوله: (من حلف على ملة غير الإسلام) نحو: إن فعل فهو يهودي، أو نصراني، أو بريء من الإسلام، أو من النبي، أو من القرآن. وقوله: (كاذباً) بأن كان قد فعله إن كان الحلف على الماضي، أو لم يفعل إن كان في المستقبل؛ فإن المقصودَ من هذا الحَلِفِ المنعُ عن الفعل، فصدقُه بأن لا يفعلَ، وكذبُه بأن يفعلَ . وقوله: (فهو كما قال) ظاهر الحديث أنه يصير كافراً، إما بمجرد الحلف، أو بعد الحنث، كذا قال الطيبي(١)، والظاهر أنه إن حلف على الماضي يكفر بمجرد الحلف، وإن حلف على المستقبل يكفر بعد الحنث. اعلم أنه قد اختلف في كون هذا القول يميناً، أعني يميناً تجب فيه الكفارة، وأما تسمية التعليق يميناً وحلفاً فهو شائع في كلام الفقهاء، وذلك بمعنى تقوية الحكم، فإن اليمين يجيء بمعنى القوة، والكلام هنا في اليمين الذي تجب فيه الكفارة؛ فذهب كثير من الأئمة أنه يمين تجب الكفارة عند الحنث، وهو المذهب عندنا؛ لأنه لما علَّقَ الكفرَ بذلك الفعل فقد حرَّمَ الفعلَ، وتحريمُ الحلالِ يمينٌ، وكذا عند أحمد في أشهر الروايتين، واختيار جمهور أصحابه، قالوا: لأن التزام ذلك يقتضي الكفر، وذلك (١) ((شرح الطيبي)) (٧/ ٢١). ٢٤٣ (١٥) كتاب الأيمان والنذور أبلغ في انتهاك الحرمة من انتهاك حرمة القسم، فكان بإيجاب الكفارة أولى، وقال مالك والشافعي وغيرهما من أهل المدينة: إنه ليس بيمين ولا كفارة؛ لأن ذلك ليس باسم الله ولا صفته؛ فلا يدخل في الأيمان المشروعة، وقد قال ◌َّه: (من كان حالفاً فلا يَحْلِفْ إلا بالله)(١)، ولم يتعرض في الحديث للكفارة، بل قال: فهو كما قال، ونقل عن أحمد أيضاً كذلك، لكن الأشهر منه هو الأول، ونقل عنه بعض أصحابه أنه قال: أحبُّ إليَّ أن يكفِّرَ كفارةَ يمينٍ . وكما اختلفوا في كونه يميناً اختلفوا في أنه هل يصير به كافراً؟ فقال بعضهم: المراد بقوله: (فهو كما قال) التهديد والمبالغة في الوعيد، لا الحكم بأنه صار يهوديًّا أو بريئاً من الإسلام، كما في قوله: (مَن تركَ الصلاةَ فقد كفرَ)، وقال آخرون: إنه یکفر لأنه إسقاط لحرمة الإسلام ورضىّ بالكفر، وعندنا لا يكفر بهذا القول، سواء علق الكفر بفعل ماض أو مستقبل، وعند بعض مشايخنا: إن علقه بفعل ماض يكفر، نحو إن كان فعَلَ أمسٍ كذا فهو كافر؛ لأن التعليق بفعل يعلم أنه قد وقع تنجيز، لأن التعليق بشيء كائن ثابت تنجيزٌ معنىً، لكن الصحيح أنه لا يكفر إن كان يعلم أنه يمين، لأن الكفر إنما يكون بالاعتقاد، والمقصود من اليمين زجر النفس وتحذيره عن الفعل بتعليقه بشيء هو مكروه عنده ومحظور، فإن كان عند الحالف أنه يكفر بهذا القول يكفر فيهما، أي: في الماضي والمستقبل؛ لأنه رضي بالكفر حين أقدم على الفعل، هذا محصَّل ما ذكر في (الهداية)(٢)، و(شرح الوقاية)(٣). (١) أخرجه البخاري في ((صحيحه)) كتاب: الشهادات، باب: كيف يستحلف (٢٦٧٩). (٢) ((الهداية)) (٢ / ٣١٨). (٣) ((شرح الوقاية)) (٢/ ٢٠٢). ٢٤٤ (١٥) كتاب الأيمان والنذور وَلَيْسَ عَلَى ابْنٍ آدَمَ نَذْرٌ فِيمَا لاَ يَمْلِكُ، وَمَنْ قَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ فِي الدُّنْيَا عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ لَعَنَ مُؤْمِناً فَهُوَ كَقَتْلِهِ، وَمَنْ قَذَفَ مُؤْمِناً بِكُفْرٍ فَهُوَ كَقَتْلِهِ، وَمَنِ الذَّعَى دَعْوَى كَاذِبَةً لِيَتَكَثَّرَ بِهَا، لَمْ يَزِدْهُ اللهُ إِلَّ قِلَّةً)). مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ. [خ: ٦٠٤٧، م: ١١٠]. وإن قال: إن فعل كذا فهو زانٍ، أو سارق، أو شارب خمر، أو آكل ربا لم يكفر؛ لأن حرمة هذه الأشياء يحتمل النسخ والتبديل، فلم يكن في معنى حرمة الكفر، ولأنه ليس بمتعارف، كذا في (الهداية)(١). وقوله: (وليس على ابن آدم نذر فيما لا يملك) صورته أن يقول: إن شفى الله مريضي فالعبدُ الفلاني حرّ، وليس في ملكه، وإن دخل بعد ذلك في ملكه لم يلزمه الوفاء بنذره، بخلاف ما إذا علق عِتقَ عبدٍ بملكِه؛ فإنه يعتق عندنا بعد التملك. وقوله: (ومن قتل نفسه بشيء ... إلخ)، كمن قتل نفسه بسكين يعاقب عليه بأن يؤتى يوم القيامة سكيناً يقتل نفسه به إلى ما شاء الله كما جاء في حديث آخر في قاتل النفس . وقوله: (ومن لعن مؤمناً فهو) أي: اللعن (كقتله) في التحريم والعقاب، وهذا قريب من إلحاق الناقص بالكامل تغليظاً وتشديداً، وهذا إن أراد أعمَّ من لعن الكافرين، وإن أراده فهو في حكم القذف بالكفر كما قال: (ومن قذف مؤمناً بكفر فهو كقتله) وهذا التشبيه أظهر؛ لأن الكفر من أسباب القتل، فكان الرمي به كالقتل . وقوله: (ليتكثر بها) إشارة إلى علة الدعوى في الأغلب، وليس تقييداً بأن (١) ((الهداية)) (٢/ ٣١٨). ٢٤٥ (١٥) كتاب الأيمان والنذور ٣٤١١ - [٦] وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنِّي وَاللهِ إِنْ شَاءَ اللهُ لاَ أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْراً مِنْهَا إِلَّ كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٧١٨، م: ١٦٤٩]. لا يترتب الجزاء عند عدم قصد التكثير، ويحتمل أن يكون اللام للعاقبة، فافهم. ٣٤١١ - [٦] (أبو موسى) قوله: (إن شاء الله) هو للتبرك وإظهار الرغبة. وقوله: (لا أحلف على يمين) قيل: المراد باليمين هنا المحلوف عليه؛ فإنه قد يطلق عليه مجازاً لتلبُّسِه باليمين، كذا نقل عن (الكشاف)(١)، وقال الشُّمُنِّي(٢): حقيقة اليمين جملتان، إحداهما مُقْسَمٌ به، والأخرى مُقْسَمٌ عَلَيْهِ، فَذُكِر الكلُّ وأريد البعضُ، وقيل: ذُكِرَ اسمُ الحالِّ وأريد المحلُّ؛ لأن المحلوف عليه محلٌّ اليمين، وقول صاحب (الكشاف) : (لتلبُّسه بها) يشمل الكل، وقيل: (على) بمعنى الباء. وقال الكرماني: حلفت على يمين، أي: بيمين، أو المراد بها المحلوف عليه مجازاً، وأقول: يجوز أن يضمن (أحلف) معنى أعزم وأقبل، ففيه إشارة بأن يمين اللغو لا ينعقد، ويجوز أن يحمل اليمين على الكلام الذي فيه اليمين، كالإنشاء والخبر يطلقان على الكلام وفعل المتكلم، هذا والموافق بسياق الكلام من قوله: (فأرى غيرها) أن المراد به المحلوف عليه، ويحتمل الاستخدام أيضاً. وقوله: (إلا كفرت عن يميني) أي: أحنٌثُ نفسي، ثم أكفِّرُ، وذهب الأئمة الثلاثة إلى جواز تقديم الكفارة على الحنث، إلا أن الشافعي رحمه الله خصص بالمالي منها، والاستدلال لهم على ذلك بهذا الحديث لا يتم؛ لأن الواو لمطلق الجمع، (١) ((الكشاف)) (١/ ١٣٥). (٢) انظر: ((البحر الرائق)) (٤ /٣١٦). ٢٤٦ (١٥) كتاب الأيمان والنذور ٣٤١٢ - [٧] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: (يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ! لاَ تَسْأَلِ الإِمَارَةَ، فَإِنَّكَ إِنْ أُوتِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا، وَإِنْ أُوتِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا، وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْراً مِنْهَا فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ وَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ)) وَفِي رِوَايَةٍ: ((فَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧١٤٧، م: ١٦٥٢]. ولا يدل على الترتيب، فهذا لا يدل على تقديم الكفارة على الحنث، كما أن الرواية التي تأتي في الحديث الآتي: (فأْتِ الذي هو خير وكفِّرْ عن يمينك) لا يدل على الأمر بالحنث قبل التكفير . فإن قلت: الرواية التي فيها فاء التعقيب صريح في تقديم التكفير؛ لأن الفاء يدل على اتصاله برؤية غيرها خيراً، فيكون مقدّماً على الفعل الذي هو الحنث؟ قلت: الواقع تحت الفاء مجموع التكفير والحنث، والواقع بينهما الواو، فلا يثبت بينهما الترتيب. والحق أن الأحاديث خالية عن الدلالة على التقديم والتأخير، وتجويزهم التقديم بدليل آخر، وهو القياس على تقديم الزكاة على الحول، وتحقيقه في أصول الفقه(١) . ٣٤١٢ - [٧] (عبد الرحمن بن سمرة) قوله: (عن مسألة) أي بعد سؤال وطلب . وقوله: (أعنت عليها) أي: أعانك الله على تلك الإمارة بالتوفيق على رعاية العدالة فيها . (١) انظر هذا البحث مفصلاً في: ((أوجز المسالك)) (٩/ ٦٢٥). ٢٤٧ (١٥) كتاب الأيمان والنذور ٣٤١٣ - [٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: ((مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى خَيْراً مِنْهَا فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ وَلْيَفْعَلْ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٦٥٠]. ٣٤١٤ - [٩] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((وَاللهِ لأَنْ يَلَجَّ أَحَدُكُمْ بِيَمِينِهِ فِي أَهْلِهِ آثَمُ لَهُ عِنْدَ اللهِ مِنْ أَنْ يُعْطِيَ كَفَّارَتَهُ الَّتِي افْتَرَضَ اللهُ عَلَيْهِ)). مُتَفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٦٢٥، م: ١٦٥٥]. ٣٤١٣ - [٨] (أبو هريرة) قوله: (وليفعل) أي: ليحنث نفسه وليفعل. ٣٤١٤ - [٩] (عنه) قوله: (والله لأن يلج) اللام للابتداء و(أن يلج) بتأويل المصدر، ويلَجَّ من اللجاج بفتح اللام وكسرها، و(آثم) بمد همزة ومثلثة مفتوحة على صيغة التفضيل، يعني لجاجه، أي: صبره وإصراره على يمينه التي يتعلق بأهله أكثرُ في سببية الإثم من حنثه في يمينه وإعطائه الكفارة، فقوله: (آثم) من المجرد، ووصف اللجاج به مجاز باعتبار السببية، ويحتمل من المزيد على قول من يجوز اشتقاق اسم التفضيل منه. وفي (الصراح)(١): إيثام: دربزه أفكندن، ومضمون ما سبق من الأحاديث الناطقة بأن من حلف فرأى غيره خيراً فليفعل ويكفِّر، واليمين في أهله التي يتضررون بالبر فيها ويفوت حقهم به إحدى الصور التي يرى غيرَ المحلوف عليه فيها خيراً. بقي أنه يفهم من صيغة التفضيل أن يكون الإثم ثابتاً في الحنث وإعطاء الكفارة أيضاً، مع أن الخيرية منحصرة فيه، ويجب ذلك عليه، فيجاب بأن ذلك باعتبار أن في الحنث هَتْكَ حرمةِ اسم الله في الظاهر، أو باعتبار توهم الحالف أن في الحنث (١) ((الصراح)) (ص: ٤٥٧). ٢٤٨ (١٥) كتاب الأيمان والنذور ٣٤١٥ - [١٠] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((يَمِينُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ عَلَيْهِ صَاحِبُكَ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٦٥٢]. ٣٤١٦ - [١١] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِهِ: ((الْيَمِينُ عَلَى نِيَّةٍ الْمُسْتَحْلِفِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٦٥٣]. ٣٤١٧ - [١٢] وعَن عَائِشَةَ قَالَتْ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿لَّا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَنِكُمْ ﴾ [المائدة: ٨٩]، فِي قَوْلِ الرَّجُلِ: لَ وَاللهِ، وَبَلَى وَاللهِ. إثماً، وفي حديث آخر: (إذا استلجَّ أحدُكم يمينَه فإنه آثمُ له عند الله من الكفارة)(١)، واستلجَّ استفعل من اللجاج، وروي (إذا استلجَجَ) بترك الإدغام. ٣٤١٥ - [١٠] (وعنه) قوله: (يمينك) مبتدأ، و(على ما يصدقك عليه صاحبك) خبره، أي: المعتبر في صدق اليمين نية صاحبك الذي يستحلفك وما قصده، لا يعتبر فيها توريةُ الحالف ونيتُه، وهذا إذا كان المستحلِفُ صاحب حق يبطل بالتورية، كما في صورة استحلاف القاضي، أو نائبه المدعى عليه، أو لم يكن كذلك، أو لم يكن هناك مستحلف، فلا بأس بالتورية لاسيما إذا كان فيه نفع لأحدٍ كما إذا تعرض أحدٌ أحداً، فقلت: هو أخي مريداً به أخوة الإسلام ونحو ذلك. ٣٤١٦ - [١١] (وعنه) قوله: (اليمين على نية المستحلف) وهو المراد بـ (صاحبك) في الحديث السابق كما شرحنا . ٣٤١٧ - [١٢] (عائشة) قوله: (في قول الرجل: لا والله، وبلى والله) من عادة العرب أن يقولوا كثيراً في محاوراتهم: لا والله، بلى والله، ولا اعتبار له ولا ينعقد (١) أخرجه ابن ماجه في ((سننه)) (٢١١٤). ٢٤٩ (١٥) كتاب الأيمان والنذور رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَفِي ((شَرْحِ السُّنَّةِ)) لَفْظُ ((الْمَصَابِيحِ) وَقَالَ: رَفَعَهُ بَعْضُهُمْ عَنْ عَائِشَةَ. [خ: ٦٦٦٣]. * الْفَصْلُ الثَّانِي: ٣٤١٨ - [١٣] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لاَ تَحْلِفُوا بِبَاتِكُمْ، وَلَ بِأُمَّهَاتِكُمْ، وَلاَ بِالأَنْدَادِ، وَلاَ تَخْلِفُوا بِاللهِ إِلاَّ وَأَنْتُمْ صَادِقُونَ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٣٢٤٨، ن: ٣٧٦٩]. يميناً، ولهذا يسمى يمين اللغو(١)، وقد يفسر يمين اللغو بما حلف ظاناً أنه حق وليس بحق ولا يؤاخذ به، واللَّغو واللَّغاءُ: السَّقطُ وما لا يُعتَدُّ به من كلام وغيره، كذا في (القاموس)(٢). وقوله: (وفي شرح السنة لفظ المصابيح)، وهو قوله: (وعن عائشة قالت: لغو اليمين قول الإنسان: لا والله، وبلى والله)، ورفعه بعضهم عن عائشة، أي: متجاوزاً عن عائشة غير موقوف عليها، والحديث مرفوع سواء يرفعونه أم لا؛ لأن تفسير الصحابي فيما يتعلق بسبب نزول آية في حكم المرفوع، كذا ذكر في أصول الحديث، ولهذا رواه البخاري في (صحيحه). الفصل الثاني ٣٤١٨ - [١٣] (أبو هريرة) قوله: (ولا بالأنداد) أي: الشُّركاءِ، وهي الأوثان. (١) اللغو عند الشافعية أن يحلف على شيء ماض أو مستقبل سهواً لا والله، بلى والله، وعند الحنفية أن يحلف على الماضي قصداً، وعلم بعده أنه غلط. (٢) ((القاموس)) (ص: ١٢٢٢). ٢٥٠ (١٥) كتاب الأيمان والنذور ٣٤١٩ - [١٤] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِّهِ يَقُولُ: ((مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللهِ فَقَدْ أَشْرَكَ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٥٣٥]. ٣٤٢٠ - [١٥] وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: (مَنْ حَلَفَ بِالأَمَانَةَ فَلَيْسَ مِنَّا)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٢٥٣]. ٣٤١٩ - [١٤] (ابن عمر) قوله: (فقد أشرك) أي: المحلوف به مع الله في التعظيم، وقد قيل: بالتكفير، وهو تغليظ، اللهم إلا أن يقصد حقيقة التعظيم والتشريك، والله أعلم. ٣٤٢٠ - [١٥] (بريدة) قوله: (من حلف بالأمانة فليس منا) أي: ممَّن اقتدى بطريقتنا، بل من المتشبهين بغيرنا، فإنه من دَيدَن أهل الكتاب، ولعدم دخولها في أسماء الله وصفاته، وقيل: أراد بالأمانة الفرائض، أي: لا تحلفوا بالصلاة والحج ونحوهما، وقال التُّورِبِشْتِي(١): إذا حلف بأمانة الله، فقد اختلف فيه أقاويل العلماء، والمشهور عن أبي حنيفة رحمه الله أن يمينه تنعقد، فجعل أمانة الله من الصفات؛ لأن من أسماء الله الأمين، وأحلّها بمحل الإرادة من المريد، والقدرة من القدير، ويحتمل أن يقال: إنه في معنى كلمة الله، على ما ذهب إليه غير واحد من علماء التفسير في تأويل قوله سبحانه: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ [الأحزاب: ٧٢]، وقالوا: الأمانة كلمة التوحيد، وقد روي عن أبي يوسف خلافه، واختار الطحاوي أن اليمين لا تنعقد بأمانة الله، سواء نوى اليمين أو لم ينو، انتهى. وعند أحمد: إن حلف بأمانة الله وعهده وميثاقه، إن أضافها إلى الله، أو نوى بها صفة الله، فهو يمين موجب للكفارة، وإن قال: والأمانة والعهد وأطلق، فروایتان، (١) ((كتاب الميسر)) (٣/ ٨٠٤). ٢٥١ (١٥) كتاب الأيمان والنذور ٣٤٢١ - [١٦] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: ((مَنْ قَالَ: إِنِّي بَرِيءُ مِنَ الإِسْلاَمِ؛ فَإِنْ كَانَ كَاذِباً فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَإِنْ كَانَ صَادِقاً فَلَنْ يَرْجِعَ إِلَى الإِسْلاَمِ سَالِماً)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٣٢٥٨، ن: ٣٧٧٢، جه: ٢١٠٠]. ٣٤٢٢ - [١٧] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ إِهِ إِذَا اجْتَهَدَ فِي الْيَمِينِ قَالَ: ((لاَ، وَالَّذِي نَفْسُ. لكنه يكره اليمين بالأمانة لورود النهي عنه، والنهي إما للتحريم أو للكراهة، وظاهر كلام بعض أصحابه(١) أن ما عدا أسماء الله وصفاته لا تنعقد اليمين به، وبهذا يظهر أن القول بكون اليمين بأمانة الله منعقداً لا ينافي ورود النهي عن ذلك؛ لما فيه من التشبه بأهل الكتاب، فتدبر . ٣٤٢١ - [١٦] (عنه) قوله: (إني بريء من الإسلام) أي قال: إن فعلت كذا فإني بريء من الإسلام، يعني حلف ببراءته من الإسلام، كما مرّ في (الفصل الأول) من حديث ثابت بن الضحاك: (مَن حلفَ على ملَّةٍ غيرِ الإسلامِ)، فيكون معنى قوله : (فإن كان كاذباً) أنه فعل كذا لأن اليمين للمنع . وقوله: (وإن كان صادقاً) يعني لم يفعل وبرّ في يمينه، فحينئذ لا يكفر، ولكن لن يرجع إلى الإسلام سالماً؛ فإن الحلف بشيء يحتمل الكفر على تقدير الحنث لا يليق بحال المسلم، ولا ينبغي أن يتجاسر عليه، وحاصله أنه يأثم بهذا الحلف، فافهم. ٣٤٢٢ - [١٧] (أبو سعيد الخدري) قوله: (إذا اجتهد في اليمين) الاجتهاد: بذل الوسع في طلب الأمر، يعني كان إذا بالغ في تقرير القسم وتأكيده أقسم بهذا (١) انظر: ((المغني)) لابن قدامة (١٣ / ٤٧٢ - ٤٧٠). ٢٥٢ (١٥) كتاب الأيمان والنذور أبِي الْقَاسِم بِيَدِهِ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٢٦٤]. ٣٤٢٣ - [١٨] وَعَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: كَانَتْ يَمِينُ رَسُولُ اللهِ إِذَا حَلَفَ: ((لاَ، وَأَسْتَغْفِرُ الله)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَه. [د: ٣٢٦٥، جه: ٢٠٩٣]. ٣٤٢٤ - [١٩] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِوَ لِ قَالَ: ((مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللهُ فَلاَ حِنْثَ عَلَيْهِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ، . النوع من الكلام، فإنه يدل على كمال قدرة الحق وتسخيره نفسه الكريمة العظيمة، وفي العدول عن اسمه الشريف كما هو الغالب في الأحاديث من قوله: (والذي نفس محمد بيده) إلى كنيته المباركة أيضاً نوع من مزيد الاجتهاد والاهتمام، وكلمة (لا) ظاهره نفيٌ وردٌّ للكلام السابق، ولكن جرت العادة بذكرها من غير أن يكون كلام سبق فرضاً وتقديراً، والله أعلم. ٣٤٢٣ - [١٨] (أبو هريرة) قوله: (لا وأستغفر الله) قيل: تقديره: لا أقسم، يكون (لا) زائدة للإشارة إلى ظهور المقسم عليه، أو رداً لكلام سابق، و(أقسم) إنشاء قسم، كما هو المشهور في توجيه هذا الكلام الواقع في الآيات القرآنية، وزيادة (أستغفر الله) عقيبه تداركٌ لما جرى على لسانه من يمين اللغو من غير قصد، وإن كان معفواً عنه، وقيل: سماه حلفاً مجازاً وتشبيهاً، ومعناه أستغفر الله إن كان الأمر على خلاف ذلك، فهو يؤكد الكلام ويقرره، فلهذا سماه حلفاً مجازاً وتشبيهاً في معنى التقرير والتأكيد. ٣٤٢٤ - [١٩] (ابن عمر) قوله: (فقال: إن شاء الله) يعني متصلاً، والعمل ٢٥٣ (١٥) كتاب الأيمان والنذور وَذَكَرَ التِّرْ مِذِيُّ جَمَاعَةً وَقَفُوهُ عَلَى ابْنِ عُمَرَ. [ت: ١٥٣١، د: ٣٢٦١، ل: ٣٨٢٨، جه: ٢١٠٥، دي: ٢ / ١٨٥]. الْفَصْلُ الثَّالِثُ: * ٣٤٢٥ - [٢٠] عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ عَوْفٍ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيِهِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَرَأَيْتَ ابْنَ عَمِّ لِي آتِهِ أَسْأَلُهُ فَلاَ يُعْطِنِي وَلاَ يَصِلُنِي، ثُمَّ يَحْتَاجُ إِلَيَّ فَبَأْتِي فَيَسْأَلُنِي، وَقَدْ حَلَفْتُ أَنْ لاَ أُعْطِيَهُ وَلاَ أَصِلَهُ، فَأَمَرَّنِي أَنْ آتِيَ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَأُكَفِّرَ عَنْ يَمِينِي. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ن: ٣٧٨٨، جه: ٢١٠٩]. على هذا عند أكثر أهل العلم، قال محمد رحمه الله في (موطئه)(١): وبهذا نأخذ، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله إذا قال: إن شاء الله ووصله بيمينه فلا شيء عليه، وقال: الاستثناء بعد حين غير جائز، وحكاية الإمام أبي حنيفة في طلب الخليفة ومعاتبته إياه في مخالفة جده ابن عباس في القول بجواز الاستثناء متصلاً، واعتذاره بأنه حينئذ لا يتم لهم البيعة مشهورة، وحد الوصل قيل: بأن لا يشتغل بكلام آخر، وقيل: ما دام في المجلس، وقيل: غير ذلك. الفصل الثالث ٣٤٢٥ - [٢٠] (أبو الأحوص عوف بن مالك) قوله: (أن آتي الذي هو خير) ليس هو للتفضيل، إذ هو يجيء بمعنى التفضيل ولا بمعناه، قال في (الصراح)(٢): خير: (١) انظر: ((موطأ الإمام مالك مع التعليق الممجد)) (٣/ ١٦٧). (٢) ((الصراح)) (ص: ١٧٥). ٢٥٤ (١) باب في النذور وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! يَأْتِيْنِي ابْنُ عَمِّي فَأَحْلِفُ أَنْ لاَ أُعْطِيَهُ وَلاَ أَصِلَهُ قَالَ: ((كَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ)). ١- باب في النذور * الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٣٤٢٦ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عُمَرَ قَالاَ: قَالَ رَسُولُ اللهِِّ: ((لاَ تَنْذُرُوا، فَإِنَّ النَّذْرَ لاَ يُغْنِي مِنَ الْقَدَرِ شَيْئاً، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ من الْبَخِيلِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٦٠٩، م: ١٦٤٠]. نيكو، ونيكوى، ونيكوتر، وإنما لم يحمل هنا على التفضيل؛ لأن المعنى دائر بين قطع الصلة ومنعها ومنع المعروف وإعطائه، فلا يصح معنى التفضيل، كذا قال الطيبي(١)، إلا أن يعتبر بزعم القائل باعتبار كونه مكافأة، وجزاء سيئة سيئة مثلها، لكن الوصل والإعطاء أولى وأحرى، وأخذ بالعزيمة وكرم الخلق، فافهم. ١ - باب في النذور قد جمع في الباب المتقدم الأيمان والنذور، وهذا باب آخر مخصوص بالنذور؛ فلهذا أتى بكلمة (في) وإن لم يكن ذلك عادته، فافهم. الفصل الأول ٣٤٢٦ - [١] (أبو هريرة) قوله: (لا تنذروا) بضم الذال وكسرها من ضرب (١) ((شرح الطيبي)) (٢٩/٧). ٢٥٥ (١٥) كتاب الأيمان والنذور ٣٤٢٧ - [٢] وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِوَ لِ قَالَ: ((مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلاَ يَعْصِهِ)). رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (خ: ٦٦٩٦]. ٣٤٢٨ - [٣] وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ مَّهِ: ((لاَ وَفَاءَ لِنَذْرِ فِي مَعْصِيَةٍ، ونصر، والنهي عن النذر على اعتقاد أنه يردّ عن القدر شيئاً، ولما كان من عادة الناس أنهم ينذرون لجلب المنافع ودفع المضار، وذلك فعل البخلاء، نهوا عن ذلك، وأما غير البخيل فيعطي باختياره بلا واسطة النذر، ففي النهي عن النذر لهذا الغرض ترغيب على النذر، ولكن على جهة الإخلاص. ٣٤٢٧ - [٢] (عائشة) قوله: (ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه) فيه أن النذر بالمعصية لم يجز الوفاء به . ٣٤٢٨ - [٣] (عمران بن حصين) قوله: (لا وفاء لنذر في معصية) کمن نذر بذبح ولده، وكذلك نذر صوم يوم النحر عند الشافعي رحمه الله لأنه حرام، وعندنا يصح النذر، ويقضي يوماً آخر؛ لأن صوم النحر مشروع بأصله غير مشروع بوصفه، وهو الإعراض عن ضيافة الله، فالنذر به نذر بالطاعة، ووصف المعصية متصل بذاته فعلاً لا باسمه ذكراً، وتحقيقه في أصول الفقه، وقد جاء عن أصحابنا أنه يلزم بنذر ذبح الولد ذبح الشاة. ثم لا كفارة في النذر عند الشافعية، وعندنا اليمين من موجبات النذر ولوازمه؛ لأن النذر إيجاب المباح وهو يستلزم تحريم الحلال، وتحريم الحلال يمين بدليل قوله تعالى: ﴿وَأَيُّهَا النَّبِىّلِمَ تُحُرِّمُ مَا أَحَ اللّهُ لَكِّ﴾ إلى أن قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اَللَّهُ لَكُمْتَجِلَّةَ أَيْمَنِكُمْ﴾ [التحريم: ١ - ٢] حتى روى مقاتل: أن رسول الله ◌َ﴿ أعتق رقبة في تحريم مارية، وأما ٢٥٦ (١) باب في النذور وَلاَ فِيمَا لاَ يَمْلِكُ الْعَبْدُ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَفِي رِوَايَةٍ: ((لاَ نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ). [م: ١٦٤١]. ٣٤٢٩ - [٤] وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ عَنْ رَسُولِ اللهِ نَّهِ قَالَ: ((كَفَّارَةُ النَّذْر كَفَّارَةُ الْيَمِينِ)». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٦٤٥]. ٣٤٣٠ - [٥] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: بَيْنَ النَّبِيُّ ◌َه يَخْطُبُ إِذا هُوَ بِرَجُلٍ قَائِمِ، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقَالُوا: أَبُو إِسْرَائِيلَ نَذَرَ أَنْ يَقُومَ وَلاَ يَقْعُدَ، .. إذا نذر مطلقاً فقال: علي نذر ولم يسم شيئاً، فعليه كفارة اليمين بالاتفاق، وقد روى في (الهداية)(١): (ومَن نذرَ نَذْراً ولم يسمِّ فعليه كفَّارةُ يمينٍ)، وروى الطيبي(٢) أيضاً عن ابن عباس نحوه. وقوله: (ولا فيما لا يملك العبد) قد مرّ بيانه في الفصل الأول من (باب الأيمان والنذور) من حديث ثابت بن الضحاك. ٣٤٢٩ - [٤] (عقبة بن عامر) قوله: (كفارة النذر كفارة اليمين) دليل على مذهب أبي حنيفة رحمه الله، ولو حمل على النذر المطلق من غير تسمية شيء يكون متفقاً علیه کما عرفت. ٣٤٣٠ - [٥] (ابن عباس) قوله: (فسأل) أي: سأل النبيُّ ◌َِّ (عنه) أي: عن الرجلِ مَن هو؟ وما حاله؟ (فقالوا) أي: أجاب الصحابة أن اسمه (أبو إسرائيل) وكان رجلاً من بني عامر بن لؤي من بطون قريش، وحاله أنه (نذر أن يقوم ولا يقعد) وهذا (١) ((الهداية)) (٢ / ٣١٩). (٢) ((شرح الطيبي)) (٧/ ٣٢). ٢٥٧ (١٥) كتاب الأيمان والنذور وَلاَ يَسْتَظِلَّ، وَلاَ يَتَكَلَّمَ وَيَصُومَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((مُرُوهُ فَلْيَتَكَلَّمْ وَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيَقْعُدْ وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٦٧٠٤]. ٣٤٣١ - [٦] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ رَأَى شَيْخاً يُهَادَى بَيْنَ ابْنَيَّهِ .. ينظر إلى أن القعود يكون من القيام كما قيل، وأما من الضِّجعة أو من السجود فهو جلوس، وقد قيل بعدم الفرق بينهما . وقوله: (وليتم صومه) أمرُهُ بَّ بوفاء الصوم دون ما عداه يدلُّ على أن النذر لا يصح إلا فيما فيه قربة، وما لا قربة فيه فنذره لغو، كذا نقل الطيبي(١)، وعزاه إلى جمع من الصحابة، وقال: وهو مذهب مالك والشافعي، وقيل: إن كان المنذور فيه مباحاً يجب الإتيان به، واستدل بما روي أن امرأة قالت: يا رسول الله! إني نذرتُ أن أضربَ على رأسك بالدُّفِّ، قال رَّ: (أَوفِي بنذرِكِ)، وإن كان محرماً تجب كفارة اليمين، لما روي عن عائشة ◌َّ أنه وَّ قال: (لا نذرَ في معصيةٍ، وكفارتُه كفارةُ اليمينِ)، انتھی . والظاهر أن مذهبنا هذا، ويظهر ذلك مما ذكر أصحابنا أن النذر هو إيجاب المباح، وكفى بالحديث الوارد في النذر بضرب الدف متمسَّكاً لهم، فإن قلت: فلم لم يأمر النبي ◌َّر بالوفاء بالقعود وعدم الاستظلال وعدم التكلم مع كونها مباحة؟ قلنا: إباحتها دائماً والاجتناب عن أضدادها مطلقاً ممنوعة، فافهم. ٣٤٣١، ٣٤٣٢ - [٦، ٧] (أنس، وأبو هريرة) قوله: (يهادى) بلفظ المجهول (بين ابنيه) معتمداً عليهما من ضعفه وتمايله، ومنه تهادت المرأة: إذا تمايلت. (١) ((شرح الطيبي)) (٧/ ٣٢). ٢٥٨ (١) باب في النذور فَقَالَ: ((مَا بَالُ هَذَا؟)) قَالُوا: نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ اللهِ قَالَ: ((إِنَّ اللهَ تَعَالَى عَنْ تَعْذِيبٍ هَذَا نَفْسَهُ لَغَنِيٌّ)) وَأَمَرَهُ أَنْ يَرْكَبَ. مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ. [خ: ١٨٦٥، م: ١٦٤٢]. ٣٤٣٢ - [٧] وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: ((ارْكَبْ أَّهَا الشَّيْخُ، فَإِنَّ اللّهَ غَنِيٌّ عَنْكَ وَعَنْ نَذْرِكَ)). [م: ١٦٤٣]. مَكَلَ اللَّه ٣٤٣٣ - [٨] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاس: أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ اسْتَفْتَى النَّبِيَّ فِي نَذْرِ كَانَ عَلَى أُمَّهِ فَتُؤُفِّيَتْ قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَهُ، فَأَقْتَاهُ أَنْ يَقْضِيَّهُ عَنْهَا. مُتَّفَقٌ. ٠ وسـ وقوله: (نذر أن يمشي) يعني إلى بيت الله تعالى. وقوله: (وأمره أن يركب) ظاهره أنه لا دم عليه، وبه قال الشافعي، وعندنا إن يركب فعليه دم، وقيل: وهو أحد قول الشافعي؛ لأنه أدخل نقضاً بعد التزامه . ٣٤٣٣ - [٨] (ابن عباس) قوله: (فأفتاه أن يقضيه عنها) لا يدل الحديث على وجوب القضاء من ماله، بل يحتمل أن يكون تبرعاً، أو القضاء من تركتها، واختلف في أن نذر أم سعد كان مطلقاً أو صوماً أو عتقاً أو صدقة، وما ورد أنه ولي أمره أن يسقي عنها بئراً، وقال: (هذه لأم سعد)(١) يدل على أنه كان مطلقاً، أو صدقة، هذا والجمهور على أن الوارث لا يلزمه قضاء النذر الواجب على الميت إذا كان غير ماليٍّ، وإذا كان ماليًّا ولم يخلف تركة لا يلزمه في غير وصية، لكن يستحب ذلك، وقال (١) أخرجه أبو داود في ((سننه)) (١٦٨١). ٢٥٩ (١٥) كتاب الأيمان والنذور عَلَيْهِ. [خ: ٦٦٩٨، م: ١٦٣٨]. ٣٤٣٤ - [٩] وَعَنْ كَعْبٍ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ مِنْ تَوْيَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللهِ وَإِلَى رَسُولِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : ((أَمْسِكْ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ)) قُلْتُ: فَإِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَرَ. مُتَفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٦٩٠، م: ٢٧٦٩] وَهَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ مُطَوَّلٍ . * الْفَصْلُ الثَّانِي: ٣٤٣٥ - [١٠] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لاَ نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ، أصحاب الظواهر: يلزمه لهذا الحديث، كذا نقل الطيبي(١). ٣٤٣٤ - [٩] (كعب بن مالك) قوله: (إن من توبتي) أي: من تمام توبتي. وقوله: (أن أنخلع) أي: أخرجَ منه كلِّه، وأتجرد منه كما يتجرد منه الإنسان وینخلع من ثيابه، وكان ذلك حين قُبِلت توبته من تخلفه في غزوة تبوك، وقصته مشهورة من أحاسن القصص، وذكرتها وترجمتها في (شرح سفر السعادة)، وذكر هذا الحديث في (باب النذور) وإن كان ذلك تكفيراً وشكراً لمشابهته له في إيجابه على نفسه ما ليس بواجب لحدوث أمر . الفصل الثاني ٣٤٣٥ - [١٠] (عائشة) قوله: (لا نذر في معصية) أي: لا وفاء في نذر معصية، (١) ((شرح الطيبي)) (٧ / ٣٣ - ٣٤). ٢٦٠ (١) باب في النذور وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٣٢٩٢ ت: ١٥٢٥، ن: ٣٨٣٤]. ٣٤٣٦ - [١١] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ: ((مَنْ نَذَرَ نَذْراً لَمْ يُسَمِّهِ فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْراً فِي مَعْصِيَةٍ فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْراً لاَ يُطِيقُهُ فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْراً أَطَاقَهُ فَلْيَفٍ بِهِ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَه، وَوَقَفَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ . [د: ٣٣٢٢، جه: ٢١٢٨]. أو لا نذر معتبراً شرعاً، وهو في حكم اليمين، (فكفارته كفارة اليمين) وهو يثبت مذهب الحنفية . ٣٤٣٦ - [١١] (ابن عباس) قوله: (من نذر نذراً لم يسمه) نحو: لله عليَّ نذر، ولم يعين المنذور أنه صوم أو غيره، فإنه لا يمكن الوفاء فيه، فيكفر كفارة يمين، والحاصل أنه قد وقع في الأحاديث: (فكفارته كفارة يمين)(١). قال الطيبي (٢): جمهور أصحابنا على أنه في مثل أن يقول: إن كلمت زيداً فلله علي حجة، فكلمه فهو بالخيار بين كفارة يمين وبين ما التزمه، وقال: وحمله مالك وكثيرون على النذر المطلق، كقوله: عليّ نذر، وحمله أحمد وبعض أصحابنا على النذر بالمعصية، كمن نذر أن يشرب الخمر، وحمله جماعة من فقهاء الحديث على جميع أنواع النذور، وقالوا: هو مخير بين الوفاء بما التزمه وكفارة يمين، انتهى كلام الطيبي. وأما مذهبنا فإن قوله : عليّ نذر، من ألفاظ اليمين، ولزوم كفارة اليمين في النذر المطلق متفق عليه، وقد دلّ (١) أخرجه مالك في ((موطئه)) (٢٢٠٩) رواية أبي مصعب. (٢) ((شرح الطيبي)» (٧ / ٣٥).