Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١
(٩) كتاب الدعوات
٢٣١٨ - [٢٥] وَعَنْ أَنَسِ أَنَّ رَسُولَ اللهِوَهِ مَرَّ عَلَى شَجَرَةٍ يَابِسَةِ
الْوَرَقِ، فَضَرَبَهَا بِعَصَاهُ، فَتَنَثَرَ الْوَرَقُ، فَقَالَ: ((إِنَّ الْحَمْدُ(١) لِلَّهِ وَسُبْحَانَ اللهِ
وَلاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ وَاللهُ أَكْبَرُ تُسَاقِطُ ذُنُوبَ العَبْدِ كَمَا يَتَسَاقَطُ وَرَقُ هَذِهِ الشَّجَرَةِ».
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٣١٩].
٢٣١٩ - [٢٦] وَعَنْ مَكْحُولٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ:
(أَكْثِرْ مِنْ قَوْلٍ: لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلَّ بِاللهِ، فَإِنَّهَا مِنْ كَنْزِ الْجَنَّةِ)).
٢٣١٨ _ [٢٥] (أنس) قوله: (تساقط) بضم التاء و(ذنوب العبد) مفعوله،
والتقدير: تُساقِط فتَساقَطُ كما يتساقط، كذا قال الطيبي(٢).
وأقول: لما كان المقصود هنا بيان حال هذه الكلمات وفضلها، وثمة - أعني
في أوراق الشجرة - بيان سقوطها لا إسقاط العصا إياها، قال كما قال، فافهم.
٢٣١٩ - [٢٦] (مكحول) قوله: (أكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله) لأنها
تبرئة عن النفس وحولها وقوتها فيلزمه الإعانة من الله ويوفق.
قال الشيخ الإمام القطب الأستاذ أبو الحسن الشاذلي(٣): اجتمعت برجل في
(١) بالرفع على الحكاية أو على الابتدائية، وفي نسخة بالنصب، وهو ضعيف، قاله القاري
(٤ / ١٦٠٧ ) .
(٢) ((شرح الطيبي)) (٨٩/٥).
(٣) الشيخ أبو الحسن الشاذلي، شيخ الطائفة الشاذلية، هو الشريف تقي الدين علي بن عبدالله بن
عبد الجبار. قال ابن دقيق العيد: ما رأيت أعرف بالله من الشاذلي. وقال ابن عطاء الله: منشؤه
بالغرب الأقصى، ومبدأ ظهوره بشاذلة، وله السياحات الكثيرة، والمنازلات الجليلة، والعلوم
الكثيرة، لم يدخل في طريق الله حتى كان يعد للمناظرة في العلوم الظاهرة، وعلوم جمة، جاء
في هذا الطريق بالعجب العجاب، وشرح من علم الحقيقة الأطناب، ووسع للسالكين
الركاب. وكان الشيخ عز الدين بن عبد السلام يحضر مجلسه، ويسمع كلامه. انظر : =
١٤٢
(٣) باب ثواب التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير
قَالَ مَكْحُولٌ: فَمَنْ قَالَ: لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ وَلاَ مَنْجَا مِنَ اللهِ إِلاَّ إِلَيْهِ
كَشَفَ اللهُ عَنْهُ سَبْعِينَ بَاباً مِنَ الضُّرِّ، أَدْنَهَا الفَقْرُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ:
هَذَا حَدِيثٌ لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِمُتَّصِلٍ، ومَكْحُولٌ لَمْ يَسْمَعْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
[ت: ٣٦٠٦].
٢٣٢٠ - [٢٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((لاَ حَوْلَ
وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ دَوَاءٌ مِنْ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ دَاءَ أَيْسَرُهَا الْهَمُ)).
٢٣٢١ - [٢٨] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((أَلَ أَدُلُّكَ عَلَى كَلِمَةٍ
مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ مِنْ كَنْزِ الْجَنَّةِ: لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ، يَقُولُ اللهُ تَعَالَى:
أَسْلَمَ عَبْدِي وَاسْتَسْلم)»
سياحتي، فأوصاني وقال: ليس في الأقوال أعون على الأفعال من لا حول ولا قوة
إلا بالله، وليس في الأفعال أعون من الفرار إلى الله والاعتصام بالله، واعتصموا بالله
﴿وَمَن يَعْنَصِمِ بِلَّهِ فَقَّدْ هُدِىَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْنَقِيٍ ﴾ [آل عمران: ١٠١].
وقوله: (لا منجا) بالقصر، أي: لا مهرب، وقد يزاد (ولا ملجأ) بالهمزة.
وقوله: (ومكحول لم يسمع عن أبي هريرة) قال الذهبي في (الكاشف)(١):
مکحول فقيه الشام، روى عن عائشة وأبي هريرة مرسلاً .
٢٣٢٠ - [٢٧] (أبو هريرة) قوله: (من تسعة وتسعين داء) أي: داء الباطن للقلب
أو أعم.
٢٣٢١ - [٢٨] (عنه) قوله: (أسلم عبدي) انقاد مخلصاً، (واستسلم) أي :
= ((حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة)) (١ / ٥٢٠).
(١) ((الكاشف)) (٢ / ٢٩١).
١٤٣
(٩) كتاب الدعوات
رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ فِي ((الدَّعْوَات الْكَبِير). [(الدعوات الكبير)): ١٩١، ١٥٥].
٢٣٢٠ - [٢٩] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ هِيَ صَلَةُ الْخَلَائِقِ،
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَلِمَةُ الشُّكْرِ ، وَلاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ كَلِمَةُ الإِخْلاَصِ، وَاللهُ أَكْبَرُ تَمْلأُ
مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، وَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: لَاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلَّ بِاللهِ قَالَ اللهُ
تَعَالَى: أَسْلَمَ وَاسْتَسْلَمَ. رَوَاهُ رَزِينٌ. [مصنف عبد الرزاق: ١١ /٢٩٥، ولكن
عن عبدالله بن عمرو بن العاص).
٤- باب الاستغفار والتوبة
فوض أمره أو أمور الكائنات إلى الله تعالى، وقيل: أسلم واستسلم بمعنى.
٢٣٢٢ - [٢٩] (ابن عمر) قوله: (صلاة الخلائق) أي: عبادتها، قال الله تعالى:
﴿وَإِنِ مِن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِعُ مِدِهِ﴾ وذلك إما بلسان الحال أو القال، وهو التحقيق بقرينة قوله:
﴿وَلَكِنْ لََّ نَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤].
٤ - باب الاستغفار والتوبة
الاستغفار لغةً(١): طلب الغفر وهو الستر، غفره يغفره: ستره، والمتاعَ في الوعاء:
أدخله وستره، كأغفره، والشيب بالخضاب: غطّاه، وغفر الله له ذنبه: غطى عليه وعفا
عنه، واستغفره إياه: طلب منه غفره.
والتوبة في اللغة(٢): الرجوع عن المعصية والندم عليها من حيث إنها معصية،
(١) انظر: ((القاموس المحيط)) (ص: ٤٢٠).
(٢) انظر: ((القاموس المحيط)) (ص: ٧١).
١٤٤
(٤) باب الاستغفار والتوبة
مع صدق العزم بقلبه على أن لا يعود، وقضاء ما فات فيما يمكن قضاؤه في حقوق الله،
ورد المظالم في حقوق العباد، وقد تسند التوبة إلى الله تعالى، ويقال: تاب الله عليه
بمعنى: وفقه للتوبة، أو رجع علیه بفضله وقبوله، أو رجع من التشديد إلى التخفيف،
أو من الحظر إلى الإباحة، ومن أسمائه وَله: نبي التوبة، لأنه كان يستغفر ويتوب في
كل يوم سبعين مرة أو مئة مرة.
وسئل جنيد - رحمه الله -: التوبة ما هي؟ فقال: هو نسيان ذنبك، ومعناه: أن
تخرج حلاوة ذلك الفعل من قلبك خروجاً لا يبقى له في سرّك [أثر]، حتى تكون بمنزلة
من لم يعرف ذلك قط.
وسئل سهل - رحمه الله - فقال: أن لا تنسى ذنبك، كذا في (التعرف)(١)، وقال
في شرحه: أشار سهل إلى أحوال المريدين لخوفهم من العقوبة وفرط مجاهدتهم،
وأما الجنيد فإنه أشار إلى توبة المحققين، لا يذكرون ذنوبهم لما غلب على قلوبهم
من عظمة الله ودوام ذكره تعالی.
وقال بعضهم: يجوز أن يراد بنسيان الذنب تركُ العود إليه في المستقبل، لا نسيان
ما سبق من الجفاء في حال الوفاء، وأما قول سهل فقد فسر بأنه لا يزال خائفاً من عقوبته
وعلی حذر من الوقوع في مثله، فتجعله نصب عينيك، انتهى.
والتوبة مقبولة بفضل الله وحسب وعده الصادق، وإنما يشك فيه للشك في تحقق
الشروط والأركان وهي دقيقة، كما يَشك شارب المسهل في حصول شروط الإسهال
في الدواء باعتبار الحال والوقت، وكيفية خلط الدواء وطبخه وجودة عقاقيره وأدویته.
(١) ((التعرف لمذهب أهل التصوف)) (ص: ٩٢).
١٤٥
(٩) كتاب الدعوات
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٢٣٢٣ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((وَاللهِ إِنِّي
لِأَسْتَغْفِرُ اللهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِيْنَ مرَّةً». رَوَاهُ البُخَارِيُّ.
[خ: ٦٣٠٧].
٢٣٢٤ - [٢] وَعَنِ الأَغَرِّ الْمُزَنِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ◌ِّهِ :
.
الفصل الأول
٢٣٢٣ - [١] (أبو هريرة) قوله: (وأتوب إليه) زيادة هذا قد يسدُّ باب تأويل
الحديث بأن الاستغفار منه { $ كان لأمته كما سنذكره في الحديث الآتي، اللهم إلا
أن يراد طلب التوبة لهم، إذ المراد المعنى اللغوي بالرجوع إلى الله تعالى بتوفيق التوبة
لهم وقبولها عنهم، والله أعلم (١).
٢٣٢٤ - [٢] قوله: (وعن الأغر المزني) بفتح الهمزة وفتح الغين المعجمة
وتشديد الراء.
(١) قال ابن الملك: توبته وم ير كل يوم سبعين مرة واستغفاره ليس لذنب؛ لأنه معصوم، بل لاعتقاد
قصوره في العبودية عما يليق بحضرة ذي الجلال والإكرام، وحثّ للأمة على التوبة والاستغفار،
فإنه ﴿﴿ مع كونه معصوماً، وكونه خير المخلوقات، إذا استغفر وتاب إلى ربه في كل يوم أكثر
من سبعين مرةً فكيف بالمذنبين، والاستغفار طلب المغفرة بالمقال والفعال جميعاً، والمغفرة
من الله أن يصون العبد من أن يمسه عذاب. قال علي : كان في الأرض أمانان من
عذاب الله، فرفع أحدهما فدونكم الآخر فتمسكوا به. أما المرفوع فرسول الله وَّر، وأما الباقي
منهما فالاستغفار قال تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ
وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣] أقول: إذا كان الاستغفار ينفع الكفار، فكيف لا يفيد المؤمنين
الأبرار؟ وقيل: استغفاره سليم من ذنوب الأمة فهو كالشفاعة لهم.
١٤٦
(٤) باب الاستغفار والتوبة
(إِنَّهُ لَيُّغَانُ عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللهَ فِي الْيَوْمِ مِنَةَ مَرَّةٍ). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
[م: ٢٧٠٢].
وقوله: (إنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله في اليوم مئة مرة) الغين:
الغيم، وقيل: الغيم الرقيق، يقال: غِينتِ السماء تُغانُ: إذا أطبق عليها الغيم، ويقال:
غين [على] كذا، أي: غُطِّي، وأغان الغينُ السماء، أي: ألبسها .
ولقد تحير العلماء في بيان معنى هذا الحديث وتأويله، وحق لهم أن يتحيروا
ويتوقفوا في ذلك، فإنه لا مجال لأحد أن يعرف حقيقة القلب المصطفوي وجهله وما يطرأ
عليه من الأحوال، وكل ما قيل فيه فقول بالظن والتخمين، اللهم إلا ما وقع في بواطن
بعض المحققين من العارفين من نوره المبين، والله أعلم .
وننقل من كلامهم ما ذكروا في ذلك، فقيل: إن ذلك كان بسبب أمته وما اطّلع
عليه من أحوالهم بعده، فكان يستغفر لهم، هكذا قالوا.
وقيل: إنه بسبب [ما] يشتغل من النظر في أمور أمته ومصالحهم ومحاربة الأعداء،
حتى يرى أنه قد شغل بذلك - وإن كان [في] أعظم طاعة وأشرف عبادة - عن ملازمة
عالي مقاماته ورفيع درجاته لتفرده بربه وخلوص قلبه وهمته عن كل شيء سواه، وكان
يَعُدُّ ذلك ذنباً فيستغفر منه كما قالوا: حسنات الأبرار سيئات المقربين.
وقيل: قد يكون هذا الغين السكينةَ التي تغشى قلبه، واستغفاره إظهار للعبودية
والافتقار، ويحتمل أن يكون حالة خشية وإعظام يغشى القلب، واستغفاره شكراً لله
وملازمة للعبودية، كما قال: (أفلا أكون عبداً شكوراً) هذا حاصل ما ذكره القاضي
عياض في (المشارق)(١).
(١) ((مشارق الأنوار)) (٢/ ٢٣٧).
١٤٧
(٩) كتاب الدعوات
وقال بعض الصوفية: هذا غين الأنوار لا غين الأغيار، وهو إشارة إلى ما ذكره
بعض العارفين من أنه كان يكشف على قلبه الشريف في كل ساعة من أنوار صفات
الحق، وكان يترقى في كل آن في هذه التجليات ويَعُدُّ بعد الترقي إلى درجة الفوق
ما تحتها بمثابة ذنب يستغفر منه، وهكذا حال قلبه وَ ليم دائماً بل إلى أبد الآباد، وتلك
الأنوار حجاب على الذات الأقدس الإلهي، وإليه الإشارة بقوله: (إن الله سبعين ألف
حجاب من نور وظلمة).
وأرفع الكلام في هذا المقام ما قال الأصمعي حين سئل عن هذا الحديث فقال:
عن قلب من تروي؟ فقال: عن قلب النبي وَلّ، فقال: لو كان عن قلب غيره لكنت
أفسره لك.
قال الشيخ التُّورِبِشْتِي(١): ولله دره في انتهاجه منهج الأدب، وإجلاله القلب
الذي جعله الله موقع وحيه ومنزل تنزيله، ثم قال: ونحن نذهب في ذلك مذهبين:
أحدهما: أن نقول: لما كان قلب النبي ◌َّم أتمَّ القلوب صفاءً وأكثرها ضياءً
وأعرفها عرفاناً، وكان معنيًّا مع ذلك بتشريع الملة وتأسيس السنة ميسِّراً غير معسِّرٍ،
لم يكن له بد من النزول إلى الرخص والالتفات إلى حظوظ النفس مع ما كان ممتحناً
به من أحكام البشرية، فكان إذا تعاطى شيئاً من ذلك أسرع كدورةٌ مّا إلى القلب لكمال
رقته وفرط نورانيته؛ فإن الشيء كلّما كان أرقّ وأصفى كان ورود التأثيرات عليه أبين
وأهدى، وكان ◌َّ﴿ إذا أحسّ بشيء من ذلك عدّه على النفس ذنباً فاستغفر منه، ولهذا
المعنى كان استغفاره عند خروجه من الخلاء فيقول: (غفرانك).
(١) ((كتاب الميسر)) (٢/ ٥٣٩).
١٤٨
(٤) باب الاستغفار والتوبة
٢٣٢٥ - [٣] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((يَا أَّهَا النَّاسُ! تُوبُوا
إِلَى اللهِ فَإِنِّي أَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ مِئَةَ مرَّةٍ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧٠٢].
والآخر: أن نقول: إن الله تعالى كما فناه عن العالمين أراد أن يبقيه لهم لينتفعوا
به، وأنه وَّ لو تُرك وما هو عليه وفيه من الحضور والتجليات الإلهية لم يكن ليتفرغ
لتعريف الجاحد وتعليم الجاهل، فاقتضت الحكمة الإلهية أن يرد إليهم الفينة بعد
الفينة بنوع من الحَجْبة والاستتار ليكمل حظهم عنه، فيرى ذلك من سيئات حاله
فيستغفر منه، هذا كلام التُّورِبِشْتِي. والوجه الأول راجع إلى ما ذكر سابقاً مع ما فيه
من حسن التقرير، والوجه الثاني أيضاً موجَّةٌ، ومع ذلك القولُ قولُ الأصمعي، والله
أعلم .
٢٣٢٥ - [٣] (عنه) قوله: (يا أيها الناس! توبوا) تلميح إلى قوله تعالى: ﴿وَتُوبُواْ
إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١]، فالتوبة واجبة على الناس
كلّهم عامتهم وخاصتهم، ولكن توبة كل أحد على حسب حالهم.
وقال بعض العارفين: التائب أيضاً داخل في الجميع، فهو أيضاً مأمور بالتوبة،
وليس لهم ذنوب يتوبون عنها لأنهم قد تابوا، فبقي أن يتوبوا عن التوبة، يعني: مِن
ذكر الجفاء الذي يصحب التوبة؛ لأن التوبة لا تصح إلا بمعرفة الذنب، فهي تحتاج
إلى ذكر الذنب، وذكر الجفاء في وقت الصفاء جفاء، فيتوب من ذكر التوبة التي هي
سبب ذكر الذنب، وذلك لغاية حرصهم على الجمعية وصفاء الوقت مع الله تعالى،
كذا في (منازل السائرين)(١) وشرحه.
(١) (ص: ١٣).
١٤٩
(٩) كتاب الدعوات
٢٣٢٦ - [٤] وَعَنْ أَبِ ذَرِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَ﴿ فِيمَا يَرْوِي عَنِ اللهِ
تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: ((يَا عِبَادِي! إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ
مُحَرَّمَاً، فَلاَ تَظَالَمُوا، يَا عِبَادِي! كُلُّكُمْ ضَالٌ إِلَّ مَنْ هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي
أَهْدِكُمْ، يَا عِبَادِي! كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّ مَنْ أَطْعَمْتُهُ، فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ،
يَا عِبَادِي! كُلُّكُمْ عَارٍ إِلاَّ مَنْ كَسَوْتُهُ، فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ، بَا عِبَادِي!
إِنَّكُمْ تُخْطئون(١) بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً، فَاسْتَغْفِرُونِي
أَغْفِرْ لَكُمْ، يَا عِبَادِي! إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُونِي، وَلَنْ تَبَّلُغُوا نَفْعِي
فَتَنْفَعُونِي،
٢٣٢٦ - [٤] (أبو ذر) قوله: (إني حرمت الظلم على نفسي) أي: سلبته عن
نفسي، كناية عن تقدّسه وتنزّهه عنه.
وقوله: (كلّكم ضالٌ إلا من هديته) يعني: أن الهداية لمن حصل إنما حصل
من الله لا من عند نفسه، وكذا المعنى في قوله: (إلا من أطعمته) و(إلا من كسوته)،
فالكل من الله تعالى، لكن الأول مخصوص ببعض العباد والآخَرَين يعمّ الكل، فلا
يتوجه السؤال بأنه ما معنى الاستثناء في قوله: (إلا من أطعمته) و(إلا من كسوته)؛ إذ
ليس أحد من الناس محروماً عنهما؟
وقال الطيبي(٢): المراد بالإطعام والكسوة البسط في الرزق والإغناء، فافهم.
وقوله: (لن تبلغوا ضري) أي: بالمعصية، (ولن تبلغوا نفعي) أي: بالطاعة،
(١) بضم التاء وكسر الطاء، وفتحهما، وقيل: يجوز ضمهما تخفيفاً بحذف الهمزة، قاله القاري
(٤ / ١٦١٢).
(٢) ((شرح الطيبي)) (٩٥/٥).
١٥٠
(٤) باب الاستغفار والتوبة
يَا عِبَادِي! لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَنْقَى قَلْبٍ رَجُلٍ
وَاحِدٍ مِنْكُمْ، مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئاً، يَا عِبَادِي! لَوْ أَنَّ أَلَكُمْ وَآخِرَكُمْ
وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبٍ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ
مُلْكِي شَيْئاً، بَا عِبَادِي! لَوْ أَنَّ أَوَلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي
صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَتَهُ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي
إِلَّ كَمَا يَنْقُصُ.
والضر - بالفتح ويضم -: ضد النفع، أو بالفتح مصدر وبالضم اسم، كذا في
(القاموس)(١)، وقال في (المشارق)(٢): ومتى قرن بالنفع لم يُقل فيه إلا الضر
بالضم.
وقوله: (كانوا على أتقى) أي: كانوا واقعين على تقوى أتقى قلبٍ رجلٍ واحدٍ
وعلى صفته في التقوى، أي: لو فرض قلب رجل منكم أتقى من الكل، وكان الكل
على هذه الصفة.
وقوله: (ما زاد ذلك في ملكي شيئاً) (زاد) متعد و(شيئاً) مفعول به، وكذا
(ما نقص ذلك من ملكي شيئاً).
وقوله: (في صعيد واحد) الصعيد: التراب، أو وجه الأرض، والطريق، كذا في
(القاموس)(٣)، والظاهر هنا المعنى الثاني، وفي اجتماع السائلين في مكان واحد
وازدحامهم وإعطاء كل منهم مبالغة لا تخفى.
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٣٩٩).
(٢) ((مشارق الأنوار)) (٢ / ١٠٠).
(٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ٢٧٩).
١٥١
(٩) كتاب الدعوات
الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ، يَا عِبَادِي! إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيْهَا عَلَيْكُمْ ثُمَّ
أُوَفِّكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْراً فَلْيَحْمَدِ اللهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلاَ يَلُومَنَّ
إِلَّ نَفْسَهُ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٥٧٧].
٢٣٢٧ - [٥] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: (( كَانَ
فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ إِنْسَاناً، ثُمَّ خَرَجَ يَسْأَلُ، فَأَتَى
رَاهِباً فَسَأَلَهُ فَقَالَ: أَلَهُ تَوْبَةٌ؟ قَالَ: لاَ، فَقَتَلَهُ، وَجَعَلَ يَسْأَلُ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ:
اثْتِ قَرْيَةَ كَذَا وَكَذَا، فَأَدْرَكَهُ الْمَوْتُ، فَنَاءَ بِصَدْرِهِ نَحْوَهَا، فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ
مَلاَئِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلاَئِكَةُ الْعَذَابِ،
و(المخيط) بكسر الميم وسكون المعجمة، وهذا قريب من قبيل المدح بما
يشبه الذم؛ لأن نقص المخيط في حكم العدم.
وقوله: (إنما هي أعمالكم) تفسير للضمير المبهم، أي: جزاء أعمالكم، أو
المراد نفس الأعمال، ويحذف المضاف من قوله: (أوفيكم إياها) أي: جزاءها، وهذا
أحسن، أو هي راجع إلى الأعمال الصالحة والطالحة المفهوم من قوله: (أتقى)
و(أفجر).
٢٣٢٧ - [٥] (أبو سعيد الخدري) قوله: (ثم خرج يسأل) أي: يسأل الناس
عن قبول توبة الله أو مغفرته.
وقوله: (أله توبة؟) الضمير للقائل أو لفعله.
وقوله: (فأدركه الموت) أي: أماراته وسكراته.
وقوله: (فناء) على وزن قال بمعنى: نهض بجهد ومشقة، أو على وزن رمی
بمعنى بَعُد، وقد روي في (المصابيح) بهما، والأول أوجه، وقيل: هما بمعنَّى، كقولهم:
١٥٢
(٤) باب الاستغفار والتوبة
فَأَوْحَى اللهُ إِلَى هَذِهِ أَنْ تَقَرَّبِي، وَإِلَى هَذِهِ أَنْ تَبَاعَدِي، فَقَالَ: قِيْسُوا مَا بَيْنَهُمَا
فَوُجِدَ إِلَى هَذِهِ أَقْرَبَ بِشِبْرِ فَغُفِرَ لَهُ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٤٧٠، م: ٢٧٦٦].
٢٣٢٨ - [٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِِّ: (( وَالَّذِي نَفْسِي
بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ، فَيَسْتَغْفِرُونَ اللهَ
فَيَغْفِرُ لَهُمْ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧٤٩].
٢٣٢٩ - [٧] وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ اللهَ
يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ، لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ.
رأى وراء، كذا قال التُّورِبِشْتِي(١).
وقوله: (فأوحى الله تعالى إلى هذه) أي: إلى القرية الصالحة التي توجه إليها
(أن تقرّبي) أي: إلى الميت.
وقوله: (وإلى هذه) أي: القرية الظالمة التي هاجر منها.
وقوله: (فوجد إلى هذه) القرية التي توجه إليها.
وفي الحديث كمال مبالغة في سعة رحمة الله وعدم اليأس منها .
٢٣٢٨ - [٦] (أبو هريرة) قوله: (لو لم تذنبوا لذهب الله بكم) الحديث. المقصد
بيان عفو الله ومغفرته للذنوب إظهاراً لمقتضى اسم العفو والغفار، وليعظموا الرغبة
في التوبة والاستغفار، لا الحث على الذنوب وعدم الاحتفال بالذنوب؛ فإن الله تعالى
قد نهى عن الذنوب، وبعث الأنبياء ليردعوا عنها، فافهم وبالله التوفيق.
٢٣٢٩ - [٧] (أبو موسى) قوله: (إن الله يبسط يده) بسط اليد كناية عن التوسعة
في الغفران وإظهار الكرم.
(١) انظر: ((كتاب الميسر)) (٢ / ٥٤١).
١٥٣
(٩) كتاب الدعوات
وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا)). رَوَاهُ
مُسْلِمٌ. [م: ٢٧٥٩].
٢٣٣٠ - [٨] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَهِ: (إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا
اعْتَرَفَ ثُمَّ تَبَ، تَابَ اللهُ عَلَيْهِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤١٤١، م: ٢٧٧٠].
٢٣٣١ - [٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((مَنْ تَابَ قَبْلَ
أَنْ تَطْلَعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا تَابَ اللهُ عَلَيْهِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧٠٣].
٢٣٣٢ - [١٠] وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحاً
بِتَوْيَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ(١) رَاحِلَتَّهُ بِأَرْضٍ فَلاَةٍ فَانْفَتَتْ
مِنْهُ، وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا، فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلَّهَا،
قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ.
٢٣٣٠ - [٨] (عائشة) قوله: (تاب الله عليه) أي: رجع بالرحمة وقَبِلَ توبته.
٢٣٣١ - [٩] (أبو هريرة) قوله: (قبل أن تطلع الشمس من مغربها) وهو
المراد من قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِ بَعْضُ ءَايَتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيَتُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ﴾
[الأنعام: ١٥٨]، لكن الآية مختصة بعدم قبول الإيمان، والحديث يدل على عدم قبول
التوبة مطلقاً سواء كان من الكفر أو من المعصية، وفيه خلاف بين العلماء، فتدبر.
٢٣٣٢ - [١٠] (أنس) قوله: (الله) مرفوع واللام للابتداء.
وقوله: (أشد فرحاً) أي: رضاً عن العبد بقبول توبته، والفرح من صفات الله
المتشابهة .
(١) في نسخة: ((كانت)).
١٥٤
(٤) باب الاستغفار والتوبة
إِذْ هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا، ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ
عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧٤٧].
٢٣٣٣ - [١١] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ عَبْداً
أَذْتَبَ ذَنْباً فَقَالَ: رَبِّ أَذْنَبَّتُ فَاغْفِرْهُ، فَقَالَ رَبِّهُ: أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبَّا يَغْفِرُ
الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ؟ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنْأَ قَالَ(١):
رَبِّ أَذْنَبَّتُ ذَنْباً فَاغْفِرْهُ(٢)، فَقَالَ: أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبَّ يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ
بِهِ؟ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنْباً قالَ (٣): رَبِّ أَذْتَبَّتُ
ذَنْباً آخَرَ فَاغْفِرْلِي،
وقوله: (إذ هو بها) الرجل ملتبس بالراحلة حال كونها (قائمة عنده) من غير طلب
وتعب، والمقصود بيان شدة رضا الحق من العبد التائب الراجع إليه، وتشبيهه بفرح
الرجل المذكور، والعبدُ العاصي بمنزلة الراحلة المنقلبة، وتوبته بمنزلة وجدانه، فتأمل.
٢٣٣٣ _[١١] (أبو هريرة) قوله: (أَعَلِم) استفهام للتقرير والتعجب، وفي ذكر
(عبدي) دون أن يقول: (أعلم) تلطف وترحم.
قوله: (ثم مکث) من باب نصر وکرم.
وقوله في المرة الثالثة: (رب! أذنبت ذنباً آخر فاغفر لي) بزيادة لفظ (آخر)
و(لي)، وقد يوجد (لي) في الأول في بعض النسخ، و(آخر) و(لي) في الثانية، والذي
تقرَّر في النسخ المصححة ما ذكرنا، فافهم.
(١) في نسخة: ((فقال)).
(٢) في نسخة: ((فاغفر لي)).
(٣) في نسخة: ((فقال)).
١٥٥
(٩) كتاب الدعوات
فَقَالَ: أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبَّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ؟ غَفَرْتُ لِعَبْدِي فَلْيَفْعَلْ
مَا شَاءَ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٥٠٧، م: ٢٧٥٨].
٢٣٣٤ - [١٢] وَعَنْ جُنْدُبِ أَنَّ رَسُولَ اللهِنَِّ حَدَّثَ: ((أَنَّ رَجُلاً قَالَ:
وَاللهِ لاَ يَغْفِرُ اللهُ لِفُلاَنٍ، وَأَنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: مَنْ ذَا الَّذِي يَأَلَّى عَلَيَّ أَنِّي
لاَ أَغْفِرُ لِفُلاَنٍ، فَإِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِفُلاَنٍ، وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ)). أَوْكَمَا قَالَ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٦٢١].
٢٣٣٥ - [١٣] وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((سَيِّدُ
الإِسْتِغْفَارِ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا
عَلَى عَهْدِكَ، وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ،
وقوله: (فليفعل ما شاء) أي: ما دام يذنب ثم يتوب ويستغفر، وليس المقصود
الحث على الفعل أو الترخّصُ فيه، بل المقصود إظهار الحفاوة والتلطف على وزان
ما ورد في شأن أهل بدر: (اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم).
٢٣٣٤ - [١٢] (جندب) قوله: (وأن الله تعالى) بفتح الهمزة وكسرها معاً.
وقوله: (من ذا الذي يتألى عليّ) أي: يحلف ويتحكم عليّ، وفي هذه العبارة
تخويف وتهديد شديد، وفي صورة الغيبة دون أن يقول: أنت الذي تتألى، دلالة على
التهديد لكل من يتألى من غير خصوصية بالمخاطب، ثم خاطبه بأنك إذا حلفت عليّ
فاعلم أني قد غفرت له على رغم أنفك، (وأحبطت عملك) جزاء على ما قلت، فإن
الحكم على الله بأنه يفعل ذلك البتة كفر، وإن لم يكن كفراً فهذا تغليظ.
وقيل: المراد: أبطلت قَسَمك وجعلته كذباً.
٢٣٣٥ - [١٣] (شداد بن أوس) قوله: (وأنا على عهدك ووعدك) أي: على
١٥٦
(٤) باب الاستغفار والتوبة
أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبَّهُ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي
فَإِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ)). قَالَ: ((وَمَنْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ مُوقِناً بِهَا، فَمَاتَ
مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ وَهُوَ مُوقِنٌ
بِهَا، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٣٠٦].
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٢٣٣٦ - [١٤] عَنْ أَنَسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهَِّهِ: ((قَالَ اللهُ تَعَالَى:
يَا ابْنَ آدَمَ! إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلاَ أُبَالِي،
يَا ابنَ آدمَ(١)! لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ،
ما عاهدتك ووعدتك من الإقرار بالعبودية والثبات عليها، وإن لم أفٍ بذلك، أو: أنا
مقيم على عهدك ووعدك الذي عهدت ووعدت بفضلك وكرمك لأهل طاعتك وإن لم
يأت مني طاعة كما ينبغي.
وقوله: (أبوء) أي: أعترف لك بتواتر نعمك عليّ، وأعترف بدوام ذنوبي والتقصير
عن شكرها، وأصل البوء الرجوع، يقال: باء إليه، أي: رجع إليه وانقطع، ويقال:
باء بدمه: اعترف، وبذنبه: احتمله، أو اعترف به، كذا في (القاموس)(٢)، وهذا المعنى
دائم، أعني توالي النعم من جانب الحق ووجودَ الذنب والتقصير من العبد، وفي ما ذكر
العجز والاعتذار والذلة والافتقار، ولذلك سمي سيد الاستغفار.
الفصل الثاني
٢٣٣٦، ٢٣٣٧ - [١٤، ١٥] (أنس) قوله: (عنان السماء) العنان - بالفتح -:.
(١) في نسخة: ((ابن آدم)) بدون حرف النداء.
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٤٦).
١٥٧
(٩) كتاب الدعوات
ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلاَ أُبَالِي، بَا ابْنَ آدَمَ! إِنَّكَ لَوْ لَقِتَنِي بِقُرَابٍ
الأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لاَ تُشْرِكُ بِي شَيْئاً لأَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً». رَوَاهُ
التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٥٤٠].
٢٣٣٧ - [١٥] وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالدَّارِمِيُّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ:
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [حم: ١٥٤/٥، دي: ٢/ ٣٢٢].
السحاب الذي لا يمسك الماء، واحدته بهاء، كذا في (القاموس)(١)، وقد يجيء بمعنى
السحاب مطلقاً وهو المراد ههنا، وإضافته إلى السماء للمبالغة في علوّه وارتفاعه، وقد
يكسر العنان بمعنى: ما عنّ لك، فعنان السماء: ما بدا لك منها إذا نظرتها ورفعت رأسك
إليها، وقد يروى: (أعنان السماء) بمعنى نواحيها، والأعنان من الشجر أطرافها، ومن
السماء نواحيها وما اعترض من أقطارها وآفاقها، جمع عَنَنٍ، قال النُّورِبِشْتِي(٢): إضافة
العنان بمعنى السحاب إلى السماء غير فصيح، وأرى الصواب أعنان السماء، ولعل
الهمزة سقطت عن بعض الرواة، أو ورد العنان بمعنى العنن، فتدبر.
وقوله: (والقراب) بالضم والكسر: ما قارب قدر الشيء، وقراب الأرض قريب
من ملئها، وقال في (المشارق)(٣): القِراب وعاء كالجراب مستطيل يجعل فيه السيف
بغمده والسكين وما أشبهه من سوط ونحوه، وما خف من زاد الراكب بكسر القاف،
وأما بضمها فبمعنى القرب، ومنه قوله في الحديث: (من لقيني بقراب الأرض خطيئة)
بضم القاف، أي: ما يقارب ملأها، وقال لي أبو الحسين: ويقال: (بقِراب) أيضاً
بکسرها .
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١١٢٢).
(٢) ((كتاب الميسر)) (٢ / ٥٤٤).
(٣) ((مشارق الأنوار)) (٢ / ٢٩٤).
١٥٨
(٤) باب الاستغفار والتوبة
٢٣٣٨ - [١٦] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ رَسُولِ اللهِنَّهِ قَالَ: ((قَالَ اللهُ
تَعَالَى: مَنْ عَلِمَ أَنِّي ذُو قُدْرَةٍ عَلَى مَغْفِرَةِ الذُّنُوبِ غَفَرْتُ لَهُ وَلاَ أُبَالِي مَا لَمْ
يُشْرِكْ بِي شَيْئاً)). رَوَاهُ فِي ((شَرْحِ السُّنَّةِ)). [شرح السنة: ١٤ / ٣٨٨].
٢٣٣٩ - [١٧] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((مَنْ لَزِمَ الإِسْتِغْفَارَ
جَعَلَ اللهُلَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجاً، وَمِنْ كُلِّ هَمِّ فَرَجاً، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ
لاَ يَحْتَسِبُ)). رَوَاهُ أحمدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ١ / ٢٤٨، د: ١٥١٨،
جه: ٣٨١٩].
٢٣٤٠ - [١٨] وَعَنْ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ:
((مَا أَصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ وَإِنْ عَادَ فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو
دَاوُدَ. [ت: ٣٥٥٩، د: ١٥١٤].
٢٣٣٨ - [١٦] (ابن عباس) قوله: (من علم أني ذو قدرة على مغفرة الذنوب
غفرت له) فيه أن اعتراف العبد بأنه تعالى قادر على مغفرة الذنوب سبب للغفران،
وذلك لأن من اعترف بذلك ارتجاه، ومن ارتجى الكريم لم يحرمه، مع أن في ذكر
القدرة وعدم المبالاة إيماء إلى جواز التعذيب أيضاً، ففيه خوف منه تعالى، ومن خاف
القادر رحمه .
٢٣٣٩ - [١٧] (عنه) قوله: (من لزم الاستغفار جعل الله له ... إلخ) لأن من
لزم الاستغفار تُغفر له الذنوب ويخرج منها فيكون في حكم المتقي الذي لا یذنب،
والمتقي وُعد له المخرجُ من كل ضيق ووصولُ الرزق (من حيث لا يحتسب) أي:
لا يظن ولا يرجو.
٢٣٤٠ - [١٨] (أبو بكر الصديق) قوله: (ما أصر من استغفر) الإصرار هو الدوام
١٥٩
(٩) كتاب الدعوات
٢٣٤١ - [١٩] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: ((كُلُّ بَنِي آدَمَ
خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ.
[ت: ٢٤٩٩، جه: ٤٢٥١، دي: ٢ / ٣٠٣].
٢٣٤٢ - [٢٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((إِنَّ الْمُؤْمِنَ
إِذَا أَذْنَبَ كَانَتْ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فِي قَلْبِهِ، فَإِنْ تَابَ وَاسْتَغْفَرَ صُقِلَ قَلْبُهُ، وَإِنْ
زَادَ زَادَتْ حَتَّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ، فَذَلِكُمُ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى ﴿كََّبَلَّ رَانَ عَلَى
قُلُوبِهِم مَّا كَانُوايَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤])).
على الذنب، وقد ثبت أن الإصرار على الصغيرة كبيرة، وإذا استغفر لم يدم، فلا إصرار
مع الاستغفار، فافهم.
٢٣٤١ - [١٩] (أنس) قوله: (كل بني آدم خطّاء) حصِّن منه الأنبياء؛ لأنهم
معصومون، اللهم إلا أن يحمل الخطاء على ما يشمل الصغائر فلا إشكال بالأنبياء
على القول بصدور الصغيرة منهم، وأما صيغة المبالغة فباعتبار وجود الكثرة في الجملة،
ويمكن أن يكون باعتبار أن الذنب قليله كثير، هذا وإن حمل على المبالغة فله وجه
أيضاً.
٢٣٤٢ - [٢٠] (أبو هريرة) قوله: (كانت نكتة) روي بالنصب والرفع، فالنصب
على أنها خبر كان، والضمير في (كانت) للذنب، والتأنيث بتأويله بالسيئة، والرفع
على أن كان تامة، أي: حدثت منه نكتة، والنكتة: النقطة، كذا في (القاموس)(١)،
والنكت في الأصل أن تضرب في الأرض بقضيب فيؤثر فيها.
قوله: (فذلكم الران) قيل: الران بمعنى الرين كالعاب والعيب وهو الطبع والتغطية
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٦٢).
١٦٠
(٤) باب الاستغفار والتوبة
رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ
صَحِيحٌ. [حم: ٢ / ٢٩٧، ت: ٣٣٣٤، جه: ٤٢٤٤].
٢٣٤٣ - [٢١] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ اللهَ يَقْبَلُ
تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ)). رَوَاهُ التِّرْ مِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٣٥٣٨، جه: ٤٢٥٣].
والدنس، يقال: ران ذنبه على قلبه رَيْناً ورُيوناً: غلب، وكل ما غلبك [فقد] رانك
وبك وعليك، وقيل: المراد هو الران المذكور في قوله تعالى: ﴿بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ
يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤]، وأدخل اللام على الفعل قصداً إلى حكاية اللفظ فأُجري مجرى
الاسم كما في قوله: (نهى عن القيل والقال)، والرين الذي ذكر في الآية بيان أحوال
الكفار، فذكْرُه في الحديث تخويف للمؤمنين، أو المراد تشبيه بذلك في اسوداد القلب،
أو المراد - والله أعلم - أنه قد ينجرّ ارتكاب المعاصي إلى الكفر لا أنه كفر في الحال،
ولعله المراد بما قيل بأنه تخويف.
٢٣٤٣ - [٢١] (ابن عمر) قوله: (ما لم يغرغر) في الأصل: ترديد الماء في
الحلق، والمراد: ما لم تبلغ روحُه حلقومَه، فيكون بمنزلة الشيء الذي يتغرغر به،
وقد يحصل في تلك الحالة في الحلق صوت مثل صوت الغرغرة، وظاهر الحديث
أنه لا يقبل التوبة عند حضور الموت سواءٌ كان من الكفر والمعصية، وهو ظاهر قوله
تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ﴾ الآية [النساء: ١٧]، وقد ذهب البعض إلى أنه يقبل التوبة
عن المعصية لا عن الكفر، فعندهم إيمان اليأس غير مقبول وتوبته مقبولة .
وقال الطيبي(١): الخلاف في التوبة من الذنوب، أما لو استحلَّ من مظلمة صح
تحلیله .
(١) ((شرح الطيبي)) (٥/ ١٠٨).