Indexed OCR Text
Pages 521-540
٥٢١ (٧) كتاب الصوم وكذا روى عبد الرزاق(١) عن ابن عباس أنه قال: من اعتكف لزم عليه الصوم، وقد قيل: معنى قول ابن عباس أنه قال في الحديث السابق: (إلا أن يلتزمه) أي: يلزم الاعتكاف دون أن يلتزم الصوم. فمذهبه وجوب الصوم في الاعتكاف المنذور دون النفل، فخص به أيضاً حديث عبد الرزاق . وعند أبي حنيفة ومالك الصوم شرط في الاعتكاف مطلقاً: واجباً كان أو نفلاً، وهذه رواية الحسن عن أبي حنيفة، ومتمسكه حديث عائشة الآتي في الفصل الثاني من قوله: (ولا اعتكاف إلا بصوم) ولمواظبته ﴿ على ذلك، وفي رواية الأصل وقيل: هو قول محمد: أقل الاعتكاف ساعة فيكون بلا صوم، وجعل بعض الفقهاء عدم اشتراط الصوم في الاعتكاف ظاهر الرواية عن أبي حنيفة، ولا يثبت له متمسك صحيح إلا ما روي من اعتكافه وَ ﴿ في العشر الأول من شوال؛ فإن الظاهر منه الابتداء من أول شوال، وهو يوم الفطر، كذا قال الشيخ ابن الهمام(٢)، وأورد في (المواهب اللدنية)(٣) هذا الحديث دليلاً على قول الشافعي بعدم اشتراط الصوم إلا بالالتزام والنذر، ولكن قد جاء في بعض الروايات العشر الأخير أو العشر المطلق من شوال، والله أعلم بحقيقة الحال(٤). (١) ((مصنف عبد الرزاق)) (٨٠٣٦). (٢) ((فتح القدير)) (٢ / ٣٩٠). (٣) ((المواهب اللدنية)) (٤ /٣٨٩). (٤) قال شيخنا في ((الأوجز)) (٥/ ٤٤٨): وعند الحنفية فيه تفصيل، وهو أن الاعتكاف على ثلاثة أنحاء: المنذور الواجب، والصوم شرط له، رواية واحدة. والمندوب، وليس بشرط له على ظاهر الرواية، ورواية الحسن أنه شرط للتطوع أيضاً، والمرجح الأول. والثالث سنة مؤكدة، = ٥٢٢ (٩) باب الاعتكاف * الْفَصْلُ الثَّانِي: ٢١٠٢ - [٦] عَنْ أَنَسِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ وَّهِ يَعْتَكِفُ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فَلَمْ يَعْتَكِفْ عَاماً، فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ اعْتَكَفَ عِشْرِيْنَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٨٠٣]. ٢١٠١ - [٧] وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أُبِيِّ بْنِ كَعْبٍ. [د: ٢٤٦٤، جه: ١٧٧١]. ٢١٠٤ - [٨] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الْفَجْرَ ثُمَّ دَخَلَ فِي مُعْتَكَفِهِ. الفصل الثاني ٢١٠٢، ٢١٠٣ - [٦، ٧] (أنس) قوله: (اعتكف عشرين) اهتماماً ودلالة على التأكيد، لا لأن ما فات من النوافل المؤقتة تقضى، والله أعلم. ٢١٠٤ - [٨] (عائشة) قوله: (إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل في معتكفه) ظاهر الحديث أنه لو كان يبدأ بالاعتكاف من أول النهار، وبه قال جماعة = والمتون ساكتة عن اشتراط الصوم فيه، وتحدث فيه ابن عابدين ورجح الاشتراط، حتى لو اعتكفه أحد بلا صوم لمرض أو سفر ينبغي أن يكون نفلاً ولا تحصل به إقامة سنة الكفاية، ورجح ابن نجيم في ((البحر)) عدم اشتراط الصوم في ذلك النوع لتقييدهم الصوم بالواجب. وَقَالَ النَّوَوِيّ: قد تقرر أَن النّذر الْجَارِي فِي الْكَفْرِ لاَ ينْعَقد على الصَّحِيحِ، فَلم يكن ذَلِك شَيْئاً وَاجِباً عَلَيْهِ، وَقَالَ الْمُهلب: كل مَا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة من الأَيْمَانِ وَالطَّلاَق وَجَمِيعِ الْعُقُود يَهْدِمُهَا الإِسْلاَم وَيَسْقط حرمتهَا، فَيكون الأَمر بذلك أمر اسْتِحْبَاب كَيْلا يكون خلفاً فِي الْوَعْد. وَقَالَ ابْن بطال: مَحْمُول عِنْدِ الْفُقَهَاء على الحض وَالنَّدْبِ؛ لِأَن الإِسْلاَم يجبُّ مَا قبله. انتهى. قلت: وإذا صار ندباً فلا حاجة إلى الجواب لمن لم يشترط الصوم في الاعتكاف المندوب. ٥٢٣ (٧) كتاب الصوم رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٢٤٦٤، جه: ١٧٧١]. ٢١٠٥ - [٩] وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِّ ◌َّهِ يَعُودُ الْمَرِيضَ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ، فَيَمُرُّ كَمَا هُوَ فَلاَ يُعَرِّجُ يَسْأَلُ عَنْهُ .. من الأئمة، وأما الأئمة الأربعة فقد ذهبوا إلى أنه يدخل قبل الغروب من ليلة الحادي والعشرين؛ لأنه ورد في أكثر الأحاديث (العشر الأواخر) بدون التاء، فكان المراد بها الليالي، والليالي العشر لا يكون إلا في هذه الصورة، وفي صورة الدخول في وقت الصبح لا يكون إلا ثماني أو تسعاً، وأيضاً أول محتملات وجود ليلة القدر في الليلة الحادية والعشرين، والعمدة في الاعتكاف إدراك تلك الليلة الشريفة، فينبغي أن يكون الدخول في ليلة الحادي والعشرين، وتأولوا هذا الحديث بأن المراد بالمعتكف فيه الموضع الذي كان يخلو فيه، فإنه سي ﴿ كان يتخذ في المسجد حجرة لنفسه يخلو فيه ويستتر من أعين الناس مثل الخيمة أو من الحصير، وقد ورد في الحديث الصحيح: إذا اعتكف اتخذ حجرة من حصير فيدخل المسجد في الليلة، ثم يدخل في وقت الصبح في ذلك الموضع، هكذا قالوا. وقوله: (رواه أبو داود وابن ماجه) قال الجزري: ورواه البخاري ومسلم وكذا رواه الأربعة في حديث مطول، انتهى (١). وهو حديث ورد في ضرب الأزواج القباب، ورفعها بترك النبي ◌ّ الاعتكاف في ذلك الرمضان ورفع تلك القباب. ٢١٠٥ - [٩] (عائشة) قوله: (فلا يعرّج) عرج تعريجاً: مال وأقام، و(يسأل) بيان لقوله: (يعود)، قال الطيبي(٢): من خرج لقضاء حاجة، واتفق له عيادة المريض، (١) في ((التقرير)): أُورِدَ على المصنِّفَين أن الحديث متفق عليه، فَلِمَ ذكره البغوي في الحسان، ولِمَ نسبه الخطيب إلى أبي داود وابن ماجه؟ (٢) ((شرح الطيبي)) (٤ / ٢١٢). ٥٢٤ (٩) باب الاعتكاف رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٢٤٧٢، جه: ١٧٧٦]. ٢١٠٦ - [١٠] وَعَنْهَا قَالَتْ: السُّنَّةُ عَلَى الْمُعْتَكِفِ أَنْ لاَ يَعُودَ مَرِيضاً، وَلاَ يَشْهَدُ جِنَازَةً، وَلاَ يَمَسُّ الْمَرْأَةَ، وَلاَ يُبَاشِرُهَا، وَلاَ يَخْرُجُ لِحَاجَةٍ إِلاَّ لِمَا لاَ بُدَّ مِنْهُ، وَلاَ اعْتِكَافَ إِلَّ بِصَوْمٍ، وَلاَ اعْتِكَافَ إِلاَّ فِي مَسْجِدٍ جَامِعٍ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٤٧٣] والصلاة على الميت فلم ينحرف عن الطريق ولم يقف فيه وقوفاً أكثر من قدر الصلاة على الميت لم يبطل اعتكافه وإلا بطل، هذا عند الأئمة الأربعة، وقال الحسن والنخعي: يجوز الخروج للمعتكف لصلاة الجمعة وعيادة المريض والصلاة على الميت، انتهى . ٢١٠٦ - [١٠] (عنها) قوله: (ولا يمس المرأة) المراد بالمس الجماع والمباشرة فيما دون الفرج، قيل: يبطل، وقيل: لا يبطل، وقيل: إن أنزل يبطل وإلا فلا، قال في (الهداية)(١): ولو جامع فيما دون الفرج فأنزل، أو قبّل أو لمس فأنزل بطل اعتكافه؛ لأنه في معنى الجماع حتى يفسد به الصوم، ولو لم ينزل لا يفسد، وإن كان محرماً. وقوله: (ولا اعتكاف إلا بصوم) وهذا دليل أبي حنيفة في اشتراط الصوم للاعتكاف مطلقاً كما قلنا. وقوله: (ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع) إن كان (الجامع) بمعنى ما يقام فيه الجمعة فهو مذهب الشافعي في قول، والتحقيق من مذهبه أنه الأولى، ويجوز في مسجد الجماعة كما هو المذهب عندنا، فالمراد بمسجد الجامع هنا مسجد الجماعة، أو هذا بيان الأفضل والأولى، والله أعلم. (١) ((الهداية)) (١ / ١٣٠). ٥٢٥ (٧) كتاب الصوم * الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٢١٠٠ - [١١] عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِّ ◌َ﴿ أَنَّهُ كَانَ إِذَا اعْتَكَفَ طُرِحَ لَهُ فِرَاشُهُ، أَوْ يُوضَعُ لَهُ سَرِيرُهُ وَرَاءَ أُسْطُوَانَةِ التَّوْبَةِ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ١٧٧٤]. ٢١٠٨ - [١٢] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَلِ قَالَ فِي الْمُعْتَكَفِ: (هُوَ يُعْتَكَفُ الذُّنُوبَ وَيُجْرَى لَهُ مِنَ الْحَسَنَتِ كَعَامِلِ الْحَسَنَاتِ كُلِّهَا)). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه. [جه: ٧٨١ الفصل الثالث ٢١٠٧ - [١١] (ابن عمر) قوله: (أسطوانة التوبة) هي أسطوانة من أسطوانات مسجد النبي ﴾، أضيفت إلى التوبة؛ لأن أبا لبابة الأنصاري تيب عليه عندها، وقصته(١) مذكورة في كتب السير والأحاديث. ٢١٠٨ - [١٢] (ابن عباس) قوله: (وهو يعتكف) بلفظ المجهول، أي: يحبس ويمنع عن الذنوب، واللام في (الحسنات) للعهد، أي: التي يمتنع عنها بالاعتكاف كعيادة المريض، وتشييع الجنازة، وأمثالهما مما يحصل بالخروج كذا قال الطيبي (٢)، وعلى هذا فاللام في قوله: (كعامل الحسنات) أيضاً يكون للعهد، ولا يناسبه التأكيد بـ (كلها)، ويجوز أن يراد بهذه الحسنات جنسها يعني كما يعطى لعامل الحسنات في (١) روى مَالِكٌ في ((الموطأ)) (٢١١٨) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ: أَنَّ أَبَا لُبَابَةَ ارْتَبَطَ بِسِلْسلَةٍ ربوط، والربوط الثقيلة، بِضْعَةً عَشَرَ لَيْلَةً، حَتَّى ذَهَبَ سَمْعُهُ، فَمَا كَادَ يَسْمَعُ حَتَّى كَادَ يَذْهَبُ بَصَرُهُ، فَكَانَتِ ابْتُهُ تَحُلُّهُ إِذَا حَضَرَتِ الصَّلاَةُ وَأَرَادَ أَنْ يَذْهَبَ حَتَّى يَفْرِغ، ثُمَّ يُؤْتَى بِهِ فَتَرْبِطَهُ كَمَا كَانَ فَتُعِيدُهُ. وبسط قصته السمهودي في ((وفاء الوفاء)) (٢ / ٤٠ - ٤٣). (٢) ((شرح الطيبي)) (٤ / ٢١٤). ٥٢٦ (٩) باب الاعتكاف الأمراض والأسفار وسائر الموانع أجوره، والله أعلم. تم (كتاب الصوم) بعون الله وتوفيقه، ويتلوه (كتاب فضائل القرآن). (٨) كتابُ مَصَائِ القُرآنِ (٨) كتابُ مَضَائِ القُرآنِ ٨ - كتاب فضائل القرآن (الفضائل) جمع فضيلة، من الفضل، وهو ضد النقص، وفضل كنصر وعلم، وأما فَضِلَ كعلم، ويفضُل كينصر، فمركبة منهما، و(القرآن) في الأصل مصدر: قَرَأْهُ كَنَصَرَهُ ومنعه قَرْءاً وقراءَةً وقُرْآناً، فهو قارِئ: تَلاَهُ، كذا في (القاموس)(١)، وأصل القراءة الجمع، يقال: قرأ الشيء: جمعه وضمه، ويقال: ما قرأتْ هذه الناقةُ سَلاً قطُّ ، وما قرأت جنيناً، أي: لم يضم رحمها ولداً، قال أبو عبيدة: وبه سمي القرآن؛ لأنه يجمع السور ويضمها، ويجمع القصص، والأمر والنهي، والوعد والوعيد، والآيات والسور، وهو مصدر كالغفران، وقد يطلق على الصلاة؛ لأن فيها قراءة، وعلى القراءة نفسها، كما في قوله: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ, وَقُرْءَانَهُ ﴾ [القيامة: ١٧]، وتحذف همزته فيقال: قران، وقد يجعل القرآن من القران؛ لاقتران مقاصده بعضها مع بعض، وعلى هذا يكون الألف والنون أصليتين، وعلى الأول زائدتين، ولم يمنع من الصرف لعدم العلمية، بل هو من الأسماء الغالبة كأسود وأدهم، وذكره صاحب (الصحاح)(٢) و(القاموس)(٣) في (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٩٦١). (٢) ((الصحاح)) (١ / ٦٥). (٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ٥٩). ٥٣٠ (٨) كتاب فضائل القرآن القراءة دون القرآن(١). (١) قَالَ السُّيُوطِيُّ فِي ((الإِثْقَانِ)): اخْتَلَفَ النَّاسُ هَلْ فِي الْقُرْآنِ شَيْءٌ أَفْضَلُ مِنْ شَيْءٍ؟ فَذَهَبَ الإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ الأَشْعَرِيِّ وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرِ الْبَاقِلاَّنِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ إِلَى الْمَنْعِ؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ كَلامُ اللهِ، وَلِئَلَأَ يُوهِمَ التَّفْضِيلُ نَقْصَ الْمُفَضَّلِ عَلَيْهِ، وَرُوِيَ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ مَالِكِ، وَذَهَبَ آخَرُونَ وَهُمُ الْجُمْهُورُ إِلَى التَّفْضِيلِ لِظَوَاهِرِ الأَحَادِيثِ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: إِنَّهُ الْحَقُّ، وَقَالَ ابْنُ الْحَصَّارِ: الْعَجَبُ ممن يَذْكُرُ الإِخْتِلاَفَ فِي ذَلِكَ مَعَ النُّصُوصِ الْوَارِدَةِ فِي الَّفْضِيلِ، وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي (جَوَاهِرِ الْقُرْآنِ): لَعَلَّكَ أَنْ تَقُولَ: قَدْ أَشَرْتَ إِلَى تَفْضِلِ بَعْضٍ آيَاتِ الْقُرْآنِ عَلَى بَعْضٍ، وَالْكَلامُ كَلَامُ اللهِ، فَكَيْفَ يَكُونُ بَعْضُهَا أَشْرَفَ مِنْ بَعْضٍ؟ فَاعْلَمْ أَنَّ نُورَ الْبَصِيرَةِ إِنْ كَانَ لاَ يُرْشِدُكَ إِلَى الْفَرْقِ بَيْنَ آيَةِ الْكُرْسِيِّ وَآيَةِ الْمُدَايَةِ، وَبَيْنَ سُورَةِ الإِخْلاَصِ وَسُورَةٍ ﴿نَبَّتْ﴾، وَتَرْتَاعُ عَلَى اعْتِقَادِ الْفَرْقِ نَفْسُكَ الْخَوَّارَةُ الْمُسْتَغْرِقَةُ بِالتَّقْلِيدِ، فَقَلِّدْ صَاحِبَ الرِّسَالَةِ وَ، فَهُوَ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ وَقَالَ: (يس قَلْبُ الْقُرْآنِ)، وَ(فَاتِحَةُ الْكِتَابِ أَفْضَلُ سُوَرِ الْقُرْآنِ)، وَ(آيَةُ الْكُرْسِيِّ سَيِّدَةُ آيِ الْقُرْآنِ)، وَ(﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدَّ ﴾ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ)، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا لاَ يُحْصَى، اهـ كَلاَمُهُ. ثُمَّ قِيلَ: الْفَضْلُ رَاجِعٌ إِلَى عِظَمِ الأَجْرِ وَمُضَاعَفَةِ الثَّوَابِ بِحَسَبِ انْفِعَالاَتِ النَّفْسِ وَخَشْبِهَا وَتَدَبُِّهَا وَتَفَكُّرِهَا عِنْدَ وُرُودٍ أَوْصَافِ الْعَلِيِّ، وَقِيلَ: بَلْ يَرْجِعُ إِلَى ذَاتِ اللَّفْظِ وَأَنَّ مَا تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَحَةٌ ﴾ [البقرة: ١٢٣] الآيَة، وَآيَةُ الْكُرْسِيِّ، وَآخِرُ سُورَةِ الْحَشْرِ، وَسُورَةُ الإِخْلاَصِ مِنَ الدَّلاَلاَتِ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ وَصِفَاتِهِ لَيْسَ مَوْجُوداً مَثَلاَ فِي ﴿َبَّتْ يَدَآ أَبِىِ لَهَبٍ﴾ وَمَا كَانَ مِثْلَهَا، فَالتَّفْضِلُ إِنَّمَا هُوَ بِالْمَعَانِ الْعَجِيبَةِ وَكَثْرَتِهَا؛ وَاللهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الْقُرْآنُ يُطْلَقُ عَلَى الْكَلاَمِ الْقَدِيمِ النَّفْسِيِّ الْقَائِ بِالذَّاتِ الْعَلِيِّ، وَعَلَى الأَلْفَاظِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ الْكَلَامِ، وَالْمُرَادُ هُنَا الثَّانِي، وَلاَ خِلاَفَ أَنَّهُ بِهَذَا الْمَعْنَى حَادِثٌ، وَإِنَّمَا الْخِلَفُ بَيْنَا وَبَيْنَ الْمُعْتَزِلَةِ فِيَ النَّفْسِيِّ، فَهُمْ نَفَوْهُ لِقُصُورِ عُقُولِهِمُ النَّقِصَةِ أَنَّهُ لاَ يُسَمَّى كَلاَمَاً إِلَّ اللَّفْظِيُّ، وَهُوَ مُحَالٌ عَلَيْهِ تَعَالَى، وَبَنَوا عَلَى هَذَا التَّعْطِيلِ قَوْلَهُمْ: مَعْنَى كَوْنِهِ تَعَالَى مُتَكَلِّماً أَنَّهُ خَالِقٌ لِلْكَلاَمِ فِي بَعْضِ الأَجْسَامِ، وَنَحْنُ أَثْنَاهُ عَمَلاً بِمَذْلُولِ الأَسْمَاءِ الشَّرْعِيَّةِ الْوَارِدَةِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَةِ، وَبِمَا هُوَ الْمَعْلُومُ مِنْ لُغَةِ الْعَرَبِ أَنَّ الْكَلاَمَ حَقِيقَةٌ فِي النَّفْسِي وَحْدَهُ أَوْ بِالإِشْتِرَاكِ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْقُرْآنِ إِطْلاَقُ كُلِّ مِنَ = ٥٣١ (٨) كتاب فضائل القرآن الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٢١٠٩ - [١] عَنْ عُثْمَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِهِ: ((خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ)). رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥٠٢٧]. الفصل الأول ٢١٠٩ - [١] (عثمان) قوله: (خيركم من تعلم القرآن) قيل: المراد من خيركم؛ لورود ذلك في غير المعلم والمتعلم، كذا في بعض الحواشي، أقول: إن قيد بالعمل به الإتيان بكل ما فيه كما هو الظاهر؛ لأن تعلم القرآن وتعليمه إنما هو للعمل، ولا يعتد به كثيراً بدون ذلك كما ورد: (رب تالٍ للقرآن والقرآن يلعنه) فلا حاجة إلى هذه الإرادة؛ فإن كل ما يفرض من وجوه الخيرية داخل في العمل بالقرآن(١)، ولا يتجه أيضاً ما نقل النووي في (فتاواه)(٢): إن تعلم قدر الواجب من القرآن والفقه سواء في الفضل، وأما الزيادة على الواجب فالفقه أفضل (٣)، فافهم. = الْمَعْنَيْنِ اللَّغْظِيِّ وَالنَّفْسِيِّ، قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا يَأْنِهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّيِّهِم ◌ُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢]، ﴿وَكَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]، وَاللَّفْظُ مُحَالٌ عَلَيْهِ تَعَالَى، وَخَلْقُ الْكَلاَمِ فِي الشَّجَرَةِ مَجَازٌ لاَ ضَرُورَةَ عَلَيْهِ، ثُمَّ الْمُعْتَمَدُ أَنَّ الْقُرْآنَ بِمَعْنَى الْقِرَاءَةِ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ، أَوْ فُعْلاَنٍ مِنَ الْقِرَاءَةِ بِمَعْنَى الْجَمْعِ؛ لِجَمْعِهِ السُّورَ وَأَنْوَاعَ الْعُلُومِ، وَأَنَّهُ مَهْمُوزٌ، وَقِرَاءَةُ ابْنُ كَثِيرٍ إِنَّمَا هِيَ بِالنَّقْلِ كَمَا قَالَ الشَّاطِبِيُّ رَحِمَهُ اللهُ. ((مرقاة المفاتيح)) (٤ / ١٤٥٢). (١) قال القاري: وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إِذَا كَانَ خَيْرُ الْكَلامِ كَلاَمَ اللهِ، فَكَذَلِكَ خَيْرُ النَّاسِ بَعْدَ النَّبِيِّينَ مَنْ يَتَعَلَّمُ الْقُرْآنَ وَيُعَلِّمُهُ، لَكِنْ لاَ بُدَّ مِنْ تَقْيِيدِ النَّعَلُّمِ وَالتَّعْلِيمِ بِالإِخْلاَصِ. ((مرقاة المفاتيح)) (٤ / ١٤٥٣). (٢) انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (٤٥٨/٦). (٣) قال القاري: وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌّ ظَاهِرٌ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ إِسَاءَةِ الإِطْلاَقِ؛ لِأَنَّ تَعَلُّمَ قَدْرِ الْوَاحِبِ مِنَ الْقُرْآنِ عِلْمٌ يَقِيٌّ وَمِنَ الْفِقْهِ ظَنِّيٌّ، فَكَيْفَ يَكُونَنِ فِي الْفَضْلِ سَوَاءٌ؟ وَالْفِقْهُ إِنَّمَا يَكُونُ أَفَضَلَ = ٥٣٢ (٨) كتاب فضائل القرآن ٢١١٠ - [٢] وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ێ﴿ وَنَحْنُ فِي الصُّفَّةِ، فَقَالَ: «أَّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يَغْدُوَ كُلَّ يَوْمٍ إِلَى بُطْحَانَ أَوِ الْعَقِيقِ فَيَأْتِيَ بِنَاقَتَيْنِ كَوْمَاوَیْنِ . ٢١١٠ - [٢] (عقبة بن عامر) قوله: (ونحن في الصُفّة)(١) المراد صفة المسجد، وهي موضع مظلل من المسجد، كذا في (القاموس)(٢)، وقيل: هو المسجد القديم الذي كان قبلته إلى بيت المقدس. وقوله: (إلى بطحان) بضم الباء. وقوله: (أو العقيق) شك من الراوي تدل عليه عبارة (جامع الأصول)(٣): أو قال: إلى العقيق، وهما واديان بالمدينة، وإنما خصهما بالذكر لأنهما أقرب أسواق الإبل إلى المدينة، و(الكوماء) بالفتح: الناقة العظيمة السنام، وقد کوِمتْ کفرح، = لِكَوْنِهِ مَعْنَى الْقُرْآنِ، فَلاَ يُقَابَلُ بِهِ، نَعَمْ لاَ شَكَّ أَنَّ مَعْرِفَةَ مَعْنَى الْقُرْآنِ أَفْضَلُ مِنْ مَعْرِفَةِ لَفْظِهِ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْقَدْرِ الْوَاجِبِ مِنَ الْقُرْآنِ تَعَلُمُ سُورَةِ الْفَاتِحَةِ مَثَلاً، فَإِنَّهُ رُكْنٌ عَلَى مَذْهَبِهِ، وَبِالْفِقْهِ مَعْرِفَةُ كَوْنِ الرُّكُوعِ رُكْناً مَثَلاً، فَلاَ يَسْتَوِيَانِ أَيْضاً مِنْ وُجُوهِ. وَاللهُ أَعْلَمُ. ((مرقاة المفاتيح) (٤ / ١٤٥٣). (١) قال القاري: وَفِي ((الْقَامُوسِ)): أَهْلُ الصُّفَّةِ كَانُوا أَضْيَافَ الإِسْلاَمِ يَبِيتُونَ فِي صُفَّةِ مَسْجِدِهِ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَكَانَتْ هِيَ فِي مُؤَخَّرِ الْمَسْجِدِ مُعَدَّةً لِفُقَرَاءِ أَصْحَابِهِ الْغَيْرِ الْمُتَأَهِّلِينَ، وَكَانُوا يَكْثُرُونَ تَارَةً حَتَّى يَبْلُغُوا نَحْوَ الْمِئَتَيْنِ، وَيَقِلُّونَ أُخْرَى لِإِرْسَالِهِمْ فِي الْجِهَادِ وَتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ، وَفِي (التَّعَرُّفِ)): إِنَّمَا سُقُوا صُوفِيَّةً لِقُرْبِ أَوْصَافِهِمْ مِنْ أَوْصَافِ أَهْلِ الصُّفَّةِ الَّذِينَ كَانُوا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِّهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لِلْسِهُمُ الصُّوفَ، أَوْ لِصَفَاءٍ أَسْرَارِهِمْ، أَوْ لِصَفَاءِ مُّعَامَلَتِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ فِي الصَّفِّ الأَوَّلِ بَيْنَ يَدَىِ اللهِ تَعَالَى، أَيْ: مِنَ السَّابِقِينَ الْمُسَارِعِينَ فِي الْخَيْرَاتِ وَالْمُبَادِرِينَ فِي الطَّاعَاتِ. ((مرقاة المفاتيح)) (٤/ ١٤٥٣). (٢) (القاموس المحيط)) (ص: ٧٦٣). (٣) ((جامع الأصول)) (٦٢٨١). ٥٣٣ (٨) كتاب فضائل القرآن فِي غَيْرِ إِثْمٍ وَلاَ قَطْعِ رَحِمٍ، فَقُلْنَا: بَا رَسُولَ اللهِ! كُنَا نُحِبُ ذَلِكَ، قَالَ: ((أَفَلاَ يَغْدُو أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَيَعْلَمُ أَوْ يَقْرَأُ آَيَتَيْنِ مِنْ كِتَابِ اللّهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ نَقَتَيْنِ، وَثَلاَثٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ ثَلاَثٍ، وَأَرْبَعٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَرْبَعٍ، وَمِنْ أَعْدَادِهِنَّ مِنَ الإِبِلِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨٠٣]. والأكوم المرتفع. وقوله: (في غير إثم) أي: في غير ما يوجب إثماً؛ كسرقة وغصب. وقوله: (نحب) الرواية بالنون باعتبار المعنى، والظاهر (يحب) بالياء باعتبار لفظ (کل)، وقد یروی بها. وقوله: (فيعلم أو يقرأ) في أكثر نسخ (المشكاة) من التعليم، وصحح في (جامع الأصول)(١): من العلم، وكلمة (أو) للشك أو للتنويع، وهما منصوبان إن حمل (أفلا) على معنى العرض، ومرفوعان إن كان نفياً. وقوله: (خير له) خبر مبتدأ محذوف. وقوله: (ومن أعدادهن من الإبل) أي: وعلى هذا القياس يكون عدد الآيات التي يعلمها أو يقرأها خيراً من أعدادهن، فخمس خير من خمس، وست من ست، هذا هو المتبادر من هذا الكلام، وقال الطيبي(٢): ويحتمل أن يكون المعنى: الآيات تفضل على مثل عددها من النوق، ومثل عددها من الإبل، انتهى. أقول: قد يؤيد هذا المعنى ذكر الإبل مكان النوق؛ فإن الظاهر على تقدير المعنى الأول أن يقال: من أعدادهن من النوق، إلا أن الإبل اسم جنس يشمل الذكر والأنثى، يقال للأنثى منه: ناقة، وللذكر: الجمل، كالإنسان الشامل للرجل والمرأة، فتدبر. (١) ((جامع الأصول)) (٦٢٨١). (٢) ((شرح الطيبي)) (٤ / ٢١٦). ٥٣٤ (٨) كتاب فضائل القرآن ٢١١١ - [٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((أَيَحِبُّ أَحَدُكُمْ إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ أَنْ يَجِدَ فِيهِ ثَلاَثَ خَلِفَاتٍ عِظَامِ سِمَانٍ؟)) قُلْنَاَ: نَعَمْ. قَالَ: ((فَثَلاَثُ آيَاتٍ يَقْرَأُ بِهِنَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلاَتِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ ثَلاَثِ خَلِفَاتٍ عِظَامِ سِمَانٍ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨٠٢]. فإن قلت: إن آية من القرآن خير من الدنيا وما فيها، فأيّ شيء الناقة حتى يفضل عليها؟ قلنا(١): حقيقة المراد أن اشتغالهم بأمر الدين خير لهم مما يكدحون فيه من طلب الرزق، ولم يرد حقيقة بيان المقدار الواقع في المقايسة بين الشيئين، وإنما مثله بمثال، وخصه بالناقة الكوماء؛ لأنها خيار أموال العرب، أو أراد أنها خير منها في أمر المعاش؛ إذ يحصل منها من الخير والبركة ما لا يحصل منها، وأما في أمر المعاد فإنها خير من الدنيا وما فيها، هذا حاصل ما ذكره التُّورِبِشْتِي(٢). ٢١١١ - [٣] (أبو هريرة) قوله: (خلِفات) الخلف ككتف: المخاض، وهي الحوامل من النوق، الواحدة بهاء، يقال: خلفت الناقة: إذا حملت، فهي خلفة، وأخلفت فهي مخلفة، أي: لم تحمل، وهي الحوامل من النوق التي تظن بها حملاً ولم یکن کذلك . وقوله: (يقرأ بهن) يقال: قرأه وقرأ به، والباء زائدة أو للملابسة والإلصاق. وقوله: (من ثلاث خلفات) لم يعرِّفها لإرادة التنكير للتعظيم، وبهذا (١) قال القاري (٤ / ١٤٥٤): وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ - أَرَادَ تَرْغِيَهُمْ فِي الْبَاقِيَاتِ وَتَزْهِيدَهُمْ عَنِ الْفَانِيَاتِ، فَذِكْرُهُ هَذَا عَلَى سَبِيلِ الثَّمْثِيلِ وَالتَّقْرِيبِ إِلَى فَهْمِ الْعَلِيلِ، وَإِلاَّ فَجَمِيعُ الدُّنْيَا أَحْقَرُ مِنْ أَنْ يُقَابَلَ بِمَعْرِفَةِ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ تَعَالَى أَوْ بِثَوَابِهَا مِنَ الدَّرَجَاتِ الْعُلَى، انتھی. (٢) ((كتاب الميسر)) (٢ / ٤٨٧). ٥٣٥ (٨) كتاب فضائل القرآن ٢١١٢ - [٤] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((الْمَاهِرُ بِالْقَرْآنِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَتَعْتَعُ فِيهِ، وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ، لَهُ أَجْرَانٍ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٩٣٧، م: ٧٩٨]. يغاير الأولى، فلا يراد أن النكرة إذا أعيدت نكرة تكون الثانية غير الأولى، فينبغي أن يعرف . ٢١١٢ - [٤] (عائشة) قوله: (الماهر) وهو الحاذق، والمراد به الجيد اللفظ والحفظ، و(السفرة) جمع سافر بمعنى كاتب، من السّفر بمعنى الكتابة، أو بمعنى السفير من السفارة، والتركيب للكشف، يقال: سفرت المرأة: إذا كشفت وجهها، والمراد بهم الملائكة أو الأنبياء ينتسخون الكتب السماوية من اللوح المحفوظ أو الوحي، [أو سفراء] يسفرون بالوحي بين الله وبين رسله أو الأمة، كذا قال البيضاوي(١)، وقيل: هم أصحاب رسول الله وَّر؛ لأنهم أول ما نسخوا القرآن، وقيل: الملائكة الكاتبون لأعمال العباد، وقيل: مشتق من السفارة بالكسر بمعنى الإصلاح، سفر بين القوم: أصلح، والمراد الملائكة النازلون بأمر الله لإصلاح العباد وحفظهم من الآفات والمعاصي وإلهامهم الخير، والمراد الملائكة بكونه مع هؤلاء كونه في الآخرة رفيقاً لهم، وفي الدنيا عاملاً بعملهم، و(التعتعة) في الكلام: التردد فيه من حصر أو عيّ، وعدم إطاعة اللسان إياه، وفي (القاموس)(٢): تعتعه: حركه بعنف. وقوله: (له أجران) أي: أجر القراءة وأجر المشقة، لا أنه يفضل في الأجر على الماهر، فإنه لا شك أن الماهر به أفضل ممن يتعب في تعهده، وقيل بالعكس؛ لأن (١) ((البيضاوي)) (٥/ ٣٧١). (٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٦٥١). ٥٣٦ (٨) كتاب فضائل القرآن ٢١١٣ - [٥] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((لاَ حَسَدَ إِلاَّ على اثْتَيْنِ: رَجُلٌ آَتَهُ اللهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَأَنَاءَ النَّهَارِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالاً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآَنَاَءَ النَّهَارِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٠٢٥، م: ٨١٥]. الأجر بقدر التعب، والأول أشبه . ٢١١٣ _ [٥] (ابن عمر) قوله: (لا حسد)(١) أي: لا غبطة (إلا في اثنين) وفي بعض النسخ: (اثنتين) بالتاء، أي: خصلتين، فعلى الأول الكلام محمول على الظاهر، وعلى الثاني المضاف محذوف، أي: في خصلة، (رجل) وهو مرفوع أو مجرور، و(آناء الليل) ساعتها جمع إِنَّى بالكسر كـ (مِعَّى)، وبالفتح كـ (عصاً)، وإِنوٌ وإِنِيٌّ بسكون النون (٢). (١) قال القاري: قَالَ مِيرَكُ: الْحَسَدُ قِسْمَانِ: حَقِيقِيٌّ وَمَجَازِيٌّ، فَالْحَقِيقِيُّ تَمَنِّي زَوَال النِّعْمَةِ عَنْ صَاحِبِهَا، وَهُوَ حَرَامٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ مَعَ النُّصُوصِ الصَّرِيحَةِ، وَأَمَّا الْمَجَازِيُّ فَهُوَ الْغِبْطَةُ، وَهِيَ تَمَنِّي مِثْلِ النِّعْمَةِ الَّتِي عَلَّى الْغَيْرِ مِنْ غَيْرِ تَمَنِّي زَوَالٍ عَنْ صَاحِبِهَا، فَإِنْ كَانَتْ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا كَانَتْ مُبَاحَةً، وَإِنْ كَانَتْ طَاعَةً فَهِيَ مُسْتَحَبَّةٌ، وَالْمُرَادُ فِي الْحَدِيثِ: لاَ غِبْطَةَ مَحْمُودَةً إِلَّ فِي هَاتَيَّنِ الْخَصْلَتَيْنِ ، اهـ. يَعْنِي فِيهِمَا وَأَمْثَالِهِمَا، وَلِذَا قَالَ الْمُظْهِرُ: يَعْنِي لاَ يَنْبَغِي أَنْ يَتَمَّنَّى الرَّجُلُ أَنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلُ صَاحِبٍ نِعْمَةٍ إِلَّ أَنْ تَكُونَ النِّعْمَةُ مِمَّا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللّهِ تَعَالَى؛ كَتِلاَوَةِ الْقُرْآنِ وَالنَّصَدُّقِ بِالْمَالِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْخَيْرَاتِ، اهـ. يَعْنِي مِنَ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ وَالطَّاعَاتِ الْمَالِيَّةِ. ((مرقاة المفاتيح)) (٤ / ١٤٥٦). وقال شيخنا في ((التقرير)): وفي تقديم الليل إشارة إلى أفضلية الإخفاء على الإظهار. (٢) قال النووي (٣/ ٣٥٩): وَاحِدُهُ أناً وَإِنَى وَإِنْيٌّ وَإِنْوٌ، أَرْبَعُ لُغَاتٍ. انتهى. ٥٣٧ (٨) كتاب فضائل القرآن ٢١١٤ - [٦] وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ الأَنْرُجَّةِ رِيحُهَا طَيِّبٌ، ٢١١٤ - [٦] (أبي موسى الأشعري) قوله: (مثل الأترجة) (١) بضم الهمزة والراء (١) قال الحافظ (٩/ ٦٦): قيل: الحكمة في تخصيص الأترجة بالتمثيل دون غيرها من الفاكهة التي تجمع طيب الطعم والريح كالتفاحة؛ لأنه يتداوى بقشرها، وهو مفرح بالخاصية، ويستخرج من حبها دهن له منافع، وقيل: إن الجن لا تقرب البيت الذي فيه الأترج، فناسب أن يمثل به القرآن الذي لا تقربه الشياطين، وغلاف حبه أبيض، فيناسب قلب المؤمن، وفيها أيضاً من المزايا كبر جرمها، وحسن منظرها، وتفريح لونها، ولين ملمسها، وفي أكلها مع الالتذاذ طيب نكهة، ودباغ معدة، وجودة هضم، ولها منافع أخرى مذكورة في المفردات، انتهى. وقال الطيبي (٥/ ١٦٣٦): إن هذا التشبيه والتمثيل في الحقيقة وَصْفٌ لِمَوْصُوفِ اشْتَمَلَ عَلَى مَعْنَى مَعْقُولٍ صِرْفٍ لاَ يُبْرِزُهُ عَنْ مَكْنُونِهِ إِلاَّ تَصْوِيرُهُ بِالْمَحْسُوسِ الْمُشَاهَدِ، ثُمَّ إِنَّ كَلاَمَ اللهِ المجيد لَهُ تَأْثِيرٌ فِي بَاطِنِ الْعَبْدِ وَظَاهِرِهِ، وَإِنَّ الْعِبَادَ مُتَفَاوِتُونَ فِي ذَلِكَ، فَمِنْهُمْ مَنْ لَهُ النَّصِيبُ الأَوْفَرُ مِنْ ذَلِكَ التَّأثيرِ، وَهُوَ الْمُؤْمِنُ الْقَارِئُ، وَمِنْهُمْ مَنْ لاَ نَصِيبَ لَهُ الْبَّةَ، وَهُوَ الْمُنَافِقُ الْحَقِيقِيُّ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأَثَّرَ ظَاهِرُهُ دُونَ بَاطِهِ، وَهُوَ الْمُرَائِي، أَوْ بِالْعَكْسِ، وَهُوَ الْمُؤْمِنُ الَّذِي لاَ يَقْرَؤُهُ، وَإِبْرَازُ هَذِهِ الْمَعَانِي وَتَصْوِيرُهَا إِلَى الْمَحْسُوسَاتِ مَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي الْحَدِيثِ، وَلَمْ يُوجَدْ مَا يُوَافِقُهَا وَيُلاَئِمُهَا أَقْرَبُ وَلاَ أَحْسَنُ وَلاَ أَجْمَعُ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُشَبَّهَاتِ وَالْمُشَبَّهَ بِهَا وَارِدَّةٌ عَلَى النَّقْسِيمِ الْحَاصِر؛ لِأَنَّ النَّاسَ إِمَّا مُؤْمِنٌ أَوْ غَيْرُ مُؤْمِنٍ، وَالثَّانِي إِمَّا مُنَافِقٌ صِرْفٌ أَوْ مُلْحَقٌ بِهِ، وَالأَوَّلُ إِمَّا مُوَاظِبٌ عَلَى الْقِرَاءَةِ أَوْ غَيْرُ مُوَاظِبٍ عَلَيْهَا، فَعَلَى هَذَا قِسِ الأَثْمَارَ الْمُشَبَّهَ بِهَا، وَوَجْهُ الشَّبَهِ فِي الْمَذْكُورَاتِ مُتَزَعٌ مِنْ أَمْرَيْنِ مَحْسُوسَيْنِ: طَعْمٌ وَرِيحٌ، وَلَيْسَ بِمُفَرَّقٍ كَمَا فِي قَوْلِ امْرِىِ الْقَيْسِ: لَدَى وَكْرِهَا الْعُنَّابُ وَالْحَشَفُ الْبَالِي كَأَنَّ قُلُوبَ الطَّيْرِ رَطْباً وَيَابِساً انتھی. وقال التُّورِبِشْتِي (٢ / ٤٨٩): إن الشارع ◌َي أشار في ضرب هذا المثل إلى معان لا يهتدي إليها إلا من ◌ُيِّد بالتوفيق، فمنها: أنه ضرب المثل بما تنبته الأرض ويخرجه الشجر للمشابهة التي بينها وبين الأعمال، فإنها من ثمرات النفوس، والمثل وإن ضرب للمؤمن نفسه فإن العبرة فيه = ٥٣٨ (٨) كتاب فضائل القرآن وَطَعْمُهَا طَيِّبٌ، وَمَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لاَ يَقْرَأْ الْقُرْآن مَثَلُ الثَّمْرِةِ لاَ رِيِحَ لَهَا وَطَعْمُهَا حُلُوٌ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي لَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الْحَنْظَلَةِ، لَيْسَ لَهَا رِيحٌ وَطَعْمُهَا مُرُّ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي يَقْرَأْ الْقُرْآنَ مَثَلُ الرَّيْحَانَةَ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرِّ). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٤٢٧، م: ٧٩٧]. وَفِي رِوَايَةٍ: ((الْمُؤْمِنُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَعْمَلُ بِهِ كَالأُنْرُجَّةِ، وَالْمُؤْمِنُ الَّذِي لاَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَعْمَلُ بِهِ كَالنَّمْرَةِ)). [خ: ٥٠٥٩، م: ٧٩٧]. ٢١١٥ - [٧] وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ اللهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ أَقْوَاماً وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨١٧]. وسكون التاء بينهما، وتشديد جيم مفتوحة، ويقال: الأترج بدون الهاء، وتُرنْجَة وتُرُنْج، ثمر معروف جامع لطيب الطعم والرائحة وحسن اللون ومنافع كثيرة، وكذلك المؤمن الذي يقرأ القرآن يلتذ بقراءته، ويستريح الناس بصوته، وتنعكس أشعة أنوار القدس من باطنه إلى ظاهره حتى تظهر من وجناته، ويحسن في أعين الناظرين، وقس عليه حال المشبهين الآخرين . ٢١١٥ - [٧] (عمر) قوله: (أقواماً) يؤمنون به ويعملون ويقرؤون ويخلصون، = بالعمل الذي يصدر منه، لأن الأعمال هي الكاشفة عن حقيقة الحال. ومنها: أنه ضرب مثل المؤمن بالأترجة والتمرة وهما مما يخرجه الشجر، وضرب مثل المنافق بما تنبته الأرض؛ تنبيهاً على علو شأن المؤمن، وارتفاع عمله، ودوام ذلك وبقائه ما لم تيبس الشجرة، وتوقيفاً على ضعة شأن المنافق وإحباط عمله، وقلة جدواه وسقوط منزلته. ومنها: أن الأشجار المثمرة لا تخلو عمن يغرسها فيسقيها ويُصلح أودَها ويربيها، وكذلك المؤمن يقيض له من يؤدِّبه ويعلّمه ويهذّبه ويلمّ شعثه ويسومه، ولا كذلك الحنظلة المهملة المتروكة بالعراء أذلّ من نقع الفلا، والمنافق الذي وكل إلى شيطانه وطبعه وهواه، انتهى. ٥٣٩ (٨) كتاب فضائل القرآن ٢١١٦ - [٨] وَعَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُذْرِيِّ أَنَّ أُسَيْدَ بنَ حُضَيْرٍ قَالَ: بَيْنَمَا هُوَ يَقْرَأُ مِنَ اللَّيْلِ سُورَةَ الْبَقَرَةِ، وَفَرَسُهُ مَرْبُوطَةٌ عِنْدَهُ، إِذْ جَالَتِ الْفَرَسُ، فَسَكَتَ فَسَكَنَتْ، فَقَرَّأَ فَجَالَتِ الْفَرَسُ، فَسَكَتَ فَسَكَنَتْ، وآخرين حالهم على عكس هؤلاء(١). ٢١١٦ - [٨] قوله: (أسيد بن حضير) كلاهما على صيغة التصغير. وقوله: (سورة البقرة) قال السيوطي عن القتبي(٢): السورة تهمز ولا تهمز، فمن همزها جعلها من أَسْأَرَتْ، أي: أفضلت، من السؤر، وهو ما بقي من الماء في الإناء، كأنها قطعة من القرآن، ومن لم يهمزها جعلها منه وسهّل همزها، ومنهم من شبهها بسور البناء، أي: القطعة منه، أي: منزلة بعد منزلة، وقيل: من سُور المدينة؛ لإحاطتها بآياتها واجتماعها كاجتماع البيوت بالسور، ومنه السوار؛ لإحاطته بالساعد، وقيل : لارتفاعها؛ لأنها كلام الله، والسورة المنزلة الرفيعة، قال النابغة: ألم تر أن الله أعطاك سورةً ترى كل ملك حولها يتذبذب وقيل: لتركيب بعضها على بعض، من التسور بمعنى التصاعد والتركب، ومنه ﴿إِذْ تَسَوَّرُواْ الْمِحْرَابَ﴾[ص: ٢١]، وقال الجعبري: حد السورة قرآن يشتمل على آي ذي فاتحة وخاتمة، وأقلها ثلاث آيات، وقال غيره: السورة الطائفة المترجمة توقيفاً، أي: المسماة باسم خاص بتوقيف من النبي ◌َّ، ويجوز أن يقال: سورة البقرة وسورة العنكبوت، وقد كرهه بعضهم، وقال: ينبغي أن يقال: السورة التي تذكر فيها البقرة، (١) قَالَ الطَّيِيُّ (٥/ ١٦٣٧): فَمَنْ قَرَأَهُ وَعَمِلَ بِهِ مُخْلِصاً رَفَعَهُ اللهُ، وَمَنْ قَرَأَهُ مُرَائِياً غَيْرَ عَامِلٍ بِهِ وَضَعَهُ الله أسفل السافلين. ((مرقاة المفاتيح)) (٤ / ١٤٥٧). (٢) انظر: ((الإتقان في علوم القرآن)) (١ / ١٨٦). ٥٤٠ (٨) كتاب فضائل القرآن ثُمَّ قَرَأَ فَجَالَتِ الْفَرَسُ، فَانْصَرَفَ، وَكَانَ ابْنُهُ يَحْيَى قَرِيباً مِنْهَا، فَأَشْفَقَ أَنْ تُصِيبَهُ، وَلَمَّا أَخَّرَهُ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَإِذَا مِثْلُ الظُّلَّةِ، فِيهَا أَمْثَالُ الْمَصَابِيحِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ حَدَّثَ النَّبِيَّ ◌َّهِ فَقَالَ: ((اقْرَأْ يَا بْنَ حُضَيْرٍ، اقْرَأْ يَا بْنَ حُضَيْرِ)). قَالَ: فَأَشْفَقْتُ يَا رَسُولَ اللهِ أَنْ تَطَأَ يَحْبَى وَكَانَ مِنْهَا قَرِيباً، فَانْصَرَفْتُ إِلَيْهِ، وَرَفَعْتُ رَأْسِي إِلَى السَّمَاءِ، فَإِذَا مِثْلُ الظُّلَّةِ فِيهَا أَمْثَالُ الْمَصَابِيحِ، فَخَرَجْتُ حَتَّى لاَ أَرَاهَا، قَالَ: ((وَتَدْرِي مَا ذَاكَ؟)). ويذكر فيها العنكبوت، وروى الطبراني والبيهقي ذلك [عن أنس مرفوعاً](١)، وإسناده ضعيف، بل ادعى ابن الجوزي أنه موضوع، وروي أن المشركين كانوا يقولون: سورة البقرة وسورة العنكبوت يستهزؤن بها فنزل: ﴿ إِنَّا كَفَيْنَكَ الْمُسْتَهْزِينَ﴾ [الحجر: ٩٥]. وقوله: (فانصرف) أي: عن القرآن، والضمير المرفوع في قوله: (ولما أخره) لأسيد، والمنصوب لابنه، و(الظلة) بضم الظاء المعجمة: سحابة تظل، وما أظلك من شجر وغيره. وقوله: (اقرأ يا بن حضير) مكرر مرتين للتأكيد(٢)، والمراد الاستمرار على القراءة، فاعتذر بقوله: (فأشفقت) وفي نسخة: (أشفقت) بدون الفاء. وقوله: (حتى لا أراها) أي: لغلبة الفزع، و(حتى) حرف ابتداء. (١) ((المعجم الأوسط)) (٥٧٥٥)، و((شعب الإيمان)) (٢٥٨٢). (٢) قال القاري (٤ / ١٤٥٨): أَيْ رَدِّدْ وَدَاوِمْ عَلَى الْقِرَاءَةِ الَّتِي [هي] سَبَبٌ لِمِثْلِ تِلْكَ الْحَالَةِ الْعَجِيبَةِ؛ إِشْعَاراً بِأَنَّهُ لاَ يَتْرُكُهَا إِنْ وَقْعَ لَهُ ذَلِكَ بَعْدُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، بَلْ يَسْتَمِزُّ عَلَيْهَا اسْتِمْتَاعاً بِهَا، وَقَالَ الطَّيِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: (اقْرَأْ) لَفْظُ أَمْر طلب لِلْقِرَاءَةِ فِي الْحَالِ، وَمَعْنَاهُ تَخْصِيص وَطَلَبُ الإِسْتِزَادَةِ فِي الزَّمَانِ الْمَاضِي، فَكَأَنَّهُ اسْتَحْضَرَ تِلْكَ الْحَالَةَ الْعَجِيبَةَ الشَّأْنِ فَأَمَرَهُ تَحْرِيضاً عَلَيْهِ. اهـ.