Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
(٥) كتاب الجنائز
نَسْأَلُ اللهَ لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٩٥٧].
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
١٧٦٥ - [٤] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ◌َهَ بِقُبُورٍ بِالْمَدِينَةِ فَأَقْبَلَ
عَلَيْهِمْ بِوَجْهِهِ فَقَالَ: ((السَّلَمُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْقُبُورِ، يَغْفِرُ اللهُ لَنَا وَلَكُمْ،
أَنْتُمْ سَلَفْنَا وَنَحْنُ بِالأَرِ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
[ت: ١٠٥٣].
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
١٧٦٦ - [٥] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِلَِّ كُلَّمَا كَانَ لَيْلَتُّهَا مِنْ
رَسُولِ اللهِنَّهِ يَخْرُجُ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ إِلَى الْبَقِيعِ، فَيَقُولُ: ((السَّلَمُ عَلَيْكُمْ دَارَ
قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَأَتَاكُمْ مَا تُوعِدُونَ غَداً مُؤَجَّلُونَ،
تعالى: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١].
الفصل الثاني
١٧٦٥ - [٤] (ابن عباس) قوله: (فأقبل عليهم بوجهه) كما يفعل بالحي، قالوا:
زيارة الميت كزيارة الحي في المواجهة والاحترام وحفظ الأدب، فتدل على أنه في حكم
الحي، وعلى هذا معنى قول الغزالي: كل من يتبرك في حال حياته يتبرك به بعد وفاته.
الْفَصْلِ الثَّالِث
١٧٦٦ - [٥] (عائشة) قوله: (كلما كان ليلتها) أي: نوبتها، وهذه العبارة تدل
على الدوام والاستمرار، وكان المراد في أغلب الأحوال، والله أعلم.
وقوله: (دار قوم) أي: أهل دار، كما قال في الحديث الأول.
وقوله: (غداً مؤجلون) حال بحذف المبتدأ، أي: وأنتم، أو بدل مما قبلها بحسب

٢٢٢
(٨) باب زيارة القبور
وَإِنَّ إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لاَحِقُونَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَهْلِ بَقِيعِ الْغَرْقَدِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
[م: ٩٧٤].
١٧٦٧ - [٦] وَعَنْهَا قَالَتْ: كَيْفَ أَقُولُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ تَعْنِي فِي زِيَارَةِ
الْقُبُورِ قَالَ: ((قُولِي: السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ،
وَيَرْحَمُ اللهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّ وَالْمُسْتَأْخِرِينَ، وَإِنَّ إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَلاَحِقُونَ)).
رَوَاهُ مُسلِمٌ. [م: ٩٧٤].
١٧٦٨ - [٧] وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الَّعْمَانِ يَرْفَعُ الْحَدِيثَ إِلَى النَّبِيِّ
وَسـ
قَالَ: ((مَنْ زَارَ قَبْرَ أَبَوَيْهِ أَوْ أَحَدِهِمَا فِي كُلِّ جُمُعَةٍ غُفِرَ لَهُ وَكُتِبَ بَرًّ)). رَوَاهُ
الْبَيْهَقِيُّ فِي ((شُعَبِ الإِيمَانِ)) مُرْسَلاً. [شعب: ٧٩٠١].
١٧٦٩ - [٨] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ قَالَ: ((كُنْتُ نِهَيُكُمْ
عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا، .
المعنى .
وقوله: (اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد) والبقيع اسم مقبرة المدينة المطهرة،
والبقيع: الموضع المتسع فيه الشجر من ضروب شتى، وبقيع الغرقد كان فيه هذا النوع
من الشجر الذي يقال له: الغرقد.
١٧٦٧ - [٦] (وعنها) قوله: (تعني في زيارة القبور) فيه دليل على إباحة الزيارة
للنساء، وأن حديث اللعن كان قبل الرخصة .
١٧٦٨ - [٧] (محمد بن النعمان) قوله: (من زار قبر أبويه أو أحدهما) وقد
جاء في بعض الروايات تقبيل قبرهما، ولا يجوز في غير قبرهما.
١٧٦٩ - [٨] (ابن مسعود) قوله: (فزوروها) صيغة المذكر على تقدير وجود

٢٢٣
(٥) كتاب الجنائز
فَإِنَّهَا تُزَهِّدُ فِي الدُّنْيَا وَتُذكِّرُ الْآخِرَةَ)). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ١٥٧١].
١٧٧٠ - [٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ لَعَنَ زُؤَّارَاتِ الْقُبُورِ .
رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ
صَحِيحِ. [ت: ١٠٥٦، حم: ٢ / ٣٣٧، جه: ١٥٧٦].
وَقَالَ: قَدْ رَأَى بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ هَذَا كَانَ قَبْلَ أَنْ يُرَخِّصَ النَّبِيِّ وَ﴾
فِي زِيَارَةِ الْقُبُورِ، فَلَمَّا رَخَّصَ دَخَلَ فِي رُخْصَتِهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ. وَقَالَ
بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا كَرِهَ زِيَارَةَ الْقُبُورِ لِلنِّسَاءِ لِقِلَّةِ صَبْرِهِنَّ وَكَثْرَةٍ جَزَعِهِنَّ. تمّ
کَلاَمُهُ.
١٧٧١ - [١٠] وَعَن عَائِشَة قَالَتْ: كُنْتُ أَدْخُلُ بَيْنِيَ الَّذِي فِيهِ
رَسُولُ الهِلَّهِ وَإِنِّي وَاضِعٌ ثَوْبِي وَأَقُولُ: إِنَّمَا هُوَ.
الرخصة للنساء باعتبار الأصل والأغلب، كما في أكثر أحكام الشريعة .
١٧٧٠ - [٩] (أبو هريرة) قوله: (لعن زوارات القبور) يحتمل أن يكون اللعن
لأجل عدم رعايتهن آداب الزيارة لا للنهي وإليه الإشارة بقوله: وقال بعضهم: إنما
كره زيارة القبور لقلة صبرهن وكثرة جزعهن، فلا حاجة إلى حمله على ما قبل زمان
الرخصة .
١٧٧١ - [١٠] (عائشة) قوله: (وإني واضع) التذكير باعتبار الشخص، والظاهر
أن المراد بالثوب الرداء.
وقوله: (وأقول) أي: في قلبي أو كنت أقول في جواب من يسألني من ذلك
ويلومني.
وقوله: (إنما هو) أي: المدفون، أو (هو) ضمير الشأن، والخبر محذوف، أي:

٢٢٤
(٨) باب زيارة القبور
زَوْجِي وَأَبِي، فَلَمَّ دُفِنَ عُمَرُ مَعَهُمْ فَوَاللهِ مَا دَخَلْتُهُ إِلَّ وَأَنَا مَشْدُودَةٌ عَلَيَّ
ثِيَابِي حَيَاءً مِنْ عُمَرَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٢٠٢/٦].
مدفونان .
وقوله: (فلما دفن عمر) في بعض النسخ: (معهم)، والظاهر معهما، كأنه جمع
لحصول الجماعة بعده .
وقوله: (حياء من عمر) فيه أوضح دليل على حياة الميت، وعلى أنه ينبغي احترام
الميت عند زيارته مهما أمكن، لا سيما الصالحون بأن يكون في غاية الحياء والتأديب
بظاهره وباطنه، فإن للصالحين مدداً بالغاً لزوارهم بحسب أدبهم وقبولهم، كذا في
شرح الشيخ. والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب.
تم كتاب الصلاة بفضل الله وكرمه وتوفيقه، والحمد لله رب العالمين وصلى الله
على خير خلقه محمد وآله أجمعين، ونسأله التوفيق لتميم ما قصدناه، وهو أرحم
الراحمين، ويتلوه (كتاب الزكاة).

ء
3.
كِتَابُ الركاة
9:21
(٦)

(٦)
كتاب الشركاء
٦ - كِتَابُ الزَّكَاةِ
الزكاة في اللغة: النماء والزيادة والتطهير، وقال: من زكا الزرع يزكو زكاء بالمد :
إذا زاد، وقال الله تعالى: ﴿وَيُزَكِبِهِمْ﴾ [البقرة: ١٢٩] أي: يطهرهم، والزكاة موجبة لنماء
المال وطيبه وطهارته، ونماء أجر صاحبه وطهارته من الذنوب، وقيل: من التزكية؛
لأنها تزكي صاحبه وتشهد بصحة إيمانه، وتطلق على المال المؤدى، وعلى أدائه على
الوجه المخصوص المعين في الشرع.
واختلف في أنها نزلت قبل الهجرة أو بعدها؟ فادعى ابن خزيمة في (صحيحه)(١)
أنها نزلت قبل الهجرة، واحتج بحديث أم سلمة ◌َّ في قصة هجرة الحبشة: أن جعفر
ابن أبي طالب به قال للنجاشي رحمة الله عليه: أمرنا بالصلاة والزكاة والصيام،
وهجرة الحبشة سابقة على هجرة المدينة، والصحيح أن وجوب الزكاة بعد الهجرة في
السنة الثانية، وعليه الأكثرون، وبهذا جزم ابن الأثير، ولكنه قيل: إنها قبل فرضية
رمضان في السنة الأولى أو الثانية، والتحقيق أنها بعد رمضان لحديث أحمد والنسائي
وابن ماجه وابن خزيمة والحاكم من حديث قيس بن سعد بن عبادة قال: أمرنا
رسول الله و بصدقة الفطر قبل نزول الزكاة، ثم نزلت الزكاة فلم يأمرنا بصدقة الفطر
(١) ((صحيح ابن خزيمة)) (٤ / ١٣، رقم: ٢٢٦٠).

٢٢٨
(٦) كتاب الزكاة
ولم ينهنا عنها ونحن نفعلها، وهذا يدل على تأخرها عن رمضان(١).
ثم اعلم أن في شرعية الزكاة وسائر الصدقات كالعشر ونحوه وأحكامها وحدودها
قد روعي حكم ومصالح يجد من يتأمل فيها من الناظرين، وفي كل الأحكام الشرعية
دقائق وحكم لا تعدّ ولا تحصى، فالأصل في شرعية الزكاة والصدقة مراعاة الفقراء
ومواساتهم، وكان رسول الله وَليله يوصي ويرغب في إيصالها إليهم، فيبعث الديانة والأمانة
بلا محنة ولا مشقة وَمَنٍّ وأذى، وإيجاب الأنثى في الإبل لكون المنفعة فيها أكثر من
الذكور من هذا القبيل، ومع ذلك قد روعي حال أصحاب الأموال بنهي العمال عن أن
يظلموا عليهم، ويتجاوزوا عن الحد، ويتجنبوا الجياد من أموالهم، ويأخذوا الزيادة
على قدر الفريضة من الهدايا والضيافات، واشتراط النماء وحولان الحول وسائر ما هو
من باب البر والرفق من هذا الباب على ما هو دأبه ﴿ في رعاية غاية العدالة والتوسط
في الحقوق والأحكام، وَس﴾ وجزاه عن الأمة خير الجزاء.
ومن جملة ذلك إيجاب الزكاة في أربعة أصناف من المال التي دورانها ووجودها
بين الناس أكثر واحتياجهم إليها أوفر، حتى يكون أداؤها أيسر وأخذها للحاجة أوقع،
أحدها: الزروع والثمار كالحبوب والتمر والزبيب، لا كالبقول والخضراوات التي تفسد
في أدنى مدة. وثانيها: بهيمة الأنعام من الإبل والبقر والغنم بالشرائط والصفات المعتبرة
فيها المذكورة في الفقه. وثالثها: الذهب والفضة والأثمان التي بها القوام ومعاش الناس
(١) والمعتمد أن الزكاة فرضت بمكة إجمالاً، وبينت بالمدينة تفصيلاً جمعاً بين الآيات
التي تدلّ على فرضيتها بمكة، وغيرها من الآيات والأدلة، والله أعلم. ((مرقاة المفاتيح))
(٤ / ١٢٦٠).

٢٢٩
(٦) كتاب الزكاة
باعتبار التقويم والمعاملة. ورابعها: سائر أموال التجارة من الظروف والفروش والثياب
والأقمشة والأمتعة .
وشرع في كل سنة مرة، وفي الزروع والثمار حين حصادها وكمالها الذي هو
وقت حصول الغلات، وفيه غاية العدل ورعاية الجانبين، ومن جملة ذلك رعاية العدالة
في مقدار الواجب بحسب سعي صاحب المال في تحصيله بالسهولة والمشقة، فجعل
الخمس في مال يحصل بغتة من غير مشقة وتكلف في تحصيله في الأزمنة المتطاولة
كالركاز والكنز، ولم يشترط فيه حولان الحول كما في أموال التجارة، بل كما وجد
وجب، وما كان من الأموال في تحصيله نوع مشقة وكلفة بقدر من غير زيادة أوجب
نصف الخمس، وهو العشر، كما في الزروع والثمار التي تحصل بماء المطر، وأوجب
نصف العشر وهو واحد من العشرين فيما فيه زيادة تكلف كالتي تسقى بالدلاء من الحياض
والأنهار والبیار، ونصف ذلك وهو واحد من الأربعین فیما یحتاج إلى عمل كثير وتعب
دائم بارتكاب الأسفار وركوب البحار إلى البلاد وأكناف الأرض، وترقب وانتظار وقيم
وأسعار.
ثم عين في كل نوع من المال بحسب اقتضاء مصلحة وحكمة لا يحيط به إلا علم
الشارع نصاباً، فجعل في الفضة مئتي درهم، وفي الذهب عشرين مثقالاً، وفي الغلات
والثمار خمسة أوسق، وفي الغنم أربعين، وفي البقر ثلاثين، وفي الإبل خمسة، وأوجب
في كل نصاب مقداراً من الزكاة، والأصل في هذا الباب كتاب رسول الله صلير وعمل
الخلفاء الراشدين بعده، وإجماع الأمة على ذلك بعدهم، ولذلك لم يقع فيه كثير .
خلاف، والله أعلم وعلمه أحكم.

٢٣٠
(٦) كتاب الزكاة
• الفصل الأول:
١٧٧٢ - [١] عَنِ ابْنِ عَبَّاس أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ بَعَثَ مُعَاذاً إِلَى الْيَمَنِ،
فَقَالَ: ((إِنََّكَ تَأْتِي قَوْماً أَهْلَ كِتَابٍ، فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةٍ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وَأَنَّ
مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمُ أَنَّ اللهَقَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ
خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمُهُمْ أَنَّ اللهَ قَدْ
فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً، تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُ عَلَى.
[الفصل الأول]
١٧٧٢ - [١] (ابن عباس) قوله: (بعث معاذاً إلى اليمن) جعله قاضياً، وعلّمه
الأحكام وأمره بالعمل بالكتاب والسنة والقياس، وشايعه بنفسه الكريمة راجلاً ومعاذ
راکب، وقال: (لعلك لا تدرکني بعده یا معاذ) وكذلك وقع.
وقوله: (قوماً أهل كتاب) أي: فيهم أهل كتاب، خصَّهم اهتماماً بهم.
وقوله: (فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم) يدل على أن الكفار غير مخاطبين
بالفروع، وهو المذهب عند الحنفية، وقد تقرر ذلك في علم الأصول، وينبغي أن يعلم
أن ثمرة الخلاف إنما تظهر في عذاب الآخرة، فعندنا يعذبون لترك الإيمان فقط، وعند
الشافعية له ولترك الأعمال أيضاً، وأما طلب الأعمال منهم في الدنيا فلا بالاتفاق، لعدم
صحتها بدون الإيمان، كما حقق في موضعه، هذا وأما تقديم الإعلام بالصلوات قبل
الإعلام بالزكاة فلفضلها على سائر الأعمال، لا لاشتراطها لها.
وقوله: (تؤخذ من أغنيائهم) قال الطيبي(١): وفيه دليل على أن الطفل تلزمه الزكاة
(١) ((شرح الطيبي)) (٤ / ٦).

٢٣١
(٦) كتاب الزكاة
فُقَرَائِهِمْ(١)، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَإِّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ
الْمَظْلُومِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ))، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٤٩٦، م: ١٩].
١٧٧٣ - [٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((مَا مِنْ
صَاحِبٍ ذَهَبٍ وَلاَ فِضَّةٍ لاَ يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا، إِلَّ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ
صُفِّحَتْ.
لعموم الأغنياء. وهذا مذهب الشافعي رحمه الله، فإنه قال: الزكاة غرامة مالية، فتعتبر
بسائر المؤون كنفقة الزوجات وصار كالعشر والخراج. ولنا أنها عبادة، فلا تتأدى إلا
بالاختيار تحقيقاً لمعنى الابتلاء، ولهذا لا تجب على المجنون، بخلاف الخراج لأنه
مؤنة الأرض، وكذا العشر لأن الغالب فيه معنى المؤنة، وقد شاع تخصيص غير البالغ
والعاقل من عمومات الشرع، وهذا ظاهر.
وقوله: (وكرائم أموالهم) أي: نفائسها كالحامل والمسمنة للأكل ونحو ذلك.
١٧٧٣ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (لا يؤدي منها حقها) أي: الدراهم والدنانير
أو الأموال أو من الفضة؛ لأنه الأقرب، والذهب يعلم بالأولى.
وقوله: (صفحت) بالتشديد، أي: طُرِقَتْ ومدت، والصفائح جمع صفيحة،
(١) قال الطيبي: وفيه أيضاً أن نقل الزكاة عن بلد الوجوب لا يجوز مع وجود المستحقين فيه،
بل صدقة كل ناحية لمستحق تلك الناحية، واتفقوا على أنه إذا نقلت وأديت يسقط الفرض،
إلا عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - فإنه رد صدقة نقلت من خراسان إلى الشام إلى مكانها من
خراسان، اهـ. وفيه أن فعله هذا لا يدل على مخالفته للإجماع، بل فعله إظهاراً لكمال العدل،
وقطعاً للأطماع، ثم ظاهر الحديث أن دفع المال إلى صنف واحد جائز كما هو مذهبنا، بل له
أن يقتصر على شخص واحد، فالحديث محمول على مقابلة الجمع بالجمع. ((مرقاة المفاتيح))
(٤ / ١٢٦١) .

٢٣٢
(٦) كتاب الزكاة
لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ، فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِنُهُ
وَظَهْرُهُ، كُلَّمَا رُدَّتْ أُعِيدَتْ لَهُ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى
يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ،
وهو ما ينطبع مما يتطرق، كالحديد والنحاس، وصفائح الأبواب، ألواحها، والسيوف
العريضة، وحجارة عراض رقاق، وصفيحة الوجه: بشرة جلده، و(صفائح) يروى
مرفوعاً ومنصوباً، فالرفع على إسناد (صفحت) إليها، والنصب على أنه مفعول ثان
على معنى جعلت، أي: الدراهم والدنانير صفائح، وهو أقوى في المعنى.
وقوله: (من نار) لشدة إحمائها وحرارتها كما يدل عليه قوله: (فأحمي عليها نار
جهنم) و(أحمي) مسند إلى قوله: (عليها)، ولذا أتي بضمير المذكر(١)، وأصله تحمى
النار عليها، فانتقل الإسناد عن النار إلى (عليها)، وجعلت النار ظرفاً إفادة للمبالغة،
والظاهر أن هذا القول بيان وتفصيل لجعله صفائح من نار. وقيل: المعنى أن تلك
الصفائح النارية تحمى مرة ثانية بنار جهنم ليزيد حرها ولهبها. ووجه تخصيص هذه
الأعضاء أن جمعهم وإمساكهم المال كان لطلب الوجاهة بالغنى، والتنعم بالمطاعم
الشهية والملابس البهية، أو لأنهم ازورّوا(٢) عن السائل وأعرضوا عنه وولّوه ظهورهم،
أو لأنها مشتملة على الأعضاء الرئيسية التي هي الدماغ والقلب والكبد، كذا قال
البيضاوي(٣).
قوله: (كلما ردت أعيدت له) كما ترد الحديدة المحماة إلى الكُور وتخرج منها
(١) قوله: ((بضمير المذكر)) كذا في (ب)، وفي (ر): ((بضمير بلفظ المذكر)).
(٢) أي: عدلوا وانحرفوا.
(٣) ((تفسير البيضاوي)) (١ / ٤٠٤).

٢٣٣
(٦) كتاب الزكاة
فَيُّرَى سَبِيلُهُ: إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ))، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ! فَالإِبِلُ؟
قَالَ: ((وَلاَ صَاحِبُ إِبِلِ لاَ يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا، وَمِنْ حَقُّهَا حَلْبُهَا يَوْمَ وِرْدِهَا،
إِلاَّ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بُطِحَ .
ساعة فساعة .
وقوله: (فيرى) بضم الياء، فـ (سبيله) بالرفع، ويفتحها فهو بالنصب، ويحتمل
النصب على الأول بإسناد (يرى) إلى ضميره، وجعل (سبيله) مفعولاً ثانياً، وهذا أوجه،
فافهم .
وقوله: (فالإبل؟) أي: عرفنا حکم النقدين فما حكم الإبل؟ فقال في بیان حكمه:
(ولا صاحب إيل) وهو عطف على قوله: (ما من صاحب ذهب)، و(لا) زائدة لتأكيد
النفي .
وقوله: (ومن حقها حلبها يوم وردها) جملة معترضة، ذكرها زيادة على الزكاة،
والحلب بسكون اللام وقد يحرك: إخراج ما في الضرع من اللبن، والورد بكسر الواو:
الإشراف على الماء، والمراد يوم ورود الإبل على الماء للاستقاء، وإنما يستحب
الحلب في ذلك اليوم لاجتماع الناس فيه صادراً وارداً، فينبغي أن يسقيهم من ألبانها(١).
وقوله: (بطح) بلفظ المجهول، أي: طرح وألقي صاحب الإبل على وجهه، من
بطحه کمنعه: ألقاه على وجهه.
(١) قيل: حلبها للفقراء لأنهم يجتمعون يوم الورد، أو المعنى: يحلبهم يوم شربها الماء دون غيره
لئلا تلحقها مشقة العطش والحلب، فعلى هذين المعنیین یکون ذكره معترضة، ندب إليه استطراداً،
فلا دخل في العذاب له لأن العذاب يكون على الوجوب، ويحتمل أن يكون محمولاً على وقت
كانت الضيافة واجبة. كذا في ((التقرير)) نقلاً عن ((المرقاة)) (٤/ ١٢٦٣).

٢٣٤
(٦) كتاب الزكاة
لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ أَوْفَرَ مَا كَانَتْ لاَ يَفْقِدُ مِنْهَا فَصِيلاً وَاحِداً، تَطَؤُّهُ بِأَخْفَاِهَا،
وَتَعَضُّهُ بِأَفْوَاهِهَا، كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولاَهَا رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا فِي يَوْمٍ كَانَ .....
وقوله: (لها) أي: لأجل الإبل، وفي بعض النسخ: (له). قال التُّورِبِشْتِي(١):
بل في أكثر النسخ من (المصابيح) بل في أجمعها، ولا يصح رواية، وإن صح معنى
بتأويل الجنس أو الذكور، والأول هو الوجه. و(القاع) أرض سهلة مطمئنة قد انفرجت
عنها الجبال والآكام، و(القرقر) بمعناه، فهو صفة كاشفة أو تأكيد.
وقوله: (أوفر) حال من الضمير في (بطح) أي: حال كون الإبل أسمن وأتم هيئة
ليزداد ثقلها، و(ما) مصدرية، والوقت مقدر.
وقوله: (لا يفقد) حال من صاحب الإبل، وهو الضمير في (بطح)، والفصيل:
ولد الناقة.
وقوله: (كلما مر عليه أولاها رد عليه أخراها) قال التُّورِبِشْتِي(٢): في هذا الكلام
تحريف عن وجهه، وهو أن الرد إنما يستعمل في الأول لا في الآخر، فالآخر تبع للأول
في مروره، فإذا انتهت النوبة ردت الأولى لاستئناف المرور، وهذا الحديث على هذا
السياق رواه مسلم(٣) في كتابه وفيه: (كلما مضى عليه أخراها ردت عليه أولاها)،
وقد روي هذا الحديث أيضاً عن أبي ذر وفي روايته: (كلما جازت أخراها ردت عليه
أولاها) (٤) وهذا هو الصواب، وأما على الوجه الذي في كتاب (المصابيح) فهو سهو
(١) ((كتاب الميسر)) (٢ / ٤١٠).
(٢) ((كتاب المسير)) (٢/ ٤١٠).
(٣) (صحيح مسلم)) (٩٨٧).
(٤) أخرجه البخاري في ((صحيحه)) (١٤٦٠).

٢٣٥
(٦) كتاب الزكاة
مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيُرَى سَبِيلُهُ: إِمَّا إِلَى
الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ»، قِيلَ: ◌َأَ رَسُولَ الهِ! فَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ؟ قَالَ: ((وَلاَ صَاحِبُ
بَقْرٍ وَلاَ غَنَمٍ لاَ يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا، إِلَّ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ ،
لاَ يَفْقِدُ مِنْهَا شَيْئاً، لَيْسَ فِيهَا عَقْصَاءُ وَلاَ جَلْحَاءُ وَلاَ عَضْبَاءُ،
من بعض الرواة، لم يتأمل فيه المؤلف فنقله، انتهى .
وفي شرح الشيخ: أن المقصود من العبارتين من تتابعها عليه واحد، وحاصله
أنه كناية عن التتابع والاستمرار، ويحصل فيه تارة الابتداء من الأولى وأخرى من
الأخرى(١)، وتفصيله ما ذكره الطيبي(٢) في توجيه ما في الكتاب: إن (أولاها) إذا مرت
عليه على التتابع، فإذا انتهى أخراها إلى الغاية، فردت من هذه الغاية، وتتبعها ما يليها
فما يليها إلى أولاها حصل الغرض من التتابع والاستمرار(٣)، فيكون الابتداء في المرة
الأولى من الإبل الأولى، وفي الثانية من الثانية، فافهم، ويمكن أن يقال: المراد من
الرد في قوله: (رد عليه أخراها) الإمرار لا الإرجاع، فلا إشكال، والله أعلم.
و(العقصاء) بالقاف: ملتوية القرنين، في (القاموس) (٤): الأعقص من التيوس:
ما التوى قرناه على أذنيه من خلفه. و(الجلحاء) بتقديم الجيم على الحاء المهملة: التي
لا قرن لها، في (القاموس): بقرٌ جُلَّحٌ: بلا قرون. و(العضباء) بالعين المهملة والضاد
(١) قوله: ((من الأخرى)) سقط في (ض).
(٢) ((شرح الطيبي)) (٤ /٩ - ١٠).
(٣) قوله: ((فما يليها إلى أولاها حصل الغرض من التتابع والاستمرار، فيكون الابتداء)) سقط في
(ر).
(٤) ((القاموس المحيط)) (ص: ٥٧٥).

٢٣٦
(٦) كتاب الزكاة
تَنْطِحُهُ بِقُرُونِهَا، وَتَطَؤُّهُ بِأَظْلاَفِهَا، كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولاَهَا رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا فِي
يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيُرَى سَبِيلُهُ:
إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ))، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ! فَالْخَيْلُ؟ قَالَ: ((فَالْخَيْلُ
ثَلاَثَةٌ: هِيَ لِرَجُلٍ وِزْرٌ، وَهِيَ لِرَجُلٍ سِتْرٌ، وَهِيَ لِرَجُلٍ أَجْرٌ، فَأَمَّا الَّتِي هِيَ
لَهُ وِزْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا رِيَاءً وَفَخْراً وَنِوَاءً عَلَى أَهْلِ الإِسْلاَمِ، فَهِيَ لَهُ وِزْرٌ،
وَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ سِتْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا.
المعجمة: الشاة المنكسرة القرن، وقد تجيء بمعنى الناقة (١) المشقوقة الأذن، وبها لقبت
ناقة رسول الله ﴾، ولم تكن عضباء.
وقوله: (تنطحه) أي: تضربه بقرنه، من باب ضَرَبَ ومَنَعَ .
وقوله: (فالخيل) أي: ما حكمه؟ .
وقوله: (فالخيل ثلاثة) أي: أحكامها ثلاثة .
وقوله: (هي لرجل وزر) أي: موجبه، والوزر: الإثم. (وهي لرجل ستر) بكسر
السين، أي: موجب للتعفف والتغني، وستر حال فقره واحتیاجه، وحجاب یمنعه عن
إظهار الحاجة للناس .
وقوله: (فأما التي هي له وزر فرجل ربطها) الحمل يحصل باعتبار حاصل المعنى
أي: فهي خیل ربطها رجل رياء، أي: حتى يقول الناس: هو شجاع مجاهد، فإن الرياء
إنما يكون فيما هو عبادة، وأما الفخر فظاهر، والنواء بالكسر: المناداة وهي المعاداة،
من النوء: وهو النهوض بجد ومشقة وثقل .
(١) قوله: ((الناقة)) سقط في (ب).

٢٣٧
(٦) كتاب الزكاة
فِي سَبِيلِ اللهِ، ثُمَّلَمْ يَنْسَ حَقَّ اللهِ فِي ظُهُورِهَا وَلاَ رِقَابِهَا، فَهِيَ لَهُ سِتْرٌ،
وَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ أَجْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ لِأَهْلِ الإِسْلاَمِ فِي مَرْجٍ
وَرَوْضَةٍ، فَمَا أَكَلَتْ مِنْ ذَلِكَ الْمَرْجِ أَوِ الرَّوْضَةِ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ كُتِبَ لَهُ عَدَدً
مَا أَكَلَتْ حَسَنَاتٌ،
قوله: (في سبيل الله) أي: في طاعته غير مختص بالجهاد؛ لئلا يتحد بما بعده،
فإن المراد بذلك الجهاد والإعانة عليه خاصة، وقد جاء في رواية: (ربطها تغنياً وتعففاً)
وبه يظهر المراد بـ (سبيل الله) هنا.
وقوله: (ثم لم ينس حق الله) الشامل للواجب والمندوب.
وقوله: (في ظهورها) بأن يركبها في الطاعات والحاجات، ويركبها (١) للمحتاجين.
(ولا) في (رقابها) بأن يؤدي حقها من الزكاة. وفي شرح الشيخ: أي: يتعهدها بما
يصلحها ويدفع ضررها، والاختلاف مبني على الاختلاف في وجوب الزكاة في الخيل
عندنا وعدمه عند الشافعية، وسنذكره بعد شرح مفردات الحدیث .
وقوله: (في مرج) هو بسكون الراء: موضع ترعى فيه الدواب، كذا في
(القاموس)(٢)، وقال الشارحون: صحراء واسعة كثيرة العشب تمرح فيها الدواب، أي:
تسرح، و(الروضة) مستنقع الماء فيه العشب، وكل أرض ذات نبات وماء، فهي من
عطف الخاص على العام، وقد جاء الروضة بمعنى البستان في غاية النضارة، كذا في
(مجمع البحار)(٣).
(١) قوله: ((في الطاعات والحاجات، ويركبها)) سقط في (ب).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٢٠٠).
(٣) ((مجمع بحار الأنوار)) (٢ / ٣٩٧).

٢٣٨
(٦) كتاب الزكاة
وَكُتِبَ لَهُ عَدَدَ أَرْوَائِهَا وَأَبْوَالِهَا حَسَنَاتٌ، وَلاَ تَقْطَعُ طِوَلَهَا فَاسْتَنَّتْ شَرَفاً
أَوْ شَرَفَيْنٍ، إِلَّ كَتَبَ اللهُ لَهُ عَدَدَ آثَارِهَا وَأَرْوَائِهَا حَسَنَاتٍ، وَلاَ مَرَّ بِهَا صَاحِبُهَا
عَلَى نَهْرِ فَشَرِبَتْ مِنْهُ وَلاَ يُرِيدُ أَنْ يَسْقِيَهَا، إِلَّ كَتَبَ اللهُ لَهُ عَدَدَ مَا شَرِبَتْ
حَسَنَاتٍ))، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ! فَالْحُمُرُ؟ قَالَ: ((مَا أُنْزِلَ عَلَيَّ فِي الْحُمُرِ شَيْءٌ
إِلَّ هَذِهِ الآيَةُ الْفَاذَّةُ الْجَامِعَةُ ..
وقوله: (عدد أروائها وأبوالها) فكيف بعرها وفيه مبالغة.
وقوله: (ولا تقطع) أي: للفرس، (طولها) بكسر الطاء وفتح الواو، وكذا الطيل
بفتح الياء على وزن عنب، وقد تشد اللام في الشعر: حبل يشد به قائمة الدابة، ويمسك
طرفه الآخر، أو تشد وترسل لترعى. (فاستنت) أي: الفرس، أي: عدت واضطربت
في مرجه. و(الشرف) المكان العالي، والشوط، وهو المراد، وقال في (القاموس(١)):
أو نحو ميل، ومنه: (فاستنّت شرفاً أو شرفين)، انتهى.
وقوله: (ولا يريد أن يسقيها) ولا نية له في ذلك، فكيف إذا أراد سقيها وكان
له فى ذلك نية .
وقوله: (فالحمر؟) بضمتین جمع حمار.
وقوله: (الفاذة) أي: المنفردة، (الجامعة) أي: لكل شيء خير وشر غير
مخصوصة بشيء، فيدخل فيه حكم الحمر وغيره، فمن أدى في الحمر شيئاً وتحرى
فيها الخير فله ثوابه، ولیس فیہ واجب مخصوص .
تنبيه: ذهب الإمام أبو حنيفة رحمه الله إلى أن الخيل إذا كانت سائمة ذكوراً وإناثاً
فصاحبها بالخيار، إن شاء أعطى من كل فرس ديناراً، وإن شاء قومها وأعطى من كل
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٧٤٩).

٢٣٩
(٦) كتاب الزكاة
﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ( ١) وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا
يَرَهُ﴾)) [الزلزلة: ٧ -٨].
مئتين خمسة دراهم، وهو قول زفر، وقالا: لا زكاة في الخيل، وهو قول الشافعي
رحمه الله لقوله ◌َّير: (ليس على المسلم في عبده ولا في فرسه صدقة)(١)، وله قوله وَّ:
(في كل فرس (٢) سائمة دينار) وتأويل ما روياه: فرس الغازي، وهو المنقول عن زيد بن
ثابت رضيه، والتخيير بين الدينار والتقويم مأثور عن أمير المؤمنين عمر ﴾ه، كذا في
(الهداية)(٣) .
وفي شرح ابن الهمام(٤): في (فتاوى قاضيخان)(٥): قالوا: الفتوى على قولهما،
وكذا رجح قولهما في (الأسرار)، وأما شمس الأئمة وصاحب (التحفة) فرجحا قول
أبي حنيفة رحمة الله عليه، وحديث: (ليس على المسلم في عبده ولا في فرسه صدقة)
رووه في الكتب الستة، وزاد مسلم: (إلا صدقة الفطر)، انتهى.
وقد جاء في عدم وجوب زكاة الخيل أخبار وآثار كثيرة، وجاء في تأويله بفرس
الغازي أيضاً أقوال من السلف، ويؤيد ظاهره الإضافة في فرسه كما في عبده، فافهم،
وأما إذا كانت للتجارة فلا خلاف في وجوب الزكاة؛ لكونها كسائر أموال التجارة، وأما
إذا كانت سائمة لا للتجارة ولا للغزو ففيه الخلاف، وجاء في حديث جابر نَظُله عند
(١) قوله: ((لقوله ◌َّ: ليس على المسلم في عبده ولا في فرسه صدقة)) سقط في (ب).
(٢) قوله: ((فرس)) سقط في (ر).
(٣) ((الهداية)) (١ / ٩٩).
(٤) ((فتح القدير)) (٢ / ١٨٣).
(٥) في (ب): ((فتاوى خان)).

٢٤٠
(٦) كتاب الزكاة
رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٩٨٧].
١٧٧٤ - [٣] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ بَّهِ: ((مَنْ آتَاهُ اللهُ مَالاً فَلَمْ يُؤَدِّ
زَكَاتَهُ مُثِّلَ لَهُ مَالُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعاً أَفْرَعَ لَهُ زَبِبَتَانِ.
البيهقي والدار قطني: (في الخيل السائمة في كل فرس دينار)، والحديث الذي ذكر في
(الهداية) رواه جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر رَثه، والكلام فيه كثير ذكرنا بعضاً منه
في (شرح سفر السعادة)(١).
إذا عرفت هذا فاعلم أن الحديث من قبيل الأسلوب الحكيم، أما عند الشافعي
رحمه الله فظاهر، وأما عند أبي حنيفة رحمه الله فلاقتصارهم على سؤال حق الزكاة فيها،
فنبه على أن المهم أن تسألوا عن أقسامها أيضاً، ولا تقتصروا على سؤال حق الزكاة،
كما قرره الطيبي(٢)، وأما في الحمر والبغال فلا زكاة بالاتفاق، والحديث المذكور
في الكتاب في الحمر أورده صاحب (الهداية) فيهما، وفي كتب الأحاديث مخصوص
بالحمر، والله أعلم.
١٧٧٤ - [٣] (وعنه) قوله: (شجاعاً) في (النهاية)(٣): الشجاع بالضم والكسر:
الحية الذكر، وقيل: مطلقاً. وفي شرح الشيخ: التِنِينُ الذكر، وقيل: مطلقاً، وفي
(القاموس)(٤): أو ضرب من الحية صغير، و(الأقرع) من الحيات: المُتَمَعِّطُ شعرُ رأسه
لكثرة سُمِّه، ويقال: لطول عمره. و(الزبيبتان) نقطتان سوداوان فوق عيني الحية، أو
(١) ((شرح سفر السعادة)) (ص: ٢٨١).
(٢) (شرح الطيبي)) (٤ / ١٠).
(٣) ((النهاية)) لابن الأثير (١ / ٨٤٥).
(٤) ((القاموس المحيط)) (ص: ٦٧٥)، (ص: ٦٩٢).