Indexed OCR Text

Pages 461-480

٤٦١
(٤) كتاب الصلاة
١٣٤٤ - [١٢] وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ نَّهِ فِي غَزْوَةٍ تَبُوكَ:
إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَإِنِ ارْتَحَلَ قَبْلَ
أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الظُّهْرَ حَتَّى يَنْزِلَ لِلْعَصْرِ، .
مختلف فيها، ولا يخلو عن تكلف، ثم زيادة قوله بعد هذا البيان لتقرير عدم جواز إسقاط
ركعتين: (ولم يرو في النوافل ركعة فذَّة، فكيف بالفرض؟) مستدرك لا يتصل بذلك
البيان وهو دليل آخر أقامه من عند نفسه على عدم إسقاط الركعتين منها، فافهم.
١٣٤٤ - [١٢] (معاذ بن جبل) قوله: (إذا زاغت الشمس) أي: مالت.
وقوله: (جمع بين الظهر والعصر) وهذا جمع تقديم بأن جمع الصلاة المتأخرة
مع المتقدمة.
وقوله: (أخر الظهر حتى ينزل للعصر) فجمع بينهما وهذا جمع تأخير، وهكذا
في المغرب والعشاء كما بين، اعلم أنه قد وردت أحاديث صحيحة في الجمع بين
الصلاتين في السفر بعضها مطلق وبعضها مقيد بحالة السير، وبعضها بالجد في السير،
وبعضها بتعجيل السير، ومن ههنا اختلف العلماء فبعضهم قال بجواز الجمع على
الإطلاق، والشافعي رحمه الله منهم، وبعضهم خصوه بحالة السير دون النزول، وبعضهم
خصوه بصورة الجد في السير والتعجيل فيه، وذكر في (فتح الباري)(١) أن المشهور من
مالك هذا .
وقال صاحب (سفر السعادة)(٢) رحمه الله: الجمع في السفر لم يكن عادة دائمة
له وَّة، بل كان إذا عجل في السير جمع، وأما الجمع في حالة النزول والقرار فلم يرو،
(١) (فتح الباري)) (٢ / ٥٨٠).
(٢) ((سفر السعادة)) (ص: ١٣١).

٤٦٢
(٤١) باب صلاة السفر
وَفِي الْمَغْرِبِ مِثْلَ ذَلِكَ إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ
وَالْعِشَاءِ، وَإِنِ ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الْمَغْرِبَ حَتَّى يَنْزِلَ لِلْعِشَاءِ،
ثُمَّ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ. [د: ١٢٢٠، ت: ٥٥٣].
وأيضاً خصه بعضهم بحالة عذر زائد على السفر، وعند بعضهم جاز جمع التأخير
دون التقديم، وهو مروي عن الإمام أحمد رحمه الله، وأيضاً عنده مقيد بحالة السير،
والمشهور من مذهبه الجواز مطلقاً، وعند الإمام أبي حنيفة رحمة الله عليه لا يجوز
مطلقا، ونحن نقول في إثباته وبالله التوفيق: إن تعين أوقات الصلاة قطعي وثابت بالتواتر
الذي لم يتطرق إليه شبهة حتى عدوا تأخير الصلاة عن وقته من الكبائر، قال محمد
رحمه الله في (موطئه)(١): قد بلغنا عن عمر بن الخطاب رزُه أنه كتب إلى حكامه في
الآفاق، ونهاهم أن يجمعوا بين الصلاتين في وقت واحد، وأخبرهم بأن الجمع بين
الصلاتين في وقت واحد كبيرة من الكبائر، قال محمد: أخبرنا بذلك الثقات عن العلاء
ابن الحارث أنه روى ذلك عن مكحول، وإذا كان تعيين أوقات الصلاة قطعياً متواتراً لم
يعارضه خبر الآحاد بخلاف الإفطار والقصر في السفر؛ فإنهما ثبتا بالنص القرآني.
وروى البخاري ومسلم(٢) عن عبدالله بن مسعود رضيته قال: ما رأيت رسول الله وَله
صلى صلاة في غير وقتها إلا المغرب والعشاء جمع بينهما بمزدلفة، وقد جاء الجمع
بين الظهر والعصر في عرفات، وكان ذلك من جهة مناسك الحج دون السفر، ثم لم
يكن الجمع من رسول الله وَّ ر دائماً بل الذي روي من ذلك ووقع التصريح به في الأحاديث
إنما هو في غزوة تبوك، ولم يثبت فيه أيضاً الدوام، والتحقيق أن كلمة (كان) لا يدل
على الدوام والاستمرار كما حقق في موضعه، ولا يخفى ذلك على المتدبر.
(١) ((التعليق الممجد)) (١ / ٣٠٧).
(٢) ((صحيح البخاري)) (١٦٨٢)، و((صحيح مسلم)) (١٢٨٩).

٤٦٣
(٤) كتاب الصلاة
وروي في (جامع الأصول)(١) من حديث أبي داود عن ابن عمر ◌َ ﴾ أنه قال: لم
يجمع رسول الله وَيقر قط بين المغرب والعشاء في سفر إلا مرة واحدة، وأورد عن ابن
عمر ﴾ أنه لم يجمع إلا ليلة حين استُصرخ(٢) على امرأته صفية بنت أبي عبيد فخرج
إليه فجمع، وفي رواية: لم يجمع إلا مرة أو مرتين، وأورد من حديث الترمذي سئل
سالم بن عبدالله بن عمر ، أكان يجمع عبدالله في ليلة الصلاتين في السفر؟ قال:
لا إلا بالمزدلفة، والأحاديث في جمع التقديم أقل قليل في الصحاح.
واختلفت روايات البخاري في ذلك، ولهذا ذهب كثير من الأئمة إلى عدم جواز
جمع التقديم، ولم يقولوا إلا بجمع التأخير في بعض الأحيان، وتأويله عندنا أن المراد
بالجمع بين الصلاتين أن تؤخر الصلاة الأولى وتؤدى في آخر وقتها، وتعجل الثانية وتؤدى
في أول وقتها، وسماه بعضهم الجمع الصوري وهو جمع صورة وليس بجمع في الحقيقة
والمعنى، وإطلاق الجمع على مثل هذه الصورة التي حمل عليها الحنفية الجمع في
السفر، وقد جاء في (باب الاستحاضة) في حديث حمنة بنت جحش كما سبق، فتدبر.
ولفظ الحديث وإن جاء في بعض الروايات هكذا: جمع فصلى الظهر والعصر
في وقت العصر، فهو إن صح محمول على هذا المعنى للدلائل التي ذكرناها، وتحقق
التخفيف ورفع الحرج الذي ذكر في بعض الأحاديث من أنه لو فعل ذلك لئلا يوقع
أمته في حرج ومشقة، حاصل فيما ذكرنا، ومعرفة آخر الوقت ظاهرة في المغرب، وكذا
في الظهر ميسرة بحسب الظن والتخمين خصوصاً في صورة كثرة القافلة وكثرة الناس
الذين لهم مهارة في معرفة الوقت، فلا يرد ما قالت الشافعية العمل بهذه الطريقة التي
(١) «جامع الأصول)) (٥/ ٧١٣).
(٢) كذا في نسخة (ع)، وفي نسخة (ب) و(ر) و(د) و(ك): ((استصرح))، وهو خطأ.

٤٦٤
(٤١) باب صلاة السفر
ذكرتم فيه حرج ومشقة، وفي تعيين آخر الوقت وأوله إشكال للخواص فما بال العوام،
وقد أخرج أبو داود(١) عن علي نظره أنه كان إذا سافر يسير بعد غروب الشمس إلى أن
تغرب غيبوبة الشفق فينزل ويصلي المغرب، فيدعو الطعام ويتعشى، ثم يصلي العشاء
ويرتحل، ويقول: هكذا كان يفعل رسول الله وَله .
وقال محمد في (موطئه)(٢): بلغنا عن ابن عمر أنه صلى المغرب أخرها إلى قبيل
غروب الشفق على خلاف رواية مالك رحمه الله حتى غاب الشفق.
وفي (جامع الأصول)(٣) عن أبي داود عن نافع وعبد بن واقد أنه قال مؤذن ابن
عمر: الصلاة، فقال ابن عمر : سر حتى كان قبيل غروب الشفق نزل وصلى
المغرب، فانتظر حتى غاب الشفق، وصلى العشاء، ثم قال: كان رسول الله صل# لما
عجله أمر يفعل كما فعلت، وجاء في رواية النسائي: حتى إذا كان آخر الشفق، فهذه
روايات تنظر إلى الجمع على طريق ذهب إليه الإمام أبو حنيفة، وقد جاء في ذلك روايات
كثيرة، والظاهر أن الروايات في عدم الجمع والجمع في وقت واحد والجمع بمعنى
التأخير إلى آخر الوقت واردة فيها كلها، فاختار أبو حنيفة عدم الجمع، والجمع بالمعنى
الأخير احتياطاً، واختياراً لمحافظة الوقت لا ردًّا وإنكاراً لأحاديث الجمع.
وقال الشيخ في (فتح الباري)(٤): إن الشافعية قالوا: إن ترك الجمع أفضل، وفي
رواية عن مالك أن الجمع مكروه، وكان فعله وَّ لبيان الجواز، هذا ما تيسر لنا الكلام
(١) ((سنن أبي داود)) (١٢٤٣).
(٢) ((التعليق الممجد)) (١/ ٣٠٥).
(٣) «جامع الأصول)) (٥ / ٧١٣).
(٤) (فتح الباري)) (٢ / ٥٨٤).

٤٦٥
(٤) كتاب الصلاة
في هذا المقام بعون الملك العلام، ولم نر من تكلم فيه أحد من الشارحين هذا القدر،
ولا الشيخ ابن الهمام، والله أعلم.
هذا في الجمع بين الصلاتين للمسافر، فأما الجمع للمقيم فقال الترمذي(١):
ذهب بعض التابعين إلى الجمع بين الصلاتين للمريض، وبه قال أحمد وإسحاق، وذهب
بعضهم بالجمع للمطر، وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق، ولم يقل الشافعي رحمه الله
بالجمع للمريض، هذه عبارة الترمذي، وأورد من ابن عباس ◌َ ﴾ أنه قال: من جمع
بين الصلاتين من غير عذر فقد أتى باباً من أبواب الكبائر، والعمل على هذا عند أهل
العلم أن لا يجمع بين الصلاتين إلا في السفر أو بعرفة، انتهى.
وأخرج مسلم (٢) بطرق متعددة عن ابن عباس ظُ﴾ قال: صلى رسول الله وَّ الظهر
والعصر جميعاً، والمغرب والعشاء جميعاً بالمدينة من غير خوف ولا سفر، فسئل ابن
عباس ﴾ عن ذلك فقال: أراد أن لا يحرج أمته، وفي رواية: في غير خوف ولا مطر،
وفي رواية (الموطأ): أن رسول الله وَّ﴿ جمع بين الظهر والعصر جميعاً من غير خوف
ولا سفر، قال مالك: أرى ذلك كان في مطر، وفيها عن نافع عن ابن عمر رضائك: كان
إذا جمع الأمراء بين المغرب والعشاء في المطر جمع معهم.
وروى الترمذي وأبو داود والنسائي أيضاً مثل رواية مسلم عن ابن عباس ـ
وقال الترمذي: وفي الباب عن أبي هريرة څ﴾، وحديث ابن عباس تڅما روي عنه من
غير وجه، ونقل النووي عن الترمذي أنه قال: ليس في كتابي حديث أجمع الأمة على
تركه إلا حديث الجمع من غير خوف وسفر ومطر، وإلا حديث قتل شارب الخمر في
(١) ((سنن الترمذي)) (١٨٨).
(٢) ((صحيح مسلم)) (٧٠٥).

٤٦٦
(٤١) باب صلاة السفر
١٣٤٥ - [١٣] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الهِن ◌َّهِ إِذَا سَافَرَ وَأَرَادَ أَنْ
يَتَطَوَّعَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ بِنَاقَتِهِ، فَكَّرَ، ثُمَّ صَلَّى حَيْثُ وَجَّهَهُ رِكَابُهُ. رَوَاهُ أَبُو
دَاوُدَ. [د: ١٢٢٥].
المرة الرابعة، وقال النووي: هذا الكلام من الترمذي في حديث القتل صحيح؛ لأنه
منسوخ بالإجماع متروك العمل لجميع الأمة، وأما حديث الجمع من غير خوف ومطر
فقد قال به بعض الناس بعذر مرض وجماعة كابن سيرين والأشهب بالجمع لأجل
الحاجة أيضاً لمن لا يعتاد ذلك، ولهذا علل بعدم الحرج لا بالمرض ونحوه، انتهى،
وهذا كله عند الحنفية محمول على مثل ما ذكرنا من التأويل من التأخير والتعجيل.
وفي (جامع الأصول)(١): من حديث البخاري ومسلم عن ابن عباس قال: إن
النبي ◌ّ صلى بالمدينة سبعاً وثمانياً الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، فقال أيوب:
لعله في ليلة مطيرة؟ قال: عسى، وفي رواية: قال: صليت مع النبي ◌َّ ثمانياً جميعاً
وسبعاً جميعاً، قال عمرو بن دينار: قلت: يا أبا الشعثاء لعله أخر الظهر وعجل العصر،
وأخر المغرب وعجل العشاء، قال: وأنا أظن ذلك، أخرجه البخاري ومسلم، وبهذا
علم أن تأويل الحنفية كانت في التابعين ومن بعدهم في الجمع للمقيم، فليكن في
المسافر أيضاً كذلك، فتدبر.
١٣٤٥ - [١٣] (أنس) قوله: (استقبل القبلة بناقته فكبر) وفي كتب الفقه الحنفية
الصحيح أنه لا فرق بين أن يفتتح الصلاة مستقبل القبلة، وبين أن يفتحها مستدبر القبلة،
فكأنهم حملوا الحديث على الاستحباب، والله أعلم.
وقوله: (ثم صلى حيث وجهه ركابه) فاعل وجهه، (ثم) هنا للتراخي في الرتبة على
طريقة قوله تعالى: ﴿وَذَّكَرَ أُسْمَ رَبِهِ، فَصَلَّى﴾[الأعلى: ١٥]، دليل للحنفية على خروج التكبيرة
(١) ((جامع الأصول)) (٥ / ٧٢٤).

٤٦٧
(٤) كتاب الصلاة
١٣٤٦ - [١٤] وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِنَّهِ فِي حَاجَةٍ،
فَجِئْتُ وَهُوَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ، وَيَجْعَلُ السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنَ
الرُّكُوعِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٢٢٧].
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
١٣٤٧ - [١٥] عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللهِوَ﴿ِ بِمِنَى رَكْعَتَيْنِ
وَأَبُو بَكْرٍ بَعْدَهُ، وَعُمَرُ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ، وَعُثْمَانُ صَدْراً مِنْ خِلاَفَتِهِ، ثُمَّ إِنَّ
عُثْمَانَ صَلَّى بَعْدُ أَرْبَعاً(١)، فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا صَلَّى مَعَ الإِمَامِ.
الأولى من الصلاة، وإنما خص الاستقبال بحالة التكبير لكونه مقارناً للنية، فنوى الاستقبال
في جملة الصلاة، والركاب ككتاب: الإبل، واحدتها راحلة، كذا في (القاموس)(٢).
١٣٤٦ - [١٤] (جابر) قوله: (ويجعل السجود أخفض من الركوع) قالوا:
لا يسجد وإن قدر عليه على سرجه، هكذا السنة فكأنه كره حقيقة السجود إلى غير القبلة.
الفصل الثالث
١٣٤٧ - [١٥] (ابن عمر) قوله: (إذا صلى مع الإمام) أي: أمير المؤمنين
(١) لِأَنَّهُ تَأَهَّلَ بِمَكَّةَ عَلَى مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ أَنَّهُ صَلَّى بِمِنَى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، فَأَنْكَرَ النَّاسُ عَلَيْهِ فَقَالَ: أَيُّهَا
النَّاسُ إِنِّي تَأَهَّلْتُ بِمَكَّةَ مُنْذُ قَدِمْتُ، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَهِ يَقُولُ: ((مَنْ تَأَهَّلَ فِي بَلَدٍ
فَلْيُصَلِّ صَلاَةَ الْمُقِيمِ)). ذَكَرَهُ ابْنُ الْهُمَامِ، وَفِي إِنْكَارِ النَّاسِ عَلَيْهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاَةُ
وَالسَّلامُ - لَمْ يَكُنْ يُتِمُّ الصَّلاَةَ فِي السَّفَرِ، وَأَنَّ الْقَصْرَ عَزِيمَةٌ وَإِلَّ فَلاَ وَجْهَ لِلِإِنْكَارِ، وَأَمَّا قَوْلُ
ابْنِ حَجَرٍ: لِيَُِّنَ لِلنَّاسِ أَنَّ كُلاَّ مِنَ الْقَصْرِ وَالإِثْمَامِ جَائِرٌ، فَمَدْفُوعٌ فَإِنَّ الْمُبَيِّنَ لِلْجَوَازِ لَيْسَ إِلاَّ
النَّبِيّ ◌َّهِ، وَأَّا قَوْلُهُ: وَفِي وُقُوعٍ هَذَا مِنْ عُثْمَانَ مُتَكَرِّراً مَعَ عَلَمِ إِنْكَارِ الصَّحَابَةِ عَلَيْهِ أَظْهَرُ دَلِيلٍ عَلَى
أَنَّ الْقَصْرَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، فَمُنْكَرٌ مِنَ الْقَوْلِ نَشَأَ مِنْ قِلَّةِ اطلاعِهِ. («مرقاة المفاتيح)) (١٠٠٥/٣).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٩٨).

٤٦٨
(٤١) باب صلاة السفر
صَلَّى أَرْبَعاً، وَإِذَا صَلَّهَا وَحْدَهُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٦٥٥، م:
٠٢٦٩٤
١٣٤٨ - [١٦] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: فُرِضَتِ الصَّلاَةُ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ هَاجَرَ
رَسُولُ اللهِوَهِ فَفُرِ ضَتْ أَرْبَعاً وَتُرِكَتْ صَلاَةُ السَّفَرِ عَلَى الْفَرِيضَةِ الأُولَى.
قَالَ الزُّهْرِيُّ: قُلْتُ لِعُرْوَةَ: مَا بَالُ عَائِشَةَ تُثِمُّ؟ قَالَ: تَأَوَّلَتْ كَمَا تَأَوَّلَ عُثْمَانُ.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٠٩٠، م: ٦٨٥].
١٣٤٩ - [١٧] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: فَرَضَ اللهُ الصَّلاَةَ عَلَى لِسَانِ
نَبَيِّكُمْ وَِّ فِي الْحَضَرِ أَرْبَعاً، وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ، وَفِي الْخَوْفِ رَكْعَةً. رَوَاهُ
مُسْلِمٌ. [م: ٦٨٧].
عثمان رهڅئه .
١٣٤٨ - [١٦] (عائشة) قوله: (وتركت صلاة السفر على الفريضة الأولى) يؤيد
مذهب الحنفية كما سبق.
وقوله: (تأولت كما تأول عثمان) قد مر وجوه في إتمام عثمان الصلاة أربعاً
بمنى، ومنها ما لا يتسع جريانها في تأويل عائشة ◌َ﴾، وذكر أن الصحيح أن عثمان
وعائشة رضي كانا يريان أن النبي ◌َّله إنما قصر لأنه أخذ بالأيسر من ذلك على أمته وكان
مخيّراً بالقصر والإتمام فأخذا أنفسهما بالشدة، ويمكن أن يكون تأويلهما أنهما كانا يريان
القصر مختصًا بمن كان شاخصاً سائراً، وأما من قام في مكان في أثناء سفره فله حكم
المقيم فيتم، ويمكن أن يكون التشبيه في مطلق التأويل من غير أن يكون مشتركاً بينهما،
فافهم.
١٣٤٩ - [١٧] (ابن عباس) قوله: (وفي الخوف ركعة) أخذ بظاهره طائفة من

٤٦٩
(٤) كتاب الصلاة
١٣٥٠ - [١٨] وَعَنْهُ وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالاَ: سَنَّ رَسُولُ اللهِ صَلاَةَ
السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ، وَهُمَا تَمَامٌ غَيْرُ قَصْرٍ، وَالْوِتْرُ فِي السَّفَرِ سُنَّةٌ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
[جه: ١١٩٤].
١٣٥١ - [١٩] وَعَنْ مَالكِ بَلَغَهُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاس كَانَ يَقْصُرُ الصَّلاَةَ فِي
مِثْلِ مَا يَكُونُ بَيْنَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ، وَفِي مِثْلِ مَا بَيْنَ مَكَّةَ وَعُسْفَانَ، وَفِي مِثْلِ
مَا بَيْنَ مَكَّةَ وَجُدَّةَ، قَالَ مَالِكٌ:
السلف، وحمله الجمهور على أنه إنما قال ذلك لأنه يصلي مع الإمام ركعة كما يجيء
تفصيل ذلك في (باب صلاة الخوف).
١٣٥٠ - [١٨] (وعنه، وابن عمر) قوله: (وهما تمام غير قصر) أي: في الثواب،
أو المراد أنهما المشروع في السفر كما نطق به حديث عائشة ◌َث، قد وقع عليه إطلاق
القصر في كتاب الله تعالى حيث قال: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحُ أَنْ نَقْصُرُواْ﴾ [النساء: ١٠١].
وقوله: (والوتر في السفر سنة) أي: طريقة مسلوكة مستمرة لا يترك في السفر
كالنوافل وإلا فالوتر إن كان واجباً فليس بسنة، وإن كان سنة فهو سنة في الحضر والسفر،
فما وجه التخصيص بالسفر.
١٣٥١ - [١٩] (مالك) قوله: (في مثل ما يكون بين مكة والطائف) المراد طريق
القرى التي يسير فيها الإبل، وأما طريق وادي نعيمان التي فيها الجبل فهو قريب،
والطائف اسم لبلاد ثقيف التي في الحجاز، سميت به لأنها طافت على الماء في الطوفان،
أو لأن جبرئيل ◌َ﴾ طاف بها على البيت، أو لأنها كانت بالشام فنقلها الله تعالى إلى
الحجاز بدعوة إبراهيم عي، وهذا أطول المسافات الثلاث المذكورة، والظاهر من
عبارة الحديث أنها متساوية مقدار أربعة برد إلا أن تكون الإشارة بذلك إلى الأخير،
والله أعلم.

٤٧٠
(٤١) باب صلاة السفر
وَذَلِكَ أَرْبَعَةُ بُرُدٍ. رَوَاهُ فِي ((الْمُوَطَّأ)). [ط: ٣٤٢].
و(البرد) جمع بريد وهي أربعة فراسخ، فأربعة برد تكون ستة عشر فرسخاً،
والفرسخ ثلاثة أميال، وميل الأرض منتهى مد البصر؛ لأن البصر يميل إلى وجه الأرض
إلى أن يفنى إدراكه، وقال بعضهم: حده أن ينظر إلى شخص في أرض مستوية ولا يدري
أنه رجل أو امرأة أوذاهب أو جاءٍ، وقدره بعضهم بستة آلاف ذراع، والذراع أربعة
وعشرون أصبعاً على عرض، وهذا القول أشهر، وقيل: اثنا عشر ألف قدم [بقدم]
الإنسان، وقيل: أربعة آلاف ذراع، وقيل: ثلاثة آلاف، كذا في (فتح الباري)(١).
ثم اعلم أنهم قالوا: لم يثبت في كتاب ولا سنة نص قطعي في مسافة معينة،
والذي وقع فيهما مطلق السفر، والمسافر والأسفار التي قصر فيها متفاوتة، بعضها قريب
وبعهضا بعيد كما يظهر من الأحاديث، ولكن للصحابة والتابعين ومن بعدهم في تحديده
اختلافاً كثيراً، والذي عليه أئمة المذاهب الأربعة أن الشافعي قدره في قول بيوم وليلة،
وفي قول آخر بيومين كما في (الهداية)(٢) وشروحه، وفي (الحاوي)(٣) في مذهبهم:
عينه ستة عشر فرسخاً وهي ثمان وأربعون ميلاً وهي أربعة برد، وهو قول مالك وأحمد،
وتمسكوا بحديث جاء عن ابن عباس وابن عمر ﴾ قالا: قال رسول الله وَلّى: يا أهل
مكة! لا تقصروا في أقل من أربعة برد في مثل ما يكون بين مكة إلى عسفان، رواه أحمد،
وكذا في رواية (الموطأ) عن ابن عباس رضي﴾. وفي رواية: من مكة إلى الطائف، وفي
رواية: من مكة إلى جدة، وفي صحة هذه الأحاديث كلام.
وعند أبي حنيفة رحمه الله المعتبر مسافة ثلاثة أيام بسير إبل ومشي أقدام، قال
(١) ((فتح الباري)) (٢ / ٥٦٧).
(٢) ((الهداية)) (١ / ٨٠)، و((فتح القدير)) (٢٩/٢ -٣٠).
(٣) ((الحاوي)) (٣/ ٤٤٥).

٤٧١
(٤) كتاب الصلاة
شمس الأئمة السرخسي: إذا سافر من أول النهار إلى وقت الزوال ووصل إلى المنزل
واستراح وبات فيه، وفي اليوم الثاني إلى ما بعد الزوال، وفي اليوم الثالث إلى وقت
الزوال، ووصل إلى القصد يصير مسافراً، ويترتب عليه أحكام السفر في القول الصحيح،
ولا يشترط أن يسير من الصبح إلى المغرب، والمعتبر عندهم مراحل دون الفراسخ وهو
الصحيح، وبعضهم يعتبر الفراسخ وقدروه بإحدى وعشرين فرسخاً، وبعضهم بستة
عشر فرسخاً، وبعضهم بخمسة عشر، والأولى التقدير بثمانية عشر وهو الوسط، وعليه
الفتوى، كذا في بعض شروح (الهداية)، وكل من قدر بشيء ظن أن ذلك مسيرة ثلاثة
أيام، وعند أبي يوسف يومان وأكثر اليوم الثالث؛ لأن للأكثر حكم الكل.
وقد يستدل على مذهب الإمام أبي حنيفة بحديث البخاري(١) عن ابن عمر ظ
أنه قال: قال رسول الله وسلم: (لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا مع محرم)، فعلم أن غاية
طول حد السفر والمشقة وعروض لوازمه مسافة ثلاثة أيام، وما هو أقل منها قصير،
ولا يعتد به، وأنت خبير بأن في دلالة هذا الحديث على نفي كون السفر أقل من ثلاثة
أيام خفاء ظاهراً، وفي بعض طرق هذا الحديث مسيرة يوم، والأكثرون استدلوا بحديث
مسح الخفين: يمسح المقيم يوماً والمسافر ثلاثة أيام ولياليها؛ لأن اللام للاستغراق،
فيكون المعنى يمسح كل مسافر ثلاثة أيام ولياليها، فلو اعتبر حد السفر أقل لزم أن يكون
مسافر لا يمكن له المسح ثلاثة أيام، وإرادة أن المسافر يمسح إن استوعب سفره ثلاثة
أيام خلاف ظاهر العبارة، وكذا كون ثلاثة أيام ظرفاً للمسافر لا للمسح كذا ذكره،
فلیفهم .
وبالجملة بعض الأحاديث والأخبار ناظر إلى ثلاثة أيام وبعضها إلى أقل منها،
(١) ((صحيح البخاري)) (١٠٨٦).

٤٧٢
(٤١) باب صلاة السفر
١٣٥٢ - [٢٠] وَعَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: صَحِبْتُ رَسُولَ اللهِوَهِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ
سَفَرَاً، فَمَا رَأَيْتُهُ تَرَكَ رَكْعَتَيْنِ إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ الظُّهْرِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ
وَالتِّرْ مِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [د: ١٢٢٢، ت: ٥٥٠].
وبعضها في أربعة برد، ووقع في بعضها ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ كما جاء في حديث
أنس: كان رسول الله وَّ إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ - على شك الراوي -
قصر الصلاة، رواه مسلم وأبو داود(١)، وقالوا: هذا أصح حديث ورد في هذا الباب،
وقال بعضهم: المراد بهذا مسافة أن يكون ابتداء القصر منها لا غاية السفر، كذا في (فتح
الباري)(٢)، وذهب أصحاب الظواهر إلى أن السفر سواء كان ممتدًا أو قصيراً يباح قصر
الصلاة فيه؛ لأن نص القرآن والأحاديث ورد في مطلق السفر وهو شامل القريب والبعيد،
وأيضاً اختلفت الأئمة في تحديده وتعيينه حتى بلغ عشرين قولاً، فالرجوع إلى حكم
ظاهر النصوص أولى، ولا شك أن مذهب الإمام أبي حنيفة رحمة الله عليه أقرب إلى
الاحتياط، والله أعلم.
١٣٥٢ - [٢٠] (عن البراء) قوله: (فما رأيته ترك ركعتين إذا زاغت الشمس قبل
الظهر) الظاهر أنهما سنة الظهر القبلية(٣)، وإنكار ابن عمر ﴾ رأي خولف فيه، كذا في
شرح الشيخ، واختلفت روايته أيضاً كما علم، وقول من قال: لعل هاتين الركعتين غير
الرواتب ليس بشيء.
وقوله: (حديث غريب) قال الترمذي: وسألت عنه محمداً فلم يعرفه إلا من
(١) (صحيح مسلم)) (٦٩١)، و((سنن أبي داود)) (١٢٠٣).
(٢) (فتح الباري)) (٢ / ٥٦٧).
(٣) قال القاري: لَعَلَّهُمَا شُكْرَ الْوُضُوءِ، أَو الإِقْتِصَارَ عَلَيْهِمَا فِي سُنَّةِ الظُّهْرِ. ((مرقاة المفاتيح))
(٣ / ١٠٠٧).

٤٧٣
(٤) كتاب الصلاة
١٣٥٣ - [٢١] وَعَنْ نَفِعِ قَالَ: إِنَّ عَبْدَاللهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَرَى ابْنَهُ عُبَيْدَاللهِ
يَتَنَفَّلُ فِي السَّفَرِ فَلاَ يُنْكِرُ عَلَيْهِ. رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ٣٥٢].
٤٣- باب الجمعة
حديث ليث بن سعد، انتهى. بقي الكلام في ليث فنقل عن (الميزان)(١) أنه ثقة حجة،
وقال في (التقريب)(٢): ليث بن سعد بن عبد الرحمن أبو الحارث المصري ثقة ثبت،
فقيه إمام، مشهور من كبار أتباع التابعين، مات سنة خمس وسبعين ومئة، وفي
(الكاشف)(٣): ليث بن سعد أبو الحارث الإمام مولى بني فهم من نظراء مالك، قيل:
كان مغله في العام ثمانين ألف دينار فما وجبت عليه زكاة، عاش إحدى وثمانين سنة،
وفي (التهذيب)(٤): قال أحمد: وهو ثقة ثبت، وقال مرة: وليس فيهم - يعني أهل
مصر - أصح حديثاً من الليث، وقال مرة: كثير العلم صحيح الحديث، وقال الشافعي
رحمه الله: الليث أفقه من مالك إلا أن أصحابه لم يقوموا به، وقال: الليث أتبع للأثر
من مالك رحمه الله، وقال أحمد بن صالح: إمام قد أوجب الله علينا حقه.
١٣٥٣ - [٢١] (نافع) قوله: (فلا ينكر عليه) مخالف للحديث السابق في الفصل
الأول، والنفل يشمل الرواتب وغيرها، وهذا أصح، والله أعلم.
٤٢ - باب الجمعة
المشهور في لفظ الجمعة ضم الجيم والميم، وقد تسكن وقرأ بها الأعمش،
(١) ((ميزان الاعتدال)) (٣/ ٤٢٣).
(٢) ((التقريب)) (ص: ٤٦٤).
(٣) ((الكاشف)) (٢ / ١٥١).
(٤) ((التهذيب)) (٨ / ٤١٣).

٤٧٤
(٤٢) باب الجمعة
وحكي عن الفراء فتح الميم، وعن الزجاج كسرها أيضاً، وكان هذا اليوم يدعى عروبة
بفتح المهملة وضم الراء وبالباء الموحدة، وتسمية الجمعة، قيل: لأن اجتماع خلق
العالم وتمامه فيه؛ لأن ابتداءه يوم الأحد وتم في الجمعة، كذا ذكره أبو حذيفة عن ابن
عباس، وفي إسناده ضعف، وهذا الخبر يدل على تعيين الأيام وأسمائها قبل خلق
السماوات، ولا يخلو تعقل ذلك عن إشكال، والله أعلم.
وقيل: لأن خلق آدم تم واجتمع فيه، روى هذا القول أحمد رحمه الله وابن خزيمة
من حديث سلمان، وابن أبي حاتم وأحمد من [حديث] أبي هريرة ظه، وهذا أصح
الأقوال رواية، ويعلم من حديث أبي هريرة الذي يأتي أن تسميته من جهة اجتماع الأمور
العظام فيه، أحدها: خلق آدم وهذا أنسب لظهور معنى الاجتماع فيه من تسميته من جهة
خلق آدم واجتماع أجزائه، وقيل: كان كعب بن لؤي يجمع قومه في هذا اليوم ويذكِّرهم
ويأمرهم بتعظيم حرم الله تعالى ويخبرهم بخروج نبي آخر الزمان ◌َّ﴿ منه، وقيل: كان
قصي یجمعهم.
وقال ابن حزم: التسمية بالجمعة لاجتماع الناس فيه للصلاة، وهو اسم إسلامي،
وكان اسمه في الجاهلية عروبة لا الجمعة، والتحقيق أن عروبة اسمه القديم في الجاهلية
ثم غيّر في الجاهلية إلى الجمعة كما غيروا أسماء أيام الأسبوع، وكان أسماؤها في
الجاهلية أوّلَ، أهونَ، حُبَار، دُبار، مؤنس، عروبة، شيار(١)، وكان لهذا اليوم في
الجاهلية أيضاً شرف وامتياز، وقد خص في دور الإسلام بفضائل وخصائص التي ذكرت
في الأحاديث(٢).
(١) انظر: (تاج العروس)) (٣/ ٣٤١).
(٢) وذكر ابن القيم في ((زاد المعاد)) (١ / ٣٦٣ - ٤٠٧) ليوم الجمعة ثلاثاً وثلاثين خصوصية =

٤٧٥
(٤) كتاب الصلاة
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
١٣٥٤ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: («نَحْنُ الآخِرُونَ
السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، بَيْدَ أَنَهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ.
الفصل الأول
١٣٥٤، ١٣٥٥ - [١، ٢] (أبو هريرة، وحذيفة) قوله: (نحن الآخرون) أي
زماناً (السابقون) وفي رواية: (الأولون) أي: شرفاً ومنزلة بكوننا أول من يحشر، وأول
من يحاسب، وأول من يقضى بينهم، وأول من يدخل الجنة، وقيل: المراد بالسبق
إحراز فضيلة اليوم الذي هو سابق بالفضل وهو يوم الجمعة، وقيل: المراد السبق إلى
القبول والطاعة التي حرمها أهل الكتاب فقالوا: سمعنا وعصينا، والأول أقوى، كذا
قال في (فتح الباري)(١). ويمكن أن يعدّ منها رفع التكاليف الشاقة عنهم، فإن قلت:
ذلك في الدنيا وقد قيد السابقية بيوم القيامة، قلت: لما كان ظهور نتائجها وثمراتها في
الآخرة يمكن جعلها داخلاً في السابقية يوم القيامة.
وقوله: (بيد أنهم أوتوا الكتاب) في (القاموس) (٢): بيد بمعنى غير وعلى، وفي
(المشارق)(٣): بفتح الباء والدال وسكون الياء، معناه ههنا غير، وقيل: إلا، وقيل:
على، ويأتي بمعنى من أجل، ومنه قوله في الحديث الآخر: (بيد أني من قريش)، وقد
قيل ذلك في الحديث الأول وهو بعيد، وفيها لغة أخرى ميد بالميم، انتهى.
= يختص يوم الجمعة بها .
(١) «فتح الباري)) (٢/ ٣٥٤).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٢٥٨).
(٣) ((مشارق الأنوار)) (١ / ١٦٦).

٤٧٦
(٤٢) باب الجمعة
مِنْ قَبْلِنَا، وَأُوتِيْنَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ ثمَّ هَذَا يَوْمُهُمُ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْهِمْ يَعْنِي يَوْمَ
الْجُمُعَةِ، فَاخْتَلَفُوا فِيهِ .
وقال الشيخ: بيد مثل غير وزناً ومعنى وإعراباً، وبه جزم الخليل والكسائي ورجحه
ابن سيده، وروى ابن أبي حاتم عن الربيع عن الشافعي رحمه الله أن معنی بید من أجل،
وكذا ذكره ابن حبان والبغوي عن المزني عن الشافعي رحمه الله، وقد استبعده عیاض
ولا يعتدّ به، ومعناه: إنا سبقنا بالفضل إذ هدينا للجمعة مع تأخرنا في الزمان، بسبب
أنهم ضلوا عنها مع تقدمهم، ويشهد له ما وقع في رواية من أبي هريرة: (نحن الآخرون
في الدنيا، ونحن أول من يدخل الجنة إلا أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا)، وقال الداودي:
هو بمعنى غير أو مع، وقال الطيبي(١): هو بمعنى الاستثناء، وبه قال ابن مالك، وهو
من تأكيد المدح بما يشبه الذم لما أدمج فيه معنى النسخ لكتابهم، فالناسخ هو السابق
في الفضل وإن كان مسبوقاً في الوجود، انتهى.
وبهذا يظهر موقع قوله: (نحن الآخرون) مع كونه أمراً واضحاً لا يحتاج إلى ذكره،
ولا يظهر فائدته إلا ببيان الواقع وكونه توطئة لذكر قرينته، واللام في (الكتاب) للجنس.
وقوله: (ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم يعني يوم الجمعة فاختلفوا فيه) اختلف
الشارحون في المراد من فرض الله تعالى على اليهود والنصارى يوم الجمعة واختلافهم
فيها وضلالهم عنها، كما جاء في رواية أخرى عن أبي هريرة: (أضل الله عن الجمعة من
كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وللنصارى يوم الأحد)، فقال بعضهم: إن الله فرض
عليهم العبادة في يوم الجمعة بعينه، وأمرهم بالاجتماع فيه للعبادة شكراً للنعمة، كما
هو ظاهر لفظ الحديث، فخالفوا وتمردوا وأبوا كما هو عادتهم، واختار اليهود بدله
(١) ((شرح الطيبي)) (٣/ ١٩٩).

٤٧٧
(٤) كتاب الصلاة
فَهَدَانَا اللهُلَهُ،
السبت، وتعللوا بأن ذلك يوم انتهاء الخلق، والنصارى يوم الأحد؛ لأنه يوم ابتدائه،
واستبعد هذا المعنى ابن بطال بأنه لا يجوز لأحد أن يترك ما فرض الله عليه وهو مؤمن،
ورجح الاستبعاد القاضي عياض بأنه لو كان فرض عليهم بعينه لقيل: فخالفوا لا اختلفوا،
وأنت خبير بأنه لا يستبعد ذلك منهم كما وقع منهم كثير من العناد والتمرد، وهم الذين
قالوا: سمعنا وعصينا، وأنه يمكن أن يكون الاختلاف بمعنى أنهم اختلفوا في أنه هل
يلزم بعينه أم يسوغ إبدالُه بيوم آخر، فاجتهدوا في ذلك فأخطؤوا.
قال الشيخ(١): ويشهد له ما رواه الطبري بإسناد صحيح عن مجاهد في قوله
تعالى: ﴿إِنَّمَا جُعِلَ اُلسَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ آَخْتَلَفُواْ فِيةٍ﴾ [النحل: ١٢٤]، ويحتمل أن يراد
بالاختلاف اختلاف اليهود والنصارى، وذهب الأكثرون إلى أن المراد من ذلك أمرهم
باستخراجه بأفكارهم، وتعيينه باجتهادهم، فقيل لهم: إن الله فرض عليكم يوماً تتفرغون
فيه للفكر والذكر والعبادة فاجتهدوا في تعيينه، وذلك ابتلاؤهم من الله هل يصادفون
الحق أم لا؟ فعيّن اليهود يوم السبت واختاروه، وقالوا: هذا يوم فراغ وقطع عمل، فإن
الله سبحانه فرغ فيه عن شغل الخلق، فعلى الخلق أيضاً أن يفرغوا عن الشواغل والصنائع
ويتركوا أعمال الدنيا، ويشتغلوا بعبادة الرب تعالى، وعيّن النصارى يوم الأحد واختاروه؛
لأن الرب تعالى ابتدأ فيه الخلق، فهذا اليوم مبدأ جميع الكمالات والنعم، فهو أحق
بالتعظيم وشكراً للنعمة وإيجاب العبادة فيه، ولكن كل واحد من الفريقين أخطأ ولم
يصب ما عند الله الحكم.
وقوله: (فهدانا الله له) حملوه أيضاً على الوجهين، فالأول أن الله أمر هذه الأمة
(١) «فتح الباري)) (٢/ ٣٥٥).

٤٧٨
(٤٢) باب الجمعة
بالعبادة في يوم الجمعة بقوله تعالى: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوْةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾
[الجمعة: ٩] الآية، فهداهم بالامتثال لأمره، ولم يضلّهم بالإباء والتمرد والتعلل، والثاني
أن الله تعالى هداهم ووفقهم للإصابة حتى عينوا الجمعة، وقالوا: إن الله خلق آدم
لعبادتهم، وكان خلقه يوم الجمعة، فكانت العبادة فيه أولى وأنسب، ولأنه تعالى خلق
في سائر الأيام ما ينتفع به الإنسان، وفي يوم الجمعة أوجد نفسه، والشكر على نعمة
الوجود أهم وأحرى من الشكر على النعم الخارجة من الذات، وأيضاً لما اجتمع الخلق
في يوم الجمعة والإنسان الذي يشفع به أيضاً خلق فيه تعين هذا اليوم للعبادة، وكان
أنسب وأوفق بذلك، ولا شك أن هداية الله الجمعة بالنص عليها دون الاجتهاد وهو
الأظهر الأشهر.
وذكر الشيخ ابن حجر ما يؤيد المعنى الثاني وقال: ويشهد له ما رواه عبد الرزاق(١)
بإسناد صحيح عن محمد بن سيرين قال: جمَّع أهل المدينة قبل أن يقدمها رسول الله وَال
وقبل أن تنزل الجمعة، فقالت الأنصار: إن لليهود يوماً يجتمعون فيه كل سبعة أيام،
وللنصارى مثل ذلك، فلنجعل يوماً نجتمع فيه، فنذكر الله تعالى ونشكره، فجعلوه يوم
العروبة واجتمعوا إلى أسعد بن زرارة فصلى بهم يومئذ، وأنزل الله تعالى بعد ذلك ﴿إذا
نُودِیَ لِلصَّلَوةِ مِنْ يَوْمِ اُلْجُمُعَةِ﴾ الآية، وهذا وإن كان مرسلاً فله شاهد بإسناد حسن
أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه من حديث كعب بن مالك قال: كان أول من صلى
بنا الجمعة قبل مقدم رسول الله ﴿ المدينة أسعد بن زرارة، الحديث، وعلى هذا فقد
حصلت لنا الهداية للجمعة بجهتي البيان والتوفيق، والله أعلم.
(١) ((مصنف عبد الرزاق)) (٥١٤٤).

٤٧٩
(٤) كتاب الصلاة
وَالنَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ، الْيَهُودُ غَداً، وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٨٧٦،
م: ٨٥٥].
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ قَالَ: ((نَحْنُ الآخِرُونَ الأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَنَحْنُ
أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بَيْدَ أَنَّهُمْ)). وَذَكَرَ نَحْوَهُ إِلَى آخِرِهِ.
هذا وقد روي أنه وي﴿ لما بعث مصعب بن عمير إلى المدينة قال: إذا مالت الشمس
فصلِّ بالناس الجمعة، ذكره الشيخ ابن الهمام في شرح (الهداية)(١)، وهذا يدل على أن
الجمعة كانت واجبة بمكة، وكان الصحابة الذين بالمدينة مأمورین بإقامته، وكأنه أشار
الشيخ ابن حجر إلى الجواب عن هذا حيث قال في آخر الكلام: ولا يمنع ذلك أن يكون
النبي ◌ّ علمه بالوحي وهو بمكة فلم يتمكن من إقامتها ثمة، وقد ورد فيه حديث ابن
إسحاق عند الدار قطني، ولذلك جمَّع بهم أول ما قدم المدينة كما حكاه ابن إسحاق
وغيره، هذا ولكن حديث مصعب بن عمير ظاهر في أن إقامة الجمعة قبل النبي ولو كان
بالأمر إلا أن يقال: إقامة أسعد بن زرارة كان مقدماً على بعث مصعب، وهو خلاف
ما يحكى، والله أعلم.
وقوله: (والناس لنا فيه تبع) التبعية باعتبار الفضل والقبول والطاعة التي حرمها
أهل الكتاب، وقيل: الجمعة وإن كان مسبوقاً بسبت أو أحد قبله، لكن لا يتصور اجتماع
الأيام الثلاثة متوالية إلا ويكون يوم الجمعة سابقاً، وقد يقال: هذا الحديث يدل على
أن الجمعة أول الأسبوع شرعاً، وتدل عليه تسمية الأسبوع بالجمعة كما يسمى اليهود
الأسبوع بالسبت .
وقوله: (اليهود غداً والنصارى بعد غدٍ) لا بد فيه من تقدير مثل تعبد اليهود أو
(١) ((فتح القدير)) (٢ / ٥٦).

٤٨٠
(٤٢) باب الجمعة
١٣٥٥ - [٢] وَفِي أُخْرَى لَهُ عَنْهُ وَعَنْ حُذَيْقَةً قَالاَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهُ
فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: ((نَحْنُ الآخِرُونَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيًا، وَالأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
الْمَقْضِي لَهُمْ قَبْلَ الْخَلاَئِقِ)). [م: ٨٥٦].
١٣٥٦ - [٣] وَعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهُ: ((خَيْرُ يَوْمِ
طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ، وَفِيه
أُخْرِجَ مِنْهَا، وَلاَ تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨٥٤].
تعظيم اليهود ونحو ذلك؛ لأن ظرف الزمان لا يقع خبراً عن الجثة.
١٣٥٦ - [٣] (أبو هريرة) قوله: (خير يوم طلعت عليه الشمس) المراد ظهر
بظهور الشمس أو طلعت على ما سكن فيه، والمقصود من ذكر هذا الوصف التعميم
كقوله تعالى: ﴿وَمَا مِن دَابَةٍ فِ اُلْأَرْضِ﴾ [هود: ٦].
وقوله: (فيه خلق آدم) أي: جمع خلقه وتم.
وقوله: (وفيه أخرج منها) وفضيلة الإخراج من الجنة لكونه سبباً لوجود الأنبياء
والأولياء وتضمنه حكماً وبركات لا تعد ولا تحصى، وكذا موت آدم الآتي في الحديث
الآخر لكونه سبباً لوصوله إلى جوار رب العالمين، ولذلك ذكره الخليل عليه في النعم
لقوله: ﴿ وَالَّذِى يُمِيتُنِ ثُمَّيُحْيِينٍ﴾، وكذا قيام الساعة سبب لدخول الجنة وظهور مواعيد
الحق للمتقين، أو المقصود بيان الأمور العظام الواقعة في هذا اليوم.
ثم الظاهر أن المراد وقوع هذه الأمور الثلاثة في يوم واحد كما يروى أنه خلق
صبيحة الجمعة، وأدخل الجنة وقت الظهر، وأخرج وقت العصر.
وقوله: (ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة) قيام الساعة يحتمل النفخة الأولى
التي للصعق والهلاك، والثانية التي للبعث والنشور، وكلاهما في يوم الجمعة كما سيجيء