Indexed OCR Text
Pages 441-460
٤٤١ (٤) كتاب الصلاة ١٣٣٠ - [٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَهِ يَقُولُ: (إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلَّتُهُ، فَإِنْ صَلُحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ، فَإِنِ انْتُقَصَ مِنْ فَرِيضَتِهِ شَيْءٌ، قَالَ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: انْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ؟ فَيُكَمَّلُ بِهَا مَا انْتُقَصَ مِنَ الْفَرِيضَةِ، ثُمَّ يَكُونُ سَائِرُ عَمَلِهِ عَلَى ذَلِكَ)). في (الأوسط) وهذه ست طرق، ولكل منها متابعات وشواهد ذكرها ابن حجر يطول المقام بذكرها، وممن صحح حديثها أو حسنها غير من تقدم الحافظ العلائي والشيخ سراج الدين البلقيني والشيخ بدر الدين الزركشي، ولقد ناقض كلام ابن حجر فیه، وكذا كلام النووي في تحسين هذا الحديث وتضعيفه، هذا كلام (تنزيه الشريعة) مع اختصار في آخره بحذف الطرق، وبالجملة حديث صلاة التسبيح لا يخلو عن نوع من الاختلاف بين الأئمة، والراجح المختار فيها الصحة أو الحسن، والله أعلم. ١٣٣٠، ١٣٣١ - [٣، ٤] (أبو هريرة، وعن رجل) قوله: (فإن صلحت) في (القاموس)(١) صلح كمنع وكرم، وفي (الصحاح)(٢): من باب نصر وكرم. وقوله: (فإن انتقص من فريضته شيء) أي: من مكملاتها من السنن والآداب. وقوله: (فيكمل) بالنصب والرفع، والأول أظهر وأشهر على معنى أنه من كلام الله تعالى جواباً للاستفهام. وقوله: (ثم يكون سائر عمله) من الزكاة والصوم والحج يكمل فرائضها بتطوعها . (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٢٢٣). (٢) ((الصحاح)) (١ / ٣٨٣). ٤٤٢ (٤٠) باب صلاة التسبيح وَفِي رِوَايَةٍ: ((ثُمَّ الزَّكَاةُ مِثْلَ ذَلِك، ثُمَّ تُؤْخَذُ الأَعْمَالُ عَلَى حَسَبٍ ذَلِكَ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٨٦٤، ٨٦٦]. ١٣٣١ - [٤] وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ رَجُلٍ. [حم: ٧٢/٥، ٣٧٧]. ١٣٣٢ - [٥] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَِّ: ((مَا أَذِنَ اللهُ لِعَبْدٍ فِي شَيْءٍ أَفْضَلَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ يُصَلِّهِمَا، وَإِنَّ الْبِرَّلَيَّذَرُّ عَلَى رَأْسِ الْعَبْدِ مَا دَمَ فِي صَلاَتِهِ، وَمَا تَقَرَّبَ الْعِبَادُ إِلَى اللّهِ بِمِثْلِ مَا خَرَجَ مِنْهُ) يَعْنِي الْقُرْآنَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ. [حم: ٢٦٨/٥، ت: ٢٩١١]. ١٣٣٢ - [٥] (أبو أمامة) قوله: (ما أذن الله لعبد في شيء أفضل من الركعتين) في (القاموس)(١): أذن له وإليه كفرح: استمع معجباً، أو عامٌّ، والمعنى ههنا الإقبال من الله بالرحمة والرأفة إلى العبد، ولعله إنما ذكر الاستماع وإن كانت الصلاة من جملة الأفعال لكونه مشتملاً على الكلام من القرآن والتسبيحات. وقوله: (ليذر) على صيغة المجهول من الذر بالذال المعجمة، أي: ينثر ويفرق، وقد يروى بالدال المهملة، وقيل: هو تصحيف؛ لأنه وإن تضمن معنى النثر والتفريق لکنه مختص بالمبایعات وليس له كثير مناسبة بالمقام. وقوله: (بمثل ما خرج منه) الضمير لله أو للعبد، والمراد القرآن، والمراد على الأول خرج من علمه أو لوحه المحفوظ، وعلى الثاني برز من لسانه . (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٠٨٢). ٤٤٣ (٤) كتاب الصلاة ٤١ - باب صلاة السفر ٤١ - باب صلاة السفر (١) اعلم أنه لا خلاف في جواز قصر الرباعية في السفر لأحد من الأئمة، وعلماء الأمة مجمعون على ذلك، ولكن عندنا هذا القصر واجب، وفرض الوقت على المسافر ركعتان، والقصر هو العزيمة وإن كان يسمى رخصة لكن تسميته بها مجاز، كما علم في أصول الفقه، ولو صلى المسافر أربع ركعات لم يجز إلا أن يقعد القعدة الأولى؛ لأنها في الحقيقة القعدة الأخيرة وإن أثم بترك السلام، وإن لم يقعد لم تقع جائزة ولزم الإعادة، وهو مذهب مالك على ما يفهم من (رسالة ابن أبي زيد) في مذهبهم؛ لأنه قال: من سافر أربعة برد، وهي ثمانية وأربعون ميلاً، فعليه أن يقصر الصلاة ويصلي ركعتين، ويفهم من بعض الشروح أن مذهبه يوافق مذهب الشافعي وأحمد أن القصر رخصة، والمصلي مخير بين القصر والإتمام، وأصل الفرض أربعة، ودليلهم على ذلك قول الله تعالى: ﴿ وَإِذَا ضَرَيْتُمْ فِى الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَامُ أَنْ نَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَوَةِ﴾، فإن ظاهره يدل على الرخصة والتخفيف لا على اللزوم والإيجاب، وأيضا قاسوا الصلاة على الصوم، فكما أن الصوم في السفر عزيمة والإفطار رخصة، فكذلك يكون الإتمام فيه عزيمة والقصر رخصة، وحديث عائشة ◌ً أن النبي ولو كان يقصر في السفر ويتم، ويفطر ويصوم، وفي صحة هذا الحديث كلام، وجاء عن عثمان رله أنه صلى في أيام الحج (١) السَّفَرُ لُغَةَ: قَطْعُ الْمَسَافَةِ، وَلَيْسَ كُلُّ قَطْع تَتَغَيُّ بِهِ الأَحْكَامُ مِنْ جَوَازِ الإِفْطَارِ وَقَصْرِ الرُّبَاعِيَّةِ وَغَيْرِهِمَا، فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ شَرْعاً، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هُوَ أَنْ يَقْصِدَ مَسَافَةَ ثَلاَثَةٍ أَيَّامٍ وَلَيَالِهَا بِسَيْرٍ وَسَطٍ، وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ: هُوَ مَسِيرَةُ مَرْحَتَيْنِ بِسَيْرِ الأَنْقَالِ، وَذَلِكَ يَوْمَانِ أَوْ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ سِنَّةَ عَشَرَ فَرْسَخاً أَرْبَعَ بُرُدٍ، وَقَالَ الأَوْزَاعِيُّ: يقصُرُ فِي مَسِيرَةٍ يَوْمٍ، وَقَالَ دَاوُدُ: يَجُوزُ الْقَصْرُ فِي طَوِيلِ السَّفَرِ وَقَصِيرِهِ. ((مرقاة المفاتيح)) (٩٩٩/٣). ٤٤٤ (٤١) باب صلاة السفر في منى أربع ركعات، والصحابة الذين معه أيضاً صلوا أربعاً، وكانت عائشة ◌َّ أيضاً تتم . وقال علماؤنا: قوله تعالى: ﴿لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ ليس نصًّا في الرخصة والتخيير، وإنما قال بهذه العبارة لأن المسلمين لكمال ولعهم وشغفهم بالعبادة وتكثيرها وإتمامها كأنهم كانوا يتحرجون في القصر وكانوا يعدونه جناحاً، فقال: لا جناح عليكم أن تقصروا، ولا حرج، فإن الركعتين في حكم الأربعة على قياس ما قال بعض العلماء الذين قالوا بوجوب السعي بين الصفا والمروة في قوله تعالى: ﴿فَلَاَجُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]، والقياس على الصوم فاسد، فإن قضاء الصوم واجب، وهذه علامات الوجوب، وكونه عزيمة بخلاف الشفع الثاني في صلاة السفر فعلم أنه ليس بواجب، وبعضهم قالوا: إن القصر المذكور في الآية قصر الأفعال دون قصر الأعداد، كما في صلاة الخوف بسقوط الاستقبال والتزام المكان ونحوهما فيها، وجاء عن رسول الله وَّه بطريق الشهرة أنه لم يتم في سفر أبداً، وروى مسلم عن عائشة بطرق متعددة أنها قالت: كان فرض الصلاة في الابتداء ركعتين في السفر والحضر، فقررت في السفر تلك الركعتان، وزيد في الحضر، ويعلم من هذا أن الركعتين في السفر ليستا رخصة حقيقة بعد ما كانت أربعاً، بل هو أصل المشروع وهو معنى العزيمة، فتدبر . وروى النسائي وابن ماجه(١): صلاة السفر ركعتان، وصلاة الضحى ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان تمام [غير] قصر على لسان محمد الطاهر، وكذلك روى ابن حبان في (صحيحه) ومسلم عن ابن عباس ◌َيْئًا قال: فرض الله تعالى (١) (سنن النسائي)) (١٤٢٠)، و((سنن ابن ماجه)) (١٠٦٣). ٤٤٥ (٤) كتاب الصلاة على لسان نبيكم ◌ّ في الحضر أربع ركعات، وفي السفر ركعتان، وفي الخوف ركعة، وروى الطبراني بهذا اللفظ: فرض رسول الله وَ لي ركعتين في السفر كما فرض في الحضر أربعاً، ذكر هذه الأحاديث الشيخ ابن الهمام في شرح (الهداية)(١)، وأيضاً روى مسلم عن أمير المؤمنين عمر به قال: قال رسول الله وصله: (هذه صدقة تصدق الله بها على عباده فاقبلوا صدقته)، والتصدق فيما لا يقبل القبض محض إسقاط، وأيضاً لما يسر الله تعالى وخفف وأسقط يكون تشديد العبد على نفسه واختياره الأشد جرأة منه، لا يليق بمقام العبودية، بخلاف صوم المسافر فإن فيه بموافقة المسلمين يسراً كما في الإفطار، ولهذا ذهب الشافعي وأحمد رحمهما الله مع تجويزهما القصر والإتمام أن القصر أحب، وكذلك جعلا الإفطار أحب لمثل هذا الوجه، وذكر في (الحاوي)(٢) في مذهب الشافعي رحمه الله حديثاً: (خير عباد الله الذين إذا سافروا قصروا)، ولأن القصر متفق عليه، فالأخذ به كان أولى للخروج عن الخلاف. هذا والكلام في صلاة أمير المؤمنين عثمان ظله أربع ركعات بمنى، وموافقة الصحابة إياه طويل، فقد ذكر في (صحيح البخاري)(٣) من حديث ابن عمر ت﴾ أنه قال: صليت مع النبي ◌َّ بمنى ركعتين، ومع أمير المؤمنين أبي بكر وعمر ظلما ركعتين، ومع أمير المؤمنين عثمان طه في صدر من خلافته، ثم كان يتم عثمان ظه، وقالوا: مدة قصر عثمان څ في أوائل خلافته ست سنين أو ثمان سنين على خلاف فيها، هذا وقد ذكر (١) ((فتح القدير)) (٢ / ٣٣). (٢) ((الحاوي الكبير)) (٢/ ٣٦٢). (٣) ((صحيح البخاري)) (١٠٨٢). ٤٤٦ (٤١) باب صلاة السفر في الصحيح(١) عن ابن عمر رَ ◌ًّا أنه قال: صحبت رسول الله وَّ فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت أبا بكر ◌ُه فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، [وَصَحِبْتُ عُمَرَ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللهُ]، وصحبت عثمان فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وقد قال الله تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَّةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، ومن هذا يعلم أن إتمام الصلاة كان من عثمان ◌َلُه بمنى لمصلحة رآها لا دائماً بعد مضي سنين من خلافته، والله أعلم. وفي (صحيح البخاري)(٢) عن حارثة بن وهب: صلى بنا النبي ◌َّ آمن ما كان بمنى ركعتين، وعن عبد الرحمن بن يزيد يقول: صلى بنا عثمان بن عفان رَؤُه بمنى أربع ركعات، فقيل في ذلك لعبد الله بن مسعود ته فاسترجع، ثم قال: صليت مع رسول الله بديله بمنى ركعتين، وصليت مع أبي بكر الصديق ظته بمنى ركعتين، وصليت مع عمر بن الخطاب څله بمنى ركعتين، فليت حظي من أربع ركعات ركعتان متقبلتان، وقيل لابن مسعود ظه: لم وافقته أنت؟ قال: الخلاف شر، يعني أن المخالفة مع إمام العصر فيما يفعل لم يحسن، ويظهر من هذا لجواز الإتمام وجه؛ لأن سكوت ابن مسعود رُه وغيره من الصحابة فيما لا يجوز أصلاً مما لم يجز. واختلف في ذلك الوجه فقيل: إن عثمان ظُه إنما أتم لأنه كان تأهل بمكة، أو لأنه كان أمير المؤمنين فكل موضع له دار، أو لأنه عزم على الإقامة بمكة، ورد هذه الوجوه أما الأول فبأن النبي وسلو كان يسافر بزوجاته وقصر، والثاني بأن النبي ◌َّ كان (١) ((صحيح البخاري)) (١١٠٢)، و((صحيح مسلم)) (٦٨٩). (٢) ((صحيح البخاري)) (١٠٨٣، ١٠٨٤). ٤٤٧ (٤) كتاب الصلاة أولى بذلك، والثالث بأن الإقامة بمكة على المهاجر حرام، ولأن هذه الوجوه لا تجري في صلاة عائشة ◌َيُّ أربعاً، وقد ورد: (تأولت كما تأول عثمان ظُه) كما سيأتي، على أن أكثر هذه الوجوه ظنون لا دليل عليها، وقيل: لعل عثمان ظه يرى القصر مختصاً بمن كان شاخصاً سائراً، وأما من أقام في مكان في أثناء سفره فله حكم المقيم فيتم، وأما القول بأن عثمان طه كان قائلاً بأن القصر - كما يفهم من ظاهر الآية - مخصوص بحالة الخوف، وإذا أمن كان الإتمام أفضل فمردود بحديث عمر : (صدقة تصدق الله بها) الحديث، ولأن النبي ◌َّ﴿ كان آمن منه، وقد قصر، والقيد في الآية اتفاقي مبني على الأكثر والأغلب، وقال الطحاوي عن الزهري قال: إنما صلى عثمان طه أربعاً؛ لأن الأعراب وأهل البدو والذين لا يعرفون بتفاصيل الأحكام كانوا أكثر في ذلك المقام، فأحب أن يعلمهم أن الصلاة أربع، ويؤيده ما روى البيهقي عن عبد الرحمن بن عوف ظـ أنه قال: إن عثمان به بعد ما صلى أربعاً خطب واعتذر أن القصر سنة رسول الله وعليه وصاحبيه خلي، ولكنه حدث طغام - بفتح الطاء والمعجمة (١) - فخفتُ أن يستنوا، وعن ابن جريج أن أعرابياً ناداه في منى: يا أمير المؤمنين! ما زلت أصليها منذ رأيتك عام أول ركعتين، ولهذا طرق بعضها يقوي بعضاً، ولا مانع أن يكون هذا أصل سبب الإتمام، كذا في (فتح الباري)(٢) . وقال ابن بطال: الصحيح في ذلك أن عثمان وعائشة ظلهما كانا يريان النبي وله إنما قصر لأنه أخذ بالأيسر من ذلك على أمته شفقة عليهم، وكان مخيراً بالقصر (١) في المخطوطة: ظعام بفتح الظاء المعجمة، والصواب: طغام بفتح الطاء والمعجمة، كذا في ((فتح الباري)) (٢ / ٥٧١). (٢) «فتح الباري)) (٢/ ٥٧١). ٤٤٨ (٤١) باب صلاة السفر * الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ١٣٣٣ - [١] عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ صَلَّى الظُّهْرَ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعاً، وَصَلَّى الْعَصْرَ بِذِي الْخُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٥٤٧، م: ٦٩٠]. والإتمام، فأخذا لأنفسهما بالشدة، ورجح هذا الوجه جماعة، منهم القرطبي، ويؤيده ما روى البيهقي من طريق عروة بن الزبير حديثاً أنه قال: رأيت عائشة ف تصلي في السفر أربعاً، فقلت: يا أم المؤمنين! هلا صليت ركعتين، قالت: يا ابن أختي لا يشق علي. وبالجملة المسألة مختلف فيها بأن القصر واجب أو رخصة، وذهب الجمهور إلى أنه يجوز القصر في كل سفر مباح، وذهب بعض السلف إلى أنه يشترط في القصر الخوف في السفر، وبعضهم كونه سفر حج أو عمرة أو جهاد، وبعضهم كونه سفر طاعة، وذهب الإمام أبو حنيفة رحمه الله أن القصر واجب سواء كان فيه مشقة أو لا، وسائراً كان أو نازلاً أو آمناً، ويكون سفر طاعة أو معصية، ووافقه في الأخير الثوري؛ وهكذا حكم سائر الرخص. الفصل الأول ١٣٣٣ - [١] (أنس) قوله: (صلى الظهر) أي: في اليوم الذي أراد الخروج إلى مكة لحجة الوداع، وصلى العصر في ذلك اليوم بذي الحليفة - بضم الحاء المهملة وفتح اللام -: موضع على خمسة أو ستة أميال من المدينة، ميقات أهل المدينة والشام. وقوله: (ركعتين(١)) مفعول (صلى)، فعلم أن المسافر يقصر. (١) لِأَنَّهُ كَانَ فِي السَّفَرِ. اعْلَمُ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ الْقَصْرُ إِلَّ بَعْدَ مُفَارَقَتِهِ بُنْيَانَ الْبَلَدِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، = ٤٤٩ (٤) كتاب الصلاة ١٣٣٤ - [٢] وَعَنْ حَارِثَةَ بْنٍ وَهْبِ الْخُزَاعِيِّ قَالَ: صَلَّى بِنَ رَسُولُ اللهَُِّ وَنَحْنُ أَكْثَرُ مَا كُنَّا قَطَّ وَآمَنُهُ بِمِنِىَّ رَكْعَتَيْنِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٦٥٦، م: ٦٩٦]. ١٣٣٤ - [٢] (حارثة بن وهب الخزاعي) قوله: (ونحن أكثر ما كنا قط وآمنه بمنىَّ ركعتين) إعراب هذا التركيب يحتاج إلى بيان وفيه وجوه، أحدها: أن قوله: (ونحن أكثر) جملة حالية أو معترضة بين (صلى) ومعموله الذي هو (بمنى ركعتين)، فإن رفع (أكثر) وهو أظهر على أنه مبتدأ وخبره محذوف، وجعل (ما) مصدرية، و(آمنه) بصيغة التفضيل عطفاً على (أكثر)، وكان تامة، فالتقدير: نحن أكثرُ زمان أكواننا وآمنُه حاصلٌ، ويجوز أن يكون (ما) موصوفة كناية عن العدد، ويكون (أكثر) خبراً لـ (نحن)، والتقدير: ونحن أكثر عدداً من عدد كنا قبل إياه، ويشكل على هذا وجود (قط) فإنه للنفي، فقيل: إنما جيء به لاشتمال الكلام على معنى النفي أو مقدر النفي، والتقدير: ما كنا وقت أكثر قط، وإن نصب (أكثر) جعل خبراً لـ (كنَّ)، و(ما) نافية، ويجوز عمل ما بعد (ما) فيما قبلها وهو ضعيف، هذا وقد يجعل (آمنه) بلفظ الماضي أي: آمنه الله عطفاً على (صلى)، أو حالاً بتقدير قد، فتدبر. وقد يروى (أَمَنَةً) جمع آمن على وزن طلبة جمع طالب منصوباً على الحالية، ودل الحديث على جواز القصر في السفر من غير خوف، وهو مصرح في الحديث الثاني . = وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَرِوَايَةٌ عَنْ مَالِكِ، وَعَنْهُ أَنَّهُ يقصُرُ إِذَا كَانَ مِنَ المصرِ عَلَى ثَلاَثَةِ أَمْيَالٍ، وَقَالَ بَعْضُ التَّابِعِينَ: إِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يقصُرَ مِنْ مَنْزِهِ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْئَةَ عَنْ عَلِيٍّ ◌َِّ أَنَّهُ خَرَجَ مِنَ الْبَصْرَةِ، فَصَلَّى الظُّهْرَ أَرْبَعاً، ثُمَّ قَالَ: إِنَّا لَوْ جَاوَزْنَا هَذَا الْخُصَّ لَصَلَيْنَا رَكْعَتَيْنِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْهُمَامِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَاحْتَجَّ بِهِ الظَّاهِرِيَّةُ عَلَى جَوَازِ الْقَصْرِ فِي السَّفَرِ الْقَصِيرِ، وَهُوَ غَلَطٌ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ - كَانَ قَاصِداً مَّةَ، لاَ أَنَّ ذَا الْحُلَيْفَةِ غَايَةُ سَفَرِهِ. ((مرقاة المفاتيح)) (٣/ ٩٩٩). ٤٥٠ (٤١) باب صلاة السفر ١٣٣٥ - [٣] وَعَنْ يَعْلَى بْنِ أُميَّةَ قَالَ: قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: إِنَّمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿أَنْ نَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَوَةِ إِنْ خِفْتُ أَنْ يَفْيِّتَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوَأَ﴾ فَقَدْ أَمِنَ النَّاسُ. قَالَ عُمَرُ: عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ فَقَالَ: ((صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٦٨٦]. ١٣٣٦ - [٤] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِو ◌َهُ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ، فَكَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنٍ، حَتَّى رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ، قِيلَ لَهُ: أَقَمْتُمْ بِمَكَّة شَيْئاً؟ قَالَ: ((أَقَمْنَا بِهَا عَشْراً)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٠٨١، م: ٦٩٣]. ١٣٣٥ - [٣] (يعلى بن أمية) قوله: (عجبت مما عجبت منه) الأول بلفظ التكلم، والثاني بلفظ الخطاب، ويحتمل العكس، والرواية هي الأولى. وقوله: (فاقبلوا صدقته)(١) أي: اقصروا، وأما التقييد في الآية فقد خرج مخرج العادة وباعتبار الأغلب، فإن الغالب من حال المسافرين الخوف خصوصاً في ذلك الزمان؛ لأن أعداء الله كانوا في صدد إيذائهم وإهلاكهم، ومفهوم المخالف لا اعتبار له إذا خرج مخرج العادة، وقد تقرر ذلك في أصول الفقه. ١٣٣٦ - [٤] (عن أنس) قوله: (أقمنا بها عشراً) هذا في حجة الوداع؛ فإنه وليه وأصحابه قدموا فيها مكة لصبح رابعة ذي الحجة، وخرج منها في اليوم الثامن إلى منى، وصلى الظهر بها، ثم خرج صبح الرابع عشر إلى المدينة، فإن قلت: فعلى هذا لم يكن إقامته بمكة إلا أربعة؟ قلت: نعم، والمراد أن هذه الإقامة بمكة وحواليها عشرة . (١) ظَاهِرُهُ الْوُجُوبُ، فَيُؤَيِّدُ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْقَصْرَ عَزِيمَةٌ وَالإِتْمَامُ إِسَاءَةٌ. وَقَدْ قَالَ الْبَغَوِيُّ: أَكْثَرُهُمْ عَلَى وُجُوبِ الْقَصْرِ، وَرَدُّ ابْنِ حَجَرٍ عَلَيْهِ مَرْدُودٌ عَلَيْهِ. ((مرقاة المفاتيح)) (٣/ ١٠٠٠). ٤٥١ (٤) كتاب الصلاة واعلم أن المذهب عندنا أن من نوى الإقامة مدة خمسة عشر يوماً أو أكثر أتم الصلاة، ويقصر إن نوى أقل من ذلك، وإن لبث أكثر من خمسة عشر من غير نية لا يصير مقيماً ولو أقام أشهراً أو سنين، وهذا التقدير مروي عن ابن عباس وعن ابن عمر ـ أخرجه الطحاوي عنهما قائلاً بأن إذا أقمت ببلدة وأنت مسافر وفي نفسك أن تقيم خمس عشرة ليلة فأكمل الصلاة بها، وإن كنت لا تدري متى تظعن فاقصرها، وكذا روى ابن أبي شيبة عن ابن عمر ◌ُ﴾ أنه إذا جمع على إقامة خمسة عشر أتم. وقال محمد في (كتاب الآثار)(١): حدثنا أبو حنيفة رحمة الله عليه، حدثنا موسى ابن مسلم عن مجاهد عن عبدالله بن عمر ◌َاثًا قال: إذا كنت مسافراً فوطّنت نفسك على إقامة خمسة عشر يوماً فأتمم الصلاة، وإن كنت لا تدري متى تظعن فاقصر، قالوا: والأثر في مثله كالخبر لأنه لا مدخل للرأي في المقدرات الشرعية، وأما قول صاحب (الهداية): فقدرناه بمدة الطهر؛ لأنها مدتان موجبتان، فمعناه أن بعد ثبوت التقدير بالخبر وجدناه على وفق صورة قیاس ظاهر، فرجحنا به المروي عن ابن عباس وابن عمره على المروي عن عثمان به أنها أربعة أيام، كما هو مذهب الشافعي رحمه الله من أنه إن نوى الإقامة أربعة أيام فصاعداً أتم، كما هو دأبنا في التمسك بالقياسات والدلائل العقلية، إنما هو لترجيح بعض الأخبار على بعض لا قياس في مقابلة النص، كما زعم الخصم، وأيضاً الحديث المذكور الناطق بالقصر مع الإقامة بمكة عشراً ينفي هذا التقدير؛ لأن الإقامة بمكة كان بنية الزيادة على أربعة؛ لأن الحديث إنما هو في حجة الوداع، فافهم. (١) ((كتاب الآثار)) (١ / ٤٨٩). ٤٥٢ (٤١) باب صلاة السفر ١٣٣٧ - [٥] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَافَرَ النَّبِيُّ ◌َِهُ سَفَرَاً، فَأَقَامَ تِسْعَةً عَشَرَ یَوْماً يُصَلَّ. وهذا مذهب الشافعي رحمه الله في النية، وأما مذهبه في عدم النية واللبث ببلد مع العزم على الخروج حتى انقضى شغله فإنه يقدره بثمانية عشر يوماً، فإن ازداد على هذه المدة أتم، ويرده إقامة ابن عمر ﴿4﴾ بآذر بيجان ستة أشهر يقصر الصلاة يقول: أخرج اليوم أو غداً، يقولون في جوابه: إنه كانت إقامته في بقاع متفرقة، ولم يقم في مكان واحد أكثر من ثلاثة أيام، والله أعلم. وقال الشيخ ابن الهمام(١): روى البيهقي في (المعرفة) بإسناد صحيح أن ابن عمر ط﴾ قال: ارتج علينا الثلج، ونحن بآذربيجان ستة أشهر، فكنا نصلي ركعتين، وهذا يدل على أنه كان مع غيره من الصحابة يفعلون ذلك، وأخرج عبد الرزاق عن الحسن قال: كنا مع عبد الرحمن بن سمرة ببعض بلاد فارس سنتين، فكان لا يجمع ولا يزيد على ركعتين، وأخرج عن أنس بن مالك رضي أنه كان مع عبد الملك بن مروان بالشام شهرین یصلي ركعتين ركعتين . ١٣٣٧ - [٥] (ابن عباس) قوله: (فأقام تسعة عشر يوماً) هذا في غزوة الفتح، فلا منافاة بينه وبين حديث أنس، ثم أنه جاء في رواية أبي داود عن عكرمة سبعة عشر بتقديم السين يقصر الصلاة، وفي رواية له من حديث عمران بن الحصين: غزوت مع رسول الله وقي للفتح، فأقام بمكة ثماني عشرة ليلة، لا يصلي إلا ركعتين، وله من طريق ابن إسحاق عن الزهري عن عبيدالله عن ابن عباس : أقام بمكة عام الفتح خمس عشرة يقصر الصلاة، وجمع البيهقي بين هذه الروايات بأن من قال: تسع عشرة عدّ يومي (١) ((فتح القدير)) (٢/ ٣٦). ٤٥٣ (٤) كتاب الصلاة رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: فَتَحْنُ نُصَلِّي فِيمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَكَّةَ تِسْعَةً عَشَرَ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، فَإِذَا أَقَمْنَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ صَلَّيْنَا أَرْبَعاً. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ١٠٨٠]. الدخول والخروج، ومن قال: سبعة عشر حذفهما، ومن قال: ثمانية عشر عد أحدهما وحذف الآخر، وأما رواية خمسة عشر فضعفها النووي في (الخلاصة)، قال الشيخ(١): وليس - يعني تضعيفه - بجيد؛ لأن رواتها ثقات، ولم ينفرد بها ابن إسحاق، فقد أخرجها النسائي من رواية عراك بن مالك عن عبيدالله كذلك، وإذا ثبت أنها صحيحة فليحمل على أن الراوي ظن أن الأصل رواية سبع عشرة، فحذف منها يومي الدخول والخروج، فذکر أنها خمس عشرة، قالوا: وأخذ الشافعي رحمة الله علیه بحديث عمران بن حصین، فتدبر . وقوله: (فنحن نصلي فيما بيننا وبين مكة تسعة عشر ركعتين ركعتين) يعني إذا ثبت أن رسول الله و لو يصلي في إقامة تسعة عشر يوماً ركعتين ركعتين، فنحن إذا اتفق لنا الإقامة في منزل بين مكة والمدينة تسع عشر يوماً نصلي ركعتين عملاً بفعله القصر في إقامته تسعة عشر يوماً، وهذا تقرير الطيبي(٢)، وفي شرح الشيخ: المراد إذا سافرنا سفراً طويلاً كما بيننا وبين مكة؛ لأنها نهاية المدة التي يجوز للمسافر فيها القصر وإن لم يكن السفر فيهما، انتهى. يعني التقييد بما بيننا وبين مكة اتفاقي، والمقصود التعبير عن السفر الطويل، وعند الشافعي رحمه الله نهاية مدة القصر إقامة تسعة عشر، وفيما زاد الإتمام كما ذكرنا من مذهبه تمسكاً بهذا الحديث. (١) انظر: ((فتح الباري)) (٢ / ٥٦٢). (٢) انظر: ((شرح الطيبي)) (٣/ ١٩٢). ٤٥٤ (٤١) باب صلاة السفر ١٣٣٨ - [٦] وَعَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ قَالَ: صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ فِي طَرِيقٍ مَكَّةَ فَصَلَّى لَنَ الُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ جَاءَ رَخْلَهُ وَجَلَسَ فَرَأَى نَاساً قِيَاماً فَقَالَ: مَا يَصْنَعُ هَؤُ لاءِ؟ قُلْتُ: يُسَبِّحُونَ، قَالَ: لَوْ كُنْتُ مُسَبِّحاً أَتْمَمْتُ صَلاَتِي، صَحِبْتُ رَسُولَ اللهِ فَكَانَ لاَ يَزِيدُ فِي السَّفَرِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ، وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ كَذَلِكَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١١٠١، ١١٠٢، م: ٦٨٩]. ١٣٣٨ - [٦] (حفص بن عاصم) قوله: (يسبحون) أي: يصلون نفلاً يحتمل الراتبة وغيرها. وقوله: (لو كنت مسبحاً أتممت صلاتي) أي: الفريضة أي: لو تنفلت الرواتب لكان إتمام فريضتي أحب، فالفرائض لما قصرت كان ترك النوافل أولى، وأجابوا عن قول ابن عمر ﴾ هذا بأن الفريضة متحتمة، فلو شرعت تامة لتحتم إتمامها بخلاف النافلة فإنها شرعت مع التخيير، فالرفق فيه أن تكون مشروعة، ويكون للعبد اختیار، كذا في (فتح الباري)(١) نقلاً عن النووي. رأى ابن عمر تطل﴾ عدم استحباب السنن الرواتب وغيرها، ويروى عنه عدم المنع والإنكار أيضاً كما يأتي في آخر (الفصل الثالث) برواية مالك رحمه الله: أنه كان يرى ابنه يتنفل في السفر فلا ينكره، وأجاز الجمهور من الصحابة من بعدهم بدليل الأحاديث الصحيحة المطلقة في مذهبها، وقيل: اتفقوا على استحباب النوافل المطلقة، وإنما الاختلاف في الرواتب، والمجوزون للرواتب قاسوها على النوافل المطلقة، وبعضهم فرقوا بين حالتي السير والنزول، وبعضهم بين النوافل قبل الصلاة وبعدها بأن التي قبلها مفصولة عن الفرض بالإقامة فلا يظن أنها منها، فكأنها خرجت من حكم الرواتب بخلاف التي بعدها فإنها متصلة بها صورة ومعنى، وقد ثبت (١) انظر: ((فتح الباري)) (٢ / ٥٧٧). ٤٥٥ (٤) كتاب الصلاة ١٣٣٩ - [٧] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاس قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَ﴿ يَجْمَعُ بَيْنِ صَلاَةِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ إِذَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ سَيْرٍ، وَيَجْمَعُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ. رَوَاءُ البُخَارِيُّ. [خ: ١١٠٧]. فعله وعلي الرواتب والمطلقة وصلاة الضحى يوم فتح مكة كركعتي الفجر وكركعتي الظهر قبلها وبعدها كما يأتي في حديثه الآتي في (الفصل الثاني). وقال الطيبي(١): لعله ◌َّي كان يصلي الرواتب في رحله، ولا يراه ابن عمر ـ ولعله تركها أيضاً في بعض الأحيان تعليماً بجواز الترك، والله أعلم. فالمراد بقوله: (كان لا يزيد في السفر على ركعتين) غالبُ الأحوال، وبهذا يندفع أيضاً ما استشكل من ذكر عثمان ههنا بأنه كان يتم في آخر أمره كما سيأتي، ويروى عن أصحابنا الحنفية في السنن ثلاثة أقوال: الإتمام، والقصر، والترك، والأول هو المختار. ١٣٣٩ - [٧] (ابن عباس) قوله: (يجمع بين الظهر والعصر)(٢) يشتمل جمع التأخير والتقدیم. وقوله: (إذا كان على ظهر سير) يحتمل أن يكون المراد به مطلق السفر، أو كونه في حالة السير، فيؤيد مذهب من قال: إن الجمع على تقدير كونه في حالة السير دون حالة النزول كما ستعرف، ولفظ الظهر مقحم للتأكيد لأنه يشير إلى سيره ويل# كان مستنداً إلى ظهر قوي للمطي والركاب كما في قوله: أفضل الصدقة ما كان عن ظهر غنى، وقال (١) ((شرح الطيبي)) (٣/ ١٩٢). (٢) وَالْحَدِيثُ بِظَاهِرِهِ مُوَافِقٌ لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وأحمد بالجمع الحقيقي، وروايات المالكية مضطربة، وَهُوَ عِنْدَنَا مَحْمُولٌ عَلَى القول بالجمع الصوري على أَنَّهُ يُصَلِّي الظُّهْرَ فِي آخِرٍ وَقْتِهِ وَالْعَصْرَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهِ. كذا في ((التقرير))، وَبُسِطَ هَذَا الْمَبْحَثُ فِي ((البذل)) (٥ / ٣٤٦ - ٣٥٤) فارجع إليه . ٤٥٦ (٤١) باب صلاة السفر ١٣٤٠ - [٨] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِوَهِ يُّصَلِّي فِي السَّفَرِ عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ. الطيبي(١): والظهر قد يزاد في مثل هذا إشباعاً للكلام وتمكيناً. ١٣٤٠ - [٨] (ابن عمر) قوله: (يصلي في السفر على راحلته) الحديث يدل على حكمين، أحدهما: أن جواز الصلاة على الدابة مخصوص بالنوافل، وأرادوا بها ما يشمل الرواتب وغيرها وكذا التهجد، وهذا الحديث خص بذكر صلاة الليل، ووردت أحاديث أخر عامة، وعن أبي حنيفة أنه ينبغي أن ينزل لسنة الفجر لأنها آكد من سائرها، وفي رواية: يجب النزول لها، ولهذا لم يجز أن يصليها قاعداً بلا عذر، وأما الفرائض فلا يصليها على الدابة بلا عذر، ومن الأعذار أن يكون في بادية يخاف الهلاك على نفسه وماله عن السبع واللص بغالب الظن، أو بعد القافلة أو ضلال الطريق، أو تكون الدابة جموحاً لا يتيسَّر ركوبه بعد النزول، أو يكون المصلي شيخاً كبيراً ضعيفاً لا يمكن له الركوب، ولا يجد من يعينه ويحمله على الدابة، أو يكون هناك طين لا يمكن الصلاة عليه. ويجوز بعذر المطر ونحوه أيضاً؛ لأن الضرورات مستثناة من قواعد الشرع كذا في شروح (الهداية). وقال في (سفر السعادة)(٢): إنه جاء في حديث مستقيم الإسناد: انتهى النبي ◌َّل إلى مضيق هو وأصحابه وهو على راحلته، والسماء من فوقهم، والبلة من أسفل منهم، فحضرت الصلاة فأمر المؤذن فأذن فأقام، ثم تقدم رسول الله وَلهم على راحلته فصلى بهم يومئ إيماء، فجعل السجود أخفض. وأما الوتر فقد دل هذا الحديث على جوازه على الراحلة، وأورد محمد في (١) ((شرح الطيبي)) (٣/ ١٩٣). (٢) ((سفر السعادة)) (ص: ١٣٠). ٤٥٧ (٤) كتاب الصلاة (موطئه) آثاراً كثيرة عن ابن عمر ﴾ وغيره من الصحابة والتابعين أنهم كانوا ينزلون للوتر، وأورد عن مجاهد قال: صحبت ابن عمر ﴾ من مكة إلى المدينة، فكان يصلي الصلوات كلها على راحلته متوجهاً إلى جهة المدينة ويومئ بركوع وسجود، وجعل سجوده أخفض إلا الفرائض والوتر، فإنه كان ينزل لهما، فسألته عن ذلك فقال: كان رسول الله ټ يفعل كذلك. وقال الشُّمُنِّي: ولا يجوز صلاة الجنازة والمنذور وسجدة التلاوة التي قرأها على الأرض. وثانيهما: أن الصلاة على الدابة يشرط لها السفر، وعليه الجمهور، وهو رواية عن أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله؛ لأن جوازها إنما هو للضرورة لئلا تنقطع القافلة، والنافلة مخصوصة بحالة السفر، والصحيح من مذهب أبي حنيفة رحمه الله أن الشرط كون المصلي خارج المصر سواء كان مسافراً أو غير مسافر لتحقق بعض الضرورات فيه أيضاً من غير سفر، ونحن نقول: الأحاديث الواردة في الباب بعضها مطلق، وبعضها مقيد بالسفر، فإن لم يحمل المطلق على المقيد كما هو المذهب عندنا سقط قيد السفر، وإن حمل ببعض القرائن والدلائل مثلاً لزم التقييد بالسفر، ويكون التجويز خارج المصر بالقياس أو دلالة النص، ولعل ورود الروايتين، وأصحية رواية الإطلاق تنشأ من هذه النكتة، ثم المسافر إن كان داخل المصر لم يجز له التنفل على الدابة عند أبي حنيفة، وقال محمد: يجوز ويكره، وقال أبو يوسف: لا بأس به؛ لأنه روي أنه وَّ﴿ ركب الحمار في المدينة يعود سعدَ بْنَ عبادة، وكان يصلي وهو راكب، كذا في شرح (الهداية)(١) . (١) انظر: ((فتح القدير)) (١ / ٤٦٣). ٤٥٨ (٤١) باب صلاة السفر تَوَجَّهَتْ بِهِ يُومِئُ إِيمَاءً صَلاَةَ اللَّيْلِ إِلاَّ الْفَرَائِضَ، وَيُوتِرُ عَلَى رَاحِلَتِهِ(١). مُتَفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٠٩٦، م: ٧٠٠]. ثم اختلفوا في مقدار بعد المسافة خارج المصر حتى يجوز له، فقيل: فرسخان أو ثلاثة فراسخ، وعند البعض يكفي مقدار ميل، والصحيح أنه يجوز بعد مفارقة بيوت البلد كما في جواز القصر. وقوله: (حيث توجهت) لكنه يتوجه إلى القبلة عند تكبيرة الإحرام كما يأتي في حديث أنس وهو المذهب. وقوله: (يومئ) بالهمزة ذكره صاحب (القاموس): ومأ في (باب الهمزة) وكذا أومأ بالهمزة، نعم قد يخفف فتبدل ألفاً في الماضي وياء في المضارع كما في بعض النسخ، والله أعلم. وقاس أئمة الشافعية الماشي على الراكب فجوّزوا له أن يحرم بالصلاة للقبلة، ثم يتحول لقصده ويمشي، ثم ينحرف ويركع للقبلة، ثم يمشي لقصده، ثم ينحرف ويسجد، ثم يجلس، ثم يسجد للقبلة، ثم يمشي لجهة مقصده، وهكذا حتی یتشهد ويسلم ماشياً إلى جهة مقصده، كذا في شرح الشيخ، وفي (الهداية)(٢): وإن افتتح راكباً ثم نزل يبني، وإن صلى ركعة نازلاً ثم ركب استقبل، وعن أبي يوسف يستقبل (١) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْوِتْرِ، قَالَ الطَّيِيُّ: إِنَّمَا يَتَمَشَّى إِذَا اتَّحَدَ مَعْنَى الْفَرْضِ وَالْوَاجِبٍ، وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: وَالْوَجْهُ عِنْدَنَ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَسُولُ الهِ﴿ كَانَ يُوتِرُ عَلَى رَاحِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُحكَمَ الْوِتْرُ، وَيُؤَكَّدَ، ثُمَّ أُكِّدَ مِنْ بَعْدُ وَلَمْ يُرَخَّصْ فِي تَرْكِهِ، وَقَالَ: ثَبَتَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ وَيُوتِرُ بِالأَرْضِ، وَيَزْعُمُ أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّ كَذَلِكَ كَانَ يَفْعَلُ. ((مرقاة المفاتيح)) (١٠٠٢/٣). (٢) ((الهداية)) (١ / ٧٠). ٤٥٩ (٤) كتاب الصلاة ، الْفَصْلُ الثَّانِي: ٥ - ٥ ١٣٤١ - [٩] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُلَّ ذَلِكَ قَدْ فَعَلَ رَسُولُ اللهِّهِ: قَصَرَ الصَّلاَةَ وَأَتَمَّ. رَوَاهُ فِي ((شَرْحِ السُّنَّةِ». [١ / ٢٤٥]. ١٣٤٢ - [١٠] وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ ◌َِه وَشَهِدْتُ مَعَهُ الْقَتْحَ، فَأَقَامَ بِمَكَّةَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ لَيْلَةً لَا يُصَلِّي إِلَّ رَكْعَتَيْنِ، يَقُولُ: ((يَا أَهْلَ الْبَلَدِ صَلَّوا أَرْبَعاً فَإِنَّا سَفْرٌ)). رَوَاهُ أَبُوْ دَاوُدَ. [د: ١٢٢٩]. إذا نزل أيضاً، وكذا عند محمد إذا نزل بعد ما صلى ركعة، والأصح هو [الأول وهو] الظاهر. الفصل الثاني ١٣٤١ - [٩] (عائشة) قوله: (كل ذلك) بالنصب مفعول (فعل)، وبالرفع على أنه مبتدأ بحذف العائد، و(ذلك) إشارة إلى مبهم يفسره قوله: (قصر الصلاة) أي في السفر تارة (وأتم) فيه أخرى، وهو مذهب الشافعي رحمه الله ومن معه. وعندنا يجب القصر، وقال صاحب (سفر السعادة)(١): لم يثبت أنه نَّه صلى الرباعية في سفر تماماً، والحديث المروي عن أم المؤمنين عائشة : أن النبي وَلّ كان يقصر في السفر ويتم، ويفطر ويصوم لم يصح، انتهى. وقد ادعى الدارقطني صحتها، وأورد حديثاً آخر عن ابن عمر خطئه وحكم بحسنه، والله أعلم، وقد سبق الكلام فيه مفصلاً في شرح الترجمة . ١٣٤٢ - [١٠] (عمران بن حصين) قوله: (فإنا سفر) بفتح السين وسكون الفاء جمع سافر کصحب ورکب، والسافر لا يستعمل هو ولا فعله کذا قيل، وفي شرح (جامع (١) ((سفر السعادة)) (ص: ١٢٨). ٤٦٠ (٤١) باب صلاة السفر ١٣٤٣ - [١١] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ وَِّ الظُّهْرَ فِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنٍ، وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ◌َ﴿ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، فَصَلَّيْتُ مَعَهُ فِي الْحَضَرِ الظُّهْرَ أَرْبَعاً، وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنٍ، وَصَلَّيْتُ مَعَهُ فِي السَّفَرِ الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنٍ، وَالْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ، وَلَمْ يُصَلِّ بَعْدَهَا شَيْئاً، وَالْمَغْرِبَ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ سَوَاءٌ ثَلاَثَ رَكَعَاتٍ، وَلاَ يَنْقُصُ فِي حَضَرٍ وَلاَ سَفَرٍ، وَهِيَ وِتْرُ النَّهَارِ، وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٥٥٢]. الأصول): جمع سافر، يقال: سفرتُ السفَرَ سُفوراً فأنا سافر إذا خرجتَ إلى السفر، والقوم سَفْر كراكب ورَكْب، ودل الحديث على أن المقيم إذا اقتدى بالمسافر يصلي أربعاً ولا يتبعه، وأما المسافر إذا اقتدى بالمقيم فإنه يتبعه ويصلي أربعاً. ١٣٤٣ - [١١] (ابن عمر) قوله: (وبعدها ركعتين) الحديث دل على الإتيان بالراتبة في السفر وعدم تخصيصه بسنة الفجر، وقد أشبعنا الكلام في ذلك في (شرح سفر السعادة)(١) . وقوله: (سواء) بالنصب حال، أي: مستوية في الحالتين. وقوله: (ثلاث ركعات) بیان له أو بدل عنه. وقوله: (وهي وتر النهار) الظاهر أنه بيان حكم آخر إشارة إلى أن الوتر ثابت بالليل والنهار بحكم إن الله وتر يحب الوتر، وجعله الطيبي (٢) جملة حالية كالتعليل لعدم جواز النقصان لئلا يكون شفعاً بإسقاط ركعة أو يبقى ركعة بإسقاط ركعتين وهي في الوتر (١) انظر: ((شرح سفر السعادة)) (ص: ٢٣٤). (٢) انظر: ((شرح الطيبي)) (١٩٤/٣).