Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٨١ (٤) كتاب الصلاة فَالْوُضُوءُ حَدِّثْنِي عَنْهُ، قَالَ: ((مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ يُقَرِّبُ وَضُوءَهُ فَيُمَضْمِضُ وَيَسْتَنْشِقُ فَتْكِّرُ إِلَّ خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ وَفِيهِ وَخَيَاشِيمِهِ، ثُمَّإِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ كَمَا أَمَرَهُ اللهُ إِلَّ خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ مِنْ أَطْرَافِ لِحْيَتِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ إِلَّ خَرَّتْ خَطَايَا يَدَيْهِ مِنْ أَنَامِلِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَمْسَحُ رَأْسَهُ إِلاَّ خَرَّتْ خَطَايَا رَأْسِهِ مِنْ أَطْرَافِ شَعْرِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ إِلَّ خَرَّتْ خَطَايَا رِجْلَيِهِ مِنْ أَنَامِلِهِ مَعَ الْمَاءِ، وأراد أن الشمس إذا استوت قارنها الشيطان فكأن سَجْر جهنم حينئذ لمقارنته وتھیئه لسجود عُبَّاده، وقال الخطابي: (تُسْجر جهنم)، (بين قرني الشيطان) من الألفاظ الشرعية، يتفرد الشارع بمعانيها ويجب علينا التصديق بها . وقوله: (فالوضوء) بالنصب والرفع. وقوله: (يقرب) بالتشديد، (وضوءه) بالفتح، أي: يحضر ماء يتوضأ به، ففيه من المشقة ما ليس لمن لم يزاول مشقة في إحضار الماء. وقوله: (فينتثر) أي: يجذب الماء بخياشيمه، ثم يدفعه. وقوله: (إلا خرت) أي: سقطت، وأصل الخرور: السقوط من علو، ويروى جرت بالجيم، أي: جرت مع ماء الوضوء، كذا في (النهاية) (١). (خطايا وجهه) أي: باطن وجهه . وقوله: (وفيه) أي: فمه بالمضمضة. وقوله: (وخياشيمه) في الاستنشاق عطف تفسير وبيان لذلك، ويسقط بغسل (١) ((النهاية)) (٢ / ٢١). ١٨٢ (٢٢) باب أوقات النهي فَإِنْ هُوَ قَامَ فَصَلَّى فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَمَجَّدَهُ بِالَّذِي هُوَ لَهُ أَهْلٌ، وَفَرَّغَ قَلْبَهُ لِلَّهِ إِلَّ انْصَرَفَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَهَيْتَتِهِ يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٠١٨٣٢ ١٠٤٣ - [٥] وَعَنْ كُرَيْبٍ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاس وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَزْهَرَ أَرْسَلُوهُ إِلَى عَائِشَةَ، فَقَالُوا: اقْرَأْ عَلَيْهَا السَّلاَمُ وَسَلْهَا عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ، قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَبَلَّغْتُهَا مَا أَرْسَلُونِي، فَقَالَتْ: سَلْ أُمَ سَلَمَةَ، فَخَرَجْتُ إِلَيْهِمْ، فَرَدُونِي إِلَى أُمَّ سَلَمَةَ، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌َّهِ يَنْهَى عَنْهُمَا، ثُمَّ رَأَيْتُهُ يُصَلِّيهِمَا، . الوجه خطايا ظاهر الوجه . وقوله: (فإن هو قام) من قبيل ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ ﴾ [التوبة: ٦]، وجواب الشرط محذوف، وهو: لم ينصرف، وهو المستثنى منه لقوله: إلا انصرف. وقوله: (كهيئته ... إلخ) بغفران الذنوب الظاهرة والباطنة، الظاهرة بالوضوء، والباطنة بالصلاة . ١٠٤٣ - [٥] قوله: (كريب) على لفظ التصغير، (والمسور) بكسر الميم وسكون المهملة وفتح الواو، و(مخرمة) بفتح الميم وسكون المعجمة وفتح الراء. وقوله: (اقرأ) بكسر الهمزة وفتح الراء، ولو قال مثلاً: أقرئها منا السلام لكان بفتح الهمزة وكسر الراء، وقد بيناه في موضع آخر . وقوله: (وسلها عن الركعتين بعد العصر) وزاد في رواية: وقل لها: إنا أخبرنا أنك تصليهما، وقد بلغنا أن النبي وسلم نهى عنهما، وقال ابن عباس: وقد كنت أضرب الناس مع عمر خالها. ١٨٣ (٤) كتاب الصلاة ثُمَّ دَخَلَ، فَأَرْسَلْتُ إِلَيْهِ الْجَارِيَةَ، فَقُلْتُ: قُولِي لَهُ: تَقُولُ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا رَسُولَ اللهِ! سَمِعْتُكَ تَنْهَى عَنْ هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ وَأَرَاكَ تُصَلِّيهِمَا؟ قَالَ: (يَا ابْنَ أَبِي أُمَّةَ سَأَلْتِ عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ، وَإِنَّهُ أَثَانِي نَاسٌ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ، فَشَغَلُونِي عَنِ الرَّكْعَيْنِ اللََّيْنِ بَعْدَ الُّهْرِ، فَهُمَا هَاتَانٍ). مُتَفَقٌّ عَلَيْهِ. [خ: ١٢٣٣، ٤٣٧٠، م: ٨٣٤]. وقوله: (ثم دخل) من تتمة كلام أم سلمة، أي: دخل النبي ◌ّ الدار من المسجد، وقد رأيته مصلّياً لهما في المسجد، أو دخل من صُفَّة الدار البيت، وهذا هو الأظهر. وقوله: (فشغلوني) فيه أن التعليم والإبلاغ مقدم على النوافل حتى من سنن الرواتب خصوصاً من النبي ◌َّر؛ لأنه إنما بعث لذلك وأن السنن الرواتب تقضى في وقت آخر. فإن قلت: هذا إنما يدل على صلاته ◌َّ* الركعتين بعد العصر مرة أو مرتين لشغل عبد القيس عن الركعتين بعد الظهر، وما نفعل بأحاديث جاءت عن عائشة رضي في (صحيح البخاري) تدل على مواظبته ﴿ على ذلك من قولها: والذي ذهب به ما تركهما حتى لقي الله، تعني: الركعتين بعد العصر، وقولها في الرواية الأخرى: ما ترك السجدتين بعد العصر عندي قط، وفي رواية أخرى: لم يكن يدعهما سرًّا ولا علانية، وفي الأخرى: ما كان يأتيني في يوم بعد العصر إلا صلى ركعتين، وقد تمسك بهذه الروايات من أجاز التنفل بعد العصر مطلقاً ما لم يقصد الصلاة عند غروب الشمس. فالجواب عنه كما ذكر في (فتح الباري)(١): أن المواظبة على ذلك من (١) «فتح الباري)) (٢/ ٦٤ - ٦٥). ١٨٤ (٢٢) باب أوقات النهي خصائصه أي ◌ّي، والدليل عليه رواية ذكوان مولى عائشة ◌َّ أنها حدثته أنه يوليو كان يصلي بعد العصر وينهى عنها، ويواصل وينهى عن الوصال، رواه أبو داود، ورواية أبي سلمة عن عائشة 88 في نحو هذه القصة، وفي آخره: وكان إذا صلى صلاة أثبتها، رواه مسلم، قال البيهقي: الذي اختص به ◌َّار المداومة على ذلك لا أصل القضاء، ثم إنه قد روى الترمذي من حديث ابن عباس ﴾ قال: صلى ◌َ﴿ الركعتين بعد العصر؛ لأنه أتاه مال فشغله عن الركعتين بعد الظهر فصلاهما بعد العصر، ثم لم يعدهما، وقال: حديث حسن . وقال الشيخ: هو من رواية جرير عن عطاء بن السائب، وقد سمع منه بعد اختلاطه، وإن صح فهو شاهد لحديث أم سلمة، لكن ظاهر قوله: (ثم لم يعدهما) معارض لحديث عائشة بالروايات المتعددة، فيحمل على عدم علم الراوي، فإنه لم يطلع على ذلك، والمثبت مقدم على النافي، وكذا ما رواه النسائي من طريق أبي سلمة عن أم سلمة أن رسول الله وسلم صلّى في بيتها بعد العصر ركعتين مرة واحدة ... الحديث. وفي رواية له عنها: لم أره يصليهما قبل ولا بعد، فيجمع بين الحديثين بأنه وَّ لم يكن ليصليهما إلا في بيته، فلذلك لم يره ابن عباس عَيْئًا ولا أم سلمة، ويشير إلى ذلك قول عائشة يلًا على ما رواه البخاري: كان لا يصليهما في المسجد مخافة أن يثقل على أمته، وكان يحب ما يخفف عنهم، وبهذا يحصل الجواب عما زاد البيهقي عن أبي نعيم شيخ البخاري: فقيل لها: إن عمر ظه كان ينهى عنهما ويضرب عليهما، فقالت: صدقت، ولكن كان النبي ◌ّ يصليهما ولا يصليهما في المسجد. وروی عبد الرزاق من حدیث زید بن خالد سبب ضرب عمر الناس علی ذلك، فقال عن زيد بن خالد: إن عمر ته رآه، وهو خليفة يركع بعد العصر فضربه، فذكر ١٨٥ (٤) كتاب الصلاة الحديث، وفيه: يا زيد! لولا أني أخشى أن يتخذهما الناس سُلّما إلى الصلاة حتى الليل لم أضرب فيهما، فلعل عمر ظه كان يرى أن النهي عن الصلاة بعد العصر إنما هو لخشية إيقاع الصلاة عند غروب الشمس، وإليه ذهب ابن المنذر وغيره. وقد جاء في رواية أخرى: ولكني أخاف أن يأتي بعدكم قوم يصلون ما بين العصر إلى الغروب، حتى يمروا بالساعة التي نهى رسول الله ير أن يصلي فيها، وهذا أيضاً يدل على ما قلنا، كذا في (فتح الباري)(١) . ثم اعلم أنه قد اختلف أهل العلم فقال بعضهم: لا تكره الصلاة بعد الصبح ولا بعد العصر، إلا لمن قصد بصلاته طلوع الشمس وغروبه، وإليه جنح بعض أهل الظاهر، وإليه يشير ظاهر حديث ابن عمر ظه في (صحيح البخاري)(٢): (لا تحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها)، وإليه ذهب ابن المنذر وغيره، ومنهم من جعله نهياً مستقلاً، وكره الصلاة في تلك الأوقات سواء قصد لهما أم لا، وهو قول الجمهور، وفرق بعضهم فقال: يكره بعد الصبح والعصر، ويحرم عند الطلوع والغروب، وممن قال بذلك محمد بن سيرين ومحمد بن جرير، وهو ظاهر مذهبنا، واحتج بما ثبت عنه ◌َّله أنه صلى بعد العصر، فدل على أنه لا يحرم، ويحمل فعله على بيان الجواز، وروي عن ابن عمر تحريم الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، وإباحتها بعد العصر حتی تصفر، وبه قال ابن حزم، واحتج بحديث رواه أبو داود بإسناد صحيح أنه ێے نھی عن الصلاة بعد العصر إلا والشمس مرتفعة. والمشهور إطلاق الكراهة في الجميع (١) «فتح الباري)) (٢/ ٦٥). (٢) ((صحيح البخاري)) (٥٨٣). ١٨٦ (٢٢) باب أوقات النهي الْفَصْلُ الثَّانِي: * ١٠٤٤ - [٦] عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ قَيْسِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: رَأَى النَّبِيُّ ◌َّهِ رَجُلاً يُصَلِّي بَعْدَ صَلاَةِ الصُّبْحِ رَكْعَتَيْنٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ◌َّهِ: (صَلَةُ الصُّنْحِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ) فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنِّي لَمْ أَكُنْ صَلَّْتُ الزَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا فَصَلَّيْتُهُمَا الآنَ. فقيل: هي كراهة تحريم، وقيل: كراهة تنزيه كذا في (فتح الباري)(١). وفي (فتح القدير)(٢): المراد كراهة التحريم لما عرف من أن النهي الظني الثبوت غير المصروف عن مقتضاه يفيد كراهة التحريم، وإن كان قطعيًّا أفاد التحريم، فالتحريم في مقابلة الفرض في الرتبة، وكراهة التحريم في رتبة الواجب، والتنزيه برتبة المندوب، والنهي الوارد ههنا من الأول، فكان الثابت به كراهة التحريم. الفصل الثاني ١٠٤٤ - [٦] (محمد بن إبراهيم) قوله: (صلاة الصبح) بالنصب تقديره: أتصلي صلاة الصبح ركعتين، وتصلي بعدها ركعتين، وليس بعدها صلاة؟ والاستفهام للإنكار، وركعتين الثاني تأكيد، كذا قال الطيبي(٣)، وكذا في شرح الشيخ، وليس في بعض النسخ: (ركعتين) مكرراً، وعلى تقدير وجوده يجوز أن يكون المعنى: أتصلي صلاة الصبح هكذا ركعتين ركعتين؟ أي: ركعتين من الفرض، وتصلي بعدها ركعتين من غيره، وعلى تقرير عدمه يكون التقدير: فرض الله صلاة الصبح ركعتين لا أكثر، والله أعلم. (١) ((فتح الباري)) (٢/ ٦٣). (٢) ((فتح القدير)) (١ / ٢٣١). (٣) ((شرح الطيبي)) (١٩/٣). ١٨٧ (٤) كتاب الصلاة فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِنَّهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ نَحْوَهُ، وَقَالَ: إِسْنَاهُ هَذَا الْحَدِيثِ لَيْسَ بِمُتَّصِلٍ؛ . وقوله: (فسكت رسول الله (وَل18) ففيه تقريره على ذلك، وذلك مذهب الشافعي ومحمد رحمهما الله، وعند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله: لا قضاء لسنة الفجر بعد الفوت لا قبل طلوع الشمس ولا بعدها؛ لأنه يبقى نفلاً مطلقاً؛ لأن السنة ما أداها رسول الله وَير، ولم يثبت أنه أداهما في غير الوقت على الانفراد، وإنما قضاهما تبعاً للفرض في ليلة التعريس، والنفل المطلق لا يقضى بعد الصبح ولا بعد ارتفاعها، وقال محمد: أحب إلي أن يقضيهما إلى وقت الزوال؛ لأنه ◌َ﴿ قضاهما بعد ارتفاع الشمس غداة ليلة التعريس، ولهما أن الأصل في السنة أن لا يقضى لاختصاص القضاء بالواجب، والحديث ورد في قضائها تبعاً للفرض، فبقي ما وراءه على الأصل، وإنما يقضى تبعاً وهو يصلي بالجماعة أو وحده إلى وقت الزوال، وفيما بعده اختلاف المشايخ، وأما سائر السنن سواها فلا يقضى بعد الوقت وحدها، واختلف المشايخ في قضائها تبعاً للرفض، كذا في (الهداية)(١). وقال الترمذي: قد قال قوم من أهل مكة بحديث قيس، ولم يروا بأساً أن يصلي الرجل ركعتين بعد المكتوبة قبل أن تطلع الشمس، وأورد حديثاً آخر عن أبي هريرة في إعادتها بعد طلوع الشمس قال: قال رسول الله وَلي: (من لم يصل ركعتي الفجر فليصلها بعد ما تطلع الشمس)، وقال: هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وقد روي عن ابن عمر ◌ً أنه فعله، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق رحمهم الله . (١) ((الهداية)) (١ / ٧٢). ١٨٨ (٢٢) باب أوقات النهي لِأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ قَيْسِ بْنِ عَمْرٍو. وَفِي ((شَرْحِ السُّنَّةِ) وَنُسَخِ ((الْمَصَابِيحِ)) عَنْ قَيْسِ بْنِ قَهْدٍ نَحْوَهُ. [د: ١٢٦٧، وقوله: (لأن محمد بن إبراهيم لم يسمع من قيس بن عمرو) ليس في (جامع الترمذي) ابن عمرو بل أطلق قيساً، وهو يشمل قيس بن عمرو وقيس بن قهد على اختلاف فيه، ثم إن محمد بن إبراهيم بن الحارث وثقه ابن معين والجمهور، وذكره العقيلي في (الضعفاء)، روي عن عبدالله بن أحمد بن حنبل أنه قال: سمعت أبي: في حديثه شيء يروي مناكير، قلت: المنكر أطلقه محمد وأحمد بن حنبل وجماعة على الفرد الذي لا متابع له، فيحمل ههنا على ذلك، وقد احتج بمحمد الجماعة، كذا قال الشيخ في مقدمة (فتح الباري)(١) . وقال في (التقريب)(٢): محمد بن إبراهيم بن الحارث بن خالد التيمي، أبو عبدالله المدني، ثقة، له أفراد، من الرابعة، عن قيس بن قهد بفتح القاف وسكون الهاء وبالدال المهملة، هكذا ضبط في (جامع الأصول) و(النهاية) و(الإكمال) و(التقريب) و(الإصابة)(٣) وغيرها، ونقل في (التهذيب) (٤) أن رواية أكثر المحدثين قيس بن عمرو، وذكر الترمذي: هو قيس بن عمرو، ويقال: ابن قهد، والأول هو الصحيح عند الحفاظ، وذكروا له حديث الركعتين بعد الصبح، وهو حديث ضعيف، وقالوا: قيس بن عمرو جد يحيى بن سعيد الأنصاري، وقال ابن ماكولا: قيس بن قهد صحابي شهد بدراً (١) ((فتح الباري)) (١ / ٤٣٧). (٢) ((تقريب التهذيب)) (٤٦٥). (٣) ((جامع الأصول)) (١٢ / ٧٩١)، و((الإكمال)) (٧/ ٦٠)، و((تقريب التهذيب)» (٤٥٧)، و ((الإصابة» (٥/ ٣٧٢). (٤) ((تهذيب التهذيب)) (٨ / ٤٠١). ١٨٩ (٤) كتاب الصلاة ١٠٤٥ - [٧] وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ﴿ قَالَ: ((يَا يَنِي عَبْدٍ مَنَافٍ! لاَ تَمْنَعُوا أَحَداً طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ وَصَلَّى أَيَّةَ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلِ أَوْ نَهَارِ)). رَوَاهُ التِّرْ مِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [ت: ٨٦٨، د: ١٨٩٤، ن: ٥٨٥]. وما بعدها، توفي في خلافة عثمان ظه، وأما المزني قال فيه: قيس ولم ينسبه للاختلاف، انتھی . وذکر في (التقریب)(١): قیس بن عمرو بن سهل الأنصاري جد یحیی بن سعيد، صحابي من أهل المدينة، ولم يذكر قيس بن قهد، وكذا في (الكاشف) للذهبي، ذكر قیس بن عمرو ولم یذکر قیس بن قهد. وقال في (جامع الأصول)(٢): قيس بن عمرو بن سهل بن ثعلبة بن الحارث الأنصاري المدني، وهو جد یحیی بن سعيد وعبد ربه، وقيل: إن جد يحيى وإخوته قيس بن فهد، وقيل: إن قيس بن عمرو وقيس بن قهد كلاهما من بني النجار، وقیس هذا هو الذي روى عن محمد بن إبراهيم التيمي حديث ركعتي الفجر، وفي إسناده مقال، قيل: إنه ليس بمتصل، والله أعلم. ١٠٤٥ - [٧] (جبير بن مطعم) قوله: (يا بني عبد مناف) وفي رواية: يا بني عبد المطلب. وقوله: (لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء) ظاهره أنه يجوز فيه الصلاة بعد الطواف، فيختص بركعتي الطواف، وعند الشافعي رحمه الله تجوز (١) ((تقريب التهذيب)) (٤٥٧). (٢) ((جامع الأصول)) (١٢ / ٧٩١). ١٩٠ (٢٢) باب أوقات النهي ١٠٤٦ - [٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيِّ بَهُ نَهَى عَنِ الصَّلاَةِ نِصْفَ النَّهَارِ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ إِلَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ. [مسند الشافعي: ١/ ٦٣]. الصلاة ولو من غير طواف، قال الطيبي(١): التقييد بالطواف ليس بقيد مانع، بل (أحداً طاف) بمنزلة: أحداً دخل المسجد الحرام؛ لأن كل من دخله فهو يطوف بالبيت غالباً، وعند أحمد جاز بمكة ركعتا الطواف خاصة في الأوقات كلها لهذا الحديث، ولأن الطواف جائز في كل وقت مع كونه صلاة كما ورد، فكذا ركعتاه لأنهما تبع له، وعند أبي حنيفة رحمه الله حكم مكة حكم سائر البلاد في الحرمة وفي الكراهة، لعموم حديث النهي، وقيل: إنه ناسخ لما سواه، ولأن المحرم راجح. ١٠٤٦ - [٨] (أبو هريرة) قوله: (إلا يوم الجمعة) وهذا أيضاً مذهب الشافعي رحمه الله، وقد سبق دلیله، وقد روى أبو داود وابن عدي عن أبي قتادة حديثاً في استثناء يوم الجمعة، ولكن قال أبو داود: وأبو الخليل راوي الحديث عن أبي قتادة ظُه لم يلق أبا قتادة، وإسناد ابن عدي أيضاً ضعيف، نعم رواه الشافعي رحمه الله والبيهقي عن أبي هريرة ، ولكن الأحاديث الواردة في إطلاق النهي مشاهير لا تصلح لمعارضتها هذه الروايات، مع أن المحرم راجح على المبيح عند التعارض، وقال الشيخ ابن الهمام(٢): الاستثناء عندنا تكلم بالباقي فيكون حاصل النهي مقيداً بغير الجمعة، ويكون حكم الجمعة مسكوتاً عنه، فيقدم حديث عقبة عليه، وهو محرم، والله أعلم. (١) ((شرح الطيبي)) (٣/ ٢١). (٢) ((فتح القدير)) (١ / ٢٣٥). ١٩١ (٤) كتاب الصلاة ١٠٤٧ - [٩] وَعَنْ أَبِي الْخَلِيلِ عَنْ أَبِي قَتَادَةً قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ كَرِهَ الصَّلاَةَ نِصْفَ النَّهَارِ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ إِلَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَقَالَ: «إِنَّ جَهَنَّمَ تُسَجَّرُ إِلَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَقَالَ: أَبُو الْخَلِيلِ لَمْ يَلْقَ أَبَّا قَتَادَةَ. [د: ١٠٨٣]. * الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ١٠٤٨ - [١٠] عَنْ عَبْدِ اللهِ الصُّنَابِحِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((إِنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ وَمَعَهَا قَرْنُ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا ارْتَفَعَتْ فَارَقَهَا، ثُمَّ إِذَا اسْتَوَتْ قَارَتَهَا، فَإِذا زَالَتِ فَارِقِهَا، فَإِذَا دَنَتْ لِلْغُرُوبِ قَارَتَهَا، فَإِذَا غَرَبَتْ فَارَقَهَا)). وَنَهَى رَسُولُ اللهِنَّهِ عَنِ الصَّلاَةِ فِي تِلْكَ السَّاعَاتِ. رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ. [ط: ٧٤١، حم: ٤ / ٣٤٨، ن: ٥٥٩]. ١٠٤٧ - [٩] (أبو الخليل) قوله: (وقال: أبو الخليل لم يلق أبا قتادة) كما ذكرنا، وفي شرح الشيخ: لكنه اعتضد لمجيئه من طريق آخر موصولاً(١). الفصل الثالث ١٠٤٨ - [١٠] (عبدالله الصنابحي) قوله: (الصنابحي) بضم الصاد المهملة والنون المخففة وبالباء الموحدة المكسورة والحاء المهملة منسوب إلى صنابح بطن من مراد. وقوله: (رواه مالك) ولكنه لم يقل بحرمة الصلاة في وقت الاستواء لما ذكرنا. وقوله: (معها قرن الشيطان) كأن المراد الجنس فلا ينافي تثنيته . (١) قال القاري: هذا غَيْرُ مَعْقُولٍ مِنْ غَيْرِ بَيَانِ أَنَّهُ مِنْ أَيِّ طَرِيقٍ مَوْصُولٍ. ((مرقاة المفاتيح)) (٢/ ٨٢٨). ١٩٢ (٢٢) باب أوقات النهي ١٠٤٩ - [١١] وَعَنْ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ وَه بِالْمُخَمَّصِ صَلاَةَ الْعَصْرِ، فَقَالَ: ((إِنَّ هَذِهِ صَلَةٌ عُرِضَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَضَيَّعُوهَا، فَمَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا كَانَ لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ، وَلاَ صَلاَةَ بَعْدَهَا حَتَّى يَطْلُعَ الشَّاهِدُ)). وَالشَّاهِدُ: النَّجْمُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌّ. [م: ٨٣٠]. ١٠٥٠ - [١٢] وَعَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: إِنَّكُمْ لَتُصَلُّونَ صَلَةً، لَقَدْ صَحِبْنَاَ رَسُولَ اللهِوَِّ فَمَا رَأَيْنَاهُ يُصَلِّيهِمَا، وَلَقَدْ نَهَى عَنْهُمَا يَعْنِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْر. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥٨٧]. ١٠٤٩ - [١١] قوله: (وعن أبي بصرة الغفاري) بفتح الموحدة وسكون المهملة . وقوله: (بالمخمص) بميم مضمومة وخاء معجمة [مفتوحة]، ثم ميم مفتوحة مشددة: اسم موضع. وقوله: (كان له أجره مرتين) ثانيهما المحافظة عليها على خلاف الذين ضيعوها . وقوله: (والشاهد النجم) لشهوده وحضوره بالليل أو لشهادته بوجوده. ١٠٥٠ - [١٢] (معاوية) قوله: (فما رأيناه يصليهما) لكونه يصليهما في بيته، ولقد نهى عنهما، وتأويله ما ذكرنا في نهي عمر ظه وضربه عليهما(١). (١) قَالَ الطَّحَاوِيُّ: فَقَدْ جَاءَتِ الآثَارُ عَنْ رَسُولِ اللهِلَّهِ مُتَوَاتِرَةً بِالنَّهْىِ عَنِ الصَّلاَةِ بَعْدَ الْعَصْرِ، ثُمَّ عَمِلَ بِذَلِكَ أَصْحَابُهُ مِنْ بَعْدِهِ، فَلاَ يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُخَالِفَ ذَلِكَ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَضْرِبُ فِي الصَّلاَةِ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى يَنْصَرِفَ مِنْ صِلَِّهِ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَكَانَ ضَرْبُهُ بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، فَكَانَ إِجْمَاعاً عَلَى أَنَّ الْمُتَقَرِّرَ بَعْدَهُ عَلَ عَدَمُ جَوَازِهِمَا، ثُمَّ قَالَ : = ١٩٣ (٤) كتاب الصلاة ١٠٥١ - [١٣] وَعَنْ أَبِى ذَرِّ قَالَ - وَقَدْ صَعِدَ عَلَى دَرَجَةِ الْكَعْبَةِ -: مَنْ عَرَفَتِي فَقَدْ عَرَفَنِي، وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْنِي فَأَنَا جُنْدُبُّ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِّل يَقُولُ: ((لاَ صَلاَةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَلاَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ إِلاَّ بِمَكَّةَ إِلاَّ بِمَكَّةَ إِلاَّ بِمَكَّةَ». ١٠٥١ - [١٣] (أبو ذر) قوله: (على درجة الكعبة) هي الآن خشب فیه درج علی هيئة المنبر، موضوع على سمت باب الكعبة على جنب زمزم، فإذا أريد إدخال الناس الكعبة يجر ويلصق ببابه فيصدر عليها ويدخل، ثم جيء به في محله، فيحتمل أن يكون في ذلك الزمان كذلك، ويحتمل أن يكون بكيفية أخرى(١)، كذا في شرح الشيخ. وقوله: (من عرفني فقد عرفني) أي: بصدق اللهجة والتحري التام في القول كما قال رسول الله وَله: (ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على أصدق لهجة من أبي ذر)، والشرط والجزاء وإن اتحدا لفظاً لكنهما اختلفا معنى على طريقة قوله: أنا أبو النجم وشعري شعري أي: المعروف بالفصاحة والبلاغة. وقوله: (ومن لم يعرفني) جزاؤه محذوف، أي: فليعرفني حتى تطمئن نفسه بصدق ما أنقل عن رسول الله وَله. وقوله: (وأنا جندب) بضم الدال وفتحها اسم أبي ذر ◌ُ. وقوله: (إلا بمكة) مكرر ثلاثاً، وليس في بعض النسخ إلا اثنين، وبه تقوية - وَالْعُذْرُ أَنَّ هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ مِنْ خُصُوصِيَّاتِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ أَصْلَهُمَا أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلَامُ فَعَلَّهُمَا جَبْراً لِمَا فَاتَهُ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ، أَوْ قَبْلَ الْعَصْرِ حِينَ شُغِلَ عَنْهُمَا، وَكَانَ عَ* إِذَا عَمِلَ عَمَلاً أَثْبَتَهُ؛ فَدَاوَمَ عَلَيْهِمَا، وَكَانَ يَنْهَى غَيْرَهُ عَنْهُمَا. ((مرقاة المفاتيح)) (٣/ ٨٣٠). (١) وَلاَ يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالدَّرَجَةِ عَتَبَةَ الْكَعْبَةِ. ((مرقاة المفاتيح)) (٣/ ٨٣٠). ١٩٤ (٢٣) باب الجماعة وفضلها رَوَاهُ أَحْمَدُ وَرَزِينُ. [حم: ٥/ ١٦٥]. ٢٣ - باب الجماعة وضلما لمذهب الشافعي رحمة الله عليه، وقد مرّ جوابه(١). ٢٣ - باب الجماعة وفضلها اختلف في الجماعة في أنها سنة أو واجبة أو فرض عين أو كفاية، فقيل: إنها فرض عين إلا من عذر، وهو قول أحمد وداود وعطاء وأبي ثور، [وعن ابن مسعود وأبي موسى] الأشعري [وغيرهما] قالوا: من سمع النداء، ثم لم يجب فلا صلاة له، وقيل: على الكفاية، قال الطيبي(٢): وظاهر نصوص الشافعي رحمة الله عليه يدل على أنها من فروض الكفاية وعليه أكثر الصحابة، وقيل: إنها سنة مؤكدة في حكم الواجب، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه رحمهم الله، قال الشيخ ابن الهمام(٣): وفي (الغاية): قال عامة مشايخنا: إنها واجبة وتسميتها سنة لوجوبها بالسنة. وفي (البدائع)(٤): تجب على العقلاء البالغين الأحرار القادرين على الجماعة من غير حرج، وإذا فاتته لا يجب عليه الطلب في المساجد بلا خلاف بين أصحابنا، وإن (١) قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ، رَوَاهُ الدَّارَ قُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ، وَهُوَ مَعْلُولٌ بِأَرْبَعَةِ أُمُورٍ : انْقِطَاعٍ مَا بَيْنَ مُجَاهِدٍ وَأَبِ ذَرٍّ، فَإِنّهُ الَّذِي يَرْوِيِهِ عَنْهُ؛ وَضَعْفِ ابْنِ الْمُؤَمَّلِ، وَضَعْفٍ حُمَيْدٍ مَوْلَى عَفْرَاءَ، وَاضْطِرَابٍ سَنَدِهِ. ((مرقاة المفاتيح)) (٣/ ٨٣٠). (٢) ((شرح الطيبي)) (٣/ ٢٧). (٣) ((شرح فتح القدير)) (١ / ٣٤٥). (٤) ((بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع) (١ / ١٥٥). ١٩٥ (٤) كتاب الصلاة * الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ١٠٥٢ - [١] عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الهِ ◌َِّ: ((صَلاَةُ الْجَمَاعَةِ ٠٠ وء تَفْضُلُ .. أتى مسجداً آخر للجماعة فحسن، وإن صلى في مسجد حيه منفرداً فحسن، وذكر القدوري: يجمع بأهله ويصلي بهم، واختلف في الأفضل من جماعة مسجد حيّه وجماعة المسجد الجامع، وإذا كان مسجدان يختار أقدمهما، وإن استويا فالأقرب، وإن صلوا في الأقرب وسمع إقامة غيره فإن كان دخل فيه وإلا فیذهب إليه. والجماعة تسقط بالعذر، فمن الأعذار المرض وكونه مقطوع اليد والرجل من خلاف أو مفلوجاً أو مستخفياً من سلطان أو لا يستطيع المشي كالشيخ العاجز وغيره وإن لم يكن بهم ألم، وفي (شرح الكنز): والأعمى عند أبي حنيفة، وقيل بالاتفاق، والخلاف في الجمعة لا الجماعة، ففي (الدراية): قال محمد: لا تجب على الأعمى، والمطر والطين والبرد الشديد والظلمة الشديدة في الصحيح، وعن أبي يوسف سألت أبا حنيفة عن الجماعة في طين ورَدْغَةٍ فقال: لا أحب تركها، وقال محمد: الحديث رخصة، يعني قوله وتيسير: (إذا ابتلت النعال فالصلاة في الرحال)(١). الفصل الأول ١٠٥٢ - [١] (ابن عمر) قوله: (صلاة الجماعة تفضل) في (القاموس)(٢): الفضل ضد النقص كنصر وعلم، وأما فضل كعلم ويفضل كينصر فمركبة منهما، كذا في (١) ((مسند الشافعي)) (١٨٥). (٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٩٦١). ١٩٦ (٢٣) باب الجماعة وفضلها صَلاَةَ الْفَذُّ بِسَبْعِ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٤٥، م: ٦٥٠]. (القاموس)، وقال الجوهري(١): وهو شاذ لا نظير له، والرواية ههنا بضم الضاد. وقوله: (صلاة الفذ) مفعول (تفضل) يقال: فضله ويفضله: كان أفضل منه، و(الفذ) بفتح الفاء وتشديد الذال المعجمة: الفرد، يقال: فذ الرجل من أصحابه: انفرد وشذ عنهم، وهل هذا الفضل والتضعيف مختص بالجماعة في المسجد؟ اختلف فيه، قيل : يختص . وقوله: (بسبع وعشرين درجة) وفي رواية: (بخمس وعشرين)، وقال الترمذي(٢): وفي الباب عن عبدالله بن مسعود وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وأبي سعيد وأبي هريرة وأنس ﴾، وحديث ابن عمر ظلها حسن صحيح، وعامة من روى عن النبي ◌َّ إنما قالوا: خمسة وعشرين إلا ابن عمر ﴾ فإنه قال: سبعاً وعشرين، انتهى. ووفق بين الحديثين بأن ذكر القليل لا ينافي الكثير، وهذا قول من لا يعتبر مفهوم العدد، وبه يقول الكرماني في مواضع من شرح البخاري، وبأنه أوحي إليه ◌َّ بالخمس، ثم بالزيادة تفضلاً وإنعاماً من الله سبحانه، وبأن ذلك من جهة اختلاف حال المصلي والصلاة، وقيل: إن السبع مختص بالجهرية والخمس بالسرية. ثم إن تخصيص العدد من الأسرار التي لا يعلمها بالحقيقة إلا الشارع، وهكذا حال العدد في كل ما ورد به الشرع، فقيل في توجيه خمس وعشرين: إن المكتوبات خمس فأريد المبالغة في تكثيرها فضربت في مثلها، وأن الأربعة أصل جميع مراتب الأعداد؛ لأنه يتركب منه العشرة؛ لأن منها واحداً واثنين وثلاثة وأربعة، وهذا مجموع (١) ((الصحاح)) (٥/ ١٧٩١). (٢) ((سنن الترمذي)) (كتاب: ٢، باب: ٤٧). ١٩٧ (٤) كتاب الصلاة ١٠٥٣ - [٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَِّ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِدِهِ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ فَيُحْطَبَ، ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلاَةِ فَيُؤَذَّنَ لَهَا، ثُمَّ آمُرَ رَجُلاً فَيَؤُمَّ النَّاسَ، ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى رِجَالٍ. العشرة، ومن العشرات المئات، ومنها الألوف، فزيد فوق الأصل واحد آخر إشارة إلى المبالغة في الكثرة، ثم ضربت الخمسة في نفسها، وذكر في سبع وعشرين أن عدد ركعات الفرائض ورواتبها على رواية ركعتين قبل الظهر سبع وعشرون، وقالوا في عدم اعتبار الوتر واحداً أو ثلاثاً: لعله شرع بعد ذلك، ولا يخفى ما في هذه الوجوه من التكلفات، فالحق مذهب التفويض. ١٠٥٣ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (فيحطب) أي: يجمع الحطب، في (القاموس)(١): حطب كضرب: جمعه كاحتطب، وفي رواية: (يحتطب)، وكلاهما صحيح، وهو منصوب، وكذا قوله: (فيؤذن)، وقوله: (فيؤم)، (فأحرق)، وصححت بالرفع أيضاً. وقوله: (ثم آمر بالصلاة) اختلفت الأحاديث في تعيين الصلاة التي وقع التهديد بسببها، فروي أنها العشاء، وروي الجمعة، وروي مطلق الصلاة، وهو الظاهر؛ لأن المقصود بيان وجوب الجماعة، والكل صحيح، كذا في (مجمع البحار)(٢). وقوله: (ثم آمر رجلاً) إنما آمر رجلاً بالإمامة، لأنه بنفسه الشريفة يشتغل بالإحراق اهتماماً به، وفيه من المبالغة ما لا يخفى مع ما في عبارة الحديث من التأكيدات والتشديدات على ما [لا] يخفى على المتأمل. وقوله: (ثم أخالف إلى رجال) أي: آتيهم، يقال: خالفت زيداً إلى كذا: (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٨٣). (٢) ((مجمع البحار)) (٣/ ٣٥٤). ١٩٨ (٢٣) باب الجماعة وفضلها وَفِي رِوَايَةٍ: لَا يَشْهَدُونَ الصَّلاَةَ، فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَجِدُ عَرْقاً سَمِيناً ... إذا قصدته وهو موَلِّ عنك، وخالفته عنه: إذا كان الأمر العكس، أي: إذا قصد [ك] وأنت موَلِّ عنه، أو أخالف ما أظهرت من إقامة الصلاة، وأرجع إليهم فآخذهم على غفلة، أو يكون بمعنى أتخلف عن الصلاة لمعاقبتهم حال لم يخرجوا إلى الصلاة، أو آتيهم من خلفهم لأخذهم على غرّة. وقوله: (فأحرق) بالتشديد مبالغة في عقوبتهم، قال الطيبي(١): في الحديث دليل على أن الإمام إذا عرض له شغل يستخلف من يصلي بالناس، انتهى. ويشهد لذلك عدم خروجه سير للحج في العام الأول، واستخلافه أبا بكر له في ذلك لاشتغاله بمهمات الدين من قتال المشركين وغيره كما قالوا. وقوله: (أحدهم) أي: المتخلفين من الجماعة، والظاهر أن المراد المنافقون لأنهم الذين شأنهم ما ذكر، ويمكن أن يراد الناس كلهم تهديداً وتشديداً وبياناً للاهتمام بالجماعة، و(العرق) بفتح المهملة وسكون الراء وكغراب: العظم ◌ُكِلَ لحمه، وجمعه ككتاب، وغراب نادر، أو العرق: العظم بلحمه، فإذا أُكِلَ لحمه فعُرَاق، أو كلاهما لكليهما، كذا في (القاموس)(٢). وقوله: (سميناً) إشارة إلى [أن] باعثه الطمع والرغبة فيه لدنائة الهمة وعدم الفطنة كما قال. (١) ((شرح الطيبي)) (٣/ ٢٧). (٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٨٣٦). ١٩٩ (٤) كتاب الصلاة أَوْ مِرْمَاتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ لَشَهِدَ الْعِشَاءَ)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَلِمُسْلِمٍ نَحْوَهُ. [خ: ٦٤٤، م: ٦٥١]. وقوله: (أو مرماتين حسنتين) قال القاضي(١): (مرماتين) يروى بفتح الميم وكسرها، قال أبو عبيد: هو ما بين ظلفي الشاة من اللحم، فعلى هذا الميم أصلية، وقال الداودي: وقيل: هما بضعتان من اللحم، وقال غيره: هو السهم الذي یرمی به، بكسر الميم، فالميم ههنا زائدة، وقيل: هو سهم يلعب به في كوم التراب، فمن رمى به فثبت في الكوم غلب، وقيل: المرماتان السهمان اللذان يرمي بهما الرجل فيحرز سبقه، فمن فسرهما بالسهمين لم يكن فيهما غير الكسر، وهو أنسب لقوله: (حسنتين)، انتهى. وكأن وجه الأنسبية أن الظلفين لا حسن فيهما، ولعله لهذا الوجه جعل الطيبي(٢) (حسنتين) بدلاً من (مرماتين) على تقدير إرادة الظلفين، وجعله صفة على تقدير إرادة السهمين بجعله بمعنى جيدتين، وهو تكلف، إذ يكفي جعله صفة على توهم الحسن والرغبة فيها لغاية الطمع ودناءة الهمة، وسمعت من بعض مشايخي أن المراد بالمرماتين الشاتين، كالحافر يراد به الفرس، وعبر عنهما بالظلف تحقيراً لهما، ولعل إرادة الظلف أدخل في الحقارة والدناءة. وحاصل المعنی أنه لو علم أحدهم أنه لو حضر وقتها أو صلاتها حصل له أدنى حظ دنيوي، وإن كان في غاية الخسة والحقارة لحضر، ولا يحضر لإحراز ذلك الثواب العظيم الدائم الذي لا يحاط ولا يحصر ولا يقدر قدره. وقوله: (لشهد العشاء) ربما يؤيد تعيين الصلاة المذكورة بالعشاء، فافهم. ثم (١) ((مشارق الأنوار)) (١ / ٤٦٥). (٢) ((شرح الطيبي)) (٣/ ٢٦). ٢٠٠ (٢٣) باب الجماعة وفضلها ١٠٥٤ - [٣] وَعَنْهُ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ وَهِ رَجُلٌ أَعْمَى فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّهُ لَيْسَ لِي قَائِدٌ يَقُودُنِي إِلَى الْمَسْجِدِ، فَسَأَلَ رَسُولَ اللهِوَ أَنْ يُرَخِّصَ لَهُ فَيُصَلِّيَ فِي بَيْنِهِ فَرَخَّصَ لَهُ، فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ فَقَالَ: ((هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلاَةِ؟)) قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ((فَأَجِبْ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٦٥٣]. ١٠٥٥ - [٤] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ أَذَّنَ بِالصَّلاَةِ فِي لَيْلَةٍ ذَاتٍ بَرْدٍ وَرِيحِ، ثُمَّ قَالَ: في هذا الحديث ما يلوح منه دليل وجوب الجماعة؛ لأن مثل هذا التهديد والتشديد لا يعهد في غير الواجب إلا أن يقال: هذا كله لتأكيد السنة والمبالغة فيه ولا يخلو عن بعد . ١٠٥٤ - [٣] (وعنه) قوله: (رجل أعمى) قيل: هو ابن أم مكتوم كما جاء صريحاً في الروايات الآخر، وقيل: غيره. وقوله: (فأجب) هذا أيضاً مما يدل ظاهراً على الوجوب، وقول من قال: من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له، وأما الترخيص أولاً فللعذر، ويحتمل أن يكون المراد التأكيد والتنبيه على الأفضل الأليق بحال ذلك الرجل لا سيما إذا كان ابن أم مكتوم فإنه كان من فضلاء المهاجرين، وقد خلفه وملي إماماً لأهل المدينة في غزوة تبوك مع وجود علي ظ، وذلك لأنه خليفة على الأهل والعيال مشغولاً بتفقد أحوالهم. ١٠٥٥ - [٤] قوله: (وعن ابن عمر: أنه أذن) صحح بصيغة المجهول، أي : أذن عنده أو في مسجده. وقوله: (ثم قال) أي: للمؤذن أن يقول: صلوا في الرحال، أو قال مؤذنه بأمره،