Indexed OCR Text
Pages 301-320
٣٠١ (٣) كتاب الطهارة (تَدَعُ الصَّلاَةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُ فِيهَا، ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلاَةٍ، وَتَصُومُ، وَتُصَلَّي)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ١٢٦، ١٢٧، د: ٢٩٧]. ٥٦١ - [٥] وَعَنْ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ قَالَتْ: كُنْتُ أُسْتَخَاضُ حَيْضَةً كَثِيرَةً شَدِيدَةً، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ وَ أَسْتَفْتِهِ وَأُخْبِرُهُ، فَوَجَدْتُهُ فِي بَيْتِ أُخْتِي زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً كَثِيرَةً شَدِيدَةً فَمَا تَأْمُرُنِي فِيهَا؟ قَدْ مَنْعَثْنِي الصَّلاَةَ وَالصِّيَامَ. قَالَ: ((أَنْعَتُ لَكِ الْكُرْسُفَ ... النفيسة، ولعلي قد بينته سابقاً أو سأبينه في موضعه، فتدبر. وقوله: (أيام أقرائها) جمع الأقراء باعتبار الأيام أو الأشهر. وقوله: (ثم تغتسل) وتصلي به (وتتوضأ) بعد ذلك (عند كل صلاة)، وفي رواية: (لكل صلاة)، وقال في (الهداية)(١): وقد جاء (لوقت كل صلاة)، كما ذكرنا، أي: تتوضأ وتصلي وإن انصب الدم کما هو حکم صاحب العذر کسلس البول ونحوه. ٥٦١ _ [٥] (حمنة بنت جحش) قوله: (عن حمنة) بفتح الحاء وسكون الميم أخت زینب بن جحش أم المؤمنين . وقوله: (أستفتيه وأخبره) يدل على أن الواو لمطلق الجمع. وقوله: (أنعت لك الكرسف) أي: أصف لك القطن لتحشي به فرجك، والكرسف بضم الكاف والسين: القطن. = صاحب «الغاية))، ورجح الاستدلال به، فحاصله أن والد عمرو وهو شعیب يروي عن جده، فالمراد بالجد عبدالله بن عمرو بن العاص، فالحديث يكون متصلاً، انظر: ((بذل المجهود)) (١ / ٥٩٥ - ٥٩٦). (١) ((الهداية)) (١ / ٣٤). ٣٠٢ (١٣) باب المستحاضة فَإِنَّهُ يُذْهِبُ الدَّمَ». قَالَتْ: هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: ((فَتَلَجَّمِي))، قَالَتْ: هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: ((فَاتَّخِذِي ثَوْباً)) قَالَتْ: هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، إِنَّمَا أَثُجُّ ثَجًّا. فَقَالَ الَّبِيُّ ◌َهِ: ((سَآَمُرُّكِ بِأَمْرَيْنٍ، أَّهُمَا صَنَعْتِ أَجَزَأَ عَنْكِ مِنَ الآخَرِ، وَإِنْ قَوِيتٍ عَلَيْهِمَا فَأَنْتِ أَعْلَمُ)) فَقَالَ لَهَا: ((إِنَّمَا هَذِهِ رَكْضَةٌ مِنْ رَكَضَاتٍ الشَّيْطَانِ، . وقوله: (فإنه يذهب الدم) من الإذهاب، أي: يمنع خروجه إلى ظاهر الفرج. وقوله: (فتلجمي) أي: شدي اللجام، في (القاموس) (١): اللجام ككتاب للدابة، فارسي معرب، وما تشده الحائض، والمراد مع وجود الكرسف أو بدونه، والظاهر الأول، والله أعلم. وقوله: (فاتخذي ثوباً) أي: تحت اللجام، و(الثج) سيلان الماء كقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَتِ مَآءَ تَجَّاجًا﴾ [النبأ: ١٤]، وسيلان دم الهدي، ومنه: أفضل الحج العج والثج، ومطر ثجاج إذا انصب، ويقال: ثججت الماء إذا سكبته، وعلى هذا المفعول محذوف، أي: أثجّ الدم ثجًّا، وعلى الأول فيه مبالغة لا تخفى، كأنها جعلت نفسها دماً فسالت مثل قولهم: فاضت عيني . وقوله: (أيهما) صحح بالنصب والرفع . وقوله: (وإن قويت عليهما) أي: على الأمرين بأن تقدر على أن تفعل أيهما شاءت . وقوله: (فأنت أعلم) أي: بما تختارينه منهما فاختاري أيهما شئت . وقوله: (هذه ركضة) أي: هذه العلة التي وقعت فيها إفساد وإضرار من الشيطان (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٠٦٦). ٣٠٣ (٣) كتاب الطهارة فَتَحَيِّضِي سِنَّةَ أَيَّامٍ أَوَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ فِي عِلْمِ اللهِ، . بالتلبيس عليك في أمر دينك وطهرك وصلاتك كما وقع في الحديث: (الرعاف من الشيطان)(١)، أو المراد أن الحالة التي ابتليت بها من الخبط والتحير ركضة من ركضات الشيطان، وأصل الركض الدفع والحركة وتحريك الرّجل والضرب بها واستحثاث الفرس للعَدْوِ. وقوله: (فتحيضي) أي: التزمي أحكام الحيض وعدّي نفسك حائضاً، يقال: تحيضت المرأة إذا قعدت أيام حيضها عن صلاة، و(أو) في قوله: (أو سبعة أيام) ليس للشك ولا للتخيير، بل المراد اعتبري ما وافقك من عادات النساء المماثلة لك المشاركة لك في السن والقرابة والمسكن فكأنها كانت مبتدأة، فأمرها باعتبار غالب عادات النساء، كذا اختار الطيبي(٢) في توجيهه، ومنهم من ذهب إلى أن (أو) للشك من بعض الرواة، وإنما يكون النبي ◌َّ قد ذكر أحد العددين اعتباراً بالغالب من حال نساء قومها. وقال التُّورِبِشْتِي(٣): ويحتمل أنها أخبرته بعادتها قبل أن يصيبها ما أصابها، ومنهم من قال: إن ذلك من قول النبي ◌َّ، وقد خيرها بين كل واحد من العددين؛ لأنه العرف الظاهر والأمر الغالب من أحوال النساء، وقيل: أمرها بيناء الأمر على ما تبين لها من أحد العددين على سبيل التحري والاجتهاد. وقوله: (في علم الله) أي: رجوعك إلى تلك العادة مندرج فيما أعلمك الله على لساني أو في جملة ما علم الله وشرعه للناس، ومن قال: إن (أو) للشك فله أن يقول: معناه: الله أعلم بما قال النبي ◌َّ. (١) أخرجه الترمذي في ((السنن)) (٢٧٤٨). (٢) انظر: ((شرح الطيبي)) (٢ / ١٤٤). (٣) ((كتاب الميسر)) (١ / ١٧٥). ٣٠٤ (١٣) باب المستحاضة ثُمَّ اغْتَسِلِي حَتَّى إِذَا رَأَيْتِ أَنَّكِ قَدْ طَهُرْتٍ وَاسْتَنْقَيْتِ فَصَلِّي ثَلاَئاً وَعِشْرِينَ لَيْلَةً أَوْ أَرْبَعاً وَعِشْرِينَ لَيْلَةً وَأَيَّامَهَا، وَصُومِي، فَإِنَّ ذَلِك يُجْزِئُكِ، وَكَذَلِكَ فَافْعَلِي كُلَّ شَهْرِ كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ، وَكَمَا يَطْهُرْنَ مِقَاتَ حَيْضِهِنَّ وَطُهْرِهِنَّ، وَإِنْ قَوِيتِ عَلَى أَنْ تُؤَخِّرِينَ الظُّهْرَ وَتُعَجِّلِينَ الْعَصْرَ فَتَغْتَسِلِينَ وَتَجْمَعِينَ بَيْنَ الصَّلاَيَّنِ: الُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَتُؤَثِّرِينَ الْمَغْرِبَ، وَتُعَجِّلِينَ الْعِشَاءَ، ثُمَّ تَغْتَسِلِينَ وَتَجْمَعِينَ بَيْنَ الصَّلاَيَّنِ فَافْعَلِي، وَتَغْتَسِلِينَ مَعَ الْفَجْرِ فَافْعَلِي، ... وقوله: (حتى إذا رأيت أنك قد طهرت واستنقيت) أي: بالغت في التنقية، أي: مضت الأيام المذكورة وصرت طاهرة في حكم الشرع، ووقع في النسخ: استنقأت بالهمزة وهو خطأ، والصواب استنقيت لأنه ناقص لا مهموز، هكذا يعلم من كتب اللغة، والله أعلم. وقوله: (فصلي) أي: بالوضوء عند كل صلاة. وقوله: (فإنه يجزئك) أي: يكفيك، أجزأني الشيء، أي: كفاني، ويروى بالياء، كذا في (النهاية)(١)، وقد جاء جزى أيضاً بمعنى كفى، وفي (القاموس)(٢): جزى الشيء يجزي: كفى، وعنه: قضى، وقال في (باب الهمزة): جَزَأَ وجَزّأ: اكتفى كاجتزاً. فهذا أول الأمرين المأمور بهما، وهو أن تتوضأ وتصلي في ثلاث وعشرين أو أربع وعشرين ليلة وأيامها، وثاني الأمرين أن تغتسل فيها إما عند كل صلاة فرادى، وإما بالجمع بين صلاتي الظهر والعصر وصلاتي المغرب والعشاء، ولما كان الأول من هذين الصورتين - أعني الاغتسال عند كل صلاة - أشق وأصعب نزل ◌َّه إلى الثاني أعني الجمع (١) ((النهاية)) (١ / ٢٦٦). (٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ١١٦٨، ٤٧). ٣٠٥ (٣) كتاب الطهارة وَصُومِي إِنْ قَدَرْتِ عَلَى ذَلِكَ))، قَالَ رَسُولُ اللهِ. بين الصلاتين، فقال: (وإن قويت على أن تؤخرين الظهر وتعجلين العصر فتغتسلين) يعني غسلاً واحداً، وتجمعين بين هذين الصلاتين، وتؤخرين المغرب وتعجلين العشاء، ثم تغتسلين وتجمعين بينهما فافعلي، وتغتسلين مع الفجر غسلاً على حدة، فيحصل لك ثلاث اغتسالات في اليوم والليلة، فافعلي وصلي وصومي. وقوله: (إن قدرت على ذلك) تكرير وإشارة إلى أن فيه مشقة وإن كان الغسل لكل صلاة أشق، ثم تأخير الظهر والمغرب عن وقتهما يحتمل أن يكون المراد به أداءهما في وقت العصر والعشاء كما يكون للمسافر في الجمع بين الصلاتين عند الشافعية كما نقله الطيبي(١) من الخطابي وهو جمع حقيقي، ويحتمل أن يكون المراد أداء كل منهما في آخر وقته متصلاً بوقت العصر والعشاء، ثم أداء العصر والعشاء في وقتيهما وهو الجمع الظاهري الذي يؤول به أصحابنا جمع المسافر، فتغتسل للظهر وتصليها وتصلي العصر بعدها متصلاً، وكذا المغرب والعشاء، كما صرح به في شرح الشيخ. فإن قلت: لا يسع للحنفية هذا التأويل إذ عندهم ينقض خروج الوقت وضوء المعذور فينقض غسله أيضاً فلا تبقى طاهرة، فإنها تخالف سائر المعذورين، فقد أوجب عليها الغسل لكل صلاة بعض الصحابة كما سيذكر للعصر والعشاء، فلا يجدي هذا التأويل فيما نحن فيه نفعاً. قلنا: لعله لا ينقض الغسل في حق هذه المستحاضة بحكم هذا الحديث، وأصحابنا يخصون النقض بالوضوء بغير هذه القضية، على أنه يلزم مثل هذا الشيء على الشافعية أيضاً فإنهم يوجبون الوضوء على المعذور لكل صلاة، وفي هذه القضية لا يكون الغسل لكل صلاة، فلا بد من التخصيص، فافهم. (١) انظر: ((شرح الطيبي)) (٢/ ١٤٥). ٣٠٦ (١٣) باب المستحاضة (وَهَذَا أَعْجَبُ الأَمْرَيْنِ إِلَيَّ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ. [حم: ٦/ ٤٣٩، د: ٢٨٧، ت: ١٢٨]. الْفَصْلُ الثَّالِثُ: * ٥٦٢ - [٦] عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ فَاطِمَةً بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ اسْتُحِيضَتْ مُنْذُ كَذَا وَكَذَا فَلَمْ تُصَلِّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: (سُبْحَانَ اللهِ ! .. وقوله: (وهذا أعجب الأمرين إلي) إشارة إلى الجمع بين صلاتين في الغسل، والأمر الآخر الغسل لكل صلاة، وهو مستفاد من قوله: (وإن قويت على أن تؤخرين الظهر وتؤخرين المغرب)، فإنه يفهم منه ضعفها وعجزها عن الاغتسال لكل صلاة، يعني إن لم تقوي على الاغتسال لكل صلاة فدعيه، وإن قدرت وقويت على الغسل لكل صلاتين فافعلي، كما قررناه في أثناء البيان، قالوا: وقد ذهب إلى إيجاب الغسل على المستحاضة لكل صلاة جمع من الصحابة منهم علي وابن الزبير وابن مسعود رضيالله على خلاف سائر المعذورين، وذهب ابن عباس إلى الجمع بين الصلاتين بغسل واحد، قال الطيبي(١): مذهب علي أقرب وأليق بالفقه، ومذهب ابن عباس أشبه وأوفق بهذا الحديث، وبما ثبت وتقرر من عادته الشريفة أنه ◌َّ﴿ ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما، وأنه بعث بالحنيفية السهلة السمحة . الفصل الثالث ٥٦٢ - [٦] (أسماء بنت عميس) قوله: (فلم تصل) ظنًّا منها أن الاستحاضة يمنع الصلاة. (١) ((شرح الطيبي)) (٢ / ١٤٥). ٣٠٧ (٣) كتاب الطهارة إِنَّ هَذَا مِنَ الشَّيْطَانِ، لِتَجْلِسَ فِي مِرْكَنٍ، فَإِذَا رَأَتْ صُفَارَةً فَوْقَ الْمَاءِ فَلْتَغْتَسِلْ لِلُّهْرِ وَالْعَصْرِ غُسْلاً وَاحِداً، وَتَغْتَسِلْ لِلْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ غُسْلاً وَاحِداً، وَتَغْتَسِلْ لِلْفَجْرِ غُسْلاً وَاحِداً، وَتَوَضَّأُ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ)). رَوَاهُ أَبَّو دَاوُدَ وَقَالَ: وقوله: (هذا) أي: الاستحاضة كما مرّ من قوله: (إن هذه ركضة من ركضات الشيطان)، أو تركها الصلاة من غير سؤالها واستفتائها الحكم في ذلك. وقوله: (لتجلس) بلفظ الأمر، أي: للغسل أو لمعرفة الوقت. وقوله: (في مركن) أي: عنده، والمركز بكسر الميم وفتح الكاف: إناء كبير معروف يؤخذ فيه الماء للغسل . وقوله: (فإذا رأت صفارة) بضم الصاد بمعنى الصفرة فوق الماء يعني إذا قرب وقت العصر وطفق ينتهي وقت الظهر، فإن في هذا الوقت يتغير شعاع الشمس بل من ابتداء زوالها فتقرب إلى الصفرة، وهذا غير اصفرار الشمس في آخر وقت العصر قبيل المغرب الذي يكره فيه عصر اليوم، وهذا لمعرفة آخر وقت الظهر حتى تؤخر وتعجل العصر، كما مر في الحديث السابق. وقوله: (وتوضأ) وأصل توضأ لتتوضأ بتقدير اللام عطفاً على تجلس أو تغتسل، والتاء وهو لفظ الغائبة على وفق لتجلس وفلتغتسل. وقوله: (فيما بين ذلك) أي: العصر والعشاء يعني إذا اغتسلت للظهر والعصر توضأت مع ذلك للعصر، وإذا اغتسلت للمغرب والعشاء توضأت للعشاء، كذا في شرح الشيخ، وكتب في بعض الحواشي: أن المراد النوافل أي: تتوضأ لها إن شاءت أداءها، والله أعلم. ٣٠٨ (١٣) باب المستحاضة ٥٦٣ - [٧] رَوَى مُجَاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاس: لَمَّا اشْتَدَّ عَلَيْهَا الْغُسْلُ أَمَرَهَا أَنْ تَجْمَعَ بَيْنَ الصَّلاَتَيْنِ. [د: ٢٩٦]. ٥٦٣ - [٧] (ابن عباس) قوله: (لما اشتد) مفعول قال، أي: يروى أنه قال: لما اشتد (عليها الغسل) أي: لكل صلاة أمرها النبي ◌َّر (أن تجمع بين الصلاتين) وهذا هو الأمر الثاني في الحديث الذي سبق، والله أعلم وعلمه أحكم. تم كتاب الطهارة بعون الله وتوفيقه، والآن نشرع في كتاب الصلاة، ونرجو تمامه بكرمه. (٤) كِتَابُ الصَّلاةِ (٤) كتاب الصلاة ٤ - كتاب الصلاة المشهور أن الصلاة في اللغة بمعنى الدعاء نقلت إلى العبادة المخصوصة لاشتمالها عليه، وقال في (القاموس)(١): الصلاة: الدعاء والرحمة والاستغفار، ولا يخفى أن المعنيين الأخيرين أيضاً يصلحان للنقل بعلاقة اللزوم، ثم إنه قد يجعل هذا اللفظ من الصلا أحد الصَّلوين بمعنى طرفي الأليتين، ويجعل أصلاً منقولاً عنه للعبادة المخصوصة؛ لأن المصلي يحرك الصلوين في ركوعه وسجوده، وأول ما يشاهد من أحوال الصلاة إنما هو تحريك الصلوين للركوع فإن القيام لا يختص بالصلاة، وقد يستبعد هذا الكون المعنى المنقول إليه أشهر وليس ببعيد، فإن ذلك ليس بقادح في النقل، فإن المعنى المجازي قد يصير أشهر وأكثر استعمالا من الحقيقة، والمنقول مع كونه حقيقة أحرى بذلك، ولا يذهب عليك أنه جاز أن يجعل هذا المعنى أصلاً بمعنى الدعاء أيضاً، فإن الداعي في تخشعه قد يحرك الصلوين، ثم إما أن يقال بنقلها منه إلى العبادة، أو ابتداء من غير وساطة، وأما قول صاحب (الكشاف) بنقله من العبادة المخصوصة إلى الدعاء فبعيد، وقد تكلمنا في وجه بُعده في حاشية البيضاوي. وقيل: يمكن أن يشتق من صلى الفرسُ بمعنى: تلا السابقَ، وصار رأسُه عند (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١١٩٨). ٣١٢ (٤) كتاب الصلاة * الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٥٦٤ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَِّ: ((الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٣٣]. صَلاَهُ؛ لأن الصلاة يتلو فيه اللاحقُ - أي: المقتدي - السابقَ، أي: الإمام، هذا وقد جاء صلا اللحمَ بالتخفيف: إذا شواه، وبالتشديد إذا حرقه وألقاه في النار، وصليت العصا بالنار: إذا لينتها وقومتها، وهذه المعاني أيضاً تصلح لأن يجعل منقولاً عنها، والصلاة كأنها تشوي نَفْس المصلي وتحرق ذنوبه بنار المجاهدة والمغفرة، وتقوِّمها من اعوجاج فيها فإنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، وإلى المعنى الأخير أشار الطيبي(١) بنقله عن الشیخ الأجلِّ شهاب الدين السهروردي رحمه الله ذكره في (عوارف المعارف)، فتدبر. الفصل الأول ٥٦٤ - [١] (أبو هريرة) قوله: (الصلوات الخمس) الظاهر بملاحظة قرينه أن يكون المعنى: الصلوات الخمس إلى الصلوات الخمس، فيكون التكفير لما وقع بين اليومين، ويحتمل أن يكون المعنى: من صلاة إلى صلاة، فيكون التكفير لما وقع في كل صلاتين، والثاني هو المراد؛ للأحاديث المصرِّحة بذلك. وقوله: (والجمعة إلى الجمعة) أي: صلاتها، (ورمضان إلى رمضان) أي: صومه . وقوله: (لما بينهن) أي: من الصغائر. ثم ظاهر الحديث أن التكفير مشروط باجتناب الكبائر، فإن لم تُجتنب الكبائر لم تُكفَّر الصغائر، وكذا قوله تعالى: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَابِرَ مَا تُنْهَوَّنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ (١) ((شرح الطيبي)) (٢ / ١٤٧). ٣١٣ (٤) كتاب الصلاة سَيِّئَاتِكُمْ ﴾ [النساء: ٣١]، لكن علماءنا حملوا على معنى الاستثناء بدلالة ما ثبت عندهم أن المكفَّر هي الصغائر دون الكبائر. وفي (مجمع البحار)(١) من النووي في شرح مسلم في حديث: (كانت كفارة لما قبلها ما لم يؤت كبيرة) أي: مكفرة للذنوب كلها غير الكبائر، ولا يريد اشتراط الغفران باجتنابها، وفي تعليقه للترمذي: لا بد في حقوق الناس من القصاص ولو صغيرةً، وفي الكبائر من التوبة، ثم ورد وعد المغفرة في الصلوات الخمس والجمعة ورمضان فإذا تكرر يُغفر بأولها الصغائر وبالبواقي يُخفف عن الكبائر، وإن لم يصادف صغيرة ولا كبيرة يرفع بها الدرجات، انتهى. وبما ذكر ينحل ما يقال: إنه إذ كفِّر ما بين الصلاتين فماذا يبقى للجمعة، وإذا كفر بين الجمعات فماذا يبقى لرمضان؟ تأمل، والمشهور في توجيهه أن المراد إثبات صلاحية التكفير لكل من الأمور، فإذا اجتمعت فهو نور على نور؛ كالسرج المجتمعة في البيت، وكحمل جماعة الحجر الذي يستقل به كل منهم، وذكر في بعض الشروح أن الخمس مكفرة في حق المحافظ عليها، والجمعة في حق من لم يحافظ عليها، ورمضان في حق من لم يحافظ عليهما، ومعناه أن المجموع مكفِّر. فإن قلت: فيلزم من هذا التكفيرُ بدون اجتناب الكبائر إذ ترك الصلوات الخمس والجمعة كبيرة كما ذكر بعض العلماء، قلنا: قد عرفت أن معنى الشرط غير مراد بل المراد معنى الاستثناء، هذا والظاهر أن المراد بالمحافظة رعاية الآداب والسنن والمستحبات كما فسروا بها في الأحاديث، فافهم. (١) ((مجمع بحار الأنوار)) (٤ / ٤٢٧). ٣١٤ (٤) كتاب الصلاة ٥٦٥ - [٢] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: ((أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهْراً بِبَابٍ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْساً هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَبِهِ شَيْءٌ؟)) قَالُوا: لاَ يَبْقَى مِنْ دَرَبِهِ شَيْءٌ . قَالَ: ((فَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ يَمْحُو اللهُ بِهِنَّ الْخَطَايَا)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٢٨، م: ٦٦٧]. ثم المفهوم من الحديث اشتراط اجتماع الصلاتين أو الجمعتين أو رمضانين، فلو كانت أول صلاة أو جمعة أو رمضان لم يكفّر ما قبلها، والظاهر أنها تكفر لما قبلها، وورود الحديث باعتبار الغالب، والله أعلم. ٥٦٥ _ [٢] (عنه) قوله: (لو أن نهراً بباب أحدكم) أي: لو ثبت أن نهراً جارٍ أو يجري بباب أحدكم أو كائن فيه لما بقي الدرن؟ فوضع الاستفهام موضعه تقريراً وتأكيداً، ولهذا زيدت (من) الاستغرقية، والنهر بفتح الهاء وسكونها: ما بين جنبتي الوادي من مجرى الماء، ثم سمي بذلك الماء لسعته، والنهر محركة: السعة، أنهره: وسَّعه، ولذلك سمي النهار لسعة ضوئه. وقوله: (لا يبقى) بفتح أوله، و(شيء) بالرفع في السؤال والجواب، وفي رواية البخاري مكان: هل يبقى من درنه شيء): (ما تقول ذلك يُبْقي من درنه) بالخطاب العام، وفي رواية له: (ما تقولون) بلفظ الجمع، و(ذلك) إشارة إلى الاغتسال. وقال الشيخ(١): فيه شاهد على إجراء فعل القول مجرى فعل الظن، وشرطه أن يكون مضارعاً مسنداً إلى المخاطب، متصلاً باستفهام، و(يبقي) بضم الياء من الإبقاء، وفيه تصريح بتأثير الصلاة في رفع الذنوب، ولم يذكر في روايته لفظ (شيء) وكذا في الجواب، وما ذكر في الكتاب لفظ مسلم، ويُعْلِم ذلك أن المؤلف قد ينسب الحديث (١) ((فتح الباري)) (٢ / ١١). ٣١٥ (٤) كتاب الصلاة ٥٦٦ - [٣] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: إِنَّ رَجُلاً أَصَابَ مِنِ امْرَأَةٍ قُبْلَةً، فَتَى النَّبِيَّ ◌َّهِ فَأَخْبَرَهُ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ وَأَقِمِ اَلْضَلَوْةَ طَرَفِي النََّارِ .... إلى الشيخين ويحكم بكونه متفقاً عليه مع اختلاف في لفظيهما، وقد يصرح بالاختلاف ولعل ذلك فيما يفحش التفاوت والاختلاف، فتدبر. ٥٦٦ - [٣] (ابن مسعود) قوله: (إن رجلا) قيل: هو أبو اليسر بفتح الياء التحتانية وفتح السين المهملة، الأنصاري، كان يبيع التمر، فأتته امرأة فأعجبته فقال لها: إن في البيت أجود من هذا التمر فذهب بها إلى بيته فضمها إلى نفسه فقبلها، فقالت له: اتق الله فتركها وندم فأتى النبي ◌َّ﴾، وقيل: غيره. وقوله: (أصاب من امرأة قبلة) وفي رواية غير الشيخين: فغمزها وقبّلها ثم فرغ، فخرج فلقي أمير المؤمنين خليفة رسول الله وَ له أبا بكر الصديق ته فأخبره، فقال: تب ولا تعد، ثم أتى النبي ◌َّ، ثم قال الشيخ: لم أقف على اسم المرأة، لكن قد جاء في بعض الأحاديث أنها من الأنصار. وقوله: (فأخبره) أي: فسكت النبي ◌َّ وصلى الرجل، دل عليه الجزء الآتي، وجاء في رواية: فقال: أنتظر أمر ربي، فلما صلى صلاة العصر نزلت فقال: أصليت؟ فقال: نعم، فقال: اذهب فإنها كفارة لما عملت(١). وقوله: (﴿وَأَقِمِ الصَّلَوةَ طَرَفِ النَّهَارِ﴾) قالوا: المراد بطرفي النهار صلاة الفجر والظهر إذ هما في الطرف الأول من اليوم، والعصر والمغرب إذ هما في الطرف الثاني منه، وجَعْلُ المغرب فيه تغليب أو من مجاز المجاورة، وفسر صاحب (الكشاف) وتبعه (١) في ((التقرير)): أشكل في أن القبلة كبيرة، أجيب بأن الصغيرة باعتبار الفرق، أو يقال: إن توبته علمت بالقول، فصارت الصلاة متمّمةً له. ٣١٦ (٤) كتاب الصلاة وَزُلَفَّا مِّنَ الَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّاتِ﴾ [هود: ١١٤] فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَلِي هَذَا؟ قَالَ: (لِجَمِيعِ أُمَّتِي كُلِّهِمْ)) البيضاوي(١) (طرفي النهار) بالغدوة والعشية، وفسّرا صلاة الغدوة بصلاة الصبح، وصلاة الزلف بالمغرب والعشاء، ولكن البيضاوي خص صلاة العشية بالعصر، وصاحب (الكشاف) فسرها بالظهر والعصر؛ لأن ما بعد الزوال عشي، وعلى قول البيضاوي لا تشمل الآية الصلوات الخمس، ولا بأس به. (﴿وَزُلَفًا﴾) بضم الزاي وفتح اللام جمع زلفة بسكون اللام كالظلم في ظلمة، من أزلفه: إذا قربه، والمراد بها الساعات؛ لأنها تقرب بعضها مع بعض، ولأنها تقرب من النهار، ودلّ الحديث السابق من أبي هريرة ظبه أن المراد بالسيئات الصغائر، قال الشيخ: واحتج المرجئة بظاهر الآية على أن أفعال الخير مكفِّرة للكبائر والصغائر، وحمله جمهور أهل السنة على الصغائر، انتهى. وجوز صاحب (الكشاف)(٢) حملها على معنى قوله تعالى: ﴿إِنَ الضَّلَوةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] وهو يخالف سبب النزول كما لا يخفى. وقوله: (ألي) بفتح الهمزة استفهاماً والياء مفتوحة أو ساكنة، والظاهر أن صاحب القضية هو السائل عن ذلك، وجاء في رواية: (فقال إنسان: أله خاصة؟) وفي أخرى: (فقال معاذ: أله وحده أم للناس كافة؟) ويحمل على تعدد القضية. وقوله: (لجميع أمتي كلهم) قال الشيخ (٣): سقط (كلهم) من رواية المستملي. (١) ((الكشاف)) (٣/ ١٣١)، و((تفسير البيضاوي)) (٣/ ١٢٥). (٢) انظر: ((الكشاف)) (٣/ ١٣١). (٣) ((فتح الباري)) (٢ / ٨). ٣١٧ (٤) كتاب الصلاة وَفِي رِوَايَةٍ: (لِمَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ أُمَّتِي)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٦٨٧، م: ٢٧٦٣]. ٥٦٧ - [٤] وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، قَالَ: وَلَمْ يَسْأَلْهُ عَنْهُ وَحَضَرَتِ الصَّلاَةُ، فَصَلَّى مَعَ رَسُولِ اللهِوَهِ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ ◌َهِ الصَّلاَةَ، قَامَ الرَّجُلُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي أَصَبْتُ حَدَّا فَأَقِمْ فِيَّ كِتَابَ اللهِ، قَالَ: ((أَلَيْسَ قَدْ صَلَّيْتَ مَعَنَا؟)) قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ((فَإِنَّ اللهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ ذَنْبَكَ أَو حَدَّكَ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٨٢٣، م: ٢٧٦٤]. وقوله: (وفي رواية: لمن عمل بها) وهي أيضاً عامة؛ لأن (من) الموصولة بالفعل من صيغ العموم. ٥٦٧ _ [٤] (أنس) قوله: (إني أصبت حداً) أي: موجبه، ظاهره أنه ارتكب كبيرة، وقد حكم ◌َّ بغفرانه بواسطة صلاته معه، إلا أن يقال: زعم الرجل أنه يوجب الحد، أو أراد بالحد ما يشمل التعزير، وأيضا الظاهر من عدم سؤاله بّيه وتنقيره أنه فعل صغيرة أو كبيرة أن المغفرة تعمهما، إلا أن يقال: إنه علم ◌َّ بالقرينة أو الوحي أنه لم يصب حداً فلذلك لم يسأله، ولذلك أيضاً قال الرجل ثانياً. وقوله: (فأقم فيّ كتاب الله) أي: أقم بما يكون من شأني حدًّا كان أو غيره، فافهم. وأقول وبالله العصمة والتوفيق: لعل هذا من خصوصيات الصلاة معه (* ولذلك قال: (أليس قد صليت معنا؟)، والحديث السابق في الصلاة مع غيره، وقد روی صاحب (الكشاف) هنالك أنه يَّ أمر الرجل بأن يتوضأ ويصلي ركعتين، والله أعلم. وقوله: (فأقم فيّ) قال أولاً: (فأقم الحد علي)، وههنا قال: (فأقم فيّ) تفنناً، ويمكن أن يجعل (فيّ) متعلقاً بكتاب الله، أي: النازل في شأن هذا الحكم، قدِّم عليه ٣١٨ (٤) كتاب الصلاة ٥٦٨ - [٥] وَعَن ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ وَّهِ: أَيُّ الأَعْمَالُ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟ قَالَ: ((الصَّلاَةُ لِوَقْتِهَا)) قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: للاهتمام، ووجهه الطيبي(١) بما حاصله: أن للحد استعلاءً على العبد ولحكم الله استقراراً فيه، ولا يخفى ما فيه من الخفاء. ٥٦٨ _ [٥] (ابن مسعود) قوله: (أي الأعمال أحب إلى الله تعالى؟) وفي رواية: أي العمل أفضل؟ وقوله: (الصلاة لوقتها) وفي لفظ البخاري: (على وقتها)، قال الشيخ (٢): اتفق أصحاب شعبة على لفظ (على وقتها)، وخالفهم علي بن حفص وهو شيخ صدوق من رجال مسلم، فقال: (الصلاة في أول وقتها)، أخرجه الحاكم والدار قطني والبيهقي من طريقه، قال الدارقطني: ما أحسبه حفظه لأنه كبر وتغير حفظه، وقد أطلق النووي في (شرح المهذب) أن رواية: (في أول وقتها) ضعيفة، لكن لها طريق أخرى أخرجها ابن خزيمة والحاكم وغيرهما، وكل من رواها كذلك ظن أن المعنى واحد، ويمكن أن يكون أخذه من لفظه على؛ لأنها يقتضي الاستعلاء على جميع الوقت فتعين أوله، وقال: اللام في لوقتها للاستقبال مثل قوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِرَ ﴾ [الطلاق: ١] أي: مستقبلاتٍ عدتهن، وقيل: للابتداء كقوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَوَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] وقيل: بمعنى (في) أي: في وقتها، وقيل في رواية: (على وقتها): على بمعنى اللام ففيه ما تقدم، وقيل: لإرادة الاستعلاء على الوقت، وفائدته تحقق دخول الوقت ليقع الأداء فيه . وقوله: (ثم أي؟) قيل: إنه غير منون لأنه موقوف عليه في الكلام، والسائل ينتظر الجواب، والتنوين لا يوقف عليه فتنوينه ووصلُه بما بعده خطأ، فيوقف عليه وقفة لطيفة، (١) انظر: ((شرح الطيبي)) (٢ /١٤٩). (٢) ((فتح الباري)) (٢/ ١٠). ٣١٩ (٤) كتاب الصلاة (ِرُّ الْوَالِدَيْنِ)) قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: ((الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ) قَالَ: حَدَّثَنِي بِهِنَّ، وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٢٧، م: ٨٥]. ثم يؤتى بما بعده، وجزم بعضهم بتنوينه لأنه معربٌ غير مضاف، وتعقِّب بأنه مضاف تقديراً، والتقدير: ثم أيّ العمل أحب؟ فيوقف عليه بلا تنوين، كذا ذكر الشيخ. وقوله: (بر الوالدين) كذا للأكثر، وللمستملي (ثم بر الوالدين) بزيادة (ثم). وقوله: (حدثني بهن) هو مقول عبدالله بن مسعود، وفيه تقرير وتأكيد بسماعه. وقوله: (ولو استزدته) والظاهر أن المراد: من هذا النوع، وهي مراتب أفضل الأعمال، قال الشيخ(١): ويحتمل أن يريد من مطلق المسائل المحتاج إليها، وفي رواية الترمذي(٢): (فسكت عني رسول الله ( ﴿ ولو استزدته لزادني)، فكأنه استشعر منه مشقة، وفي رواية مسلم: (فما تركت أستزيده إلا إرعاء عليه) أي: شفقة عليه لئلا يسأم، كذا قال الشيخ، ويمكن أن يكون عدم الاستزادة رعاية للأدب، وترك السؤال عن مسائل شتی في وقت واحد. واعلم أنه قد اختلفت الأحاديث في بيان أفضل الأعمال كما ورد أن خير أعمال الإسلام إطعام الطعام وإفشاء السلام والصلاة بالليل والناس نيام، وأن أفضل الأعمال أن يسلم المسلمون من يده ولسانه، وأن أحب الأعمال إلى الله أدومها، وأن الذكر خير الأعمال، وأن أفضل الأعمال جهاد لا غلول فيه وحجة مبرورة، وقد ورد: أحسن العمل وأجمله حج مبرور، وأمثال ذلك، ومحصل ما قال العلماء في تطبيقها: إن اختلاف الجواب لاختلاف السائلين، بأن أعلم كل قوم بما يحتاجون إليه، أو بما لهم فيه رغبة، أو بما هو لائق بهم، أو كان الاختلاف باختلاف الأوقات، فالجهاد في ابتداء الإسلام أفضل (١) ((فتح الباري)) (٢ / ١٠). (٢) ((سنن الترمذي)) (١٨٩٨). ٣٢٠ (٤) كتاب الصلاة ٥٦٩ - وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلاَةِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨٢]. الأعمال، وقد تظاهرت النصوص على أن الصلاة أفضل من الصدقة، ومع ذلك ففي وقت مواساة المضطر تكون الصدقة أفضل، أو أن المراد بأفعل التفضيل الفضل المطلق أو المراد: من أفضل الأعمال، فحذفت من وهي مرادة، وإذا أريد بالأعمال البدنية فالإيمان خارج من المبحث. وقد ورد: أفضل الأعمال إيمان بالله، وينبغي أن يكون المراد بالجهاد ما ليس بفرض عين، فإنه يتوقف على إذن الوالدين فيكون برهما مقدماً عليه. والأحسن أن يقال: إن المراد أحب وأفضل في بابه، فالصلاة بالليل أفضل في باب العبادة البدنية، والصدقة في باب الجود والمواساة، وإفشاء السلام في باب التواضع، والجهاد في باب إعلاء الدين، وعلى هذا القياس، وقد قيل مثل هذا في تسمية قصة يوسف أحسن القصص ونحو ذلك. ٥٦٩ - [٦] (جابر) قوله: (بين العبد والكفر ترك الصلاة) ظاهر اللفظ أن يكون التقدير: الفارق بين العبد والكفر ترك الصلاة، وهو مشكلٌ فإن الفارق بينهما الصلاة دون ترکها، واضطربوا في توجيهه، وذكروا فيه ثلاث وجوه : أحدها: أن فعل الصلاة هو الحاجز، ولما لم يكن بين المنزلتين منزلة، والتهاون بحفظ حد الشرع كاد يفضي بصاحبه إلى حد الكفر، عبّر عنه بارتفاع البينونة. وثانيها: أن يؤوَّل ترك الصلاة بالحد الواقع بينهما، فمن تركها دخل الحد وحام حول الكفر ودنا منه، فالمراد أن حد الإسلام إلى ترك الصلاة، فإذا وصل العبد إليه خرج عن الإسلام لانتهاء حده. وثالثها: أن التقدير: ترك الصلاة وصلة بين العبد والكفر(١)، كذا قالوا. (١) والمعنى أنه يوصله إليه، قاله القاري (٢/ ٥١٠).