Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
(٣) كتاب الطهارة
فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٩١، م: ٣٤٨].
٤٣١ - [٢] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهَِّهِ: ((إِنَّمَا الْمَاءُ مِنَ
الْمَاءِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٣٤٣].
قَالَ الشَّيْخُ الإِمَامُ مُحْيِي السُّنَّةِ رَحِمَهُ اللهُ: هَذَا مَنْسُوخٌ.
٤٣٢ - [٣] وَقَالَ ابْنُ عَبَّاس: إِنَّمَا الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ فِي الإِحْتِلاَمِ.
والأنثى، وهو داخل فرج المرأة، ويحصل الالتقاء بغيبة الحشفة في الفرج، وقد جاء
في حديث آخر عن عائشة (١) يَ﴾: إذا جلس بين شعبها الأربع ومس الختان، ويأتي تتمة
الكلام فيه في الفصل الثاني.
وقوله: (وجب الغسل وإن لم ينزل) هذا مذهب الأئمة الأربعة وأكثر أصحاب
النبي ◌َّار، منهم الخلفاء الأربعة، وعائشة، والفقهاء من التابعين له، وغيرهم.
وقوله: (متفق عليه) وفي بعض الشروح: إلا أن قوله: (وإن لم ينزل) ليس في
البخاري، والله أعلم.
٤٣١ - ٤٣٢ - [٢ - ٣] (أبو سعيد، وابن عباس) قوله: (هذا منسوخ) وفي
حديث الترمذي(٢) عن أبي بن كعب ◌ُه قال: إنما كان الماء من الماء رخصة في أول
الإسلام ثم نهي عنها، وقال الترمذي: وهكذا روى غير واحد من أصحاب النبي (وَلآي،
منهم أبي بن كعب ورافع بن خديج، وأخرج عن عكرمة عن ابن عباسٍ قال: (إنما الماء
من الماء في الاحتلام)، وقال: سمعت الجارود يقول: سمعت وكيعاً يقول: لم نجد
هذا الحديث إلا عند شريك عن ابن الجحاف، انتهى.
(١) ((أعلام الحديث)) (١ / ٣١٠).
(٢) ((سنن الترمذي)) (١١٠).

١٦٢
(٥) باب الغسل
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَلَمْ أَجِدْهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ. [ت: ١٢].
وقال التُّورِبِشْتِي(١): قول ابن عباس: (الماء من الماء في الاحتلام) قول منه، قاله
من طريق التأويل والاحتمال، ولو انتهى الحديث بطوله إليه؛ لم يكن ليأوله هذا التأويل،
وذلك أن أبا سعيد الخدري قال: (خرجت مع رسول الله وَّيه يوم الاثنين إلى قباء، حتى
إذا كنا في بني سالم وقف رسول الله وَّر على باب عتبان، فصرخ به فخرج يجرّ إزاره،
فقال رسول الله وَله: (أعجلنا الرجل)، فقال عتبان: يا رسول الله! أرأيت الرجل يعجل
عن امرأته ولم يمن ماذا عليه؟ قال رسول الله وَليه: (إنما الماء من الماء)، وهو حديث
صحيح أخرجه مسلم في كتابه(٢)، انتهى كلام التُّورِبِشْتِي.
وهذا كلام منه على ابن عباس وه بأنه إنما يجري تأويله بحسب الظاهر على
مجرد قوله: (الماء من الماء)، وهذا جزء من الحديث، وتمام الحديث يأبى عن هذا
التأويل، ويمكن أن يقال: إن قول ابن عباس هذا ليس تأويلاً للحديث وإخراجاً له بهذا
التأويل عن كونه منسوخاً، بل غرضه بيان حكم المسألة بعد العلم بكونه منسوخاً،
وحاصله أن عمومه منسوخ، فيبقى حكمه في الاحتلام، وأورده محبي السنة لتأييد القول
بالنسخ في الجملة، فافهم.
وأما قول المؤلف (رواه) أي: قول ابن عباس أنه في الاحتلام (الترمذي
ولم أجده في الصحيحين) فلا يتم اعتراضاً على صاحب (المصابيح)؛ لأنه يمكن
أن يكون ذكره هذا القول دفعاً للتعارض لا على أنه حديث من الصحاح ذكره في
الباب.
(١) ((كتاب الميسر)) (١/ ١٥٠).
(٢) ((صحيح مسلم)) (٣٤٣).

١٦٣
(٣) كتاب الطهارة
٤٣٣ - [٤] وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قَالَتْ أُمُّ سُلَيْمِ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ اللهَ
لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ، فَهَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إِذا احْتَلَمَتْ؟ قَالَ: ((نَعَمْ
إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ)) فَغَطَّتْ أُمُّ سَلَمَةَ وَجْهَهَا وَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ أَوَتَحْتَلِمُ
الْمَرْأَةُ؟ قَالَ: ((نَعَمْ تَرِبَتْ يَمِينُكِ،
٤٣٣ - [٤] (أم سلمة) قوله: (إن الله لا يستحيي من الحق) أي لا يأمر بالحياء
في الحق، كذا في بعض الشروح.
أقول: بل المعنى أنه تعالى نهى عن أن يستحيوا، وهذه توطئة للسؤال عما يستحيا
من السؤال عنه، و(من) في قوله: (من غسل) زائدة كما تزاد بعد النفي.
وقوله: (فغطت أم سلمة وجهها) يحتمل أن يكون من كلام زينب بنت أم سلمة
الراوية منها، ويحتمل أن يكون قول أم سلمة على سبيل الالتفات، والأول أظهر.
وقوله: (أو تحتلم المرأة؟) (١) المراد أوترى المرأة الماء في الاحتلام؟.
وقوله: (تربت يمينك) يقال: ترب الرجل: إذا افتقر، أي: لصق بالتراب،
وأترب: إذا استغنى، وهذه الكلمة جارية على ألسنة العرب لا يريدون بها الدعاء على
المخاطب، كقولهم: قاتله الله، وقيل: أراد به المثل ليرى المأمور به الجد، وأنه إن
خالفه فقد أساء، وقيل: هو دعاء على الحقيقة، فإنه رأى الحاجة خيراً لها، والأول هو
الوجه، ويراد به إنكار شيء، أو استعظامه، أو استحسانه، أو التعجب، أو المدح، أو
الذم بحسب المقام، كذا في (مجمع البحار) (٢)، ثم المشهور فيه (تربت يداك)، وفي
(١) لعلها أنكرتها لأنها لم تعلم لندرتها في النساء، وقال السيوطي: إن أمهات المؤمنين تكون
محفوظة عن الاحتلام تكريماً له وَلالجر. ((تنوير الحوالك)) (١/ ٧١)، و((أوجز المسالك))
(١ / ٥٤٣).
(٢) ((مجمع بحار الأنوار)) (١ / ٢٥٩).

١٦٤
(٥) باب الغسل
فَبِمَ يُشْبِهُهَا وَلَدُهَا؟)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٣٠، م: ٣١٣].
٤٣٤ - [٥] وَزَادَ مُسْلِمٌ بِرِوَايَةٍ أُمَّ سُلَيْمٍ: ((إنَّ مَاءَ الرَّجُلِ غَلِيظٌ أَنْيَضُ،
وَمَاءَ الْمَرْأَةِ رَقِيقٌ أَصْفَرُ، فَمِنْ أَيِّهِمَا عَلاَ أَوْ سَبَقَ يَكُونُ مِنْهُ الشَّبَهُ». [م: ٣١١].
٤٣٥ - [٦] وَعَنْ عَائِشَةَ لَّهُ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ
الْجَنَابَةِ بَدَأَ فَغَسَلَ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلاَةِ، ثُمَّ يُدْخِلُ أَصَابِعَهُ
فِي الْمَاءِ فَيُخَلِّلُ بِهَا أُصُولَ شَعَرِهِ،
هذا الحديث أسند إلى اليمين.
وقوله: (فبم يشبهها ولدها؟) أي: المرأة ولدها أحياناً، والظاهر أنه ليس هذا
القول منه * استدلالاً، بل الواقع معلوم له من عند الله، وهذا تنبيه وتفهيم لها بصورة
الاستدلال، والله أعلم.
٤٣٤ - [٥] (أم سليم) قوله: (إن ماء الرجل غليظ أبيض) لعله لكثرة غذائه
وقوة هضمه.
وقوله: (فمن أيهما) قال الطيبي(١): (من) زائدة، والمعنى: أي الماءين علا أو
سبق يكون منه الشبه، انتهى. ويمكن أن يجعل الضمير للرجل والمرأة، فتكون (من)
ابتدائية .
وقوله: (علا) أي: غلب وفاق.
وقوله: (الشبه) بفتحتين، هكذا الرواية.
٤٣٥ - [٦] (عائشة) قوله: (كما يتوضأ للصلاة) ظاهر في تقديم غسل الرجلين
على إفاضة الماء على جلده كله، والحديث الآتي يدل على تأخيره منه، ولعله کان کل
(١) ((شرح الطيبي)) (٢ / ٨١).

١٦٥
(٣) كتاب الطهارة
ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ ثَلاَثَ غَرَفَاتٍ بِيدَيْهِ، ثمَّ يُفِيضُ المَاءَ عَلَى جِلْدِهِ كُلِّهِ.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٤٨، م: ٣١٦].
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: يَبْدَأُ فَيَغْسِلُ يَدَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهُمَا الإِنَاءَ، ثُمَّ يُفْرِغُ
بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ فَيَغْسِلُ فَرْجَهُ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ. [م: ٣١٦].
واحد منهما تارة فتارة، ومذهبنا تأخير غسل الرجلين لحديث ميمونة ◌ً، وقال في
(الهداية)(١): وإنما يؤخر غسل رجليه لأنهما في مستنقع الماء المستعمل، فلا يفيد
الغسل، حتى لو كان على لوح لا يؤخر، انتهى.
ومحمل الحديثين يجوز أن يكون هذا، والله أعلم.
ثم ظاهر قوله: (كما يتوضأ للصلاة) أن يمسح رأسه أيضاً، وهو ظاهر الرواية عن
أبي حنيفة ، وفي رواية الحسن بن زياد عنه أنه لا يمسح؛ لأنه لا فائدة في المسح؛
لوجود إسالة الماء بعد، وذلك يعدم معنى المسح، بخلاف غسل سائر أعضاء الوضوء؛
لأن التسييل هو الموجود، فلم يكن التسييل بعده معدماً له، والصحيح ظاهر الرواية؛
لظاهر الحديث، وفي الحديث الآتي عن ابن عباس لم يقل: توضأ كما يتوضأ للصلاة،
بل قال: فمضمض واستنشق، وغسل وجهه وذراعيه، ثم صب على رأسه، فليس فيه
ذكر المسح لا صريحاً ولا ضمناً، وتمسك به المالكية في قولهم: إن وضوء الغسل
لا یمسح فیه الرأس.
وقوله: (ثلاث غرفات) بفتحات جمع غرفة بالفتح، كذا للكشميهني أحد رواة
البخاري، وفي الروايات الأخر (ثلاث غرف) بضم المعجمة وفتح الراء جمع غرفة،
وهي قدر ما يغرف من الماء بالكف، وقال بعض النحاة: إذا كان اللفظ جمع قلة وكثرة
(١) ((الهداية)) (١ / ١٩).

١٦٦
(٥) باب الغسل
٤٣٦ - [٧] وَعَنِ ابْن عَبَّاس ◌َ﴿﴾ قَالَ: قَالَتْ مَيْمُونَةُ: وَضَعْتُ لِلنَّبِيِّ
صَلى الله
غُسْلاً فَسَتَرْتُهُ بِثَوْبٍ، وَصَبَّ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ صَبَّ عَلَى يَدَيْهِ
فَغَسَلَهُمَا(١)، ثُمَّ صَبَّ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ فَغَسَلَ فَرْجَهُ، فَضَرَبَ بِيَدِهِ الأَرْضَ
فَمَسَحَهَا، ثُمَّ غَسَلَهَا فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ، ثُمَّ صَبَّ
عَلَى رَأْسِهِ، وَأَفَاضَ عَلَى جَسَدِهِ، ثُمَّ تَنَخَّى فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ، .
يضاف الثلاث وأخواتها إلى جمع القلة، والحديث حجة عليهم، وكلتا الروايتين
صحيحة، وكذا قوله: بعشر سور، وقوله تعالى: ﴿ثَمَنِىَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٧].
وقال الطيبي(٢): إن (فعلى) بضم الفاء وكسرها من صيغ جمع القلة عند الكوفيين،
ولا يجري هذا القول في قوله تعالى: ﴿ثَثَةَ قُرُوٍَ ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فتدبر.
٤٣٦ - [٧] (ابن عباس) قوله: (غسلاً) يروى بضم السين وسكونها، وكلاهما
بمعنی الماء الذي يغتسل به کما ذکرنا.
وقوله: (فسترته) أي: غطت رأس الماء(٣)، أو ضربت للنبي وَل﴿ ستراً.
وقوله: (فغسل فرجه) أي : باليد اليسرى.
وقوله: (فضرب بيده) أي: اليسرى على الأرض فمسحها؛ مبالغة في الإنقاء.
وقوله: (وأفاض على جسده) في (القاموس) (٤): الصب: الإراقة، وفاض الماء
فیضاً وفيضاناً: کثر حتى سال.
(١) (ثُمَّ صَبَّ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَهُمَا)) ليست هذه الجملة في البخاري، ((المرقاة)) (٢/ ٤٢٥).
(٢) («شرح الطيبي)) (٢ / ٨٢).
(٣) قال القاري: فَمَا قِيلَ مِنْ أَنَّ الصَّمِيرَ رَاجِعٌ إِلَى الْمَاءِ لَيْسَ بِسَدِيدٍ، ((مرقاة المفاتيح)) (٤٢٥/٢).
(٤) ((القاموس المحيط)) (ص: ٦٠٠).

١٦٧
(٣) كتاب الطهارة
فَنَاوَلْتُهُ ثَوْباً فَلَمْ يَأْخُذْهُ، فَانْطَلَقَ وَهُوَ يَنْفُضُ يَدَيْهِ. مُتَفَقٌ عَلَيْهِ. وَلَفْظُهُ
للْبُخَارِيِّ. [خ: ٢٧٦، م: ٣١٧].
٤٣٧ - [٨] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنَّ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ سَأَلْتِ النَّبِيَّ
عَنْ غُسْلِهَا مِنَ الْمَحِيضِ، .
صَلَ اللَّهـ
وَمَيَتَل
عيد
وقوله: (فناولته ثوباً) أي: قربته إليه للنّشْف.
وقوله: (فلم يأخذه) أي: لم ينشف به، وفي حديث آخر: (أتي بمنديل فلم
ينتفض به)، أي: لم يتمسح به، وفي رواية: (فلم ينفض بها) أي: بالمنديل بتأويل
الخرقة، وفي حديث آخر: (جعل ينفض بيده) أي: يمسح به وجهه ويزيل عنه الماء،
كذا في (المشارق)(١) للقاضي عياض، وقيل: إنما لم يأخذه لنحو وسخ فيه، واختلف
في أنه مكروه أو مندوب أو مستو واختاره النووي(٢)، والأولى أن لا ينشف بذيله وطرف
ثوبه ونحوهما، وقد حكي ذلك عن بعض السلف.
وأما قوله: (وهو ينفض يديه) يدل على جواز نفض اليدين، وقيل: المراد بنفض
اليدين ههنا تحريكهما في المشي كما هو دأب أهل القوة عند مشيهم، والنفض التحريك،
لا أنه ينفض يديه لينفض ما عليها من الطهور، فإنه منهي لما فيه من إماطة أثر العبادة،
كذا في بعض الشروح، وقد ورد (إذا توضأتم فلا تنفضوا أيديكم).
٤٣٧ - [٨] (عائشة) قوله: (عن غسلها) بضم الغين، (من المحيض) بمعنى
الحيض، يقال: حاضت المرأة حيضاً ومحيضاً ومحاضاً.
(١) ((مشارق الأنوار)) (٢/ ٣٧).
(٢) قال النووي (٣/ ٢٣١): وقد اختلف علماء أصحابنا في تنشيف الأعضاء في الوضوء والغسل
على خمسة أوجه، أشهرها أن المستحب تركه، ولا يقال: فعله مكروه، والثاني أنه مكروه،
والثالث أنه مباح يستوي فعله وتركه، وهذا هو الذي نختاره.

١٦٨
(٥) باب الغسل
فَأَمَرَهَا كَيْفَ تَغْتَسِل، ثُمَّ قَالَ: ((خُذِي فِرْصَةً مِنْ مِسْكٍ.
وقوله: (فأمرها) أي: علّمها، أو قال لها: اغسلي بهذه الكيفية.
وقوله: (خذي فرصة) بكسر الفاء، وقيل: مثلثة، قطعة من صوف أو قطن أو
خرقة، يقال: فرصه: قطعه وخرقه، وروي قرصة بقاف، أي: شيئاً يسيراً مثل القرصة
بطرف الإصبعين، والإقراص والتقريص: الدلك بأطراف الأصابع.
وقال الشيخ(١): وهم من عزا هذه الرواية للبخاري، وروي بقاف وضاد معجمة،
أي: قطعة من القرض بمعنى القطع، قال عياض: وقد صحف هذا اللفظ قديماً.
وقوله: (من مسك) الأشهر بكسر الميم، وظاهره أن الفرصة منه، وعليه قول
الفقهاء، قالوا: يستحب لها أن تأخذ شيئاً من المسك تطيب به، أو المراد فرصة مطيبة
به، فإن لم تجد فبطيب آخر لتزيل به ريح النتن، واستبعد هذا بأنهم لم يكونوا أهل
وسع يجدون المسك، ويروى (ممسكة) بفتح السين المشددة، وهي أيضاً بمعنى المطيب
بالمسك، وقيل: بمعنى مُتحمَّلة، أي: تحملينها معك، أو مُتحمَّلة في القبل، أو خَلَقَة
أُمسِكَتْ كثيراً، كأنه أراد لا تستعمل جديداً من القطن والصوف؛ للارتفاق به في نحو
الغزل، أو لأن الخلق أصلح وأوفق، وقيل: هو من التمسك باليد، ويروى (ممسكة)
بكسر السين، أي: ذات إمساك.
وفي (مجمع البحار)(٢): أن كل هذا تكلف، وما عليه الفقهاء أنه يستحب لها
أن تأخذ شيئاً من المسك تطيب به، أو تطيب الخرقة به، هذا وقد يروى (من مسك)
بفتح الميم بمعنى الجلد، وتجعل (ممسكة) أيضاً بهذا المعنى، أي: ذات مسك، أي:
جلد، أي: قطعة صوف بجلد؛ لأنه أضبط لها، وبالفتح قيده الأصيلي، ورواه مسلم،
(١) ((فتح الباري)) (١ / ٤١٥).
(٢) («مجمع بحار الأنوار)) (٤ / ٥٩٦).

١٦٩
(٣) كتاب الطهارة
فَتَطَهَّرِي بِهَا)) قَالَتْ: كَيفَ أَنَطَهَّرُ؟ فَقَالَ: ((تَطَهَّرِي بِهَا)) قَالَتْ: كَيفَ أَتَطَهَّرُ
بَها؟ قَالَ: ((سُبْحَانَ الله تَطَهَّرِي بِهَا)) فَاجْتَبَذْتُهَا إِلَيّ فَقُلْتُ: تَبَّعِي بِهَا أَثَرَ الدَّمِ.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣١٤، م: ٣٣٢].
٤٣٨ - [٩] وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ
ضَفْرَ رَأْسِي، أفَنْقُضُهُ لِغُسْلِ الْجَنَبَةِ؟ فَقَالَ: ((لاَ، إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِيَ عَلَى
رَأْسِكِ ثَلاَثَ حَثَيَاتٍ،
أي: قطعة جلد، وبالكسر رواية الطبري عن مسلم، وبعض رواة البخاري، وكذا رواها
الشافعي رحمه الله، والفتح أرجح، ورجح النووي الكسر لرواية (ممسكة)، وتعقب بأن
الخطابي قال: ممسكة: مأخوذة باليد، يقال: مسكته وأمسكته.
وقوله: (فتطهري بها) وفي رواية: (فتوضئي بها) أي: تنظفي بها، أو تطيبي بها،
وقد يرجح به رواية المسك بالفتح، وإلا فالظاهر أن يقال: فتطيبي بها، وسياق الحديث
أيضاً يدل على ذلك، والله أعلم.
وقوله: (فاجتبذتها) بتقديم الباء على الذال، من الجبذ مقلوب الجذب، وفي
بعض النسخ (فاجتذبتها) وقيل: وهذا أصح، والله أعلم.
٤٣٨ - [٩] (أم سلمة) قوله: (أشد ضفر رأس): (صفر) بفتح ضاد وسكون
فاء، هو المشهور من الرواية، وضفر الشعر: نسجه وفتله وإدخال بعضه في بعض،
ومنه قيل للحبل: ضفير، أي: أحكم فتل شعري وأعمله ضفائر، وهي الذوائب
المضفورة، قيل: هو ضفر بضم الضاد والفاء جمع ضفيرة، ولا يصح رواية.
وقوله: (أن تحثي) بكسر المثلثة وبسكون الياء، أصله: تحثين على صيغة
المخاطبة، سقط نونه بـ (أن)، وأصل (تحثين) تحثوين؛ كتضربين أو تنصرين، فحذف
حرف العلة بعد نقل حركةٍ أو حذفها، وحذفت النون للنصب.

١٧٠
(٥) باب الغسل
ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْكِ الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٣٣٠].
٤٣٩ - [١٠] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َهِ يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ، وَيَغْتَسِلُ
بِالصَّاعِ إِلَى خَمْسَةٍ أَمْدَادٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٠١، م: ٣٢٥].
٤٤٠ - [١١] وَعَنْ مُعَاذَةَ قَالَتْ: قَالَتْ عَائِشَةُ ◌َ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا
وَرَسُولُ اللهِ وَلـ
•
وقوله: (ثم تفيضين) بضم التاء مستأنف لا عطف، وإلا سقطت النون، و(ثلاث
حثيات) بالفتحات، أي: ثلاث غرفات بیدیه، جمع حثية.
وفي الحديث دليل على عدم وجوب نقض الضفائر للمرأة، ومذهبنا أنه يكفي
لذات الضفيرة أن تبل أصلها، وهو الأصح.
٤٣٩ - [١٠] (أنس) قوله: (يتوضأ بالمد) هو بالضم رطل وثلث رطل، والصاع
أربعة أمداد، وقد جاء في رواية، وهذا الحساب مبهم علينا، وقد بيَّنَّه على وفق حساب
ديارنا في (شرح سفر السعادة)(١)، فليطلب ثمة، وقد جاء في رواية الوضوء بثلثي المد،
وجاء الغسل بثلاثة أمداد، وقالوا: ليس واحد منها تقديراً بحيث لا يسع أقل وأكثر منها،
بل المقصود الإسباغ، فلو فعل بأكثر جاز ما لم يبلغ حد الإسراف، أو بأقل ما لم يخل
بحد الإنقاء جاز.
٤٤٠ - [١١] (معاذة) قوله: (كنت أغتسل أنا ورسول الله (صّر) عطف على الضمير
المستكن في (أغتسل) لتأكيده بالمنفصل.
فإن قلت: كيف العطف بتكرير العامل، وكيف يستقيم ذلك، إذ لا يقال: اغتسل
رسول الله؟ قلت: هو تغليب المتكلم على الغائب كما غُلَّبَ المخاطبُ على الغائب
(١) انظر: ((شرح سفر السعادة)) (ص: ٣٠).

١٧١
(٣) كتاب الطهارة
مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، فَيُبَادِرُنِي حَتَّى أَقُولَ: دَعْ لِي دَعْ لِي، قَالَتْ: وَهُمَا
جُنُبَانِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١). [م: ٣٢١].
في قوله تعالى: ﴿أَسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥] كذا قال الطيبي(٢).
وقال المحقق التفتازاني في قول الشاعر(٣):
وإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي
في جواب من قال: كيف يصح إسناد الفعل الغائب إلى ضمير المتكلم: (أنا)؟
لا نسلم أن الفعل غائب؛ لأن غيبة الفعل وتكلمه وخطابه باعتبار المسند إليه، فالفعل
في نحو: لا يقوم إلا أنا وأنت لا يكون غائباً، فعلى هذا القياس يقال ههنا: لا نسلم أن
(أغتسل) صيغة متكلم، إنما تكلمه باعتبار إسناده إلى ضمير المتكلم، وأما باعتبار إسناده
إلى المعطوف هو صيغة غائب، فتدبر.
وقوله: (من إناء واحد ... إلخ) وفي (صحيح البخاري): (من إناء واحد من
قدح يقال له: الفَرَق)، وفي (القاموس) (٤): الفَرَق: مكيال يسع ثلاثة آصع .
(١) قال في «المرقاة)) (٢/ ١٤٤): قال السيد جمال الدين: فيه نظر؛ لأن البخاري لم يقل: فيبادرني
حتى أقول: دع لي دع لي، وإنما هو من أفراد مسلم.
(٢) ((شرح الطيبي)) (٢/ ٨٥).
(٣) هو الفرزدق، وتمام البيت:
أَنَا الذّائدُ الحامي الذِّمارَ وَإِنَّمَا
يدافع عَن أحسابهم أنَا أَو مثلي
كذا في ((معاهد التنصيص على شواهد التلخيص)) (١ / ٢٦٠)، وفي ((خزانة الأدب ولب لباب
لسان العرب» (٤ /٤٦٥):
أَنَا الضّامنِ الرّاعي عَلَيْهِم وإنّما ... إلخ
(٤) ((القاموس المحيط)) (ص: ٨٤٥).

١٧٢
(٥) باب الغسل
فيه دليل على أن الجنب إذا أدخل يده في الماء لا يؤثر فيه إلا إذا أدخل بنية غسلها .
وقال الشُّمُنِّي عن (المحيط)(١): لو أدخل الجنب يده في الماء لا يضره استحساناً؛
لأنه ربما لا يمكنه استعمال الماء إلا بالاغتراف منه، فسقط اعتباره دفعاً للضرورة، حتى
لو قصد به غسل اليد يفسد الماء؛ لأن الضرورة تندفع إذا لم ينو الغسل، فإن أدخل
فيه غير اليد من الأعضاء يفسده؛ لأنه لا ضرورة فيه، انتهى.
والمختار من مذهب أحمد بن حنبل(٢) رحمه الله أن غمس المحدث أو الحائض
أو الجنب يده في الماء أو غيرها من الأعضاء لا يؤثر فيه شيئاً؛ لطهارة بدنيهما حقيقة،
إلا أن يكون لرفع الجنابة، وفي رواية: يفرق بين المحدث والجنب، بأن الأول لا يؤثر،
والثاني يؤثر.
هذا، والحديث الآتي في آخر (باب مخالطة الجنب) يقتضي أن يقيد باغترافهما
معاً، وإلا يلزم اغتسال كل واحد بفضل ماء الآخر، والحديث صريح في سبقته (90
ومبادرته إلى الاغتراف قبل أن تغترف عائشة ◌َ﴾، ومع وجود الاغتراف معاً يلزم في
المرة الثانية اغتسال كل واحد منهما بفضل ماء الآخر كما لا يخفى، اللهم إلا أن يقيد
ذلك الحديث الآتي بأن لا يكون اغترافهما من إناء واحد في زمان واحد، والله أعلم.
وقال محمد رحمه الله في (موطئه)(٣): أخبرنا مالك حدثنا نافع عن ابن عمر ظلئها:
كان الرجال والنساء يتوضؤون جميعاً في زمن رسول الله وَ الر، قال محمد: لا بأس بأن
تتوضأ المرأة وتغتسل مع الرجل من إناء واحد إن بدأت قبله أو بدأ قبلها، وهو قول
(١) ((المحيط البرهاني)) (١ / ١٣٣).
(٢) انظر: ((المغني)) لابن قدامة (١ / ١٦٦).
(٣) انظر: ((التعليق الممجد)) (١ / ٨٣، ح: ٣٦).

١٧٣
(٣) كتاب الطهارة
الْفَصْلُ الثَّانِي:
*
٤٤١ - [١٢] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِنَّهِ عَنِ الرَّجُلِ يَجِدُ
الْبَلَلَ وَلاَ يَذْكُرُ اخْتِلاَمَاً، قَالَ: (يَغْتَسِلُ))، وَعَنِ الرَّجُلِ يَرَى أَنَّهُ قَدِ احْتَلَمَ
وَلاَ يَجِدُ بَلَلاً، قَالَ: ((لاَ غُسْلَ عَلَيْهِ). قَالَتْ أُمُّ سُلَيْمِ: هَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ تَرَى
ذَلِكَ غُسْلٌ؟ قَالَ: ((نَعَمْ، إِنَّ النِّسَاءَ شَقَائِقُ الرِّجَالِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو
دَاوُدَ، وَرَوَى الدَّارِمِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ إِلَى قَوْله: ((لاَ غُسْلَ عَلَيْهِ)). [ت: ١١٣،
د: ٢٣٦، دي: ١ / ١٩٥، جه: ٦١٢].
أبي حنيفة رحمه الله، وأجيب عن هذا الإشكال بأن تلك عزيمة وهذه رخصة، وسيأتي
له تأويل آخر نذكره ثمة .
الفصل الثاني
٤٤١ - [١٢] (عائشة) قوله: (هل على المرأة ترى ذلك غسل؟) ظاهره أنه
سؤال عن وجوب الغسل على امرأة ترى البلل، والمقصود السؤال عن رؤيتها البلل
هل يخرج منها بلل في الاحتلام لندرة وقوعه؟ فأجاب لهم بأن النساء نظائر الرجال في
الخلق والطباع، يظهر ويوجد منهن ما يوجد منهم من الطبيعيات، ويجوز أن يكون
معنى قوله: (النساء شقائق الرجال) الاشتراك في أحكام الشرع، والله أعلم.
و(شقائق) جمع شقيقة، وكل ما شق نصفين فكل منهما شقيق الآخر، ولذلك
يقال للأخ: شقيق لكونهما مشقوقين من أصل واحد، فالمرأة والرجل شقيقان لكونهما
من أصل واحد وهو آدم ، هكذا يفهم من عبارة (القاموس)(١) في معنى الشقيق،
وأما قول الطيبي: كأنهن شققن منهم ربما ينظر إلى خلاف ذلك، فافهم.
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٨٢٧).

١٧٤
(٥) باب الغسل
٤٤٢ - [١٣] وَعَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِّهِ: ((إِذَا جَاوَزَ الْخِتَانُ
الْخِتَانَ وَجَبَ الْغُسْلُ)). فَعَلْتُهُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِنَ ﴿ فَاغْتَسَلْنَا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ
وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ١٠٨، جه: ٦٠٨].
وقال الترمذي(١): إن وجوب الغسل برؤية البلل من غير احتلام قول غير واحد
من أهل العلم من أصحاب النبي ◌َّ والتابعين، وهو قول سفيان وأحمد، وقال بعض
أهل العلم: إنما يجب الغسل إذا كانت البلة بّة نطفة، وهو قول الشافعي وإسحاق
رحمهما الله، وإذا رأى احتلاماً ولم يربلة فلا غسل عليه عند عامة أهل العلم،
انتھی .
ومذهب إمام أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله أنه إذا رأى المستيقظ بللا مِنِيًّا كان
أو مذيًّا وجب الغسل، يتذكر الاحتلام أو لم يتذكر، وإذا لم ير بللاً لا يجب الغسل
وإن تذكر الاحتلام، وقال الشمني: قال أبو يوسف: لا غسل إذا رأى مذيًّا ولم يتذكر
الاحتلام؛ لأن خروج المذي يوجب الوضوء لا الغسل، ومتمسكهما هذا الحديث.
ولو نام رجل وامرأة في فراش واحد فلما استيقظا وجدا في الفراش بللاً لا يعرف
من أيهما، قيل: إن كان أصفر فعلى المرأة الغسل، وإن كان أبيض فعلى الرجل،
وقيل: إن وقع طولاً فمن الرجل، وإن وقع عرضاً فمن المرأة، والاحتياط أن يغتسلا
جميعاً.
٤٤٢ - [١٣] (عائشة) قوله: (إذا جاوز الختان الختان) المراد التقاؤهما ومحاذاتهما
كما جاء في حديث آخر عن عائشة : ومس الختان الختان، ثم هذا باعتبار الغالب،
فإنه يجب الغسل فيما إذا لفّ على عضوه خرقة ثم جامع.
(١) ((سنن الترمذي)) (١١٣).

١٧٥
(٣) كتاب الطهارة
٤٤٣ - [١٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَِّ: ((تَحْتَ كُلِّ
شَعْرَةٍ جَنَبٌَّ، فَاغْسِلُوا الشَّعْرَ، وَأَنَّقُوا الْبَشَرَةَ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ
مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَالْحَارِثُ بْنُ وَجِيهِ الرَّاوِي ...
والختان من الختن، وهو قطع غرلة (١) الولد، والختان موضعه، وهو من الذكر
جلدة حشفة الذكر، ومن المرأة جلدة عالية مشرفة على محل الإيلاج فوق أعلى الفرج
كُعُرف الديك، هذا (وجاوز) بالزاي المعجمة، وقد وجد في بعض النسخ بخط بعض
الأفاضل من متعاطي هذا الكتاب في حاشيته (جاور) بالراء المهملة، وهو أنسب بمعنى
الالتقاء، ولكن لم نجد في الشروح روايتها وذكرها، والله أعلم.
٤٤٣ - [١٤] (أبو هريرة) قوله: (تحت كل شعرة) في (القاموس)(٢): الشعر
ويحرك: نِبْتَةُ الجسم مما ليس بصوف ولا وبر، والجمع أشعار وشعور وشِعار، والواحدة
شعرة .
وقوله: (فاغسلوا الشعر) أي: استقصوا في غسل الشعر بحيث يصل الماء إلى
ما تحته ويتغسل، (وأنقوا) من الإنقاء. و(البشرة) ظاهر جلد الإنسان مما ليس تحت
الشعر، أي: أنقوها من الوسخ مبالغة في الغسل، ثم الظاهر أنه عطف على قوله:
(فاغسلوا الشعر)، فيفيد بظاهره ترتبه على كون الجنابة تحت كل شعرة، وفيه من الخفاء
ما لا يخفى، إلا أن يراد بكون الجنابة تحت كل شعرة إحاطتها وشمولها كل جزء من
البدن، فافهم .
وقوله: (والحارث بن وجيه) قال الترمذي: لا نعرفه إلا من حديث الحارث بن
و جیه .
(١) الغرلة بالضم: القلفة.
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٣٨٨).

١٧٦
(٥) باب الغسل
- وَهُوَ شَيْخٌ - لَيْسَ بِذلِكَ. [د: ٢٤٨، ت: ١٠٦، جه: ٥٩٧].
وقوله: (وهو شيخ) أي: كبير غلب عليه النسيان والغفلة.
وقوله: (ليس بذلك)(١) أي: ليس بقوي، والإشارة بـ (ذاك) إلى البعيد، وهو
نفي الكمال، وقال: وقد روى عنه غير واحد من الأئمة، وقوله: (وجيه) قال في
(التقريب)(٢): على وزن عظيم، وقيل: بفتح الواو وسكون الجيم بعدها موحدة، الراسبي
أبو محمد البصري، ضعيف، من الثامنة، انتهى. وقد صحح في بعض النسخ: (وجنة)
بالنون، وفي بعضها: (وجيه) بصيغة التصغير، والله أعلم.
وفي (الكاشف)(٣) للذهبي: الحارث بن وجيه الراسبي عن مالك بن دينار، وعنه
المقدمي ونصر بن علي، ضعفوه، وفي (التهذيب)(٤): قال يحيى بن معين: ليس
بشيء، وضعفه النسائي، وقال البخاري وأبو حاتم: في حديثه بعض المناكير، وقال ابن
عدي: لا أعلم له رواية إلا عن مالك بن دينار، يروي عنه أبو داود والترمذي وابن ماجه
(١) أي: الْمَقَامِ الَّذِي يُوثَّقُ بِهِ، كَذَا فِي الطَّيِيِّ، وهذا يَقْتَضِي أَنَّ قَوْلَهُ: (وَهُوَ شَيْخٌ) لِلْجَرْحِ، وَهُوَ
مُخَالِفٌ لِمَا عَلَيْهِ عَامَّةُ أَصْحَابِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ؛ مِنْ أَنَّ قَوْلَهُمْ: (شَيْخٌ) مِنْ أَلْفَاظِ التَّعْدِيلِ،
فَعَلَى هَذَا يَجِيءُ إِشْكَالٌ آخَرُ فِي قَوْلِ التِّرْمِذِيِّ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُمْ: (لَيْسَ بِذَاكَ) مِنْ أَلْفَاظِ الْجَرْحِ
اتِّفَافاً، فَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي شَخْصٍ وَاحِدٍ جَمْعٌ بَيْنَ الْمُتَنَافِيَينِ، فَالصَّوَابُ أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ: (وَهُوَ
شَيْخٌ)، عَلَى الْجَرْحِ بِقَرِينَةٍ مُقَارَتِهِ بِقَوْلِهِ: (لَيْسَ بِذَاكَ)، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَلْفَاظِ التَّعْدِيلِ، وَالإِشْعَارِهِ
بِالْجَرْحِ؛ لِأَنَّهُمْ وَإِنْ عَدُّوهُ فِي أَلْفَاظِ التَّعْدِيلِ صَرَّحُوا أَيْضاً بِشْعَارِهِ بِالْقُرْبِ مِنَ الثَّجْرِيحِ، أَوْ
نَقُولُ: يجوز أَنْ يُعَدَّلَ بِاعْتِبَارِ الصَّفَةِ الأُولَى - الْعَدَالَة -، وَيَجُوزُ أَنْ يُجْرَحَ بِاعْتِبَارِ الصِّفَةِ الثَّانِيَّةِ
- الضّبْط -. انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (٢/ ٤٢٩).
(٢) ((تقريب التهذيب)) (١٤٨).
(٣) ((الكاشف)) (١ / ١٤١).
(٤) ((تهذيب التهذيب)) (٢ / ١٤١).

١٧٧
(٣) كتاب الطهارة
٤٤٤ _ [١٥] وَعَنْ عَلِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَِّ: ((مَنْ تَرَكَ مَوْضعَ
شَعَرَةٍ مِنْ جَنَابَةٍ لَمْ يَغْسِلْهَا فُعِلَ بِهَا كَذَا وَكَذَا مِنَ النَّارِ)). قَالَ عَلَيٍّ: فَمِنْ ثمَّ
عَادَيْتُ رَأْسِي، فَمن ثمَّ عَادَيْتُ رَأْسِي، فَمِنْ ثَمَّ عَادَيْتُ رَأْسِي ثَلاَناً. رَوَاهُ
أَبُو دَاوُدَ وَأَحْمَدُ وَالدَّارِمِيُّ، إِلَّ أَنَّهُمَا لَمْ يُكَرِّرًا: فَمِنْ ثُمَّ عَادَيْتُ رَأْسِي.
[د: ٢٤٩، حم: ١ / ٩٤، ١٠١، ١٣٣، دي: ١ / ١٩٢].
٤٤٥ - [١٦] وَعَنْ عَائِشَةَ ﴾ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ لاَ يَتَوَضَّأُ بَعْدَ
الْغَسْلِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٢٥، ت: ١٠٧،
ن: ٢٥٢، جه: ٥٧٩].
حديثاً واحداً، وهو قوله ◌َله: (تحت كل شعرة جنابة، فاغسلوا الشعر وأنقوا البشرة).
٤٤٤ - [١٥] (علي) قوله: (لم يغسلها) الظاهر بالنظر إلى المعنى أن يكون
الموضع أنثه باعتبار المضاف إليه، وكذا في قوله: (بها)، والباء للسببية، و(كذا وكذا)
كناية عن العدد، أي: كذا وكذا عذاباً أو زماناً، وفي قوله: (عاديت رأسي) مبالغة،
والمراد عاديت شعر رأسي، أي: عاملت معه معاملة المعادي من القطع والجزّ، وهو
كناية عن دوام الحلق.
وقوله: (إلا أنهما لم يكررا: فمن ثم عاديت رأسي) قد توهم العبارة أن يكون
المراد أنهما لم يذكرا (فمن ثم عاديت رأسي) مكرراً، بل قالا: فمن ثم عاديت رأسي
ثلاثاً، لكن المراد أنهما لم يرويا تكرار هذا القول أصلاً، ولفظ الدارمي هكذا: من
ترك موضع شعرة من جنابة لم يصبها الماء، فعل بها كذا وكذا من النار، قال علي:
فمن ثم عادیت رأسي، وكان يجز كل شعرة.
٤٤٥ - [١٦] (عائشة) قوله: (لا يتوضأ بعد الغسل) الظاهر بالنظر إلى الأحاديث

١٧٨
(٥) باب الغسل
٤٤٦ - [١٧] وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ وَّه يَغْسِلُ رَأْسَهُ بِالْخِطْمِيِّ وَهُوَ
جُنُبٌ يَجْتَزِئُ بِذَلِكَ، وَلاَ يَصُبُّ عَلَيْهِ الْمَاءَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٥٦].
٤٤٧ - [١٨] وَعَنْ يَعْلَى قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِوَ رَأَى رَجُلاً يَغْتَسِلُ
بِالْبَرَازِ، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ الله وَأَثْنِى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّ اللهَ حَيِيٍّ سِتِيرٌ
يُحِبُّ الْحَيَاءَ وَالتَّسَتُّرَ، فَإِذَا اغْتَسَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَتِرْ). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ،
وَفِي رِوَايَتِهِ قَالَ: ((إِنَّ اللهَ سِتِّيرٌ، فَإِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَغْتَسِلَ فَلْيَتَوَارَ بِشَيْءٍ)).
[د: ٤٠١٢، ن: ٤٠٦].
الناطقة بأنه وهل كان يتوضأ قبل الغسل، أن يكون المراد أنه كان يكتفي بوضوء قبل
الغسل، ويحتمل أن يكون المراد أنه كان يكتفي بالغسل عن الوضوء ولا يتوضأ على
حدة؛ لأنه إذا ارتفع الحدث الأكبر ارتفع الأصغر، والله أعلم.
٤٤٦ - [١٧] (عائشة) قوله: (بالخطمي) بكسر الخاء: نبت يغسل به الرأس،
ويجوز فتح الخاء.
وقوله: (يجتزئ بذلك) أي: يصب الماء الذي يزيل به الخطمي، ولا يصب
الماء الآخر بعد إزالته، فافهم.
ولعل ذلك الخطمي لم يغير الماء لقلته، كذا قال الشيخ ابن حجر(١).
٤٤٧ - [١٨] (يعلى) قوله: (يغتسل بالبراز) أي: بالصحراء عرياناً، كذا في
شرح الشيخ، والبراز: الفضاء الواسع.
وقوله: (إن الله حبي) على وزن حري، و(ستير) بكسر السين على وزن الصديق
(١) انظر: ((فتح الباري)) (١ / ٣٧٠).

١٧٩
(٣) كتاب الطهارة
الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
*
٤٤٨ - [١٩] عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: إِنَّمَا كَانَ الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ رُخْصَةً
فِي أَوَّلِ الإِسْلاَمِ ثُمَّ نُهِيَ عَنْهَا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ والدَّارِمِيُّ. [ت: ١١٠،
١١١، د: ٢١٤، دي: ٢ / ٤١٤].
بالتشديد، وصحح أيضاً بفتح السين والتخفيف (فعيل) بمعنى (فاعل)، أي: لا يفضح
عباده ويستر قبائحهم، فلابد للعباد أن يتخلقوا مهما أمكن بالحياء والستر،
فافهم .
الفصل الثالث
٤٤٨ - [١٩] (أبي بن كعب) قوله: (إنما كان الماء من الماء رخصة) أي: كانت
أحكام الطهارة مثل تلاوة القرآن ودخول المسجد ونحوهما جائزاً للذي جامع ولم ينزل
لعدم وجوب الغسل عليه.
وقوله: (ثم نهي عنها) بإيجاب الغسل، وذكر الزركشي في (شرح كتاب
الخرقي)(١) عن رافع بن خديج قال: ناداني رسول الله يَّ وأنا على بطن امرأتي، فقمت
ولم أنزل، فاغتسلت وخرجت، فأخبرته فقال: (لا بأس عليك، إنما الماء من الماء)،
قال رافع: ثم أمرنا رسول الله وَّ﴿ بعد ذلك بالغسل، رواه أحمد(٢)، وقال سهل بن
سعد: حدثني أُبَيُّ أن الفتيا التي كانوا يفتون أن الماء من الماء كانت رخصة، رخصها
رسول الله وَلقرّ في بدء الإسلام، ثم أمرنا بالاغتسال بعد ذلك، رواه أبو داود، وصرح
بذلك جماعة من العلماء.
(١) ((شرح الزركشي على مختصر الخرقي)) (١ / ٨٦).
(٢) ((مسند أحمد)) (٤/ ١٤٣).

١٨٠
(٥) باب الغسل
٤٤٩ - [٢٠] وَعَنْ عَلَيٍّ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ وَهِفَقَالَ: إِنِّي
اغْتَسَلْتُ مِنَ الْجَنَبَةِ وَصَلَّيْتُ الْفَجْرَ، فَرَأَيْتُ قَدْرَ مَوْضِعِ الظُّفُرِ لَمْ يُصِبْهُ
الْمَاءُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: ((لَوْ كُنْتَ مَسَحْتَ عَلَيْهِ بِيَدِكَ أَجْزَأَكَ)). رَوَاهُ ابْنُ
مَاجَهْ. [جه: ١٣٨].
٤٥٠ - [٢١] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَتِ الصَّلاَةُ خَمْسِينَ، وَالْغُسْلُ
مِنَ الْجَنَابَةِ سَبْعَ مَرَّاتٍ، وَغَسْلُ الْبَوْلِ مِنَ الثَّوْبِ سَبْعَ مَرَّاتٍ، فَلَمْ يَزَلْ
رَسُولُ اللهِوَهِ يَسْأَلُ حَتَّى جُعِلَتِ الصَّلاَةُ خَمْساً، وَغُسْلُ الْجَنَبَةِ مرَّةً، وَغَسْلُ
الثَّوْبِ مِنَ الْبَوْلِ مَرَّةً.
٤٤٩ - [٢٠] (علي) قوله: (لو كنت مسحت عليه بيدك أجزأك) أي: لو أوصلت
يدك مع ما فيها من البلل بتلك اللمعة حال اغتسالك أو بعد ذلك بفضل ماء لأجزاك،
والمراد غسلها، وإنما عبر بالمسح لأنه متضمن لانغسالها، إذ الغالب أن البدن إذا مرت
عليه اليد مبلولة يكفيه في الغسل ههنا، فيلزمه غسل تلك اللمعة، ويلزم إعادة ما صلاه
من الفرض قبل غسلها، كذا يفهم من شرح الشيخ.
٤٥٠ _ [٢١] (ابن عمر) قوله: (كانت الصلاة خمسين، والغسل من الجنابة
سبع مرات، وغسل البول من الثوب سبع مرات) الظاهر أن ذلك ليلة المعراج، والمشهور
في أحاديث المعراج في ((الصحيحين)) وغيرهما هو ذكر الصلوات فقط.
وقوله: (وغسل الثوب من البول مرة) وهذا هو مذهب الشافعي رحمه الله، وتثليث
الغسل مندوب، وعندنا التثليث في نجاسة غير مرئية واجب، وقوله: (وغسل الثوب
من البول)، قال أولاً: (غسل البول من الثوب)، وكلا العبارتين صحيحة، والمراد في
الأول معنى الإزالة، وفي الثانية معنى التطهير والإنقاء.