Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
(٣) كتاب الطهارة
وهذا الحديث رواه أصحاب الكتب الستة، وقال أبو أيوب: قدمنا الشام فوجدنا
مراحيض قد بنيت قبل القبلة فننحرف عنها ونستغفر الله، وإنما استغفر مع الانحراف
عنها؛ لأنه اعتقد أنه منكر فاستغفر من رؤيته، وترك التشدد في تغييره.
وقال التُّورِبِشْتِي(١): والنظر يقتضي التسوية بين الصحارى والأبنية؛ لأنا لم نجد
للنهي وجهاً سوى احترام القبلة، ككراهة مواجهة تلك الجهة بالبزاق والنخامة ومد
الرجل .
وتمسك الشافعي بحديث ابن عمر ط﴾ قال: ارتقيت فوق بيت حفصة لبعض
حاجتي فرأيت النبي ولي يقضي حاجته مستدبر القبلة مستقبل الشام.
وأجيب عنه بأنه يحتمل أن يكون ذلك قبل النهي، ويحتمل أنه قد انحرف عن
سمت القبلة شيئاً يسيراً بحيث خفي على ابن عمر ﴿﴾ لأنه لم يتعمق في ذلك ولم يكن
المقام مقامه .
وقال التُّورِبِشْتِي: وقد جاء في بعض طرق الصحاح أن ابن عمر قال: يقول
ناس: إذا قعدت للحاجة فلا تقعد مستقبل القبلة ولا بيت المقدس، ولقد ارتقيت على
ظهر بيت حفصة څ فرأيت رسول الله ﴾﴾ مستقبلاً بیت المقدس لحاجته، فليس استدبار
القبلة مذكوراً فيه، وإنما أنكر على من قال بالنهي عن استقبال بيت المقدس، انتهى.
فإن قلت: إذا كان مستقبلاً لبيت المقدس فقد يستدبر الكعبة ضرورة لأنهما
متسامتان في المدينة؛ لأن المدينة متوسطة بين مكة وبيت المقدس، وكلاهما في ناحية
الشمال من مكة كما يرى ذلك في مسجد القبلتين الذي نسخت فيه قبلة بيت المقدس،
بني محراب كل منهما مسامتاً للآخر.
(١) ((كتاب الميسر)) (١/ ١٣٠).

٦٢
(٢) باب آداب الخلاء
قلنا: ليس الأمر كذلك في التحقيق، ولا يقع سمت القبلة بالمدينة على السواء
من بيت المقدس، وإن ذكره بعض العلماء بناء على الظاهر فذلك مبني على التقريب،
ويعلم ذلك بالحس من النظر في مطالع البروج ومغاربها، وبالحساب بمعرفة طول
البلدين وعرضهما؛ فإن طول المدينة خمس وسبعون درجة وعشرون دقيقة، وعرضها
خمس وعشرون درجة، وطول بيت المقدس ست وستون درجة وعشرون دقيقة،
وعرضها أحد وعشرون درجة وأربعون دقيقة، فلا يكون مسامتين على ما ذكره
التُّورِبِشْتِي، والله أعلم.
فإن قلت: في حديث جابر أنه قال: نهى رسول الله صل﴿ أن نستقبل القبلة ببول،
فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها، وهذا يدل على أن الرخصة كان آخر الأمرين، فلا
يجوز القول بنسخه .
قلنا: قال الترمذي: حديث جابر غريب حسن، فلا يقاوم حديث أبي أيوب وهو
صحيح، على أنه يحتمل أنه انحرف عنها يسيراً ولم يشعر به جابر، أو كان في بعض
أسفاره بحيث تشتبه القبلة فيه فحسب أنه متوجه إلى جهة الكعبة ولم يكن كذلك، على
أنه يحتمل بعد أن الرخصة نسخت ثانياً؛ لكونه قبل أن يقبض بعام، وهذه الاحتمالات
وإن كانت لا تخلو عن بعد لكنها تجمع الأحاديث، وأحاديث النهي كثيرة راجحة،
والاحتياط في ذلك.
ثم اعلم أن الوجه في قول الشافعي بالرخصة في البنيان ليس مبنيًّا على أن الستر
في ظاهر ما يرى حاصل في البنيان دون الصحراء كما يتبادر إلى الفهم، بل الوجه كما
قالوا هو أن الصحراء لا تخلو عن مصلٍّ من ملك أو جني أو إنسي، فإذا قعد مستقبل
القبلة أو مستدبرها ربما يقع نظر مصلٍّ على عورته، وهذا المعنى مأمون في البنيان،

٦٣
(٣) كتاب الطهارة
٣٣٦ - [٣] وَعَنْ سَلْمَانَ قَالَ: نَهَانَاَ - يَعْنِي رَسُولَ اللهِنَّهِ - أَنْ نَسْتَقْبِلَ
الْقِبْلَةَ لِغَائِطِ أَوْ بَوْلٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ .
كذا قال الطيبي(١)، ولكن ما يجيء في الفصل الثالث من حديث مروان الأصفر من
قول ابن عمر لهما: إنما نهى عن ذلك في الفضاء، فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك
فلا بأس؛ ينظر إلى ما يتبادر.
٣٣٦ - [٣] (سلمان ) قوله: (وأن نستنجي) وفي بعض النسخ بـ (أو) في
المواضع الثلاثة، ونفي أحد الأمور مبهماً يقتضي العموم، والنجو: ما يخرج عن البطن،
يقال: نجى فلان: أحدث، ونجى الحدث: خرج، والسين في الاستنجاء للطلب،
أي: طلب النجو ليزيله، والاستنجاء يجيء بمعنى إخراج العذرة من البطن، وبمعنى
إزالته عن بدنه بالغسل أو المسح، والأول: من النجو وهو ما ارتفع من الأرض كأنه
يطلبها ليجلس تحتها، والثاني: من نجى الشجرة وأنجاها واستنجاها: قطعها، أو من
نجى الجلد: كشطه، وذكر الأحجار في الاستنجاء مبني على الأكثر المتعارف في تلك
الديار، والمدر والتراب والعود والخرق وكل ما يحصل به النقاء في حكمها ما عدا
ما نهي عنه من العظم والروث والرجع؛ لما روى البيهقي وقال: إنه أصح ما في الباب
عن مولى عمر قال: كان عمر به إذا بال قال: ناولني شيئاً أستنجي به فأناوله العود
أو الحجر، أو يأتي حائطاً يتمسح به أو يمسه الأرض، كذا ذكر الشُّمُنِّي.
وقوله: (باليمين) وكيفية الاستنجاء بالحجر من البول أن يأخذ الحجر بيمينه
والذكر بشماله ويحركه إلى الحجر، ولا يحرك الحجر إليه لئلا يلزم الاستنجاء باليمين،
كذا ذكره في (العوارف)(٢)، قال الشيخ: وكذا ذكره إمام الحرمين ومن بعده كالغزالي
(١) ((شرح الطيبي)) (٢/ ٣٥).
(٢) ((عوارف المعارف)) (ص: ١٧١).

٦٤
(٢) باب آداب الخلاء
في (الوسيط)(١)، والبغوي في (التهذيب) وقال: ومن ادعى أنه في هذه الحالة يكون
مستجمراً بيمنيه فقد غلط، وإنما هو كمن صب بيمينه الماء على يساره في حال
الاستنجاء، وبهذا قد حصل التفصي عما نقل في (فتح الباري)(٢) عن الخطابي في هذا
المقام إيراداً وبالغ في التبجح به، وهو أن المستجمر متى استجمر بيساره استلزم مس
ذكره بیمینه، ومتى أمسكه بيساره استلزم استجماره بيمينه، وكلاهما قد شمله النهي،
ولم يحتج في الجواب عنه بتكلفات ارتكبوها هي أنه يقصد الأشياء الضخمة التي لا تزول
بالحركة كالجدار ونحوه من الأشياء البارزة فيستجمر بها بيساره، فإن لم يجد فليلصق
مقعدته بالأرض ويمسك ما يستجمر به بين عقبيه أو إبهامي رجليه، ويستجمر بيساره
فلا يتصرف في شيء من ذلك بيمينه. قال الشيخ: وهذه هيئة منكرة، بل قد يتعذر فعلها
في غالب الأوقات.
وقال الطيبي(٣): النهي عن الاستنجاء باليمين مختص بالدبر، والنهي عن المس
مختص بالذكر فبطل الإيراد من أصله، قال الشيخ: ما ادعاه من تخصيص الاستنجاء
باليمين بالدبر مردود، والمس وإن كان مخصوصاً بالذكر لكن يلحق به الدبر قياساً،
والتخصيص على الذكر لا مفهوم له بل فرج المرأة كذلك، وإنما خص الذكر بالذكر
لكون الرجال هم المخاطبين، والنساء شقائق الرجال في الأحكام، انتهى.
وأقول: لا حاجة إلى شيء مما ذكروا، والأمر في ذلك سهل؛ فإنه إذا أخذ الحجر
بشماله ومع ذلك أخذ الذكر به حصل الاستنجاء، كما يفعل من يتواخذ ويتخطا(٤)
(١) ((الوسيط)) للغزالي (١ / ٣٠).
(٢) ((فتح الباري)) (١ / ٢٥٤).
(٣) ((شرح الطيبي)) (٣٩/٢).
(٤) كذا في الأصول.

٦٥
(٣) كتاب الطهارة
أَوْ أَنْ نَسْتَنْچِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلاثَةِ أَحْجَارِ،
للاستنجاء، وذلك متعارف بلا مشقة كما لا يخفى.
وقوله: (أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار) الاستنجاء بثلاثة أحجار واجب
عند الأئمة الثلاثة بشرط النقاء بأن يخرج آخرهن نقيًّا لا شيء عليه، وإن أنقى بدون
الثلاثة أتى ببقيتها تحصيلاً بشرط العدد، وعندنا الشرط هو حصول النقاء وإن حصل
بأقل منها، وتمسكهم بهذا الحديث إن كان النهي للتحريم، وبحديث عائشة(١) أن
رسول الله وَلو قال: (إذا ذهب أحدكم لحاجته فليستطب بثلاثة أحجار) إن كان الأمر
للإيجاب.
ولنا ما روى البخاري(٢) عن عبدالله بن مسعود به قال: أتى النبي ◌َّ الغائط
فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين ولم أجد الثالث، فأتيته بروثة فأخذ
الحجرين وألقى الروثة، وقال: (هذا ركس)، وأيضاً حديث أبي هريرة الآتي: (من
استجمر فليؤتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج) دليل على عدم الاشتراط.
قال في (الهداية)(٣): وما رواه الشافعي متروك الظاهر، فإنه لو استنجى بحجر
له ثلاثة أحرف جاز بالإجماع، قال ابن الهمام(٤): فعلم أن المراد عدد المسَحَات غير
أنه قدر بالثلاث؛ لأن غالب الظن يحصل عنده كما قدره في حديث المستيقظ، ولكن
هذا إذا كان الاستجمار خاصاً في الاستنجاء، لكنه مشترك بينه وبين استعمال الجمر
في البخور كما في قولهم: تجمر الأكفان في الجنائز، واستجمر فلان: أي تبخّر، فيكون
(١) ((مسند أحمد)) (٦ / ١٠٨).
(٢) ((صحيح البخاري)) (١٥٦).
(٣) ((الهداية)) (١ / ٣٩).
(٤) ((فتح القدير)) (١ / ٣٩٧).

٦٦
(٢) باب آداب الخلاء
أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ أَوْ بِعَظْمٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٦٢].
٣٣٧ - [٤] وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ إِذَا دَخَلَ الْخَلاَءَ يَقُولُ:
((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٤٢، م:
٢٨٣].
٣٣٨ - [٥] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَنَّ النَّبِيُّ ◌َهَ بِقَبْرَيْنِ، فَقَالَ: ((إِنَّهُمَا
لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي کُبِیرِ،
لفظ الحديث لبيان تثليث الإيتار في البخور والتطيب.
وقوله: (أو أن نستنجي برجيع أو بعظم) المراد بالرجيع: الروث، وعلة النهي
عن الاستنجاء بالروث والعظم كونهما زاد الجن ودوابهم كما نطقت به الأحاديث.
٣٣٧ _ [٤] (أنس) قوله: (من الخبث والخبائث) (الخبث) يروى بضم الباء
وسکونھا، فبالضم جمع خبیٹ، و(الخبائث) جمع خبيثة، یرید ذکران الشیاطین وإناثهم،
وبالسكون يحتمل أن يكون مصدر خبث الشيء خبثاً، ويحتمل أن يكون مخفف جمع
الخبيث، وقد جاء التخفيف في هذا الوزن كما في كتب وسبل ورسل، وعلى تقدير
كونه على لفظ المصدر المراد الشيء المكروه مطلقاً، وقيل: الشر، وقيل: الكفر، ثم
قال الشيخ(١): من يكره ذكر الله في تلك الحالة يفصِّل، أما في الأمكنة المعدة لذلك
فيقوله قبيل دخولها، وأما في غيرها فيقول في أوان الشروع كتشمير ثيابه مثلاً، وهذا
مذهب الجمهور، وقال: من [نسي] يستعيذ بقلبه لا بلسانه، ومن يجيز مطلقاً كما نقل
عن مالك لا يحتاج إلى التفصيل.
٣٣٨ - [٥] (ابن عباس) قوله: (وما يعذبان في كبير) أي: في زعمهما، أو في
(١) انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (٢ / ٢٦٠).

٦٧
(٣) كتاب الطهارة
أَثَا أَحدهمَا فَكَانَ لاَ يَسْتَتِرُ مِنَ الْبَوْلِ - وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: لاَ يَسْتَنْزِهُ مِنَ
الْبَوْلِ - وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ)»،
أمر يشق ويكبر عليهما الاحتراز عنه، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيْرَةُ إِلَّا عَلَى الْخَشِينَ﴾
[البقرة: ٤٥] أي: شاقة، وزاد في رواية للبخاري: ثم قال: (بلى)، أي: بلى يعذبان في
کبیر، وفي للتعلیل.
وقوله: (أما أحدهما فكان لا يستتر من البول) روي هذا اللفظ بوجوه، أحدها
(لا يستتر) من الاستتار، وظاهر معناه لا يبالي بانكشاف العورة، وهذا لا يناسب الباب،
وقد يقال: معناه لا يجعل بينه وبين بوله سترة حتى يتحفظ منه، والموافق لما رواه
مسلم: (لا يستنزه) - بنون ساكنة بعدها زاي ثم هاء - من التنزه وهو الإبعاد، وهذا اللفظ
موافق لما جاء في حديث آخر: (استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه)، وقد
يروى: (لا يستبرئ) بموحدة ساكنة من الاستبراء، أي: لا يتبرأ من البول ولا يتباعد
منه، وهو قريب من الوجه الثاني، وقد جاء: (يستنتر) بالنون بين التائين من النتر،
قال في (النهاية)(١): وهو جذب فيه قوة وجفوة، وقد جاء في الحديث: (إذا بال أحدكم
فلينتر ذكره ثلاثاً)، وفي رواية: (ثلاث نترات)، وقال: ومنه حديث عذاب القبر أنه
لم يكن يستنتر عند بوله، وهو أيضاً قريب من (يستبرى) و(يستنزه)، وقال الطيبي(٢):
وذكر في (شرح السنة) هذا الحديث في باب الاستتار عند قضاء الحاجة.
وقوله: (بالنميمة) النم والنميمة: رفع الحديث إشاعة له وإفساداً، نم ينم بكسر
النون وضمها، وقال النووي: نقل كلام الغير لقصد الإضرار وهي من أقبح القبائح،
انتهى. وعرفها بعضهم أنها المقالة التي ترفع عن قائلها ليضر بها قائلها في دينه أو نفسه
(١) ((النهاية)) (٥ / ١٢).
(٢) (شرح الطيبي)) (٢/ ٣٧).

٦٨
(٢) باب آداب الخلاء
ثُمَّ أَخَذَ جَرِيدَةً رَطْبَةً فَشَقَّهَا بِنِصْفَيْنِ، ثُمَّ غَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةً، قَالُوا:
يَا رَسُول الله لِمْ صَنَعْتَ هَذَا؟ فَقَالَ: ((لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا)).
مُتَفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢١٦، ١٣٦١، ٦٠٥٢، م: ٢٩٢].
أو ماله، وهذا التعريف أشمل لدخول إفشاء الشر فيه، ثم قوله: يرفع عن قائلها يعم
كل ما يحصل به الرفع ولو بكتابة أو رمز ونحو ذلك، انتهى.
وفي (شرح كتاب الخرقي)(١) في مذهب الإمام أحمد بن حنبل قال: وهي كبيرة
عندنا على الأشهر، وكيف لا، وقد جعلها الله تعالى صفة لمن اعتدى وكذب ﴿ وَلَا تُطِعْ
كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ ﴿ هَمَّارٍ مَّشَّاٍ بِنَعِيمِ﴾ [القلم: ١٠ - ١١]، وأخبر نبيه ◌َّ: (إن الله لا ينظر إلى
ذي وجهين)، وفي الصحيحين(٢): (لا يدخل الجنة قتات)، أي: نمام، وقد قال عمر
ابن الخطاب لكعب الأحبار له: أي شيء في التوراة أعظم إثماً، قال: النميمة، فقال
عمر ظه: هي أقبح من القتل، فقال: وهل يولد القتل وسائر الشرور إلا النميمة،
ومصداق ذلك في الكتاب العزيز ﴿وَاَلْفِئْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ﴾ [البقرة: ١٩١].
وقوله: (ثم أخذ جريدة) أي: غصن نخل، في (القاموس)(٣): جرده: قشره،
والجريدة سعفة طويلة رطبة أو يابسة أو التي تقشر من خُوصها .
وقوله: (فشقها بنصفين) قال الطيبي(٤): هو حال بزيادة الباء، ويحتمل أن يكون
مفعولاً مطلقاً، أي: شقها شقاً ملتبساً بنصفين.
وقوله: (لعله أن يخفف عنهما ما لم ييبسا) زيادة (أن) لتشبيه لعل بعسى، والضمير
(١) ((شرح الزركشي على مختصر الخرقي)) (١ / ٥٥).
(٢) ((صحيح البخاري)) (٦٠٥٦)، و((صحيح مسلم)) (١٠٥).
(٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ٢٦١).
(٤) ((شرح الطيبي)) (٢ / ٣٨).

٦٩
(٣) كتاب الطهارة
في (يخفف) للعذاب، ويروى: (عنها)، والضميران للميت، والتذكير باعتبار الشخص،
والتأنيث باعتبار النفس، والأول للشأن، وتفسيره بأن وصلتها لكونها جملة حكماً، أو
مبهم يفسره ما بعده، وعلى رواية (عنهما) بالتثنية الضمير للقبرين، وقد يروى (عنه)
بتأويل الشخص، و(بيبسا) يروى بالفوقية والتحتية فعلى الأول للكبيرتين، وعلى الثاني
للعودين أو للنصفين، وقالوا: لعله * شفع فاستجيب بالتخفيف عنهما إلى أن ييبسا،
وقيل: لكونهما يسبّحان ما داما رطبتين، والمراد (من شيء) في قوله تعالى: ﴿وَإِن
مِن شَىْءٍ إِلَّا يُسَحُ ﴾ [الإسراء: ٤٤]: شيء حي، وحياة الخشب ما لم بيبس، والحجر ما لم
يقطع، وهذا التسبيح خاص به، والذي يعمّ الأشياء كلّها فهو بمعنى الدلالة على الصانع
وكماله، وقد أنكر الخطابي ما يفعله الناس على القبور من الأخواص ونحوها متعلقين
بهذا الحدیث، وقال: لا أصل له ولا وجه.
وفي (مجمع البحار)(١) عن الكرماني: وليس في الجريدة معنى يخصه، وإنما
ذاك ببركة يده وي، ولهذا أنكر الخطابي وضع الناس الجريدة ونحوه على القبر، وقيل:
الرطب يسبح فيتخفف ببركته فيطّرد في كل الرياحين والبقول.
وقال التُّورِبِشْتِي(٢): وجه هذا التحديد أن يقال: إنه سأل التخفيف عنهما مدة
بقاء النداوة فيهما، وقول من قال: وجه ذلك أن الغصن الرطب يسبح لله ما دام فيه
النداوة فيكون مجيراً عن عذاب القبر، قول لا طائل تحته ولا عبرة به عند أهل العلم،
وقيل: علم ذلك موكول إلى النبي ◌َّ، والله أعلم.
(١) ((مجمع بحار الأنوار)) (٢٠٥).
(٢) ((كتاب الميسر)) (١ / ١٣٢).

٧٠
(٢) باب آداب الخلاء
٣٣٩ - [٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((اتَّقُوا اللَّعِنَيْنِ))
قَالُوا: وَمَا اللَّعِنَانِ يَا رَسُولَ اللهِ؟. قَالَ: ((الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ أَو
فِي ظِلِّهِمْ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٦٩].
٣٤٠ - [٧] وَعَنْ أَبِي قَادَةً قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهَِّهِ: ((إِذا شَرِبَ أَحَدُكُمْ
فَلاَ يَتَنَّفَّسْ فِي الإِنَاءِ، وَإِذَا أَتَى الْخَلاَءَ فَلاَ يَمَسَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ.
٣٣٩ - [٦] (أبو هريرة) قوله: (اتقوا اللاعنين) هذا من قبيل الإسناد إلى السبب
الحامل وحذف المضاف من قوله: (الذي يتخلى) أي: تخلى الذي يتخلى أو عبّر عن
الفعل بفاعله، وقيل: اللاعن بمعنى الملعون كما قيل في قوله تعالى: ﴿لَا عَاصِمَالْيَوْمَ﴾
[هود: ٤٣] أي: اتقوا فعلهما، واستفدنا من إضافة الظل إلى الناس اختصاص النهي بظل
يجتمعون ويقيلون فيه، ففي هذا النوع من الظل ورد النهي دون سائر الظلال، فقد ثبت
أن النبي ◌َّ قعد تحت حائش(١) من النخل لحاجته، وهو المجتمع من الشجر نخلاً كان
أو غيره، ولا بد أن يكون للحائش ظل، كذا ذكره التُّورِبِشْتِي(٢)، ومواضع الشمس في
الشتاء كالظل في الصيف، كذا في بعض الشروح، والمراد بالتخلي: التفرد لقضاء الحاجة
غائطاً أو بولاً؛ فإن التنجس والاستقذار موجود فيهما فلا يصح تفسير النووي بالتغوط،
ولو سلم فالبول يلحق به قياساً، والمراد بالطريق: الطريق المسلوك لا المهجور الذي
لا يسلك إلا نادراً، وكذا طريق الكفار ليس بمراد، كذا في (مجمع البحار)(٣).
٣٤٠ - [٧] (أبو قتادة) قوله: (فلا يتنفس) بالجزم، و(لا) ناهية في الثلاثة،
(١) جَماعَةُ النَّخْلِ. ((القاموس المحيط)) (ص: ٥٩١).
(٢) (كتاب الميسر)) (١ / ١٣٢).
(٣) ((مجمع بحار الأنوار)) (٢ / ١١٠).

٧١
(٣) كتاب الطهارة
وَلاَ يَتَمَسَّحْ بِيَمِينِهِ). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٥٣، م: ٢٦٧].
٣٤١ - [٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّةِ: ((مَنْ تَوَضَّأَ
فَلْيَسْتَنْثِرْ، وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٦١، م: ٢٣٧].
ويروى بالرفع فيها على أن (لا) نافية، كذا في بعض الشروح نقلاً عن الشيخ، ويجوز
الجزم أيضاً على تقدير كون (لا) نافية لجواز الوجهين عند كون الشرط ماضياً، والمراد
التنفس داخل الإناء من غير أن يُبِينَهُ عن الفم حذراً من سقوط شيء من الأنف أو الفم
فيه(١)، وقيل: إنه منع من جهة الطب، وقد ورد في حديث آخر: أنه كان يتنفس في
الإناء ثلاثاً، أي: في الشرب منه بإبانة الإناء عن الفم، وقد جاء في رواية في الشراب،
ويتم الكلام في ذلك في (باب الأشربة) إن شاء الله.
وقوله: (ولا يتمسح بيمينه) أي: لا يستنج بها؛ لما في رواية البخاري: (إذا بال
أحدكم فلا يأخذ ذكره ولا يستنجِ بيمينه)، كذا في الشروح، وقد ذكرنا كيفية الاستنجاء
بالحجر في البول بحيث لا يلزم منه مس الذكر باليمين ولا الاستنجاء بها، وأما في الغائط
فظاهر .
٣٤١ - [٨] (أبو هريرة) قوله: (فليستنثر) أي: يستنشق، قد سبق شرحه في
الحديث الخامس من الفصل الأول من (كتاب الطهارة)، (ومن استجمر) الاستجمار:
استعمال الجمار وهو الأحجار الصغار، والمراد الاستنجاء، وظاهر الإيتار يشمل الواحد
أيضاً، وحمل الشافعية على ثلاث أو خمس، والاستجمار: التبخر أيضاً من جمرة النار،
وقد يحمل الحديث عليه، فإيتاره أن يأخذ من البخور ثلاث قطع أو ثلاث مرات، فلا
يناسب الباب ولا يناسب أيضاً سياق الحديث، ويجيء الكلام فيه في الفصل الأول
(١) أو لعل علة النهي تغير البرودة بحرارة النفس، كذا في ((التقرير)).

٧٢
(٢) باب آداب الخلاء
٣٤٢ - [٩] وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِوَهِ يَدْخُلُ الْخَلاَءَ فَأَحْمِلُ
أَنَا وَغُلاَمٌ إِدَاوَةً مِنْ مَاءٍ وَعَنَزَةً يَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٥٠، ٥٠٠،
م: ٢٧١].
من (باب الترجل) من (كتاب اللباس).
٣٤٢ - [٩] (أنس) قوله: (يدخل الخلاء) وفي بعض الشروح: قال الشيخ(١):
المراد بالخلاء ههنا الفضاء؛ لما في رواية أخرى: كان إذا خرج لحاجته، ولقرينة حمل
العنزة مع الماء، وأيضاً الأخلية التي في البيوت كانت خدمته فيها متعلقة بأهله، والمراد
بالغلام هو ابن مسعود(٢)، لأنه كان صاحب الإداوة والنعلين والسواك يحملها، و(الإداوة)
بالكسر: إناء صغير من جلد يتخذ للماء ليتطهر بها، و(العنزة) بفتحات: قدر نصف
الرمح أو أكبر شيئاً فيها سنان كسنان الرمح، والعنزة قريب منها، وكان يحمل معه لؤلؤ
لسترته في الصلاة، وقيل: لدفع الضرر لو احتاج، ولنبش الأرض الصلبة لئلا يرتد
البول، وقيل: لركزها بجنبه ليكون إشارة إلى منع من يروم المرور بقربه.
وقوله: (ويستنجي بالماء) أي: بعد التنقية بالحجارة، وذلك مستحب(٣) عندنا
كما يأتي في الفصل الثالث من حديث أبي أيوب ظه، وقيل: هو سنة في زماننا لما
روى البيهقي في (سننه) وابن أبي شيبة في (مصنفه)(٤) عن علي بن أبي طالب نظبه قال:
من قبلكم كانوا يبعرون بعراً وأنتم تتلطون ثلطاً فأتبعوا الحجارة الماء.
(١) انظر: ((فتح الباري)) (١ / ٢٥٢).
(٢) قال القاري: وَقِيلَ: بِلاَلٌ، أَوْ أَبُو هُرَيْرَةَ. ((مرقاة المفاتيح)) (١ / ٣٧٨).
(٣) انظر: ((بذل المجهود)) (١ / ٣٠٧).
(٤) ((السنن الكبرى)) للبيهقي (١ / ١٠٦، رقم: ٥٢٩)، و((مصنف ابن أبي شيبة)) (١٦٣٤).

٧٣
(٣) كتاب الطهارة
* الْفَصْلُ الثَّانِي :
٣٤٣ - [١٠] عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َِّ إِذَا دَخَلَ الْخَلاَءَ نَزَعَ خَاتَمَهُ.
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ.
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرُ (١). وَفِي رِوَايَتِهِ: وَضَعَ بَدَلَ نَزَعَ. [د: ١٩،
س: ٥٢١٣، ت: ١٧٤٦].
٣٤٤ - [١١] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ إِذَا أَرَادَ الْبَرَازَ .
الفصل الثاني
٣٤٣ - [٩] (أنس) قوله: (إذا دخل الخلاء) أي: أراد دخوله، (نزع خاتمه)
لكون نقشه (محمد رسول الله)، ففيه تنحية الداخل في الخلاء ما عليه اسم الله ورسوله
والقرآن، وفي بعض الشروح: ولا يختص ذلك برسولنا بل يعم الرسل كلهم صلوات الله
وسلامه عليه وعليهم أجمعين، هذا، وقد يختلج أنه لو كان اسم الله ورسوله داخل العلم
نحو عبدالله، ورحمة الله، وأبو محمد، وأبو أحمد، هل يكره؟ وهذا منظور فيه، ولم
نجد له تصريحاً، والله أعلم.
٣٤٤ - [١١] (جابر) قوله: (إذا أراد البراز) برز بروزاً: خرج إلى البراز، أي:
الفضاء، كتُّوا به عن حاجة الإنسان كالغائط، وهو اسم للمكان الغور، كما هو المتعارف
في الكناية عن ما يكره التصريح به، والبراز بالفتح وخطأ الخطابي الكسر، لأنه مبارزة
في الحرب، وخالفه الجوهري فجعله مشتركاً بينهما، كذا في (مجمع البحار)(٢)، وقال
(١) ولعل الحكم بنكارته لأمرين؛ الأول: ترك الواسطة بين ابن جريج والزهري، والثاني:
تبديل المتن بمتن آخر، والحديث قد صححه الترمذي وابن حبان. انظر: ((بذل المجهود))
(١ / ٢٣٠).
(٢) (مجمع بحار الأنوار)) (١ / ١٧٢، ١٧٣).

٧٤
(٢) باب آداب الخلاء
انْطَلَقَ حَتَّى لاَ يَرَاهُ أَحَدٌ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢].
٣٤٥ - [١٢] وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِّ ◌َ﴿ ذَاتَ يَوْمٍ فَأَرَادَ
أَنْ يَبُولَ فَأَتَى دَمِئاً فِي أَصْلِ جِدَارٍ فَبَال، .
في (القاموس) (١): البراز كسحاب اسم، وككتاب الغائط.
وقوله: (حتى لا يراه أحد) يحتمل أن يكون المراد: لا يراه أحد ذاهباً، أو لا يراه
بعد قعوده، والظاهر هو الأول، وذلك لغاية استحيائه وتستره الله .
٣٤٥ - [١٢] (أبو موسى) قوله: (فأتى دمثاً) بفتح الدال المهملة وكسر الميم،
وفي (القاموس)(٢): دمث المكان وغيره كفرح: سهل ولان، وفي بعض الشروح:
صفة لمحذوف، أي: مكاناً دمثاً، انتهى. كأنه يريد أنه ليس من الصفات الغالبة على
المكان بل هو بمعنى السهل اللين مكاناً كان أو غيره كما يظهر من عبارة (القاموس)
أيضاً، ومما جاء في رواية: (مال إلى دمث من الأرض فبال)، وفي (النهاية)(٣): في
حديث صفته ◌َّلة: دمث ليس بالجافي، قال: أراد أنه كان لين الخلق في سهولة من
الدمث، هي الأرض السهلة الرخوة، والرمل الذي ليس بمتلبد، من دمث المكان دَمَئاً :
إذا لان وسهل فهو دَمِثٌ ودَمْثٌ، وفي حديث صفة الغيث: فلبدت الدماث، أي :
صيرتها لا تسوخ فيها الأرجل وهي جمع دمث، والحكمة في إتيان الدمث للبول لئلا
يرتد علیه رشاش البول.
وقوله: (في أصل جدار) أي: قريباً منه بحيث لا يضره، أو عرف رضا صاحبه،
أو لم يكن مملوكاً لأحد، والله أعلم.
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٤٦٧).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٦٨).
(٣) ((النهاية)) (٢/ ١٣٢).

٧٥
(٣) كتاب الطهارة
ثُمَّ قَالَ: ((إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَيُولَ فَلْيَرْتَدِ لِبَوْلِهِ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣].
٣٤٦ - [١٣] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َهَ إِذَا أَرَادَ الْحَاجَةَ لَمْ يَرْفَعْ
ثَوْبَهُ حَتَّى يَدْنُوَ مِنَ الأَرْض. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ والدَّارِمِيُّ. [ت: ١٤،
د: ١٤، دي: ١ / ١٧١].
٣٤٧ - [١٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((إِنَّمَا أَنَا
لَكُمْ مِثْلُ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ، أُعَلِّمُكُمْ: إِذَا أَيُمُ الْغَائِطَ فَلاَ تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ
وَلاَ تَسْتَدْبِرُوهَا))، وَأَمَرَ بِثَلاَثَةِ أَحْجَارٍ، وَنَهَى عَنِ الرَّوْثِ وَالرِّمَّةِ، وَنَهَى أَنْ
يَسْتَطِيبَ الرَّجُلُ بِيَمِينِهِ.
وقوله: (فليرتد لبوله) أي: يطلب مكاناً مناسباً، ولا يستعجل ولا يجلس حيث
شاء، ويكون ذلك مثل هذا المكان، فافهم.
٣٤٦ - [١٣] (أنس) قوله: (حتى يدنو من الأرض) المراد دنوه من الأرض
للقعود للحاجة، لا قربه من مکان يقعد فيه.
وقوله: (رواه الترمذي) من حديث الأعمش عن أنس وابن عمر، وقال: كلا
الحديثين مرسل، ويقال: لم يسمع الأعمش من أنس بن مالك ولا من أحد من أصحاب
النبي ◌َّ، وقد نظر إلى أنس قال: رأيته يصلي، فذكر عنه حكاية في الصلاة، وفي
(التهذيب)(١): الصحيح أنه رأى أنساً ولم يسمع منه شيئاً.
٣٤٧ - [١٤] (أبو هريرة) قوله: (والرمة) بالكسر: العظام البالية يقال: رمّ العظم
وأرم: بلي فهو رميم، وفي بعض الشروح: سمي بذلك لأن الإبل ترمها، أي: تأكلها،
انتهى. من قولهم: رمّ الشيء: أكله، و(يستطيب) من الاستطابة بمعنى الاستنجاء؛
(١) ((تهذيب التهذيب)) (٤ / ١٩٥).

٧٦
(٢) باب آداب الخلاء
رَوَاهُ ابْنُ سَاجَهْ وَالذَّارِمِيُّ. [جه: ٣١٣، دي: ١ / ١٧٢ - ١٧٣].
٣٤٨ _ [١٥] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَتْ يَدُ رَسُولِ اللهِ وَِّ الْيُمْنَى لِطُهُورِهِ
وَطَعَامِهِ، وَكَانَتْ يَدُهُ الْيُسْرَى لِخَلَئِهِ وَمَا كَانَ مِنْ أَذَّى. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
[د: ٣٣].
٣٤٩ - [١٦] وَعَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِمَ: ((إِذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمْ إِلَى
الْغَائِطِ فَلْيَذْهَبْ مَعَهُ بِثَلاَثَةِ أَحْجَارٍ يَسْتَطِيبُ بِهِنَّ،
لأنه يطيب الجسد بإزالة الخبث عنه.
٣٤٨ - [١٥] (عائشة) قوله: (لطهوره) قد عرف أنه بالضم والفتح، وبالضم بمعنى
المصدر، وبالفتح بمعناه وما يطهر به، وههنا يتعين معنى المصدر، والرواية بالضم.
وقوله: (لخلائه) أي: ما يتعلق به من الاستنجاء ونحوه، و(الأذى) ما يستكرهه
النفس ويتألم به سواء كان حساً أو طبعاً أو عقلاً مثل البول والقذرة والدم والنجاسات،
وكما في حديث العقيقة: (أميطوا عنه الأذى)، أي: الشعر والنجاسة وما يخرج من
الصبي حين يولد، ومنه تسمية الحيض أذى، وكما في حديث شعب الإيمان: (وأدناها
إماطة الأذى عن الطريق)(١) كالشوك والحجر والنجاسة ونحوها، وكما في حديث الذكر
بعد الصلاة في مكانه: (ما لم يؤذ فيه) أي: لم يؤذ الملائكة بنتن الحدث، ومنه إيذاء
الناس بما يكرههم، والمراد في هذا الحديث القسمان الأولان مما يستعمل فيه اليد،
وحمل الطيبي الطهور على ما يقابله ليكون أشمل، وحيئذٍ يكون الأول من التخصيص
بعد التعميم، والثاني على العكس، فافهم.
٣٤٩ - [١٦] (عائشة) قوله: (يستطيب بهن) صفة (أحجار)، أو مستأنفة.
(١) (صحيح مسلم)) (٣٥)، و((سنن الترمذي)) (٢٦١٤)، و((سنن ابن ماجه)) (٥٧).

٧٧
(٣) كتاب الطهارة
فَإِنَّهَا تُجْزِئُ عَنْهُ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ. [حم: ٦ / ١٠٨،
١٣٣، د: ٤٠، س: ٤٤، دي: ١ / ١٧١ - ١٧٢].
٣٥٠ - [١٧] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لاَ تَسْتَنْجُوا
بِالزَّوْثِ وَلاَ بِالْعِظَامِ، فَإِنَّهُ زَادُ إِخْوَانِكُمْ مِنَ الْجِنِّ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ
إِلَّ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرُ: ((زَادُ إِخْوَانِكُمْ من الْجِنّ) [ت: ١٨، س
وقوله: (فإنها تجزئ عنه) يعني وإن بقي أثر النجاسة بعد ما زالت عين النجاسة
وذلك رخصة، وهو قول أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ◌ّ﴿ ومن بعدهم، رأوا أن
الاستنجاء بالحجارة تجزئ وإن لم يستنج بالماء إذا أنقى أثر الغائط والبول، والضمير
في (عنه) للاستطابة والاستنجاء، وقد يجعل للمستنجي، أي: عن فعله الزائد عليه، أو
عن بمعنى اللام أو للماء المفهوم من المقام، وهو الأظهر معنى، وإن كان بعيداً لفظاً،
وإليه يشير كلام الطيبي(١)، وبه يستدل بعض الشافعية على وجوب التثليث؛ لأن الإجزاء
يستعمل غالباً في الواجب، فتدبر.
٣٥٠ _ [١٧] (ابن مسعود) قوله: (فإنه) كذا في أكثر الأصول، ونسخ (جامع
الترمذي) و(المصابيح) فالضمير للمذكور، وفي بعض النسخ: (فإنها)، (زاد أخوانكم)
قد جاء في الروايات أن العظم لهم والروث لدوابهم، ويجوز إضافته إليهم لأن دوابهم
تابع لهم، وروى الطيبي عن الحاكم(٢) في (دلائل النبوة): أنهم لا يجدون عظماً إلا
وجدوا عليه لحمه الذي كان عليه يوم أخذ، ولا روثة إلا وجدوا منها حبها الذي كان فيها
يوم أكلت.
وقوله: (رواه الترمذي والنسائي) الموجود في بعض النسخ ههنا البياض، وهذه
(١) انظر: ((شرح الطيبي)) (٢/ ٤٣).
(٢) كذا في الأصول، وفي ((شرح الطيبي)) (٢/ ٤٣): روى الحافظ أبو نعيم في ((دلائل النبوة)).

٧٨
(٢) باب آداب الخلاء
٣٥١ - [١٨] وَعَنْ رُوَيْفِعِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ إِ:
(يَا رُوَيْفِعُ! لَعَلَّ الْحَيَاةَ سَتَطُولُ بِكَ بَعْدِي، فَأَخْبِرِ النَّاسَ أَنَّ مَنْ عَقَدَ لِحْيَتَهُ،
أَوْ تَقَلَّدَ وَتَراً، أَوِ اسْتَنْجَى بِرَجِيعِ دَةٍ أَوَ عَظْمٍ، فَإِنَّ مُحَمَّداً مِنْهُ بَرِيءٌ». رَوَاهُ
أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٦].
العبارة مكتوبة في الحاشية .
٣٥١ - [١٨] (رويفع بن ثابت) قوله: (رويفع) بضم الراء وفتح الواو وسكون
الياء.
وقوله: (من عقد لحيته) الأكثرون على أن المراد تجعيد اللحية بالمعالجة (١)،
وإنما كره ذلك لأنه فعل من ليس من أهل الدين وتشبه بهم، وقيل: كانوا يعقدون في
الحروب في زمن الجاهلية تكبراً وتعجباً فأمروا بإرسالها، وذلك من فعل الأعاجم،
وقيل: عقد لحيته وغطى وجهه حتى لا يعرفه الناس ليقطع الطريق، قال التُّورِبِشْتِي:
يفتلونها، وقيل: كان من عادة العرب أن من له زوجة واحدة عقد في لحيته عقدة صغيرة،
ومن كان له زوجتان عقد عقدتين، وقيل: صوابه من عقد لحاء، مِنْ لحوت الشجرة
إذا قشرته، وكانوا يعقدون لحاء الحرام فيقلدونه أعناقهم فيأمنون به، وهو المراد من
قوله تعالى: ﴿وَلَا اُلْهَدْىَ وَلَا الْقَلَبِدَ ﴾ [المائدة: ٢] كذا في (مجمع البحار)(٢) والأول هو
الوجه .
وقوله: (أو تقلد وتراً) قيل: إنهم كانوا يعقدون في أعناق الخيل أوتار القسي
لئلا تصيبها العين، فنهى عن ذلك؛ تنبيهاً على أنها لا ترد شيئاً، وهذا تأويل مالك
رحمه الله، وقيل: إنه نهى عن ذلك حذراً عن اختناق الخيل عند شدة الركض، أو لأنها
(١) قال في ((المرقاة)) (٢/ ٦٧): وهذا مخالف للسنة التي هي تسريح اللحية.
(٢) ((مجمع بحار الأنوار)) (٣/ ٦٤٠).

٧٩
(٣) كتاب الطهارة
تختنق بها مهما رعت وعلقت بغصن، وهذا تأويل محمد بن الحسن رحمه الله، وقيل:
إنهم يعقدون عليها الأجراس، ويدل على هذا تبويب البخاري(١).
وقيل: المراد الخرزات تعقد في رقبة الولدان لدفع العين وهو من شعار الجاهلية،
وقيل: أراد بالوتر الذحل بالذال المعجمة والحاء المهملة محركة: الثأر أو طلب مكافأة
بجناية جنيت عليك من قتل أو جرح أو هو العداوة والحقد، أي: لا تطلبوا الأوتار وهي
الذحول التي وترتم بها في الجاهلية، هكذا قال التُّورِبِشْتِي(٢) وغيره، ولكن لا يخفى
أن الرواية في هذا الحديث (وترا) بفتحتين حتى حملوه على وتر القوس، والوتر بمعنى
الذحل بسكون التاء وكسر الواو وفتحها على الخلاف كما هو الذي بمعنى العدد الفرد،
فإن أهل الحجاز يقولونه بالفتح في الفرد وفي الذحل بالكسر، وتميم وقيس وبكر
يقولونها بالكسر، وأهل العالية بالكسر في الفرد وفي الذحل بالفتح، وقد قرئ بهما
قوله تعالى: ﴿وَالشَّفْعِ وَاُلْوَتْرِ﴾ [الفجر: ٣].
نعم هذا المعنى يصح الحمل عليه في الحديث الذي جاء فيه (الأوتار) بلفظ
الجمع، كما نقل عياض في (المشارق)(٣): (قلدوا الخيل ولا تقلدوها الأوتار)، وكما
في (مجمع البحار)(٤) عن (النهاية): أمر أن يقطع الأوتار عن أعناق الخيل كانوا يقلدونها
بها، فإن (الأوتار) يجيء جمع كل من اللفظين، اللهم إلا أن یروی الذي فسرہ بمعنی
الذحل بسكون التاء، والله أعلم.
(١) ((صحيح البخاري)) (كتاب: الحج، باب: ١٠٩).
(٢) (كتاب الميسر)) (١ / ١٣٦).
(٣) ((مشارق الأنوار)) (٢ / ٤٧٣).
(٤) ((مجمع بحار الأنوار)) (٥ / ١٣).

٨٠
(٢) باب آداب الخلاء
٣٥٢ - [١٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَنِ اكْتَحَلَ
فَلْيُوِرْ، وَمَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ، وَمَنْ لاَ فَلاَ حَرَجَ، وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، مَنْ
فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ، وَمَنْ لاَ فَلاَ حرج، وَمَنْ أَكَلَ فَمَا تخَلَّلَ فَلْيَلْفِظْ، وَمَا لاَكَ
بِلِسَانِهِ فَلْيَبْتَلِعْ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ، وَمَنْ لاَ فَلاَ حَرَجَ، وَمَنْ أَتَى الْغَائِطَ
فَلْيَسْتَتِرْ، .
٣٥٢ - [١٩] (أبو هريرة) قوله: (من اكتحل فليوتر) في إيتار الاكتحال قولان:
أحدهما وهو الأصح: أن يجعل في كل عين ثلاثة أميال، وثانيهما: أن يكتحل في
اليمنى ثلاثة، وفي اليسرى ثنتين، ويبدئ ويختم باليمنى بأن يجعل في اليمنى اثنين
وفي اليسرى اثنتين ثم يجعل في اليمنى واحدة، وقد رجحه بعضهم تفضيلاً لليمنى،
والأول هو الأشهر، ويجيء الكلام فيه في الفصل الثاني من (باب الترجل) من (كتاب
اللباس) .
وقوله: (ومن استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج)، ظاهره
يؤيد مذهب الحنفية في عدم وجوب التثليث، وقد يقال: التخيير في الاستجمار وهو
الاستنجاء بالحجر وهو أحسن، وإن تركه إلى غيره جاز؛ لأن المقصد الاستنقاء ما لم
يكن بما نهي عنه، وهذا المعنى خلاف المتبادر من العبارة كما لا يخفى.
وقوله: (فما تخلل) أي: ما أخرجه من الأسنان بالخلال (فليلفظ)؛ لأنه ربما
يخرج به دم، وما أخرجه بلسانه فليبتلع، لأن الظاهر عدم خروج الدم، وإن تيقن بعدم
خروج الدم في الأول لم يحرم، وإن تيقن بخروجه في الثاني حرم، ولوجود الاحتمال
فيهما خير، وقد يجعل العلة فيهما الاستعداد، فهو في الأول بالابتلاع، وفي الثاني
باللفظ، وقد يقال: إنه يحصل في الأسنان تغير ما، واللوك إدارة اللقمة ومضغها، كذا