Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
(٣) كتاب الطهارة
- وَفِي رِوَايَةٍ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً
عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ - إِلاَّ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ، يَدْخُلُ مِنْ أَبِّهَا شَاءَ».
هَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي ((صَحِيحِهِ) وَالْحُمَيْدِيُّ فِي (أَفْرَادِ مُسْلِمٍ))، وَكَذَا ابْن
الأَثِيرِ فِي ((جَامِعِ الأُصُولِ)).
وَذُكرِ الشَّيْخِ مُحْيِي الدِّينِ النَّوَوِيُّ فِي آخِرٍ حَدِيثٍ مُسْلِمٍ عَلَى
مَا روينَاهُ: وَزَادِ التِّرْمِذِيِّ: ((اللّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ وَاجْعَلْنِي مِنَ
الْمُتَطَهِّرِينَ)).
أن يقال: إنها تبعيضية، قيد بـ (أحد) قبل دخول (من) عليه، فافهم.
(وفي رواية: أشهد أن لا إله إلا الله وحده (١) ... إلخ) وزاد الجزري في (الحصن
الحصين) من ابن ماجه ومصنف ابن أبي شيبة وابن السُّني: ثلاث مرات.
وقوله: (وزاد الترمذي: اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين)
وزاد النسائي والحاكم في (المستدرك)(٢): (سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله
إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك)، وذكر الجزري عن الطبراني في (الأوسط)(٣): (من
توضأ فقال: سبحانك اللهم وبحمدك وأستغفرك وأتوب إليك، کتب له في رق ثم
جعل في طابع فلم يكسر إلى يوم القيامة).
(١) قَالَ الطِّبِيُّ (٣/ ٧٤٨): قَوْلُ الشَّهَادَتَيْنِ عقيب الْوُضُوءِ إِشَارَةٌ إِلَى إِخْلاَصِ الْعَمَلِ لِلَّهِ،
وَطَهَارَة الْقَلْبِ مِنَ الشِّرْكِ وَالرِّيَاءِ بَعْدَ طَهَارَةِ الأَعْضَاءِ مِنَ الْحَدَثِ وَالْخُبْثِ. ((مرقاة المفاتيح))
(٣٤٩/١).
(٢) ((السنن الكبرى)) (٩٩١١)، و((المستدرك)) (١ / ٧٥٢).
(٣) ((المعجم الأوسط)) (١٤٥٥).

٢٢
(٣) كتاب الطهارة
وَالْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ مُحْيِي السُّنَّةِ فِي الصِّحَاحِ: ((مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ
الْوُضُوءَ) إِلَى آخِرِهِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي ((جَامِعِهِ)) بِعَيْنِهِ إِلَّ كَلِمَةَ ((أَشْهَدُ))
قَبْلَ ((أَن مُحَمَّداً). [م: ٢٣٤، والحميدي في ((أفراد مسلم)) (٩٤)، ((جامع الأصول))
(٧٠١٧)].
٢٩٠ - [١٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((إِنَّ أَمَّتِى
يُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرَّا مُحَجَّلِينَ.
وقوله: (والحديث الذي رواه محيي السنة في الصحاح) اعتراض على صاحب
(المصابيح)، فإنه أورد الحديث في الصحاح بهذا اللفظ: (من توضأ فأحسن الوضوء،
ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله،
اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين)، وهذا ليس في الصحاح، بل هو
حديث الترمذي، وإنما في الصحاح ما ذكرناه من حديث مسلم، وقوله: (وزاد
الترمذي) مقول للشيخ محيي الدين، وهذا الكلام أورده تأييداً؛ لأنه ليس في الصحاح
وإن لم يكن محتاجاً إليه بعد وجود الحديث على الوجه المذكور أولاً في متن (مسلم)
و(كتاب الحميدي) و(جامع الأصول)، ووجوده على الوجه المذكور ثانياً في (جامع
الترمذي).
٢٩٠ - [١٠] (أبو هريرة) قوله: (إن أمتي يدعون يوم القيامة) أي: ينادون على
رؤوس الأشهاد أو إلى الجنة أو يسمَّون بذلك كما يقال: يدعى فلان ليثاً، ولعل قوله
في الحديث الآخر: (يأتون يوم القيامة غراً محجلين) يؤيد المعنى الأول، فعلى الأول
یکون (غرَّا محجلين) حالاً، وعلى الثاني مفعول ثان، و(محجلين) إما حال بعد حال،
أو مفعول بعد مفعول، أو صفة لِـ (غراً)، والغر بالضم جمع أغر، والأغر: الأبيض من

٢٣
(٣) كتاب الطهارة
مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهِ فَلْيفْعَلْ)). مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ.
[خ: ١٣٤، م: ٢٤٦].
كل شيء. والغرة بياض في جبهة الفرس، وفرس أغر وغرَّاء، والتحجيل بياض في
قوائم الفرس كلها أو يكون في رِجْلين فقط، ولا يكون في اليدين خاصة إلا مع الرجلين،
ولا في يد واحدة دون الأخرى إلا مع الرجلين، والفرس محجول ومحجل.
وقوله: (من آثار الوضوء) في الوجه والأيدي والأرجل لظهورها، خص الله
تعالى هذه الأمة المباركة المرحومة بهذه الكرامة، ثم الظاهر أن المخصوص بهم هو
الغرة والتحجيل لا الوضوء فإنه عام كما يظهر من قوله: (هذا وضوئي ووضوء الأنبياء
من قبلي)، فتدبر.
والوضوء بضم الواو ويجوز فتحها مصدراً أو اسماً، وكذا قوله في الحديث
الآتي: (حيث يبلغ الوضوء) إلا أن الأظهر فيه الفتح بمعنى الاسم، وكذا الرواية.
وقوله: (فمن استطاع) قيل: هو مدرجٌ من كلام أبي هريرة وموقوف عليه، كذا
ذكره غير واحد من الحفاظ، والله أعلم.
ولعل قوله: (أن يطيل غرته) من باب الاكتفاء؛ لأن الظاهر أن حكم التحجيل
كذلك، ويمكن أن يكون تخصيص الغرة بالذكر للاهتمام بتطويلها بتبيض الوجوه
بقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُ وُجُوهُ وَتَسْوَدُ وُجُوهٌ ﴾ [آل عمران: ١٠٦]، ولأن أكثر الناس يقصرون
في غسل الوجه وإسباغه دون الأرجل، ويظهر من قول الطيبي(١) في تفسير إطالة الغرة:
بأن يوصل الماء من فوق الغرة إلى تحت الحنك طولاً ومن الأذن إلى الأذن عرضاً، أن
أثر الغرة يظهر في الوجه كله كما يظهر أيضاً ذلك من قوله: الأغر هو الأبيض الوجه،
(١) ((شرح الطيبي)) (٢ / ١٦).

٢٤
(٣) كتاب الطهارة
٢٩١ - [١١] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: («تَبْلُغُ الْحِلْيَةُ مِنَ الْمُؤْمِنِ
حَيْثُ يَبْلُغُ الْوُضُوءُ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٥٠].
: الْفَصْلُ الثَّانِي:
*
٢٩٢ - [١٢] عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((اسْتَقِيمُوا وَلَنْ
تُحْصُوا، .
وإلا فالظاهر من إطالة الغرة أن يوصل الماء إلى فوق الجبهة، فافهم، والله أعلم.
٢٩١ - [١١] (أبو هريرة) قوله: (تبلغ الحلية)(١) أي: السيماء وهو الغرة
والتحجيل يوم القيامة من أثر الوضوء، وليس المراد به ما يُتحلى ويزيَّن به من مصنوع
المعدنيات أو الحجارة؛ فإن ذلك حلي بفتح الحاء وسكون اللام، ويضم الحاء
وكسرها مع كسر اللام، وقد قرئ بهما جميعاً في قوله تعالى: ﴿مِنْ حُلِيِّهِمْ﴾
[الأعراف: ١٤٨]، وقد حملها بعضهم على ذلك بناء على أنه قد يستعمل فيه ولو مجازاً.
الفصل الثاني
٢٩٢ - [١٢] (ثوبان) قوله: (استقيموا ولن تحصوا) الحديث، الاستقامة: القيام
بالعدل وملازمة المنهج المستقيم، وذلك أمر صعب في غاية الصعوبة، ولهذا قال:
(ولن تحصوا) أي: لن تطيقوا الاستقامة، من قوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَن لَّنْ تُخُصُوهُ﴾ [المزمل: ٢٠]
(١) قال القاري (١ / ٣٥١): قَالَ النَّوَوِيُّ: قَدِ اسْتَدَلُوا بِالْحَدِيثَيْنِ عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ
الأُمَّةِ، وَقَالَ آخَرُونَ: لَيْسَ الْوُضُوءُ مُخْتَصًّا وَإِنَّمَا الْمُخْتَصُّ الْغُرَّةُ وَالتَّحْجِيلُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ
وَالسَّلاَمُ: ((هَذَا وُضُوئِي وَوُضُوءُ الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي))، وَرُدَّ بِأَنَّهُ حَدِيثٌ مَعْرُوفُ الضَّعْفِ، عَلَى
أَنَّهُ يَحْتَمِلُ اخْتِصَاصَ الأَنْبِيَاءِ دُونَ الأُمَمِ، لَكِنْ وَرَدَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ: أَنَّ سَارَةً
وَجُرَيْجاً تَوَضَّنَا، فَبَغِي أَنْ تَخْتَصَّ الْغُرَّةُ وَالتَّحْجِيلُ بِالأَنْبِيَاءِ، وَهَذِهِ الأُمَّةِ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الأُمَمِ،
وَاللهُ أَعْلَمُ. وفي ((التقرير)): قلت: يمكن ارتفاع الضعف بأنها تلقتها الفقهاء فصارت مشهورة.

٢٥
(٣) كتاب الطهارة
وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمُ الصَّلاَةُ، وَلاَ يُحَافِظُ عَلَى الْوُضُوءِ إِلاَّ مُؤْمِنٌ)).
رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [ط: ٩٠، حم: ٥/ ٢٨٠، ٢٨٢،
دي: ١ / ١٦٨، جه: ٧٧].
٢٩٣ - [١٣] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((مَنْ تَوَضَّأَ عَلَى
◌ُهْرٍ كُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٥٩].
أن لن تطيقوا، أحصاه: عده وضبطه، أصله من الحصاء بمعنى صغار الحجارة؛
لاستعمالهم ذلك في العد كاعتمادنا على الأصابع، أخبرهم بعد الأمر به أنهم لا يطيقون
على إيفاء حقه كيلا يتكلوا على ما يأتون ولا ييأسوا فيما لا يأتون عجزاً لا تقصيراً.
ولما أمره بالاستقامة وهي شاقة جداً تداركه بقوله: (ولن تحصوا) رحمة منه
وشفقة، كما قال الله تعالى: ﴿فَأَنَّقُواْاللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] بعد قوله: ﴿أَتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ
تُقَائِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، ثم نبههم على ما تيسر منهم بقوله: (واعلموا) أي: إذا لم تطيقوا
فحق عليكم أن تلزموا بعضها وهي الصلاة، وأقيموا حدودها لاسيما مقدمتها التي هي
شطر الإيمان وهو الوضوء، هذا حاصل ما ذكره الطيبي(١) مختصراً.
٢٩٣ - [١٣] (ابن عمر) قوله: (من توضأ على طهر كتب له) قالوا: هذا مقيد
بمن صلى بين الوضوءين فريضة أو نافلة، وكرهه بعضهم إذا لم يصلِّ بينهما، ثم إن
ههنا صورة يشتبه علينا حكمها وهو أن يكون بحيث لا ينتقض وضوؤه ولا يثقل لكنه
ينقضه احتياطاً، ويتكلف ذلك، هل يجد ثواب الوضوء على الوضوء في هذه الصورة
بل مع زيادة رعاية الاحتياط أو لا؟ فمن حيث المعنى والحقيقة نعم، ومن حيث الظاهر
والصورة لا، والله أعلم.
(١) (شرح الطيبي)) (٢ / ١٨).

٢٦
(٣) كتاب الطهارة
الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٢٩٤ - [١٤] عَنْ جَابِرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((مِفْتَاحُ الْجَنَّةِ
الصَّلاَةُ، وَمِفْتَاحُ الصَّلاَةِ الطُّهُورُ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٣٤٠/٣].
٢٩٥ - [١٥] وَعَنْ شَبِيْبٍ بْنِ أَبِي رَوْحٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابٍ
رَسُولِ اللهِّهِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ،وَهِ صَلَّى صَلاَةَ الضُّبْحِ فَقَرَأَ الرُّومَ فَالْتَبَسَ عَلَيْهِ،
فَلَمَّا صَلَّى قَالَ: «مَا بَالُ أَقْوَامِ يُصَلُّونَ مَعَنَا لاَ يُحْسِنُونَ الطَّهُورَ؟ وَإِنَّمَا يُلَبِّسُ
عَلَيْنَا الْقُرْآنَ أُولَئِكَ)). رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [س: ٩٤٧].
الفصل الثالث
٢٩٤ - [١٤] (جابر) قوله: (مفتاح الجنة الصلاة) جعل الصلاة مقدمة لدخول
الجنة یتوقف علیھا لا يحصل بدونها، وعبر عنها بالمفتاح، وفيه مبالغتان حیث حكم
بعدم التهيؤ لدخول الجنة إلا بها كالإيمان، وبأنه إذا وجدت الصلاة فتحت باب الجنة،
فليس بعده إلا الدخول، كالطهارة بأقسامها إذا وجدت لم يبق بعده إلا الإقبال على
الصلاة ترهيباً وترغيباً.
٢٩٥ - [١٥] قوله: (وعن شبيب) على وزن حبيب (ابن أبي روح) بفتح الراء
وبالحاء المهملة، ثم في نسخ (المشكاة) لفظ (ابن) يتوسط بين شبيب وأبي روح،
والمشهور أن شبيباً هو أبو روح، قال في (جامع الأصول)(١): أبو روح شبيب بن نعيم،
ويقال: ابن أبي روح.
وقوله: (وإنما يلبس علينا القرآن أولئك) فيه تأثير الصحبة أشد تأثيراً، فإن مثل
رسول الله ◌َّ مع غاية كماله في قراءة القرآن في حالة الصلاة التي هي أتم أحوالها التي
(١) ((جامع الأصول)) (١٢ / ٥٠٤).

٢٧
(٣) كتاب الطهارة
٢٩٦ - [١٦] وَعَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي سُلَيْم قَالَ: عَدَّهُنَّ رَسُولُ اللهِ ێے فِي
يَدِيٍ - أَوْ فِي يَدِهِ - قَالَ: ((التَّسْبِيحُ نِصْفُ الْمِيزَانِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ يَمْلَؤُهُ،
وَالتَّكْبِيرُ يَمْلَأُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ،
فيها قرة عينه بشهود ربه، إذا كان يتأثر من أحد من آحاد أمته لترك بعض الآداب في
الوضوء الذي ليس عبادة مقصودة، فكيف لغيره من ضعفاء الأمة من صحبة أهل الأهواء
والبدع والفسق والمعاشرة بهم؟ إن في هذا لعبرةً لأولي الألباب.
٢٩٦ - [١٦] (رجل من بني سليم) قوله: (عدهن) ضمير مبهم تفسيره ما بعده،
وهو قوله: (التسبيح نصف الميزان) إلى آخر الخصال الخمسة بعدد الأصابع.
وقوله: (في يدي أو في يده) شك الراوي.
وقوله: (التسبيح نصف الميزان والحمد لله يملؤه) إما أن يراد التسوية بينهما
بأن كل واحد منهما يأخذ نصف الميزان، أو ترجيح الحمد بأنه ضِعْفُه لأنه وحده يملؤه؛
لأن الحمد المطلق إنما يستحقه من هو مبرأ عن النقائص الذي هو مدلول التسبيح، كذا
في (مجمع البحار)(١)، وهذا حاصل ما قال الطيبي(٢) في توجيه كونه ضعفَه بأن الحمد
جامع للصفات الثبوتية والسلبية، والتسبيح تنزية عن النقائص فهو من السلبية، انتهى.
وأقول: إن قوله: (الحمد لله يملأ الميزان) في أول حديثٍ ذُكر في الباب يؤيد
الاحتمال الثاني .
وقوله: (والتكبير يملأ ما بين السماء والأرض) أخذ من قوله تعالى: ﴿وَلَهُ
الْكِبْرِيَاءُ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ ﴾ [الجاثية: ٣٧]، والتكبير شهود کبریاء الحق، فئوابه يملأ
السماوات والأرض، وقد سبق بعض ما يتعلق به من الكلام في أول الباب.
(١) ((مجمع بحار الأنوار)) (٤ / ٦٢٣).
(٢) انظر: ((شرح الطيبي)) (٢/ ٢٠).

٢٨
(٣) كتاب الطهارة
وَالصَّوْمُ نِصْفُ الصَّبْرِ، وَالطَّهُورُ نِصْفُ الإِيمَانِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا
حَدِيثٌ حَسَنٌ. [ت: ٣٥١٩].
٢٩٧ - [١٧] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ الصُّنَابِحِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((إِذَا
تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ فَمَضْمَضَ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ فِيهِ، وَإِذَا اسْتَنْثَرَ خَرَجَتِ
الْخَطَايَا مِنْ أَنْفه، وَإِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ وَجْهِهِ حَتَّى تَخْرُجَ
مِنْ تَحْتِ أَشْفَارِ عَيْنَيْهِ،
وقوله: (والصوم نصف الصبر) توجيهه: أن الإيمان كله صبر على الطاعات وعن
المعاصي، ولما كان الصوم أقمع لشهوات النفس كأنه جعل نصف الإيمان مبالغة،
وقيل: جعل باعتبار اليوم والليلة ووجود الصبر فيهما.
وقوله: (والطهور نصف الإيمان) مر توجيهه.
٢٩٧ - [١٧] (عبدالله الصنابحي)(١) قوله: (الصنابحي) بضم الصاد المهملة
وتخفيف النون وبالباء الموحدة وبالحاء المهملة منسوب إلى صنابح بن زاهر بطن من
مراد .
وقوله: (وإذا غسل) بالواو في أكثر النسخ، وبالفاء في بعضها، وفي قرينه بالفاء
في كلها.
وقوله: (حتى تخرج من تحت أشفار عينيه) في (القاموس)(٢): الشُّفْر بالضم:
أصل منبت الشعر بالجفن، والجفن غطاء العين من أعلى وأسفل.
(١) قد بسط الكلام عليه شيخنا في ((الأوجز)) (١ / ٤١١ - ٤١٢) هل هو عبدالله الصنابحي الصحابي
أو أبو عبدالله الصنابحي عبد الرحمن بن عسيلة؟ وقال: الراجح عندي هو عبدالله الصنابحي
الصحابي، انظر: ((الكوكب الدري)) (١/ ٣٣).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٣٨٩).

٢٩
(٣) كتاب الطهارة
فَإِذَا غسل يَدَيْهِ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ يَدَيْهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِ يَدَيْهِ،
فَإِذَا مَسَحَ بِرَأْسِهِ خَرَجَتِ الْخَطَابَا مِنْ رَأْسِهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ أُذُنَّهِ، فَإِذَا غَسَلَ
رِجْلَيْهِ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ رِجْلَيْهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ أَظْفَارِ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ كَانَ مَنْيُهُ
إِلَى الْمَسْجِدٍ وَصَلاَتُهُ نَافِلَةً لَهُ)). رَوَاهُ مَالِكٌ وَالنَّسَائِيُّ. [ط: ٨٤، س: ١٠٣].
٢٩٨ - [١٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِوَ أَتَى الْمَقْبَرَةَ فَقَالَ:
(السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّ إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لاَحِقُونَ، وَدِدْتُ ..
وقوله: (حتى تخرج من أذنيه) يفهم منه أن الأذنين من الرأس كما هو مذهبنا.
وقوله: (نافلة له) أي: زائدة، والنفل الزيادة، أي: زائدة على تكفير السيئات
وهو رفع الدرجات، وقد عدَّ في بعض الأحاديث التخطِّي إلى المسجد من المكفِّرات،
ولا منافاة، ولعله إذا كان على وضوء سابق، وقد ارتكب من الخطايا شيئاً، والله أعلم.
٢٩٨ - [١٨] (أبو هريرة) قوله: (أتى المقبرة) في (القاموس)(١): مدفن الإنسان،
والجمع قبور، والمقبرة مثلثة الباء كمكنسة: موضعها، والمراد بالمقبرة: البقيع مقبرةٌ
المدينة المطهرة.
وقوله: (دار) منصوب على الاختصاص نحو: نحن معاشرَ العرب، أو على
النداء، والدار: المحل بجميع البناء والعرصة، والمراد أهل دار حذفاً أو مجازاً، وفيه
رمز إلى حياتهم وإلى أن العمران في الحقيقة هو هذا، وما سواه خراب لكونه آيلا
إليه، والاستثناء للتبرك بذكر الله تعالى وتفويض الأمور كلها إلى مشيئته وإرادته وإن كان
متحتم الوقوع، أو للرغبة إلى لقاء الله واللحوقِ بالمؤمنين السابقين الفائزين برحمة الله.
وقيل: لتحسين الكلام به، والود الحب من [باب] سمع يسمع، ولما تصور ول
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٤٢٧).

٣٠
(٣) كتاب الطهارة
أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا))، قَالُوا: أَوَلَسْنَا إِخْوَانَكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((أَنْتُمْ
أَصْحَابِي، وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ))، فَقَالُوا: كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ لَمْ يَأْتِ
بَعْدُ مِنْ أُمَتِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: ((أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلاً لَهُ خَيْلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ
بَيْنَ ظَهْرَيْ خَيْلِ دُهْمِ بُهْمٍ.
السابقين من أصحاب القبور ذكر لاحقين وتمنى رؤيتهم في الدنيا إظهاراً للمحبة .
وقوله: (أنا قد رأينا إخواننا) شامل له ◌َّله ولغيره من أصحابه الحاضرين.
وقوله: (أنتم أصحابي) ليس معناه: إنكم لستم إخواني، بل: أنتم جامعون بين
أخوة الإسلام والصحبة التي هي أخص وأفضل.
وقوله: (كيف تعرف) أي: في المحشر من لم يأت بعد ولم ير في الدنيا، وإنما
یعرف ثمة من رئي فيها.
وقوله: (بين ظهري خيل دهم بهم) الظهر ضد البطن، وجمعه: أَظْهُر وظُهور
وظُهْران، كذا في (القاموس) (١)، ومن عادتهم أن يقحموه تثنية أو جمعاً في مثل هذا
بين ظهري القوم وأظهرهم وظهرانيهم، والمراد: بينهم، وحقيقته أن في صورة الاجتماع
يقع ظهر بعضٍ إلى بعضٍ فالواقع بين أظهرهم، والعرب تضع الاثنين موضع الجمع.
والخيل اسم جمع للفرس لا واحد له، أو واحده خائل، سميت خيلاً لأن ركوبها
بل وجودها يورث الخيلاء، أي: التكبر، والدهم بضم الدال وسكون الهاء: جمع أدهم
بمعنى الأسود من الدهمة بمعنى السواد، والبهم: جمع بهيم بمعنى الأسود. وقيل:
خالص السواد، والأسود البهيم من الكلب والخيل: الذي لا يخالط لونه لونٌ سواه،
وقرنه بالدهم تأكيداً للسواد.
وقوله: (لو أن رجلاً) أي: لو ثبت أن رجلاً، اسم (أن) يقدَّر له صفةٌ عامةٌ إن
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٤٠٤).

٣١
(٣) كتاب الطهارة
أَلَ يَعْرِفُ خَيْلَهُ؟))، قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: ((فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ غُرَّا
مُحَجَّلِينَ مِنَ الْوُضُوءِ، وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْض)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م:
٢٤٩].
٢٩٩ - [١٩] وَعَنْ أَبِىِ الدَّرْدَاء قَالَ: قَالَ رَسُولُ مَِّ: ((أَنَا أَوَّلُ مَنْ
يُؤْذَنُ لَهُ بِالسُّجُودِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يُؤْذَنُ لَهُ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ، فَأَنْظُرُ
إِلَى بَيْنَ يَدَيّ، فَأَعْرِفُ أُمَّتِي مِنْ بَيْنِ الأُمَمِ، وَمِنْ خَلْفِي مِثْلُ ذَلِكَ، وَعَنْ
يَمِينِي مِثْلُ ذَلِكَ، وَعَن شمَالي مِثْلُ ذَلِكَ))، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ !..
التُّزم تخصيصُ المبتدأ النكرة وإلا فلا حاجة بناءً على معنى الإفادة كما قاله الرضي في
قولهم: كوكبٌّ انقضَّتْ، و(له خيل) خبر (أن) و(ألا يعرف) جزاء (لو) كررت الهمزة
تأكيداً.
وقوله: (وأنا فرطهم على الحوض) ذكره زيادة على الجواب بشارة وكرامة
لهم وإشارة إلى قرب زمان وفاته وَ﴿، وفي (القاموس)(١): فَرَطَ القومَ يَفْرِطهم فَرْطاً
وفَراطة: تقدمهم إلى الوِرْد لإصلاح الحوض والدِّلاء، وفي (الصحاح)(٢): هو فَعَلٌ
بمعنى فاعِلٍ كتبع بمعنى تابع، يقال: رجل فَرَط وقوم فَرَط، يستوي فيه الواحد
والجمع، وظاهر هذه البشارة لمن سبقه رسول الله ﴿ بالموت، ولكن بركته شاملة
للكل، فافهم.
٢٩٩ - [١٩] (أبو الدرداء) قوله: (أنا أول من يؤذن له بالسجود) سيأتي شرحه
في (باب الشفاعة) إن شاء الله تعالى.
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٦٢٧).
(٢) ((الصحاح)) (٣/ ١١٤٨).

٣٢
(١) باب ما يوجب الوضوء
كَيْفَ تَعْرِفُ أُمَّتَكَ مِنْ بَيْنِ الأُمَمِ فِيمَا بَيْنَ نُوحٍ إِلَى أُمَّتِكَ؟ قَالَ: ((هُمْ غُرِّ
مُحَجَّلُونَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ لَيْسَ أَحَدٌ كَذَلِكَ غَيْرُهُمْ، وَأَعْرِفُهُمْ أَنَّهُمْ يُؤْتَوْنَ
كُتُبَهُمْ بِأَيْمَانِهِمْ، وَأَعْرِفُهُمْ تَسْعَى بَيْن أَيْدِيهِمْ ذُرَّتُهُمْ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم:
٥ / ١٩٩].
١ - باب ما يوجب الوضوء
وقوله: (كيف تعرف أمتك من بين الأمم فيما بين نوح إلى أمتك؟) أي: كيف
تميز أمتك من بين الأمم حال كون الأمم كائنة وواقعة في زمان طويل كائن أو في
ناس كثيرين كائنين بين نوح منتهياً أو منتهين إلى زمان أمتك؟ و(ما) عبارة عن الزمان
أو عن الناس، وتخصيص نوح ليلا بالذكر لشهرته.
وقوله: (وأعرفهم أنهم يؤتون كتبهم ... إلخ) الظاهر من العبارة أن هذين
الوصفين أيضاً مما تتميز به هذه الأمة الكريمة من سائر الأمم، وقال الطيبي(١): لم يأتِ
بهما تمييزاً کالأول، بل أتى بهما مدحاً لأمته، والله أعلم.
١ - باب ما يوجب الوضوء
المراد به نواقض الوضوء؛ لأنها المذكورة في الباب، فهذا على مذهب من
يقول: إن سبب وجوب الطهارة هو الحدث، يعني: بشرط القيام إلى الصلاة، وتعقب
بأن الحدث ينقض الطهارة ويضاده فكيف يوجبه؟ وأجيب بأنه لا منافاة بين نقض
ما حصل بتطهير سابق وإيجابه تطهيراً آخر. وقال بعضهم: إن سببه إرادة ما لا يحل
(١) انظر: ((شرح الطيبي)) (٢/ ٢٣).

٣٣
(٣) كتاب الطهارة
: الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٣٠٠ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لاَ تُقْبَلُ صَلاَةٌ
مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأ)). مُتَّفَقُ عَلَيْهِ. [خ: ١٣٥، م: ٢٢٥].
٣٠١ - [٢] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((لاَ تُقْبَلُ صَلاَةٌ
بِغَيْرِ طُهُورٍ،
إلا بالطهارة كالصلاة ومس المصحف، وأورد على هذا القول أيضاً: أن وجه إيجاب
مجرد إرادة الطهارة غير ظاهر؛ لأنها لا تستلزم لحوق الشروع الذي يستلزم عدم الطهارة
في الصلاة لو لم تعدم الطهارة، وهذا إنما يرد لو كان مراد القائل بسببه مجرد الإرادة،
وأما إذا كان بشرط القيام إلى الصلاة أو المراد الإرادة المقارنة بالصلاة المستلحقة لها
فلا، والمختار أن سبب وجوب الطهارة وجوب ما لا يحل إلا بها، ولا شك أن وجوب
الشيء يستلزم إيجاب شرطه، ثم المراد وجوب الأداء وإلا فأصل الوجوب بدخول
الوقت ولا يجب الطهارة به بل عند القيام إلى الصلاة، فتدبر.
الفصل الأول
٣٠٠ - [١] (أبو هريرة) قوله: (لا تقبل صلاة من أحدث) أي: لا تصح حتى
يتوضأ، خص منه فاقد الماء فإنه يتيمم، وفاقد الطهورين(١) ففيه ثلاثة أقوال، أحدها:
تسقط الفَرْضية، وثانيها: يؤخِّر، وثالثها: يصلي، فإن مات قبل وجدان الماء والتراب
لم یآثم، وإن وجد يقضي.
٣٠١ - [٢] (ابن عمر) قوله: (لا تقبل صلاة بغير طهور) قد علم أن الطهور
(١) وفَاقِدُ الطَّهُورَيْنِ يؤخر عنده، وقالا: يَشَبَّهُ بالمصلين وجوباً، وبه يفتى، وَإِلَيْهِ صَحَّ رُجُوعُ الإِمَامِ .
انظر: ((الدر المختار)) (١ / ٨٥).

٣٤
(١) باب ما يوجب الوضوء
وَلاَ صَدَقَةٌ مِنْ غُلَولٍ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٢٤].
٣٠٢ - [٣] وَعَن عَلِيِّ قَالَ: كُنْتُ رَجُلاً مَذَّاءً، فَكُنْتُ أَسْتَحْيِى أَنْ
أَسْأَلَ النَّبِيَّ وَهْ لِمَكَانِ ابْنَتِهِ (١)، فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: ((يَغْسِلُ ذَكَرَهُ
وَيَتَوَضَّأ)). مُتَّفق عَلَيْهِ. [خ: ١٣٢، ٢٦٩، م: ٣٠٣].
بالضم بمعنى الطهارة، وبالفتح بمعناه وبمعنى ما يتطهر به، وقد صحِّح ههنا بالضم
وبالفتح أيضاً، والمراد معنى الطهارة، والغلول: الخيانة من الغنيمة، وقد يجيء
بمعنى مطلق الخيانة، قال في (القاموس)(٢): الغلول: الخيانة، وغلَّ غلولاً: خان
كأغلَّ، أو خاص بالفيء، والظاهر أن المراد ههنا مطلق الخيانة، والجمع بين هذين
الحكمين لجريان الكلام فيهما أو لمناسبةٍ بين الوضوء والتصدق باعتبار كون كل منهما
مطهّراً.
٣٠٢ - [٣] (علي) قوله: (كنت رجلاً مذاء) أي: كثير المذي وهو بسكون
الذال: البلل اللزج الرقيق يخرج عند الملاعبة بشهوة بلا دفق، و(مذاء) فعَّال بالتشديد
ومَذَى وأمذى، وقال النووي في (شرح مسلم)(٣): وأشهر لغاته فتح فسكون، ثم كسرُ
ذال وشَدةُ ياء، وكذلك لفظ الودي وهو ماء غليظ يخرج بعد البول، وقيل: التشديد أفصح
من السكون، وفي (الصحاح)(٤): قال الأموي: مذي وودي ومني ثلاثتهن مشددات.
(١) وجه الحياء أن فِي السُّؤَالِ عَنْ كَثْرَتِهِ تَعْرِيضاً بِشَيْءٍ مِنْ أَحْوَالِ ابْنَتِهِ الَّتِي يَسْتَحْيِي مِنْ إِظْهَارِهَا،
◌ِأَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لاَ يَكَادُ يُفْصِحُ بِهِ أُولُو الأَحْلاَمِ خُصُوصاً بِحَضْرَةِ الأَكَابِرِ الْعِظَامِ، وَعَلَّلَ الْحَيَاءَ
بِذَلِكَ لِئَلَأَّ يرد عَلَيْهِ أَنَّ الإِسْتِخْيَاءَ مِنَ السُّؤَالِ وَالتَّعَلَّمِ مَذْمُوم، ((مرقاة المفاتيح)) (١ /٣٥٩).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٩٥٧).
(٣) ((شرح النووي)) (٣/ ٢١٣).
(٤) ((الصحاح)) (٦ / ٢٤٩١).

٣٥
(٣) كتاب الطهارة
٣٠٣ - [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِلَّهِ يَقُولُ:
(تَوَضَّؤُوا مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٣٥٢].
قَالَ الشَّيْخُ الإِمَامُ الأَجَلُّ مُحْيِيُّ السّنةِ رَحِمَهُ اللهُ: هَذَا مَنْسُوخٌ بِحَدِيث
ابْن عَبَّاسِ.
٣٠٤ - [٥] قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ أَكَلَ كَتِفَ شَاةٍ ثُمَّ صَلّى وَلَمْ يَتَوَضَّأُ.
مُتَفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٠٧، م: ٣٥٤].
٣٠٥ - [٦] وَعَن جَابر بن سَمُرَة أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ اللهِ وَلِ أَنْتَوَضَّأُ
مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ؟
٠
٣٠٣ - ٣٠٤ - [٤ - ٥] (أبو هريرة، وابن عباس) قوله: (توضؤوا مما مست
النار) المراد بالوضوء ههنا المعنى اللغوي وهو النظافة، وهو ههنا غسل اليد والفم
لإزالة الدسومة، ويسمى هذا وضوء الطعام، وقيل: هذا منسوخ؛ لقول جابر في
الصحيح: (كان آخر الأمرين من رسول الله ◌َّ ه ترك الوضوء مما مسته النار)(١)، نعم
القول بنسخه بحديث ابن عباس ﴾ يتوقف على العلم بتاريخهما وتقدُّمِ الأول،
ولا يكفي فيه تأخر صحبة ابن عباس؛ لأنه لا يقتضي تأخر السماع، وقد عرف الكلام
في ذلك في أصول الحديث، فتدبر.
٣٠٥ - [٦] (جابر بن سمرة) قوله: (أنتوضأ من لحوم الغنم؟ ... إلخ) هذا أيضاً
محمول على أحد التأويلين المذكورين من إرادة المعنى اللغوي أو النسخ، وقد يقال
(١) أخرجه ابن خزيمة في ((صحيحه)) (٤٣)، وابن حبان في ((صحيحه)) (١١٣٤)، وأبو داود في
((سننه)) (١٩٢)، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٣٩٤).

٣٦
(١) باب ما يوجب الوضوء
على إرادة المعنى اللغوي: غسل اليد والفم مستحب مطلقاً، فما وجه تخصيص ذلك
بلحم الإبل، والتخيير في لحم الغنم، فنقول: ذلك لنتن رائحة الإبل دون الغنم،
فيكون غسل اليد والفم أوكد وأولى في الإبل، وقد استدل بهذا الحديث أكثر أصحاب
أحمد بن حنبل في القول بانتقاض الوضوء بأكل لحم الجزور على ما ذكر في كتاب
الخرقي(١).
وقال الزركشي في (شرحه)(٢): قد رواه أحمد ومسلم، وقال ابن خزيمة: لم
نر خلافا بين علماء الحديث أن هذا الحديث صحيح، وقد رَوَى نحوَه بلفظ الأمر
عن البراء بن عازب أحمد وأبو داود والترمذي(٣) وصححه، وظاهر الأمر الوجوب،
والوضوء إذا أطلق حمل على الشرعي، [لا سيما] وقد قرنه بالصلاة، وفرَّق بينه وبين
لحم الغنم مع مطلوبية الوضوء اللغوي فيه، ودعوى النسخ بقول جابر څ: (كان آخر
الأمرين من رسول الله ◌َّ﴿ ترك الوضوء مما مسته النار) مردودة، بأن هذه قضية عين
ولا عموم لها، ولو سلِّم فالعام لا ينسخ الخاص، بل الخاص يقضي على العام،
فتدبر .
وعن أحمد رواية أخرى: أنه لا ينقض مطلقاً، وقد روي عنه أنه يفرق بين الجاهل
بالحديث وغيره لأنه خبر آحاد فيعذر بالجهل به، وقال بعضم: إن عليها استقر قوله.
ثم اختلفوا فيما عدا لحم الإبل من لبنه وسنامنه وكرشه وكبده ومرقه، فمفهوم
كلام الخرقي عدم النقض، وهو اختيار الأكثرين منهم، والله أعلم، انتهى.
(١) انظر: ((مختصر الخرقي)) (١ / ٨).
(٢) ((شرح الزركشي على مختصر الخرقي)) (١ / ٧٤).
(٣) ((مسند أحمد)) (٤ / ٣٠٣)، و((أبو داود)) (١٨٤)، و((سنن الترمذي)) (٨١).

٣٧
(٣) كتاب الطهارة
قَالَ: ((إِنْ شِئْتَ فَتَوَضَّأُ وَإِنْ شِئْتَ فَلاَ تَتَوَضَّأُ، قَالَ: أَنَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الإِيِلِ؟
قَالَ: (نَعَمْ فَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الإِبِلِ))، قَالَ: أُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ؟ قَالَ:
(َعَمْ) قَالَ: أُصَلِّي فِي مَبَارِكِ الإِبِلِ؟ قَالَ: ((لا). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٣٦].
٣٠٦ - [٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((إِذَا وَجَدَ
أَحَدُكُمْ فِي بَطْنِهِ شَيْئاً فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ أَخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ أَمْ لاَ، فَلاَ يَخْرُجَنَّ مِنَ
الْمَسْجِدِ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتاً أَوْ يَجِدَ رِيحً). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٣٦٢].
و(المرابض) جمع مربض بكسر الباء، في (القاموس)(١): هو مأوى الغنم،
وفي (مجمع البحار)(٢): هو موضع ربض الغنم وهو کالجلوس للإنسان، وقيل:
كالاضطجاع له وكالبروك للجمل، وفي بعض الشروح عن النووي قال: النهي من
الصلاة في مبارك الإبل نهي تنزيه، وسبب الكراهة ما يخاف من نفارها وتشويشها على
المصلي، وقد جاء في حديث البراء: (سئل ◌َّةٍ عن الصلاة في مبارك الإبل فقال:
لا تصلوا فيها؛ فإنها من الشياطين، وسئل عن الصلاة في مرابض الغنم فقال: صلوا
فيها فإنها بركة)، وفي حديث أبي هريرة: فإنها من دواب الجنة.
٣٠٦ - [٧] (أبو هريرة) قوله: (فلا يخرجن من المسجد) كناية عن عدم انتقاض
الوضوء؛ لأنه يستلزم الخروج للتوضؤ.
وقوله: (حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً) قال الطيبي(٣): معناه: حتى يتيقن
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٥٩٢).
(٢) ((مجمع بحار الأنوار)) (٢ / ٢٨).
(٣) ((شرح الطيبي)) (٢/ ٢٦).

٣٨
(١) باب ما يوجب الوضوء
٣٠٧ - [٨] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسِ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ شَرِبَ لَبَناً
فَمَضْمَضَ وَقَالَ: ((إِنَّ لَهُ دَسَماً)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢١١، م: ٣٥٨].
٣٠٨ - [٩] وَعَنْ بُرَيْدَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ وَّهِ صَلَّى الصَّلَوَاتِ يَوْمَ الْفَتْحِ
بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لَقَدْ صَنَعْتَ الْيَوْمَ شَيْئاً لَمْ
تَكُنْ تَصْنَعُهُ، فَقَالَ: ((عَمْداً صَنَعْتُهُ يَا عُمَرُ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧٧].
الحدث، لا أن سماع الصوت أو وجود الريح شرط، فإنه قد يكون أصمَّ لا يسمع
الصوت، وقد یکون أخشم لا يجد الریح، انتهى.
قلت: لا حاجة إلى اعتبار كونه أخشم وأصم، فإنه قد يخرج بحيث لا يسمع
الصوت ولا يجد الرائحة وإن لم يكن أصم وأخشم لخفائها وعدم نتنها، هذا إن حمل
الريح على معنى الرائحة، وإن حمل على معنى الريح الذي هو مفرد الرياح فالأمر
ظاهر، لأنه إما أن يكون ظاهراً يُسمع صوته أو خفياً لا يسمع، ولكنه يجد أنه خرج
ربح فينتقض، فافهم.
٣٠٧ - [٨] (عبدالله بن عباس) قوله: (شرب لبنا) يشمل بإطلاقه لبن الإبل
وغيره، فيكون حجة على من فرق من الحنابلة بينهما في نقض لبن الإبل دون غيره،
وقد نقل الزركشي في (شرح كتاب الخرقي)(١) أنه جاء في بعض الأحاديث (توضؤوا
من لحوم الإبل وألبانها) رواه أحمد.
وقوله: (إن له دسما) فيقاس عليه كل ما له دسم بهذه العلة .
٣٠٨ - [٩] (بريدة) قوله: (صلى الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد) ومنه
(١) (شرح الزركشي على مختصر الخرقي)) (١ / ٧٦).

٣٩
(٣) كتاب الطهارة
٣٠٩ - [١٠] وَعَن سُوَيْد بْنِ النُّعْمَان: أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ رَسُولِ الهِنَّهِ عَامَ
خَيْبَرَ حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالصَّهْبَاءِ وَهِي مِنْ أَدْنَى خَيْبَرَ صَلَّى الْعَصْرَ، ثُمَّ دَعَا
بِالأَزْوَادِ فَلَمْ يُؤْتَ إِلَّ بِالسَّوِيقِ، فَأَمَرَ بِهِ فَتُرِّيَ فَأَكَلَ رَسُولُ اللهِنَّهِ وَأَكَلْنَاً،
ثُمَّ قَامَ إِلَى الْمَغْرِبِ فَمَضْمَضَ وَمَضْمَضْنَا، ثمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأُ. رَوَاهُ
البُخَارِيُّ. [خ: ٢٠٩].
يعلم فساد ما قيل: إن وجوب الوضوء لكل صلاة كان من خصائص رسول الله اله،
نعم أخرج البخاري وأبو داود والترمذي(١) عن أنس ه: أن رسول الله وَ له كان يتوضأ
لكل صلاة، ولا يلزم منه وجوبه عليه، لعله كان يفعله عزيمةً واستحباباً، وأخرج
أحمد وأبو داود(٢) من حديث عبدالله بن حنظلة بن عامر الغسيل: أنه ◌َ ﴿ كان مأموراً
بالوضوء لكل صلاة طاهراً أو غير طاهر، ولما شق عليه أُمر بالسواك عند كل صلاة،
ووُضع عنه الوضوء إلا من حدث، وقال بعضهم: كان الوضوء فرضاً لكل صلاة لقوله
تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوْةِ فَأَغْسِلُواْ﴾ [المائدة: ٦] ثم نسخ هذا، ولكن في نسخ
أحكام سورة المائدة كلام، والله أعلم.
٣٠٩ - [١٠] (سويد بن النعمان) قوله: (فأمر به) أي: بالسويق، أي: بتثريته،
والثرى: الندى، أو التراب الندي، أو الذي إذا بلَّ يصير طيناً، وثَرِيَت الأرضُ كرضي :
نَدِيت، وثرَّى التربةَ تثرية: بلَّها، وثرَّى الأقط: صب عليه ماءً، ثم لنَّه، والمكان:
فرشه.
(١) ((صحيح البخاري)) (٢١٤)، و((سنن أبي داود)) (١٧١)، و((سنن الترمذي)) (٥٨).
(٢) (مسند أحمد)) (٥ / ٢٢٥)، و((سنن أبي داود)) (٤٧).

٤٠
(١) باب ما يوجب الوضوء
الْفَصْلُ الثَّانِي:
٣١٠ - [١١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((لاَ وُضُوءَ
إِلَّ مِنْ صَوْتٍ أَوْ رِيح)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْ مِذِيُّ. [حم: ٢/ ٤١٠، ٤٣٥، ٤٧١،
ت: ٧٤].
٣١١ - [١٢] وَعَنِ عَلِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ نَّهِ مِنَ الْمَذْي، فَقَالَ:
(مِنَ الْمَذْىِ الْوُضُوءُ، وَمِنَ الْمَنِيِّ الْغُسْلُ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١١٤].
٣١٢ - [١٣] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مِفْتَاحُ الصَّلاَةِ الطُّهُورُ،
وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْ مِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ.
[د: ٦١، ت: ٣، دي: ١ / ١٧٠].
٣١٣ - [١٤] وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْهُ وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ. [جه: ٢٧٥، ٢٧٦].
الفصل الثاني
٣١٠ _ [١١] (أبو هريرة) قوله: (إلا من) وفي بعض النسخ: (إلا عن)، والأول
أصح.
وقوله: (صوت أو ريح) كأن سائلاً سأل عن هذا الناقض المخصوص فيصح
الحصر، وفي بعض الحواشي أن المقصود أنه لا يجب الوضوء بقرقرة البطن خلافاً
لأحمد، ولا يوجد هذا في کتاب الخرقي ولا في شرحه مع كونه أشمل لمسائل مذهبه،
والله أعلم.
٣١١ - [١٢] (علي) قوله: (من المذي) قد عرفتَ ضبط هذه الألفاظ ومعانيها.
٣١٢ - ٣١٣ -[١٣ -١٤] (علي) قوله: (وتحليلها التسليم) أي: صار المصلي
بالتسليم يحل له ما حرم عليه فيها بالتكبير من الكلام والأفعال كما يحل للمحرم عند