Indexed OCR Text
Pages 561-580
٥٦١ (٢) كتاب العلم ٢٢٥ - [٢٨] وَعَنْ كَعْبٍ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((مَنْ طَبَ الْعِلْمَ لِيُجَارِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ، أَوْ لِيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ، أَوْ يَصْرِفَ بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِ. فرض علیه البيان، فألجم بلجام من نار. ٢٢٥، ٢٢٦ - [٢٨، ٢٩] (كعب بن مالك، وابن عمر) قوله: (ليجاري به العلماء) قال النُّورِبِشْتِي(١): المجاراة أن يجري الإنسان مع آخر، فيباريه في جريته، والمعنى أنه يطلب العلم ليعدل بنفسه العلماء ترفعاً ورياء وسمعة. وقوله: (أو ليماري به السفهاء) أي: يجادل ويحاج فيما فيه مرية، والمرية بالكسر والضم: الشك والجدل، وماراه مماراة وامتراء ومِراء، وامترى فيه، وتماری: شك، وأصل ذلك من مرى الناقة يمريها: إذا مسح ضرعها فَأَمَرَتْ هي لبنها، كذا في (القاموس)(٢)، ومَرَى الشيءَ: استخرجه، وكل من المتجادلين يستخرج ما عند الآخر، والسفهاء: جمع سفيه، والسفه محركة وكسحاب وسحابة: خفة العلم أو نقيضه أو الجهل، وسفه كفرح وكرم: جهل، والمحاجة والمجادلة جائز إذا كان فيه غرض صحيح، ولا يثرا(٣) الخصومة والشحناء لأجل النفس. وقوله: (أو يصرف به وجوه الناس) ليحصل منهم المال والجاه، ويصرفها في أمور الدنيا وشهوات النفس. (١) ((كتاب الميسر)) (١ / ١٠٦). (٢) ((القاموس)) (ص: ١٢٢٤). (٣) هكذا في (ر) و(ب)، وفي (د): ((ولا تأثير))، والصحيح باعتبار المعنى ((لا تصح))، والله أعلم. ٥٦٢ (٢) كتاب العلم أَدْخَلَهُ اللهُ النَّارَ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٦٥٤]. ٢٢٦ - [٢٩] وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. [جه: ٢٥٣]. ٢٢٧ - [٣٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((مَنْ تَعَلَّمَ عِلْماً مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللهِ لاَ يَتَعَلَّمُهُ إِلاَّ لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضاً مِنَ الدُّنْيَا .... وقوله: (أدخله الله النار) أي: استحق عذاب الله إن شاء عذبه. ٢٢٧ - [٣٠] (أبو هريرة) قوله: (من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله) يجوز أن يكون (من) بيانية، ففيه تخطية وتوبيخ على أن ما كان لا يبتغى به وجه الله يقبح غاية القبح أن يبتغى به ما سواه، ويجوز أن يكون تبعيضية، فيفهم من تقييد كون العلم مما يبتغى به وجه الله أنه لو لم يكن منه بأن لا يكون من العلوم الدينية بعد ما كان مباحاً لو تعلمه ليصيب به الدنيا لم يقبح ذلك القبح، وكان يقول أحد من طلاب العلم يشتغل بالمعما وأقسام علوم الشعر حين قيل له في ذلك: أنا أحب أن أجعل هذه العلوم آلة لتحصيل الدنيا ووسيلة إلى صحبة أربابها دون العلوم الدينية، والطيبي أيضاً نقل مثل هذا القول من بعض العلماء الزاهدين رحمهم الله. وقوله: (لا يتعلمه إلا ليصيب) يفيد أن من تعلم لرضا الله مع إصابة عرض الدنيا لا يدخل تحت هذا الوعيد، بل ينقص من هذا الوجه بقليل، ومآل المسألة إلى مزج الرياء وخلوصه، ولعل هذا هو المراد من الحديث السابق لأن الظاهر من العلة هي التامة، فافهم. وقوله: (عرضاً من الدنيا) العرض بفتح الراء، وهو متاع الدنيا وحطامها، وأما العرض بالسكون فيما سوى النقدين. ٥٦٣ (٢) كتاب العلم لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) يَعْنِي رِيحَهَا. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٣ / ٣٣٨، د: ٣٦٦٤، جه: ٢٥٢]. ٢٢٨ - [٣١] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((نَضَّرَ اللهُ عَبْداً سَمِعَ مَقَالَتِي .. وقوله: (لم يجد عرف الجنة يوم القيامة) العرف بفتح العين المهملة وسكون الراء: الريح - كما فسره الراوي - طيبةً كانت أو منتنة، وأكثر استعماله في الطيبة، وظاهر العبارة يفيد تحريم الجنة عليه، فيكون المراد عدم دخوله مع السابقين الناجين، والوجه أن الآمنين من الفزع الأكبر المتلقين بالبشرى والرضوان إذا وردوا الموقف يجدون روائح الجنة تقويةً لقلوبهم وإزاحةً لهمومهم، وهذا العبد المهجور المفتون يحرم منها، ويكون كمزكوم لا يجدها ولا يهتدي إليها سبيلاً للأمراض الكامنة في قلبه المخلة بالقوى الإيمانية، يدل على هذا المعنى أنه يَّ لم يقل: لم يجد عرفها على الإطلاق، إنما قال: لم يجد عرفها يوم القيامة، وهو يوم يقوم الناس لرب العالمين، وذلك من حين يحشرون إلى حين ينتهي بهم الأمر، إما إلى الجنة وإما إلى النار، كذا قیل . ٢٢٨، ٢٢٩ - [٣١، ٣٢] (ابن مسعود، وزيد بن ثابت) قوله: (نضر الله عبداً) وفي رواية: امرءاً، و(نضر) يروى بالتحفيف والتشديد، فروى أبو عبيد بالتخفيف، وقال: هو لازم ومتعد، ورواه الأصمعي بالتشديد، وقال: المخفف لازم، والمشدد للتعدية، وعلى الأول للتكثير والمبالغة، والنضرة والنضارة في الأصل حسن الوجه والبريق كقوله تعالى: ﴿تَعْرِفُ فِ وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطففين: ٢٤]، وقوله سبحانه: ﴿وَقَّهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ [الإنسان: ١١]، أي: نضرة في الوجه وسروراً في القلب، والمراد ٥٦٤ (٢) كتاب العلم فَحَفِظَهَا وَوَعَاهَا وَأَذَّاهَا، فَرُبَّ حَامِلٍ فِقْهٍ غَيْرٍ فَقِهٍ، وَرُتَّ حَامِلٍ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ. ههنا حسن خلقه ورفعة قدره وعلو منزلته في الدنيا والآخرة، أي: خصه الله بالبهجة والسرور والشرف والقدر؛ لأنه سعى في نضارة العلم وتجديد السنة ورفع قدر العلم ومنزلته، وكفى باعثاً على طلب الحديث وحفظه وتبليغه فائدة وغناء في الدارين أن يستفاد بركة هذا الدعاء المبارك من رسول الله وَله، رزقنا الله. وقوله: (فحفظها ووعاها) في (القاموس)(١): وعاه يعيه: حفظه وجمعه، كأوعاه فيهما، وقال الطيبي(٢): يقال: وعى كلاماً إذا حفظه ودام على حفظه ولم ينسه، انتهى. قيل: وذلك بالتكرار والتذكار، وقيل: بالرواية والتبليغ فيكون عطف (وأدّها) عليه قريباً من عطف تفسيري . وقوله: (فرب حامل فقه غير فقيه) ورب في أصل وضعه للتقليل، وكثر استعماله للتكثير، وهو المناسب ههنا، وغير فقيه صفة لحامل فقه. وقوله: (ورب حامل فقه إلى من هو أفقه) أي: حامل فقه فقيه أداه إلى من هو أفقه ليفيد ما لا يفقهه الحامل، والفعل المتعلق به (رب) يكون محذوفاً في الأكثر، أي: وجدته وأدركته ونحوهما، وفيه ترغيب وتحريض على رواية الحديث باللفظ، وقد جوز الرواية بالمعنى، والمختار أن العزيمة هو النقل باللفظ، والنقل بالمعنى رخصة؛ لأن لكل لفظ خصوصية ليس في الآخر وإن كان يرادفه في أصل المعنى، ولكل كلمة مع صاحبتها مقام ليس لها مع غيرها، لا سيما في كلام من هو أفصح (١) ((القاموس)) (ص: ١٢٣٢). (٢) ((شرح الطيبي)) (١ / ٣٨٤). ٥٦٥ (٢) كتاب العلم ثَلاَثٌ لاَ يَغِلُّ. الفصحاء، ويختلف المراد بوضعها مقامها، وله أمثلة كثيرة ذكر الطيبي بعضاً منها، فالاحتياط في نقل كلامه أن يروى كما هو، وذلك ظاهر، لكن قد شاع بينهم الرواية بالمعنى، وذلك من العارف بالعربية والحاذق فيها . وفي (سنن الدارمي)(١) عن واثلة بن الأسقع قال: إذا حدثناكم بالحديث على معناه فحسبكم، وعن جرير بن حزم قال: كان الحسن يحدث بالحديث، الأصلُ واحدٌ والكلامُ مختلفٌ. وبالجملة قد اختلفوا في الرواية بالمعنى، والأكثر على الجواز، ومن أقوى حججهم الإجماع على جواز شرح الشريعة للعجم بلسانهم للعارف به وإن لم يكن هناك ضرورة؛ فإذا جاز الإبدال بلغة أخرى فجوازه باللغة العربية أولى، وقيل: إنما يجوز في المفردات دون المركبات، وقيل: إنما يجوز لمن يستحضر اللفظ ليتمكن من التصرف فيه، وقيل: إنما يجوز لمن كان يحفظ الحديث فنسي لفظه وبقي معناه مرتسماً في ذهنه، فله أن يرويه بالمعنى لمصلحة تحصيل الحكم بخلاف من كان مستحضراً للفظه، هذا كلام الشيخ في (شرح النخبة)(٢)، وهذا الخلاف في الجواز وعدم الجواز، وأما أولوية الرواية باللفظ فمتفق عليه، ومع ذلك الرواية بالمعنى قد كثر وقوعها من الأئمة، فرب حديث من أصحاب الكتب وغيرهم مروي في كتبهم والألفاظ مختلفة، وذلك أكثر من أن يحصى. وقوله: (ثلاث لا يغل) روي هذا اللفظ بوجوه: أحدها: (لا يغل) بفتح الياء (١) ((سنن الدارمي)) (ح: ٣٢١ -٣٢٣). (٢) ((نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر)) (ص: ٢٥). ٥٦٦ (٢) كتاب العلم وكسر الغين من الغل بالكسر بمعنى الغش والضغن، وثانيها: بضم الياء وكسر الغين من الإغلال بمعنى الخيانة أو السرقة الخفية، وثالثها: بفتح وضم من الغلول(١)، قال التُّورِبِشْتِي(٢): لا معنى له ههنا لأن الغلول السرقة والخيانة من المغنم خاصة، انتهى. ولا يذهب عليك أنه لو صحت الرواية لجاز حمله على مطلق الخيانة إطلاقاً للفظ الخاص على العام، على أن صاحب (القاموس)(٣) جعله بمعنى مطلق الخيانة أيضاً، حيث قال: الغلول: الخيانة، غل غلولاً: خان كأغل، أو خاص بالفيء، وقال القاضي عياض في (المشارق)(٤) في قوله: نهى عن الغلول، ولا تقبل صدقة من غلول، [وأنه قد غل]، ولا تغلو، كله من الخيانة، وكل خيانة غلول، لكنه صار في عرف الشرع لخيانة المغانم خاصة، يقال منه: غل وأغل، انتهى. فلو حمل على المعنى الأصلي اللغوي لم يبعد، ويحتمل أن العرف حصل بعد ورود هذا الحديث؛ لأن الترغيب في التعلم مقدم في الإسلام، والمغانم وأحكامها حصلت بعد ذلك بشرعية الجهاد والقتال، والله أعلم. نعم القاضي لم يذكر رواية الفتح مع الضم في الحديث، واقتصر على الروايتين الأوليين، وذلك شيء آخر، لكن عند من ثبت هذه الرواية فله وجه قطعاً. ورابعها: (لا يغل) بالفتح والكسر مع تخفيف اللام من الوغول بمعنى الدخول، (١) سمي بالغلول لأن الأيدي فيها مغلولة أي ممنوعة ومجعول فيها الغل بمعنى الحديدة التي تجمع ید الأسير إلى عنقه. ((مجمع)) (٤ / ٦٠). (٢) ((كتاب الميسر)) (١ / ١٠٨). (٣) ((القاموس)) (ص: ٩٥٧). (٤) ((مشارق الأنوار)) (٢ / ٢٢٢). ٥٦٧ (٢) كتاب العلم عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُسْلِمٍ: إِخْلاَصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ، وَالنَّصِيحَةُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلُزُومُ جَمَاعَتِهِمْ، فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ مَنْ وَرَاءَهُمْ)). رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي ((الْمَدْخَلِ))(١). [منسد الشافعي: ١٢٠٨، الرسالة: ١١٠٢]. قال القاضي عياض: وذكر عن حماد بن سلمة أنه كان يرويه (يغل) بتخفيف اللام من وغل يغل وغولاً، يقال: وغل الرجل إذا دخل في الشجر وتوارى فيه، وهذه الرواية أيضاً بعيدة باعتبار هذه الخصوصية في مفهوم الوغول، إلا أن يراد به مطلق الدخول، وقد يفهم من بعض الكتب أنه بمعنى الدخول في شيء، فلا استبعاد. إذا عرفت هذا فاعلم أن معنى الحديث أن المؤمن لا يغل ولا يغش ولا يخون، ولا يدخل في قلبه ميل وزيغ كائناً على هذه الخصال الثلاث، والمراد أن هذه تستصلح بها القلوب، فمن تمسك بها طهر قلبه من الدغل والخيانة والشر. و(عليهن) حال، أي: لا يغل قلب مؤمن كائناً عليها، قدمت لكون ذي الحال نكرة، ثم بين الخصال الثلاث، فأحدها: (إخلاص العمل لله) بأن يكون خالصاً له تعالى، لا يشوبه غرض ولا عوض، وشرحه يطلب من كلام السادة الصوفية قدس الله أسرارهم، وثانيها: (النصيحة للمسلمين) عامتهم وخاصتهم وإرادة الخير لهم، وبيانه في شرح قوله وَّر: (الدين النصحية)، وثالثها: لزوم جماعة المسلمين وعدم النفور والخروج والبعد عنها . وقوله: (فإن دعوتهم) الظاهر أنه تعليل لالتزام جماعة المسلمين. وقوله: (من وراءهم) بفتح (من) موصولة، وفي بعض النسخ (مِن) بكسرها، والأول هو الأصوب رواية، والمعنى أن دعاء الجماعة قد أحاطت بهم وبمن وراءهم، (١) وَهِمَ في عدم عزوه لأصحاب السنن، فقد رواه الترمذي (ح: ٢٦٥٨). ٥٦٨ (٢) كتاب العلم ٢٢٩ - [٣٢] وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، إِلاَّ أَنَّ التِّرْمِذِيَّ وَأَبَا دَاوُدَ لَمْ يَذْكُرًا: (ثَلاَثٌ لاَ يَغِلُّ عَلَيْهِنَّ)) إِلَى آخِرِهِ. [حم: ٥/ ١٨٣، ت: ٢٦٥٦، د: ٣٦٦، دي: ١ / ٧٥]. ٢٣٠ _ [٣٣] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَهِ يَقُولُ: (نَضَّرَ اللهُ امْرَأَ سَمِعَ مِنَّا شَيْئاً فَبَلَّغَهُ. والوراء بالمد بمعنى خلف وقدام وهو من الأضداد، فلا يكاد الشيطان ينتهز منهم فرصة بطريق الحقد والخيانة وغيرهما من المعاصي والمهالك، ويحتمل أن يكون المراد أنه من دخل في جماعتهم بالاعتقاد لا يحمله الغل على مفارقتهم، فإن الله يكلؤه ويمنعه عن مفارقتهم لإحاطة الدعوة، ويجوز أن يكون تعليلاً لقوله: لا يغل، والأول هو الأظهر، وقالوا: وجه مناسبة هذا الكلام يسابقه أنه تمّ لما حث على أداء ما سمع منه أشار إلى ما يؤيده ويقرره ويبعثه عليه، وهي هذه الخصال الثلاث؛ فإنه لو لم يخلص عمله لله ولم ينصح المسلمين ولم يلزم جماعتهم لا يحصل الأداء أو لا يتم. وقال الطيبي(١) ما حاصله: أن الكلام السابق وهو الترغيب والتحريض على أداء ما سمع توطية وتمهيد لهذه الخصال، وهي التي استوصى في حقها أن يبلغ ويؤدي لأنها جامعة بين التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله، وبها تمام الدين وكماله، هذا، والظاهر أن السابق عام، فالأظهر ما ذكره الشارحون، والله أعلم. ٢٣٠، ٢٣١ - [٣٣، ٣٤] (ابن مسعود، وأبو الدرداء) قوله: (من سمع منا) لفظ الجمع للتعظيم على ما يقتضيه المقام، ويحتمل أنه يميل أشار بأن حكم أصحابي وخلفائي كذلك، والله أعلم. (١) ((شرح الطيبي)) (١ / ٣٨٥). ٥٦٩ (٢) كتاب العلم كَمَا سَمِعَهُ، فَرُبَّ مُبَلَّغِ أَوْعَى لَهُ مِنْ سَامِعِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٢٦٥٧، جه: ٢٣٢]. ٢٣١ - [٣٤] وَرَوَاهُ الدَّارِمِيُّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ. [دي: ١ /٧٥ -٧٦]. ٢٣٢ - [٣٥] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: («اتَّقُوا الْحَدِيثَ عَنِّي إِلَّ مَا عَلِمْتُمْ، فَمَنْ كَذَبَ عَلََّّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأْ مَفْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٩٥١]. ٢٣٣ - [٣٦] وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَجَابِرٍ وَلَمْ يَذْكُرِ: (اتَّقُوا الْحَدِيثَ عَنِّي. وقوله: (كما سمعه) هذا أصرح مما سبق في محافظة الرواية باللفظ، وهو إما حال أو مفعول مطلق، و(ما) موصولة أو مصدرية. وقوله: (فرب مبلغ) بفتح اللام المشددة أي المبلغ إليه، (أوعى) قد علم أن معناه الحفظ وإبقاؤه، والمراد ههنا أعلم وأفقه، وقال الكرماني: يقال: قد أوعيت أي: فهمت، انتهى، كأنه بمعنى أكثر وعاء للعلم والفقه. وقوله: (من سامع) أي: ممن سمع مني وبلغ . ٢٣٢، ٢٣٣ - [٣٥، ٣٦] (ابن عباس، وابن مسعود وجابر) قوله: (اتقوا الحديث عني) أي رواية الحديث، أو الحديث بمعنى التحديث على أن فعيلاً قد جاء بمعنى المصدر كالنذير بمعنى الإنذار على قول صاحب (الكشاف)(١)، وعلى هذا (عن) متعلق بالحديث. (١) انظر: ((الكشاف)) (٧ / ١٠٣). ٥٧٠ (٢) كتاب العلم إِلَّ مَا عَلِمْتُمْ)). [جه: ٣٢]. ٢٣٤ - [٣٧] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((مَنْ قَالَ فِي الْقَرْآنِ بِرَأْيِهِ فَلْيَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ). وَفِي رِوَايَةٍ: ((مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَلَيَوَّأْ مَفْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٩٥٠]. وقوله: (إلا ما علمتم) أي: بالظن الغالب أنه مني لئلا تقعوا في الكذب علي، وقد سبق الكلام فيه في الفصل الأول. ٢٣٤ - [٣٧] (عنه) قوله: (من قال في القرآن برأيه) القول بالرأي ما لا يكون مؤسساً على علوم الكتاب والسنة من قواعد العربية المقررة عند الجمهور، وأصول الإسلام المسلمة عند العلماء، ثم إن كان بطريق التفسير ويعني به ما يجزم به بأنه مراد الله فلا بد فيه من النقل الصحيح من رسول الله وَ لقوله، وما يكون بطريق التأويل واحتمال أن يكون مراداً يكفي فيه التأسيس على قواعد العربية وأصول الدين، وبدون ذلك لا يجوز التكلم به لا تفسيراً ولا تأويلاً، وهذا هو الضابط، وقد يراد بالتفسير بالرأي أي: يكون له رأي وميل من طبعه وهواه، فيأوله على وفق رأيه، ويصرفه إلى ما اعتقد من مذهبه وإن لم تكن الآية واردة فيه، ولو لم يكن له ذلك الرأى بالاعتقاد لما لاح له ذلك، وأما ما يذكره الصوفية من أهل الإشارات والوعّاظ في المقاصد الصحيحة فذلك شيء آخر، وقد منعه بعض الفقهاء وشدّد في ذلك. وقال آخرون: هم أخطؤوا في الدليل لا في المدلول، وهم لا يدعون الجزم بذلك، بل إشارات تلوح على سرائرهم، وقال حجة الإسلام: الطامات، وهي صرف ألفاظ الشرع من ظواهرها إلى أمور لم يسبق منها إلى الأفهام، كدأب الباطنية من قبيل البدعة المنهية عنها، وبالجملة الأمر في تفسير القرآن خطير يجب الاحتياط فيه ٥٧١ (٢) كتاب العلم ٢٣٥ - [٣٨] وَعَنْ جُنْدُبِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَأَصَابَ فقد أَخْطَأَ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٢٩٥٢، د : ٣٦٥٢]. ٢٣٦ - [٣٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَِّ: ((الْمِرَاءُ فِي الْقُرْآنِ كُفْرٌ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٢/ ٢٨٦، ٣٠٠، د: ٤٦٠٣]. والإمساك عما توقع في الخطر، والكلام فيه كثير، وقد استقصاه السيوطي في كتاب (الإتقان)(١). ٢٣٥ - [٣٨] (جندب) قوله: (فأصاب) فأخطأ على عكس ما قالوا في المجتهد: إنه وإن أخطأ فقد أصاب؛ بمعنى نيل الأجر والثوب. ٢٣٦ - [٣٩] (أبو هريرة) قوله: (المراء في القرآن كفر) قد عرفت معنى المراء في حديث كعب بن مالك في هذا الفصل، وقيل: المراد بالمراء ههنا الشك كما قال الله تعالى: ﴿فَلاَتَكُ فِى مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ [هود: ١٧]، أي شك، كذا في بعض الشروح، ولا شك أن الكفر على هذا المعنى يكون على ظاهره، ولكن الظاهر من سوق الأحاديث التشديد والتغليظ فيما لا ينبغي أن يفعل ويفضي إلى الكفر، وأما إنكار القرآن والشك في قرآنيته فظاهر معلوم بالضرورة من الدين أنه كفر، والله أعلم. وقيل: المراد المجادلة فيما فيه من الأحكام؛ فإنه ربما يفضي إلى الكفر إذا عاند صاحب الحق، وقيل: الجدال المشكك في الآي المتشابهة المؤدي إلى الجحود، فسماه كفراً باسم ما يخشى عاقبته، وقد يراد إنكار بعض القراءات المروية بالشهرة. وبالجملة البحث والجدال لا على سبيل الحق وطلبه، وعدم التفويض إلى مراد (١) انظر: ((الاتقان)) (١/ ٣٣٢ - ٣٣٤). ٥٧٢ (٢) كتاب العلم ٢٣٧ - [٤٠] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: سَمِعَ النَّبِيُّ ◌َِّ قَوْماً يَتَدَارَؤُونَ فِي الْقُرْآنِ فَقَالَ: (إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِهَذَا: ضَرَبُوا كِتَابَ اللهِ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، وَإِنَّمَا نَزَلَ كِتَابُ اللهِ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضاً، فَلاَ تُكَذِّبُوا بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، فَمَا عَلِمْتُمْ مِنْهُ فَقُولُوا، وَمَا جَهِلْتُمْ فَكِلُوهُ إِلَى عَالِمِهِ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٢/ ١٨٥، ١٩٥، ١٩٦، جه: ٨٥]. الله ورسوله، وعدم الاحتياط في ذلك حرام منهي عنه، وأما على وجه الشك والإنكار فکفر بلا شبهة. ٢٣٧ - [٤٠] (عمرو بن شعيب) قوله: (يتدارؤون في القرآن) أي: يتدافعون ویجادلون فیه على نحو ما مرّ. وقوله: (ضربوا كتاب الله بعضه ببعض) وقالوا: هذا يناقض ذلك ويخالفه قدحاً وطعناً، وهذا مما يستغرب من الصحابة، ولعله كان فيما بينهم من بعض المنافقين قصداً إلى التشكيك والإفساد، والله أعلم. وقال التُّورِبِشْتِي(١): خلطوا بعضه ببعض فلم يميزوا بين المحكم والمتشابه، والمجمل والمبين، والناسخ والمنسوخ، من قولهم: ضربت اللبن بعضه ببعض، أي: خلطته، والظاهر أن المراد المجادلة والمنازعة، فشبه وَّ حالهم بحال من كان قبلهم من المتشككين تشديداً وتغليظاً . وقوله: (فكلوه إلى عالمه) وهو الله ورسوله كما أشير إليه بقوله تعالى: ﴿فَإِن، تَعْنُمْ فِى شَىْءٍ فَرُدُوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، وقيل: من يعرفه من أهل العلم الراسخ في علمه، والله أعلم. (١) (كتاب الميسر)) (١/ ١١٠). ٥٧٣ (٢) كتاب العلم ٢٣٨ - [٤١] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: «أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ . ٢٣٨ - [٤١] (ابن مسعود) قوله: (أنزل القرآن على سبعة أحرف) وقد جاء في رواية: (نزل القرآن على سبعة أحرف كلها كاف شاف)(١)، قيل: المراد بسبعة أحرف سبع لغات للعرب مشهور لها بالفصاحة، فإن حرف الشيء: طرفه، ولهذا سميت حروف التهجي لأنها أطراف الكلم، وهذه سبع أطراف اللغات، وهي لغة قريش وطيء وهوازن وأهل اليمن وثقيف وهذيل وبني تميم، فإن القرآن نزل أولاً بلغة قريش، ولما شق على كل العرب القراءة بلغتهم رخص في ذلك، وكان ذلك بسؤال منه وَله ربه څ، کما ورد في حديث أبي بن كعب. وقد أورده التُّورِبِشْتِي(٢) في شرحه، وكانوا يقرؤنه على اللغات المختلفة المذكورة كما يشتهي كل أحد إلى إمارة عثمان ظه، فلما كتب المصاحف وأرسل النسخ إلى بلاد الإسلام جمع الناس على لغة قريش بعد ما جمعه زيد بن ثابت بأمر أبي بكر واستصواب عمر عليها بمجموع اللغات، وأمر عثمان بمحو ما عداه رفعاً للخلاف الذي وقع في الناس بإنكار بعضهم قراءة بعض، وتكفير كل من الفريقين الآخر، ولم يبق من الحروف المختلف فيها على نهج التواتر إلا شيء يسير، وبقي المختلف فيه من الإدغام والإمالة والوقف وغير ذلك من القسم المشترك الذي اشتهر عند القراء السبع الاتصال سنده على أصله مقروءاً به، وما عدا ذلك فإنه متروك لا يقرأ به ولا يحتج به لفقد الضرورة التي دعت إليه في أول الوهلة، ثم لسقوط الرواية عنه وانعدام التواتر (١) أخرجه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) (رقم: ٣٠١١٨)، وفيه: ((كلٌّ كافٍ شافٍ)). (٢) ((كتاب الميسر)) (١ / ١١١). ٥٧٤ (٢) كتاب العلم لِكُلِّ آيَةٍ مِنْهَا ظَهْرٌ وَبَطْزٌ، فيه، وهذه العلة هي التي تعتمد في ترك القراءات التي تخالف نظم المصحف المجمع عليه، وهذا القول المعتمد عليه الذي أكثر الشارحين. وقيل: المراد بها القراءات السبع، فإنها كلها متواترة ثبت إنزالها، وقراءتها تترتب على كل واحدة منها أحكام التلاوة من جواز الصلاة بها وحرمة مس المصحف الجنب والمحدث إياها. وقد زيدت قراءة يعقوب فصارت ثمانية، وقد تدعى العشر أنها متواترة، والقول المختار الذي عليه الجمهور هو الأول، وقد استوفى الكلام فيه السيوطي في (الإتقان) (١) فلينظر ثمة. وقيل: معناه أنزل مشتملاً على سبعة معان: الأمر والنهي والقصص والأمثال والوعظ والوعد والوعيد، وقيل: المعاني السبعة: العقائد والأحكام والأخلاق والقصص والأمثال والوعد والوعيد، وقد يقال: المراد بلفظ السبعة التوسعة والكثرة لا العدد المخصوص كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَالْبَحْرُ يَمُذُّهُ مِنْ بَعْدِهِ، سَبْعَةُ أَنْجُرٍ﴾ [لقمان: ٢٧]، قال التُّورِبِشْتِي (٢): والعرب تضع السبع موضع الأعداد التامة؛ لأنها قواعد الزمان والمكان . وقوله: (لكل آية منها) أي: من سبعة أحرف التي أنزل القرآن عليه، وفي بعض النسخ: (لكل آية منه) فالضمير للقرآن. وقوله: (ظهر وبطن) قيل: الظهر ما ظهر من معناه ويفهمه أهل اللسان جميعاً، والبطن ما خفي منه، ويكون بينه وبين عباده المصطفين، وقيل: الظهر ما بينه التفسير، (١) ((اتقان)) (١/ ٣٩). (٢) ((كتاب الميسر)) (١/ ١١١). ٥٧٥ (٢) كتاب العلم وَلِكُلِّ حَدِّ مُطَّلَعٌ)). رَوَاهُ فِي ((شَرْحِ السُّنَّةِ) [٤٠/١]. والبطن ما يستكشفه التأويل، والتفسير ما يتعلق بالرواية، والتأويل ما يتعلق بالدراية، وقيل: الظهر الإيمان به، والبطن العمل به، وقيل: الظهر القراءة والتلاوة، والبطن التفهم والتدبر، وقيل: ظهرها لفظها، وبطنها معناها، وقيل: قصصه في الظاهر أخبار، وفي الباطن اعتبار. وقوله: (ولكل حد) أي: لكل حد وطرف ونهاية من الظهر والبطن . وقوله: (مطّلع) بضم ميم وتشديد طاء وفتح لام، أي: مصعد، أي: موضع صعود يطلع عليه بالترقي إليه، والمطلع مكان إطلاع من موضع عال، يقال: مطلع هذا الجبل من مكان كذا، أي: مأتاه ومصعده، فمطلع الظهر تعلم العربية والعلوم التي تتعلق به ومعرفة أسباب النزول والناسخ والمنسوخ وأمثال ذلك، ومطلع البطن تزكية النفس وتصفية القلب بالرياضة واتباع الظاهر والعمل بمقتضاه. وقال التُّورِبِشْتِي(١): المراد بالحد ما شرع الله لعباده من الأحكام، قال الله تعالى: ﴿وَأَجْدَرُ أَلَّ يَعْلَمُوْحُدُودَ مَا أَنَزَّلَ اَللَّهُ عَلَى رَسُولِهٍ ﴾ [التوبة: ٩٧]، أي: أحكام، فالمعنى: لكل حد من حدود الله وأحكامه التي شرع لعباده من الدين موضع اطلاع من القرآن، فمن وفق أن يرتقي ذلك المرتقى اطلع منه على الحد الذي يتعلق بذلك المطلع، وكان رسول الله و لر هو الذي رزق الارتقاء إلى مطلع كل حد من القرآن. وقد قال بعض العلماء: إن عامة سنن الرسول ولو راجعة إلى القرآن، والعلماء في ذلك على طبقاتهم ومنازلهم، وكان يّ يدرك من معاني الوحي ما لا يبلغه فهم غيره، انتھی. (١) (كتاب الميسر)) (١ / ١١٥). ٥٧٦ (٢) كتاب العلم ٢٣٩ - [٤٢] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((الْعِلْمُ ثَلاَثَةٌ : آيَةٌ مُحْكَمَةٌ، أَوْ سُنَّةٌ قَائِمَةٌ، وقيل: الحد: الفرائض والأحكام، والمطلع: الثواب والعقاب، وقيل: أي: لكل حرف حد في التلاوة كالمصحف الإمام لا يتجاوز، وفي التفسير كالمسموع لا يتجاوز، وقيل: المطلع: الفهم الموصل إلى التدبر من التأويل والمعاني، وقيل : معناه: أن لكل حد منتهكاً ينتهكه ويرتكبه، أي: إن الله لم يحرم حرفه إلا علم أن سيطلعها متطلع، وهذه المعاني أكثرها ضعيفة نازلة بعيدة خصوصاً المعنى الأخير، والذي ذكره الجمهور هو الأول، وما ذكر التُّورِبِشْتِي معنى صحيح متين كما لا يخفى، والله أعلم بالصواب. ٢٣٩ - [٤٢] (عبدالله بن عمرو) قوله: (العلم ثلاثة) أي: علم الدين والشريعة وهو العلم النافع المراد بقوله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونٌ ﴾ [الزمر: ٩]، والمطلوب زيادته لقوله تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] بمراتبه ودرجاته، وأما ما سواه فمستعاذ منه بقوله ◌َّير: (أعوذ بك من علم لا ينفع وقلب لا يخشع) كالفلسفيات ونحوها، أعاذ الله المؤمنين من ذلك. وقوله: (آية محكمة)(١) إشارة إلى الكتاب، وإنما خص بالآية المحكمة لأنها أم الكتاب وأصله حفظت من الاحتمال والاشتباه، ويحمل ما سواها من المتشابهات عليها، ولا بد في ذلك من علوم هي مباديها، والمراد بـ (السنة القائمة)(٢) الثابتة بحفظ (١) قال القاري: أَيْ: غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ أَوْ مَا لاَ يَحْتَمِلُ إِلاَّ تَأْوِيلاً وَاحِداً. ((مرقاة المفاتيح)) (١/ ٣١٧). (٢) قال القاري: أَيْ: ثَابِتَةٌ صَحِيحَةٌ مَنْقُولَةٌ عَنْ رَسُولِ اللهِّهَ مَعْمُولٌ بِهَا. ((مرقاة المفاتيح)) (١/ ٣١٧). ٥٧٧ (٢) كتاب العلم أَوْ فَرِيضَةٌ عَادِلَةٌ، وَمَا كَانَ سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ فَضْلٌ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٢٨٨٥، جه: ٥٤]. متونها وأسانيدها. وقوله: (فريضة عادلة) إشارة إلى الإجماع والقياس لأنهما يعدلان الكتاب والسنة مساويتان لهما للاستثناء والاستنباط منهما، وسميا بالفريضة للإشارة إلى أن العمل بها فرض وواجب كما بالكتاب والسنة، فصار الحاصل أن أدلة الشرع أربعة : الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وأما حمل الفريضة العادلة على سهام الفرائض المذكورة في الكتاب والسنة برعاية العدالة في قسمتها فلا يناسب تخصيصها المقام، إلا أن يكون أيضاً إشارة إلى الاهتمام بها، كما قيل في تسميتها بنصف العلم، والوجه هو الأول كما لا يخفى، وما قيل: إن المراد بالفريضة العادلة ما اتفق عليه المسلمون، فهو أيضاً إشارة إلى الإجماع والقياس. وقوله: (ما كان سوى ذلك فهو فضل) في (القاموس) (١): الفضل: ضد النقص، والجمع فضول، والفضيلة: الدرجة الرفيعة في الفضل، والفضولي بالضم المشتغل بما لا يعنيه، انتهى. وتحقيقه كما حكاه الطيبي (٢) من (المغرب) أن الفضل: الزيادة، وقد غلب جمعه يعني الفضول على ما لا خير فيه، ثم قيل لمن يشتغل بما لا يعنيه: فضولي، وقد وقع في عبارة (إحياء العلوم) الفضل في مثل هذا المقام بمعنى زيادة الفضيلة في العلم، وذلك أنه قسم العلم إلى ما هو فرض عين وفرض كفاية، وعين القدر الضروري والحاجي منه، ثم قال: وأما إحاطة أقسام العلوم والتبحر فذلك فضل (١) ((القاموس)) (ص: ٩٦١). (٢) انظر: ((شرح الطيبي)) (١/ ٣٩٦). ٥٧٨ (٢) كتاب العلم ٢٤٠ - [٤٣] وَعَن عَوْفٍ بْنِ مَالِكِ الأَشْجَعِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لاَ يَقُصُّ إِلاَّ أَمِيرٌ أَوْ مَأْمُورٌ أَو مُخْتَالٌ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٦٦٥]. ٢٤١ - [٤٤] وَرَوَاهُ الدَّارِمِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِهِ عَنْ جَدِّهِ، وَفِي رِوَايَتِه: ((أَوْ مِرَاءٌ)) بدل ((أَو مُخْتَالٌ)). [دي: ٣١٩/٢]. أي: زيادة فضيلة، ومع ذلك يجب أن لا يكون من العلوم البدعية المحرمة، وأما سوق الحديث فليس في ذلك، بل المراد منه أن علم الدين هو الكتاب والسنة وما استنبط منهما، ويشمل هذا على كل ما يتعلق بها من غير اقتصار على قدر الكفاية، وما سوى ذلك فضول، وقد اتفق الشراح على تفسيره بما لا يعنيه، وهو الأنسب بالمقام. ٢٤٠، ٢٤١ - [٤٣، ٤٤] (عوف بن مالك الأشجعي، وعمرو بن شعيب) قوله: (لا يقص إلا أمير أو مأمور أو مختال) في (القاموس)(١): قَصَّ الخبر: أعلمه، و﴿ نَحْنُ نَقُصُ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف: ٣]: نبين لك أحسن البيان، والقاص من يأتي بالقصة، وفي (مجمع البحار)(٢): قصصت الرؤيا عليه إذا أخبرته بها، والقص البيان، والقاص من يأتي بالقصة على وجهها، كأنه تتبع وتبين معانيها وألفاظها، وقال: القص: التحدث بالقصص، ويستعمل في الوعظ، يريد أن الواعظ للناس إما الأمير يعظ الناس ويخبرهم بما مضى ليعتبروا به، أو مأمور به يأمره الأمير مأذون من عنده، فحكمه حكم الأمير، ويجوز لهما الوعظ للناس، أو يكون القاص مختالاً يفعل تكبراً على الناس وطلباً للرياسة واتباعاً للهوى، والمختال المتكبر المعجب بنفسه يرائي الناس بقوله وعمله، ففيه زجر عن القص والوعظ بغير إذن الإمام، وذلك لأن الإمام أعرف (١) ((القاموس)) (ص: ٥٧٩). (٢) ((مجمع بحار الأنوار)) (٤ / ٢٨٥). ٥٧٩ (٢) كتاب العلم ٢٤٢ - [٤٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((مَنْ أَفْتِيَ بِغَيْرِ عِلْمٍ كَانَ إِثْمُهُ عَلَى مَنْ أَفْتَاهُ، بمصالح الرعية، فلينظر في العلماء من رأى فيه العلم والديانة وترك الطمع وحسن العقيدة وصدق الحال يأذن له أن يعظ الناس، ومن لم ير فيه هذه الصفات لم يأذن له لئلا يوقع الناس في الفتنة من البدعة والجهل. أقول: ويستنبط منه أن التصدر للوعظ والإرشاد مما لا ينبغي إلا بإذن المشايخ وإجازتهم واستخلافهم، كما يفعله المتشيخة من أهل الجهل والهوى، نسأل الله العافية . وقال التُّورِبِشْتِي(١): قال بعض العلماء: هذا في الخطبة؛ لأن الأمر فيها إلى الأمراء أو إلى من يتولاها من قبلهم، وذكر في بعض الشروح: (محتال) بالحاء المهملة من الحيلة أو الخاء المعجمة من الاختيال أي التكبر، وقال في (شرح السنة): بالمهملة أصح، وقال: وهکذا قیدناه من شيوخنا. ٢٤٢ - [٤٥] (أبو هريرة) قوله: (من أَفَتَى) في (القاموس)(٢): أفتاه في الأمر: أبانه له، والفتيا والفُتوى وتفتح: ما أفتى به الفقيه، ونقل الطيبي(٣) في معنى الحديث أن (أفتى) الثاني بمعنى استفتى أي: كان إثمه على من استفتاه، فإنه جعله في معرض الإفتاء بغير علم، ويجوز أن يكون (أفتى) الأول مجهولاً أي الإثم على المفتي دون المستفتي، انتهى. وفي الوجه الأول شيئان: أحدهما: حمل (أفتى) على استفتى، (١) ((كتاب الميسر)) (١/ ١١٧). (٢) ((القاموس)) (ص: ١٢١٢). (٣) ((شرح الطيبي)) (١ / ٢٩٧). ٥٨٠ (٢) كتاب العلم وَمَنْ أَشَارَ عَلَى أَخِيهِ بِأَمْرٍ يَعْلَمُ أَنَّ الرُّشْدَ فِي غَيْرِهِ فَقَدْ خَانَه)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د : ٣٦٥٧]. ٢٤٣ - [٤٦] وَعَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَ لَهَ نَهَى عَنِ الأُغْلُوطَاتِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٦٥٦]. ولا يوجد ذلك في كتب اللغة، والثاني: لا بد من الحمل على أنه استفتى مع الوقوف على جهلة مع وجود العلماء، وإلا كيف يكون الإثم عليه مع أن الخيانة إنما وقعت من المفتي لإفتائه من غیر علم كما لا يخفى. وقوله: (من أشار على أخيه بأمر) في (القاموس)(١): أشار عليه بكذا: أمره، أي: من استشار أحداً في أمر وسأله كيف أفعل؟ فأشار المستشار فيه بأمر، وهو يعلم أن المصلحة في غيره فقد خانه. ٢٤٣ - [٤٦] (معاوية) قوله: (نهى عن الأغلوطات) في (القاموس)(٢): الغلط محركة: أن تعيا بالشيء فلا تعرِف وجه الصواب فيه، والغلوطة كصبورة، والأغلوطة بالضم، والمغلطة: الكلام يغلط فيه، ويغالط به . وفي (مجمع البحار)(٣): نهى عن الغلوطات، ويروى: عن الأغلوطات، والأول محذوف الهمزة كجاء الأحمر، وجاء الْحُمْرُ، وغلط من قال: [إنها] جمع غلوطة، أي: يغلط فيها كشاة حلوب، وإذا جعلتها اسماً قلت: غلوطة بالتاء كحدوبة، وأراد مسائل يغالط بها العلماء ليزِلَّوا فيهيج به شر وفتنة، ونهى عنها لأنها غير نافعة في الدين، (١) ((القاموس)) (ص: ٣٩٢). (٢) ((القاموس)) (ص: ٦٢٦). (٣) ((مجمع بحار الأنوار)) (٤ / ٥٦).